تسجيل الدخول

الشرح المختصر على كتاب التمييز للإمام مسلم (كاملاً)

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. اللهم لك الحمد لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد. أما بعد، فمرحبا بكم في أول درس من دروس التعليق على كتاب التمييز للإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى. وكتاب التمييز كتاب مشهور جدا لهذا الإمام العظيم، وربما يأتي في الشهرة بعد كتابه الصحيح. كتاب الإمام مسلم التمييز هو في علم العلل، وهو كتاب يجمع بين القواعد النظرية وبين التطبيقات العملية. وهذه السمة، أعني الجمع بين القواعد النظرية والتطبيقات العملية، هي سمة بارزة في كتابات المتقدمين من المحدثين. فلا تكاد تجد كتابا للمتقدمين من المحدثين ينفرد بذكر القواعد النظرية دون الأمثلة العملية والتطبيقات العملية، بل في كثير من الأحيان نجد أن التطبيقات العملية تغلب على القواعد النظرية في كتبهم وفي ما جمعوا وألفوا.

ولتأليف هذا الكتاب سبب، وهو أن رجلا أرسل إلى الإمام مسلم يخبره بأن أقواما ينكرون تجريح المحدثين للرواة وتعديلهم إياهم. طبعا الاستنكار هو للجرح من جهة نسبة هذا التجريح إلى الغيبة، وكذلك رأوا أن أحكام المحدثين على الروايات أو على كثير من الروايات بقولهم هذه رواية خطأ، هذه رواية فيها وهم، هذه رواية منكرة مع أن رواتها قد يكونون من الثقات؛ فرأوا أن هذه الأحكام من المحدثين هي نوع من الظن ونوع من التخرص الذي لم يبن على علم، وأنه نوع من ادعاء علم الغيب. فهذان إشكالان كانا منتشرين في البيئة التي أرسل منها هذا الرجل سؤاله، ويبدو أن الإشكال الأول كان معروفا في تلك المرحلة، يعني مثلا الإمام الترمذي رحمه الله في كتابه العلل الصغير ذكر ما يرد على هذا الإشكال، فيبدو أن توارد الإمام الترمذي والإمام مسلم على رد هذا الإشكال يعني يبدو أن هذه القضية كانت منتشرة في تلك المرحلة.

دعونا نستعرض الآن أهم ملامح الكتاب ثم نبدأ مستعينين بالله في قراءة الجزء الأول من الكتاب. الكتاب فيه مقدمة يتحدث فيها عن قاعدة أو عن مسلمة، وهي أنه لا يوجد راو من الرواة الذين نقلوا من رواة السنة إلا والخطأ وارد عليه، مهما بلغ من الثقة. وهذه مقدمة لأن الكتاب كله في سرد أخطاء الرواة والمحدثين، فالكتاب مليء بالأمثلة التي أخطأ فيها جماعة من الرواة ومن نقلة السنة والآثار. فهو قد استفتح بهذه المقدمة التي هي أنه لا يسلم راو من الخطأ وأنه لا يبرأ من أن يهم في رواية من رواياته، ثم بدأ بذكر الأسباب، ما الأسباب التي توقع الراوي في الخطأ في روايته؟ فذكر سببين أو جهتين لنقل من جهات الخطأ في نقل الأخبار. وقبل أن يذكر الأمثلة التفصيلية المتسلسلة، أراد أن يدخل بمدخل في وجوب حمل الحديث وأدائه وحفظه وتبليغه كما سمعه الراوي، فذكر مجموعة من الآثار في ذلك، سواء من الأحاديث أو من مواقف الصحابة ومن مواقف من بعدهم من العلماء.

نبدأ بمقدمة الكتاب. قال مسلم رحمه الله تعالى: بالله نستعين وبحوله نجيب ونرغب إليه في التوفيق للرشد والصواب، ولا قوة إلا بالله. أما بعد، فإنك يرحمك الله ذكرت أن قبلك قوما ينكرون قول القائل من أهل العلم إذا قال: هذا حديث كذا، والصواب ما روى فلان بخلافه، وذكرت أنه مستعظم ذلك من قول من قاله، ونسبوه إلى اغتياب الصالحين من السلف الماضين، وحتى قالوا: إن من ادعى تمييز خطأ روايتهم من صوابها متخرص بما لا علم له به ومدع علم غيب لا يوصل إليه. واعلم وفقنا الله وإياك أن لولا كثرة جهلة العوام مستنكر الحق وراميه بالجهالة لما بان فضل عالم على جاهل ولا تبين علم من جهل، ولكن الجاهل ينكر العلم لتركيب الجهل فيه، وضد العلم هو الجهل، فكل ضد ناف لضده دافع له لا محالة، فلا يهولنك استنكار الجهال وكثرة الرعاء لما خص به قوم وحرموه، فإن تعداد العلم دائر إلى معدنه والجهل واقف على أهله. وسألت أن أذكر لك في كتابي رواية أحاديث مما وهم قوم في روايتها فصارت تلك الأحاديث عند أهل العلم في عداد الغلط والخطأ.

إذا تعداد الأخطاء وذكر الروايات التي غلط فيها الرواة هذا وارد في سؤال السائل، يعني هو السائل يريد من الإمام مسلم أن يروي له أحاديث وهم أقوام في روايتها. الإمام مسلم أجابه إلى هذا المعنى، ولكن قدم لذلك بمقدمات وقواعد، قال: فصارت تلك الأحاديث عند أهل العلم في عداد الغلط والخطأ ببيان شاف أبينه لك حتى يتضح لك ولغيرك ممن سبيله طلب الصواب سبيلك، غلط من غلط وصواب من أصاب منهم فيها، وساذكر لك إن شاء الله من ذلك ما يرشدك وتهجم على أكثر مما أذكره لك في كتابي، وبالله التوفيق.

هذه يمكن أن نسميها سبب تأليف الكتاب وإشارة عامة إلى محتوياته من المؤلف نفسه، الذي هو الإمام مسلم رحمه الله تعالى. قال: وبعد، فإن الناس متباينون في حفظهم لما يحفظون وفي نقلهم لما ينقلون، فمنهم الحافظ المتقن الحفظ، المتقي لما يلزمه توقيه فيه، ومنهم المتساهل المشيب حفظه بتوهم يتوهمه، والمصيب يعني المخلط يعني الذي يخلط شيئا بآخر، ومنهم المتساهل المشيب حفظه بتوهم يتوهمه أو تلقين يلقنه من غيره فيخلطه بحفظه ثم لا يميزه عند أدائه إلى غيره، ومنهم من همته حفظ متون الأحاديث دون أسانيدها يتهاون بحفظ الأثر يخرصها من بعد فيحيلها بالتوهم على قوم غير الذين أدي إليه عنهم. وكل ما قلنا من هذا في رواية الحديث ونقال الأخبار فهو موجود مستفيض. ومع ما ذكرت لك من منازلهم في الحفظ ومراتبهم فيه، فليس من ناقل خبر وحامل أثر من السلف الماضيين إلى زماننا هذا إن كان من أحفظ الناس وأشدهم توقيا واتقانا لما يحفظ وينقل، إلا الغلط والسهو ممكن في حفظه ونقله، فكيف بمن وصفت لك ممن طريقه الغفلة والسهو له في ذلك؟ يعني يقول: ما في أحد من نقلة الأخبار إلا والسهو الغلط ممكن في حفظه ولو كان أحفظ الناس، فكيف بالذين وصفت لك اللي هو في البداية ايش قال مسلم؟ ألم يقل: منهم الحافظ المتقن ومنهم المتساهل المشيب ومنهم من همته وحفظ المتون إلى آخره، يقول: إذا كان الخطأ ممكنا في أحاديث الحفاظ المتقين فوروده وامكانه في من دونهم أولى وأحرى.

ثم أول ما أذكر لك بعد ما وصفت مما يجب عليك معرفته قبل ذكري لك ما سألت من الأحاديث، السمة التي تعرف بها خطأ المخطئ في الحديث وصواب غيره إذا أصاب فيه. فاعلم أرشدك أن الذي يدور به معرفة الخطأ في رواية ناقل الحديث إذا هم اختلفوا فيه من جهتين. الآن واضح أن محور الكتاب أو أن جمهور ما سيذكر في الكتاب هو أمثلة أخطاء، روايات وقع الخطأ فيها. ولكن يقول: قبل أن أذكر لك الأمثلة التي سألت عنها وأنا سأذكر لك ما يدور به معرفة الخطأ، يعني من أين نعرف الخطأ الذي يقع في الرواية؟ لا يمكن أن نقول هذه المقدمة الأولى بعد استفتاح الكتاب، وهناك مقدمة ثانية في ذكر الآثار والأخبار التي تحض على حفظ الحديث ونقله كما سمعت.

طيب، ما الأمران اللذان يعرف بهما خطأ الناقل في الرواية؟ يقول مسلم: أحدهما، أو الجهتان، يقول: أحدهما أن ينقل الناقل خبرا بإسناد فينسب رجلا مشهورا بنسبته في إسناد خبره خلاف نسبته التي هي نسبته، أو يسميه باسم سوى اسمه، فيكون خطأ ذلك غير خفي على أهل العلم حين يرد عليهم. كنعمان بن راشد حين حدث عن الزهري فقال: عن أبي الطفيل عمرو بن واثلة، ومعلوم عند عوام أهل العلم أن اسم أبي الطفيل عامر لا عمرو. وكما حدث مالك بن انس عن الزهري فقال: عن عباد وهو من ولد المغيرة بن شعبة، وإنما هو عباد بن زياد بن أبي سفيان، معروف النسب عند أهل النسب وليس من المغيرة بسبيل. وكرواية معمر حين قال عن عمر بن محمد بن عمر بن، وإنما هو عمر بن محمد بن جبير بن مطعم، خطأ لا شك عندنا بقريش وغيرهم ممن عرف أنسابهم ولم يكن لجبير أخ يعرف بعمرو. وكنحو ما وصفت من هذه الجهة من خطأ الأسانيد فموجود في متون الأحاديث مما يعرف خطأه السامع الفهم حين يرد على سمعه. وكذلك نحو رواية بعضهم حين صح فقال: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن التحير، أراد النجا أو النتش. وكما روى آخر فقال: إن أبغض الناس إلى الله ثلاثة ملحد في الحرفة، وكذا وكذا، أراد ملحدا في الحرم. وكرواية الآخر إذ قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتخذ الروح عرضا، أراد الروح غرضا. فهذه الجهة التي وصفنا من خطأ الإسناد ومتن الحديث هي أظهر الجهتين خطأ وعارفوه في الناس أكثر.

إذا أول الجهات هي جهة ذكر جهتين، الجهة الأولى التي يعرف بها خطأ الناقل وخطأ الراوي هي الخطأ أو الغلط في نسبة الأسماء وفي التصحيف وفي المتون، التصحيف سواء في المتون أو في الأسماء، يعني مثلا حين ذكر: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتخذ الروح عرضا، هذه في الكتابة يمكن أن تشتبه، طبعا هو أصل الحديث: أن يتخذ الروح غرضا، ففي الكتابة يمكن أن تشتبه على بعض النقلة غير المتيقظين فيخطئون في روايتها، فيحدث أحدهم فيقول: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتخذ الروح عرضا، وهي: أن يتخذ الروح غرضا. ومثل ما ذكر من الأمثلة الأخرى، وكذلك الخطأ في أسماء الرواة على التوهم، يعني ينسب فلانا إلى غير أبيه، ينسب فلانا إلى عائلة أو قبيلة ليست قبيلته، وأمثال ذلك من الأخطاء في الرواية. وذكر أن ممن أخطأ في ذلك بعض كبار المحدثين مثل الإمام مالك حين قال عن عباد إنه من ولد المغيرة بن شعبة، وهو إنما هو من ولد زياد بن أبي سفيان. مثل هذه الأخطاء هذا أمر اكتشافها أمر سهل، يعني الوقوف على الأخطاء التي هذه جهتها هذا أمر سهل ليس صعبا ولا عسرا ولا يحتاج إلى تكلف شديد من الناقد، ولذلك قال: هذه الجهة التي وصفنا من خطأ الإسناد ومتن الحديث هي أظهر الجهتين خطأ وعارفوه في الناس أكثر.

لكن الجهة الأخرى الشأن كل الشأن فيها، وميدان التدقيق والنقد والفحص والمقارنة وطول الدراسة إنما هو في الجهة الثانية وفي الجهة الأخرى. وقال: والجهة الأخرى أن يروي نفر من حفاظ الناس حديثا عن مثل الزهري أو غيره من الأئمة بإسناد واحد ومتن واحد مجتمعون على روايته في الإسناد والمتن، لا يختلفون فيه في معنى، فيرويه آخر سواهم عمن حدث عنه النفر الذين وصفناهم بعينه في الإسناد أو يقلب المتن فيجعله بخلاف ما حكى من وصفنا من الحفاظ، فيعلم حينئذ أن الصحيح من الروايتين ما حدث الجماعة من الحفاظ دون الواحد وإن كان حافظا. على هذا المذهب رأينا أهل العلم بالحديث يحكمون في الحديث، مثل شعبة وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن المهدي وغيرهم من أئمة العلم، وسنذكر من مذاهبهم وأقوالهم في حفظ الحفاظ وخطأ المحدثين في الروايات ما يستدل به على تحقيق ما فسرت لك إن شاء الله.

إذا الجهة الأخرى هي علم العلل، الجهة الأخرى هي اكتشاف الأخطاء الخفية، الجهة الأخرى هي اكتشاف أخطاء الحفاظ عن طريق المقارنة بين الروايات. أنت يأتيك حديث مسلسل بالثقات، كل من فيه ثقات، ثم بعد ذلك تجد أحد الأئمة يحكم على هذا الحديث بأنه وهم أو بأنه خطأ أو بأنه منكر، ويستبين لك بعد الدراسة أن سبب حكم الناقد عليه بالوهم أو الخطأ أو النكارة إنما هو لأجل ورود نفس الحديث عن جماعة من الثقات بخلاف السياق الذي ساقه هؤلاء الرواة في الإسناد المسلسل بالثقات. فتكون القضية عبارة عن مقارنة، عندنا حديث لثقة وعندنا نفس الحديث لمجموعة ثقات رووا نفس الحديث بسياق يختلف عن سياق هذا الثقة.

فمثلا قد يأتينا حديث يرويه مالك بن أنس وسفيان بن عيينة ومعمر بن راشد وعقيل بن خالد وشعيب بن أبي حمزة، كلهم يروونه عن الزهري، يروونه عن الزهري عن الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة، يعني حديث مرسل، الزهري تابعي من صغار التابعين لم يسمع من الرسول صلى الله عليه وسلم. وهذا حديث اجتمع الثقات عن الزهري على روايته عن شيخهم الزهري عن الرسول صلى الله عليه وسلم دون أن يذكروا واسطة بين الزهري وبين الرسول صلى الله عليه وسلم فيكون الحديث مرسلا، والمرسل من قسم الضعيف من جهة الأصل.

طيب، يأتينا يونس بن يزيد الأيلي وهو راو ثقة مخرج له في البخاري ومسلم، فيروي نفس الحديث نفس المتن عن الزهري، ويقول: حدثني الزهري عن أنس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. المتن نفس المتن، كلام الرسول صلى الله عليه وسلم نفس الكلام، ما الخلاف بين يونس وبين مجموعة الثقات؟ الخلاف هو أن الزهري هل سمع الحديث من أنس؟ أم رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا؟ فيونس يقول: الزهري سمعه من أنس، وجماعة الثقات يقولون: الزهري رواه عن الرسول صلى الله عليه وسلم مباشرة دون واسطة. هنا يقول لك

إننا نستدل على خطأ الراوي عن طريق مخالفته للثقات. وهنا النقاد يحكمون في الغالب على رواية يونس -وإن كان ثقة، وإن كان متقدماً في الزهري- يحكمون عليه بالوهم والخطأ في مقابل رواية الثقات.

لم يذكر أمثلة الآن مباشرة، وإنما بدأ في المقدمة الثانية. تذكرون نحن قلنا إن الكتاب بعد الاستفتاح وسبب التأليف يعني ذكر فيه مسلم رحمه الله تعالى مقدماً؛ المقدمة الأولى في طرق معرفة الخطأ أو جهات معرفة الخطأ، ثم المقدمة الثانية في يعني الإرشاد إلى حفظ الحديث وسماعه، والتوقي في نقله، وعدم الخطأ في روايته، فهو سيذكر سيلج إلى هذا المعنى، وذكر مجموعة من الآثار والأحاديث في ذلك، ثم ينطلق إلى ذكر أخطاء المحدثين؛ الأمر الذي يكتشف أو الأخطاء التي تكتشف من هذا المعنى أو من هذه الجهة، وهي جهة مخالفة الثقات.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى. اللهم لك الحمد لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، اللهم صلي وسلم على عبدك ورسولك محمد، أما بعد؛ مرحباً بكم في الدرس الثاني من دروس التعليق على كتاب التمييز للإمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى.

وكنت قد استعرضت الخارطة العامة للكتاب في أول الدرس الأول، واستعراض الخارطة الإجمالية للكتاب للكتب عموماً هي من أكثر ما يحقق النفع من قراءة الكتب ودراستها، وأما قراءة الكتب دون استحضار مقاصدها وأفكارها المركزية والتسلسل لموضوعاتها فهذا يقلل مستوى الفائدة.

على كل حال، ذكرنا أن الإمام مسلما رحمه الله تعالى قدم بمقدمتين للكتاب بعد الاستفتاح، وأخذنا المقدمة الأولى المتعلقة بما يدور عليه أو به معرفة الخطأ في رواية ناقل الحديث، وذكر الجهتين، وبين أن الجهة الثانية التي هي أن يروي نفر من حفاظ الناس حديثاً عن مثل الزهري أو غيره من الأئمة بإسناد واحد ومتن واحد إلى آخره، ثم قال: فيرويه آخر سواهم عمن حدث عنه النفر الذين وصفناهم بعينه، فيخالفهم في الإسناد أو يقلب المتن فيجعله بخلاف ما حكى من وصفنا إلى آخره، يعني مخالفة الثقات ومخالفة من عرف بملازمة الشيوخ المعروفين.

قال: وسنذكر من مذاهبهم -يعني من مذاهب الحفاظ وأقوالهم في حفظ الحفاظ وخطأ المحدثين في الروايات- ما يستدل به على حقيقي ما فسرته لك. إذاً، الإمام مسلم يقول: ساذكر لك أمثلة على هذه الجهة الثانية من الخطأ، ولكن قبل أن يذكر هذه الأمثلة يلج إلى المقدمة الثانية التي أشرنا إليها والتي وقفنا عندها.

قال: غير أن أول ما نبدأ بذكره في هذا المعنى الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تحريضه الناس على حفظ حديثه وتبليغ من سمعه إلى غيره كما سمعه، ودعائه بالخير لمن فعل ذلك. حدثنا محمد بن أبي عمر قال: حدثنا سفيان عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نضر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها وحفظها وبلغها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه وساقه.

ثم قال: حدثني زهير بن حرب قال: أخبرنا الوليد بن مسلم قال: حدثنا الأوزاعي قال: حدثني حسان بن عطية قال: حدثني أبو كبشة أن عبد الله بن عمر حدثه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بلغو عني ولو آية، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج.

حدثنا هداب بن خالد قال: حدثنا همام عن زيد بن أسلم عن عطاء عن أبي سعيد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: حدثوا عني ولا حرج، وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج.

ثم قال -طبعاً هذه أحاديث أو آثار واضحة، والتعليق على الأسانيد ليس هذا موضعه، وإلا هناك بعض الإشارات إلى أمور مهمة في الأسانيد، لكن لعلي أدع الحديث عن تفاصيل الأسانيد إلى الدورات الخاصة بالأسانيد، ممكن أشير بعض الإشارات السريعة في موضعها-.

ثم قال: باب ما جاء في التوقي في حمل الحديث وادائه والتحفظ من الزيادة فيه والنقصان. حدثنا ابن نمير قال: حدثنا أبو خالد الأحمر عن أبي مالك عن سعد بن عبيدة عن ابن عمر قال: عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بني الإسلام على خمسة: على أن يوحد الله، وإقام الصلاة، وإتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحج. فقال رجل: الحج وصيام رمضان؟ فقال: لا، صيام رمضان والحج هكذا سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هذا -يعني ساقه- يؤكد أن هناك من الحفاظ والمحدثين بدءاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فمن بعدهم كانوا على درجة عالية من التوقي في أداء الحديث كما.

ثم قال: حدثنا محمد بن رافع قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن عثمان بن يزدويه عن جعفر بن روذي -هكذا مكتوب، والأصوب أن جعفر بن روذي- قال: سمعت عبيدة بن عمير وهو يقص يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مثل المنافق كمثل الشاة الرابضة بين الغنمين. فقال ابن عمر: ويلكم لا تكذبوا على رسول الله، إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كمثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين.

الشاة العائرة هي المترددة والحائرة، كما في صحيح مسلم من حديث ابن عمر: تعير إلى هذه مرة وإلى هذه مرة. طيب، إذاً هذا حديث آخر في التدقيق في الألفاظ، وإن كان هذا اللفظ الذي ذكر في عن عبيد بن عمير يحيل المعنى.

قال: حدثنا الحلواني قال: حدثنا محمد بن بشر قال: حدثنا خالد بن سعيد، قيل لمحمد: من ذكرت يا أبا عبد الله؟ قال: الثقة الصدوق المأمون خالد بن سعيد أخو إسحاق بن سعيد عن أبيه. قال: ما رأيت أحداً كان أشد اتقاء للحديث من ابن عمر.

حدثنا يحيى بن حبيب قال: حدثنا بشر بن المفضل قال: حدثنا ابن عون عن مسلم أبي عبد الله عن إبراهيم بن يزيد عن أبيه عن عمرو بن ميمون قال: ما أخطأني خميس إلا آتي فيه عبد الله بن مسعود، وما سمعته لشيء قط يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى كان عشية فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم نكس فرفع بصره -أو قال رأسه- واني أنظر اليه، فذكر الحديث.

يعني هذا الحديث المقصود فيه التعظيم، تعظيم ابن مسعود لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.

حدثنا يحيى بن يحيى قال: حدثنا مسلم بن أخضر عن ابن عون عن محمد -أي ابن سيرين- أن أنس بن مالك كان إذا حدث عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثاً كان يقول: أو كما قال. وهذا أيضاً من دقته في نقل الرواية.

حدثنا إسحاق بن إبراهيم قال: أنبأنا الفضل بن موسى قال: حدثنا الحسين بن واقد عن الرديني بن أبي مجلز عن أبيه عن قيس بن عباد قال: سمعت عمر يقول: من سمع حديثاً فرداً كما سمع فقد سلم.

أشار المحقق أن الخطيب أخرج هذا الأثر في الكفاية بلفظ: فحدث به وهو أوضح، يعني.

ثم قال: حدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي قال: حدثنا مروان الدمشقي عن الليث بن سعد قال: حدثني بكير بن الأشج. قال: قال لنا بسر بن سعيد: اتقوا الله وتحفظوا من الحديث، فوالله لقد رأيتنا نجالس أبا هريرة فيحدث عن رسول الله ويحدث عن كعب، ثم يقوم، فأسمع بعض من كان معنا يجعل حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كعب، وحديث كعب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهذا الأثر مهم جداً في بيان شيء من أسباب الخطأ الذي يقع في الروايات؛ فهؤلاء قد جلسوا إلى أبي هريرة واستمعوا الحديث منه، ولكنهم أخطأوا في نسبة الحديث إلى من فوق أبيهريرة؛ فبعضهم ينسب كلام كعب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وينسب كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى كعب. وتنبه بسر بن سعيد إلى ذلك معناه أنه بإامكان تمييز الصواب من الخطأ، معناه أن اليقظ الحافظ المتثبت يدرك يستطيع النسبة بشكل جيد، بل وبعض التابعين أو وبعض الأصحاب والتلاميذ للمشايخ كانوا يختبرون مشايخهم؛ كانوا يختبرون مشايخهم فيخلطون أحاديث مشايخ مشايخهم على مشايخهم ليتنبهوا.

فمثلاً حماد بن سلمة كان يسمع ذلك مع ثابت البناني، وثابت البناني تابعي جليل وهو شيخ حماد بن سلمة، وثابت البناني كان يروي عن أنس بن مالك -طبعاً- ويروي عن عبد الرحمن بن أبي ليلة. حماد لأحاديث ثابت التي رواها عن أنس فيقول: حدثكم عبد الرحمن بن أبي ليلة، ويأتي لحديث ثابت التي رواها عن عبد الرحمن فيقول: حدثكم أنس، فينتبه ثابت ويقول: لا، هذا حدثني إياه -عفوآً- هذا حدثني إياه عبد الرحمن وهذا حدثني إياه أنس رضي الله تعالى عنه.

طيب، ثم قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم وابن رافع وعبد بن حميد قالوا: حدثنا عبد الرزاق عن حدثنا معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس. هذا الإسناد من الأسانيد الصحيحة جداً، ولا يكاد يترك البخاري ومسلم رحمهم الله تعالى حديثاً مرفوعاً بهذا الاسناد.

طيب، قال: عن ابن عباس قال: فلما ارتقى عمر المنبر أخذ المؤذن في أذانه، فلما فرغ من أذانه قام عمر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فاني اريد أن اقول مقالة قد قدر أن أقولها لا أدري لعلها بين يدي أجلي، فمن وعاها وعقلها وعلمها وحفظها فليتحدث بها حيث ينتهي به، ومن خشي ألا يعيها فاني لا أحل لأحد أن يكذب علي. هذا الحديث أخرجه الإمام البخاري رحمه الله تعالى، وهو الحديث الذي فيه كلام عمر رضي الله عنه في الرجم، في نسخ آية الرجم، الحديث المشهور.

طيب، ثم قال: حدثنا أبو بكر بن نافع قال: حدثنا عمر بن علي عن هشام عن أبيه عن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ثم لقيت عبد الله بن عمر على رأس الحول سألته، فرد علي الحديث كما حدث. قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الله عز وجل -أو أن الله جل وعز- لا ينتزع العلم... إلى آخر الحديث.

طبعاً هذا الحديث سيق لبيان أن عبد الله بن عمرو ضبط الحديث كما سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان يحدث به في كل مرة بنفس الأداء الذي أدي به في أول مرة.

قال: حدثنا إسحاق قال: أخبرنا مروان -يعني ابن معاوية- قال: حدثنا الأعمش عن عمارة بن عمير قال: إن كان أبو معمر عبد الله بن سخبرة ليلحق أبا زرعة أن يسمع منه. عبد الله بن سخبرة هو تابعي ثقة روى عنه الجماعة، روى له الجماعة -أخرج له الجماعة يعني- ومن رجال الكتب الستة، وروى عن عمر رضي الله تعالى عنه وعن علي وابن مسعود وغيره.

طيب، قال: طبعاً انا حقيقة كان عندي طبعة متميزة لكتاب التمييز للإمام مسلم ولكن كان -يعني- علقت عليها بعض التعليقات، ولكن فقدتها قبل أن أشرع في الشرح والله المستعان، وبحثت عنها كثيراً ولم أجدها، وصرت أقرأ من طبعة قد لا تكون بمستوى جيد، أخشى أن تكون هناك بعض الأخطاء في الكتابة كتابة بعض الكلمات.

نعم، قال: حدثنا عمرو الناقد قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن إسماعيل بن أمية قال: كنا نرد نافعاً عن اللحن فيأبى إلا الذي في سمائه.

طيب، هنا تعليق ابن الصلاح في مقدمة الحديث في علومه يقول: إذا وقع في روايته لحن أو تحريف، فقد اختلفوا؛ فمنهم من كان يرى أنه يرويه على خطأ كما سمعه، وذهب إلى ذلك من التابعين محمد بن سيرين وأبو معمر عبد الله بن سخبرة، وهذا غلو في مذهب اتباع اللفظ والمنع من الرواية بالمعنى -طبعاً هو قدم قبل ذلك جواز الرواية بالمعنى لمن يعني عرف عرف دلالات الألفاظ-. انقلوا يعني ختامك كان كلامه في قضية المعنى.

قال: والأصح جواز ذلك في الجميع إذا كان عالماً بما وصفناه قاطعا بأنه أدى معنى اللفظ الذي بلغه؛ لأن ذلك هو الذي تشهد به أحوال الصحابة والسلف الأولين، وكثيراً ما كانوا ينقلون معنى واحداً في أمر واحد بألفاظ مختلفة، وما ذاك إلا لأن معولهم كان على المعنى دون اللفظ.

طيب، نعود إلى الكلام الذي قاله في قضية اللحن. ثم قال: ومنهم من رأى تغييره وإصلاحه وروايته على الصواب، روينا ذلك عن الأوزاعي وابن المبارك وغيرهما، وهو مذهب المحصلين والعلماء من المحدثين، والقول به في اللحن الذي لا يختلف به المعنى وأمثاله لازم على مذهب تجويز رواية الحديث بالمعنى، وقد سبق أنه قول الأكثرين. واما اصلاح ذلك وتغييره في كتابه وأصله فالصواب تركه. إلى آخر الكلام الذي ذكره ابن الصلاح رحمه الله تعالى.

نعود إلى كتاب التمييز للإمام مسلم. قال رحمه الله تعالى: حدثنا الحلواني قال: حدثنا سليمان بن حرب وعارم قال: حدثنا حماد بن زيد... بالمناسبة، من يعني يعرف الرواة والأسانيد في العادة يتنبأ ببقية الإسناد أو بقية بعض أجزاء الإسناد إذا عرف أوله، أو على الأقل عرف بعض طبقاته، فمثلاً حين تجد حدثنا سليمان بن حرب وعارم الغالب أنه سيكون

يكون الشيخ حماد بن زيد، على كل حال عن حماد بن زيد حدثنا حماد بن زيد عن أشعث عن إبراهيم بن ميسرة عن مجاهدين قال: صلى بنا مسلمة بن مخلد صلاة الصبح فقرأ بالبقرة فما أسقط منها ألفا ولا واوا وأنا يومئذ غلام يعفى. آآ مسلمة بن مخلد هذا كان واليا على مصر في أيام معاوية رضي الله تعالى عنها.

ثم قال: قلت لمحمد بن مهران الرازق أحدثكم حاتم بن إسماعيل؟ قال: حدثنا أسامة بن زيد عن أبي بكر بن حفص بن عمر بن سعد قال: قلت لسالم بن عبد الله: في أي الشق كان ابن عمر يشعر بدنته؟ قال: في الشق الأيمن.

فأتيت نافعا فقلت: في أي الشق كان ابن عمر يشعر بدنته؟ قال: في الشق الأيسر. فقلت: إن سالما أخبرني أنه شعر في الشق الأيمن، فقال: وهل سالم يعني وهم؟ إنما أتى ببدنتين مقرونتين صغيرتين ففرقا أن يدخل بينهما، آه فأشعر هذه في الأيمن وهذه الأيسر.

راجع الإسامي فأخبرت بقول نافع، فقال: صدق نافع، عليكم بنافع فإنه أحفظ لحديث عبد الله، فأقر به محمد بن مهران. قال: حدثنا محمد بن أبي عمر قال: حدثنا سفيان بن شبرمة قال: قال الشعبي: ما جالست أحدا منذ عشرين سنة حدث بحديث إلا وأنا أعلم به منه، ولقد نسيت من العلم ما لو قد حفظه أحد من الناس كان به عالما.

آه حدثنا ابن أبي عمر قال: حدثنا سفيان عن ابن شبرمة قال: قال الشعبي لشباك: أرد عليك ما قلت لأحد قط رد علي. شباك آه هو كوفي، راو كوفي، روى عن الشعبي وعن النخعي وهو ثقة وغيرهما طبعا.

طيب آه قال حدثنا عبد بن حميد قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر قال: قال قتادة لسعيد: أحفظ علي المصحف. قال: فافتح سورة البقرة فقرأها حتى، ثم قال: هل أسقطت شيئا؟ قال: سعيد لا. فقال: أنا لصحيفة جابر أحفظ من سورة البقرة وما قرأ عليها إلا مرة أو ما قرأت علي إلا مرة.

حدثنا حجاج بن الشاعر قال: حدثنا عفان بن، حدثنا بشر بن المفضل قال: حدثنا عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري قال: ما استعدت حديثا قط ولا شككت في حديث قط، إلا حديثا واحدا فسألت صاحبي فإذا هو كما حفظت.

هذه الدرجات العالية من الحفظ والاتقان يعني تقل جدا جدا في المتأخرين، تكثر في المتقدمين. متأخرين أقصد في الأزمنة المتأخرة في في عصورنا هذي، وفي آه العصور القديمة كان كانت هذه الحالة متكررة وموجودة ومعروفة.

قال حدثنا محمد بن عباد قال: حدثنا سفيان عن عمر قال: ما رأيت أحدا أبصر بالحديث من الزهري. حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد قال: حدثني أبي قال: شعبة قال: حدثني رجلان صادقان من لباب لباب الحديث آآ عمران بن حدير وسليمان التيمي.

حدثنا الحلواني قال: حدثنا شبابة قال: حدثنا شعبة قال: شك ابن عون أصدق عندي من حديثي من حديث آخر عندكم صدوق صدوق. آآ طبعا هذا يعني آه يريد به ابنه يريد به شعبة أن ابن عون وهو من أثبت أصحاب ابن سيرين آه رحمهم الله جميعا، متثبت حافظ متقن وأنه حتى لو شك في شيء فشكه أولى عنده من آه حديث غيره ممن يوصف فإنه صدوق.

هذا من تثبته واتقانه يعني. قال حدثنا وليد بن شجاع قال: علي بن مسهل يذكر عن سفيان قال: حفاظ الناس أربعة: يحيى بن سعيد الأنصاري، وإماعيل بن أبي خالد، وعبد الملك بن أبي سليمان، وعاصم الأحول.

حدثنا محمود بن غيلان قال: حدثنا وكيع قال: سمعت شعبة يقول: سفيان الثوري أحفظ مني، وما حدثني عن شيخ إلا وإذا سألت الشيخ حدثني على ما قال سفيان. هذا أثر مهم جدا وهو أثر صحيح.

طبعا أنا لم أعل على الآثار الماضية من ناحية الصحة والضعف. آآ كثير منها وربما بعضها فيه ضعف يسير لكن آآ هي على كل حال ليست من ليست من أصل موضوع الكتاب، أصل موضوع الكتاب هو في بيان الأخطاء وبيان العلل وما إلى ذلك، وهذه مقدمة ولكن فيها بعض الفوائد وبعض الإشارات الجميلة، وهي لفتة جيدة من الإمام مسلم إلى أن المحدثين كانوا يعني يتثبتون ويتوقعون في رواية.

ولكن الذي أريد أن أقف عليه عند هذا الأثر الصحيح الذي رواه عن آه محمود بن غيلان عن وكيع عن شعبة آآ أولا آآ قول قول شعبة، وشعبة شعبة أمير المؤمنين في الحديث. قوله: سفيان الثوري أحفظ مني هذا كلام صحيح، سفيان الثوري هو أحفظ من مر على تاريخ المحدثين، أحفظ من من رواة الأحاديث على المحدثين. وهذا يعني أمر أيضا معروف وشائع جدا عند نقاد الحديث، فسفيان سفيان إذا قال سفيان شيئا فالحديث حديثه.

إذ استوقفني أيضا الجزء الثاني وهو آآ يعني جزء من وسائل معرفة ضبط الضابطين وضبط الحفاظ حتى وإن كانوا في درجة متقدمة، يعني الآن شعب أو سفيان معروف أنه حافظ، ولكن هناك وسائل تثبت لهم أثناء الطريق أنه حافظ بالفعل، مثل ما فعله شعبة، يعني سفيان الثوري يحدثه عن شيخ ثم يذهب شعبة يلتقي بذلك الشيخ فيسأله عن الحديث، كيف إذا الحديث كما سمعه من سفيان؟

طيب قال مسلم: حدثنا الوليد بن شجاع قال: ذهبت مع سفيان إلى هشام العروة فجعل سفيان يسأل هشام وهشام وهشام يحدثه حتى إذا فرغ قال له سفيان: أعيدها عليك فاعادها عليه، ثم قام سفيان وادر لأصحاب الحديث فدخلت معهم فجاء فجعل إذا حدث أرادوا إملاء فقال لهم هشام: أحفظوا كما حفظ صاحبكم، قالوا: لا نقدر أن نحفظ كما حفظ.

قال حدثنا الحلواني قال: حدثنا سليمان بن حرب قال: حدثنا حماد بن زيد قال آآ ابن عون يسألني: كيف قال أيوب كذا؟ فأخبره، فإن كان خالفه ترك آآ ترك ابن عون ذاك الحديث. فأقول له: لما تتركه؟ فيقول: إن أيوب كان أعلمنا بالحديث.

طبعا ابن عون وأيوب هما من أثبت أصحاب محمد بن ياسرين آآ رضي الله تعالى عنه ورحمهم جميعا، محمد بن سيرين أثبت الناس فيه أيوب ثم ابن عون، كلاهما ثبت متقدم. وحماد بن زيد طبعا من أثبت الناس أو ربما يكون أثبت الناس في أيوب السختياني.

على كل حال ابن عون كان يسأل حماد بن زيد لأن حماد بن زيد متثبت في أيوب، فابن عون يقول لال حماد: أيوب كيف روى ذاك الحديث الذي الذي أنا رويته يا ابن عون؟ فحمل بن زيد يقول له: رواه أيوب كذا وكذا، فإذا كان اتفق مع رواية ابن عون حدث، وإذا كان اختلف معه فانه آآ يترك الرواية آآ وإن كان يعني في نفسه آآ صحة ما يقول، لماذا؟ لأن ابن عون كان بالغ في الاحتياط، وهو معروف على كل حال بقضية القصر التي آآ تذكر عن آآ بعض الرواة البصريين، وهي مسألة في علم العلل. آآ يعني بعض الرواة كان إذا شك قصر قصر الرواية آآ كابن عون وأيوب السختياني، آآ وأيضا محمد بن سيرين.

على كل حال فقل: لما تتركه؟ قال: إن أيوب كان أعلمنا بالحديث. وهذا يبين آآ كلام آآ شعبة الذي قاله قبل قليل: شك ابن عون شك ابن عون أصدق عندي من حديث آخر عندكم صدوق صدوق.

طيب قال حدثنا حجاج بن الشاعر قال: سمعت أبا أسامة يقول: اختلف الأعمش وطلحة في حديث فقال للأعمش: رأيت لو أنك سمعته سبعا وسمعته مرة أينا كان أحفظ؟ قال: أنت.

آه قال ابن عيينة: ما رأيت قط أثبت من عبد الكريم. قال عبد الرحمن: قتادة أحفظ من خمسين مثله.

قال: دخلت على أبي موسى وهو يحتجم ليلا وساقه وهارون الأعور كان صدوقا حافظ كما ذكر حفظ شعبة وزهير وزهير بن معاوية. حدثنا الحلواني قال: سمعت يزيد بن هارون يقول: أدركت البصرة وإذا اختلفوا في حديث نطقوا بكتاب عبد الوارث، يعني كتاب عبد الوارث بن سعيد كان عبد الوارث كان متثبتا بصريا معروف طبعا عبد الوارث آآ من أركان رواية الحديث بالبصرة.

قال قتادة: لا تقل فلان أحفظ الناس والله أعلم، ولكن قل: هو أثبت وأعلم وأحفظ. وذكر عن الزهري. آه ربما يقصد أنه قل: أحفظ الناس عن الزهري ولا تقل أحفظ الناس مطلقا، ربما يريد ذلك.

طيب ثم قال مسلم: حدثنا عمرو بن علي وهو الفلاس المعروف الناقل الحافظ آآ إمام معروف بصري. قال حدثنا عفان قال: كنا عند إسماعيل بن ابن علية جلوسا، قال فحدث رجل عن رجل فقلت: إن هذا ليس بثبت. فقال الرجل: اغتبته. قال إسماعيل: ما ما اغتاب، ولكنه حكم أنه ليس بثبتين.

حدثنا حجاج بن الشاعر قال: حدثنا شبابة قال شعبة: لقد لقيت شهرا فلم أعتد به. شهر بن حوشب وهو تابعي، والاختلاف فيه معروف ومشهور، عندي كتاب تقريبا من خمسة مجلدات أو أربع مجلدات فقط في الحكم على شهر في رواياته.

قال حدثنا حجاج قال: حدثنا سلمان بن حرب قال: حدثنا حماد بن زين قال: قال أيوب: إن لي جارا، ثم ذكر من فضله، ولو شهد على تمرتين ما رأيت شهادته جائزة. آآ لعله يقصد الغفلة لأنه ذكر فضله فهو لا يتهمه الآن بالكذب، ولكن هذا من يقظة المحدثين أنهم لم يكونوا آآ لم يكونوا يجعلون عمدة القبول في مجرد وجود الفضل والصلاح.

حدثني محمد بن المثنى قال: قال لي عبد الرحمن بن مهدي: يا أبا موسى أبو موسى اللي هو محمد المثنى العنزي المشهور آآ أهل الكوفة يحدثون عن كل أحد. قلت: يا أبا سعيد، هم يقولون إنك تحدث عن كل أحد؟ قال: عمن أحدث؟ فذكرت له محمد بن راشد المكحولي.

فقال لي: احفظ، احفظ عني، الناس ثلاثة: رجل حافظ متقن فهذا لا يختلف فيه، واخر يهم والغالب على حديث الصحة فهو لا يترك، ولو ترك حديث مثل هذا لذهب حديث الناس، واخر الغالب على حديث فيه الوهم فهذا يترك حديثه. هذه عبارة مشهورة جدا عن عبد الرحمن المهدي، وهي من قوانين الجرح والتعديل ومن يروى عنه من لا يروى عنه.

طيب آآ سمعت أبا حسين مسلم بن الحجاج يقول: وقد ذكرنا مما بأهل العلم وأقاويلهم في درجات الحفاظ من وات العلم ونقال الأخبار والسنن والآثار، ما يستدل به ذو اللب على تفاوت أحوالهم ومنازلهم في الحفظ وبأسبابه، فيعلم أن منهم المتبقي المتقن لما حصل من علم وما أدى منه إلى غيره، وأن منهم من هو دونه في رداءة الحفظ والتساهل فيه، وأن منهم المتوهم فيه غير المتقن، فهذا كما يجب حاملا حين يحمل أو حاكيا حين يحكي. هكذا عندي.

وقد اشترط النبي صلى الله عليه وسلم على سامع حديثه ومبلغه حين دعا له أن يعيه ويحفظه ثم يؤديه كما سمعه، فالمؤدي لذلك بالتوهم غير المتيقن مؤذن على خلاف ما شرط النبي صلى الله عليه وسلم وغير داخل في جزيل ما يرجى من إجابة دعوته عليه آآ والله أعلم أو دعوته له والله أعلم، اللي يقصد دعوة النبي صلى الله عليه وسلم له أن الله وجهه.

فإن كان المؤدي جاء بخبر عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالتوهم قد أزال معنى الخبر بتوهمه عن الجهة التي قاله بنقصان فيها أو زيادة، حتى يصير قائلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم كمن لا يعلم، لمن لم يؤمن عليه الدخول فيما صح به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار. لأن عليه أن يعلم أن عمد التوهم في نقل خبر النبي صلى الله عليه وسلم المحرم إذا علم ذلك ثم لم يتحاشى من فعله فقد دخل في باب تعمد الكذب. فإن كان لم يعلم تحريم ذلك فهو جاهل لما يجب عليه، والواجب عليه تعلم تحريمه والانزجار آآ وعن فعله.

ثم انتقل الإمام مسلم بعد هذه المقدمة الطويلة نسبيا إلى آآ الأخبار التي فيها الأغاليط وما إلى ذلك فقال: وسنذكر الآن إن شاء الله الأحاديث المنقولة الموسومة عند أهل العلم بالأغاليط فيها إلى.

هكذا آآ بهذا العرض يعني أريد أن آآ أو أردت أن أصل لنتيجة أرجو أنها تحققت عند السامع والمتابع، وهي آآ أن هذا الكتاب مقسم بهذه بهذه الطريقة التي عرضت عندنا: استفتاح بين فيه آآ سبب التأليف، ثم بعد ذلك مقدمة، ثم مقدمة ثانية. والمقدمة الأولى أجمل فيها الأمر المتعلق بموضوع الكتاب وهو ما يدور عليه الخطأ، ولكنه آثر أن لا يصل هذه المقدمة بأمثلتها، بل أن يفصل بين هذه المقدمة والأمثلة بمقدمة ثانية يتحدث فيها عما جاء في لتلقي الأخبار ونقلها آآ بحرص وأدائها كما سمع آآ المبلغ.

الحمد لله رب العالمين حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، أما بعد فمرحبا بكم في هذا اللقاء الثالث من اللقاءات التي نتناول فيها كتاب التمييز للإمام مسلم رحمه الله تعالى.

وهذا الكتاب قد تقدم في بعض الدروس السابقة رسم ملامحه العامة وتقسيم موضوعاته، وها نحن اليوم نبدأ في موضوع جديد، وهذا الموضوع نستطيع أن نقول إنه هو عمدة ما في الكتاب وسيستمر هذا الموضوع إلى آخر الكتاب، وهو في ذكر الأمثلة، أمثلة للأخبار التي وقع آآ وقعت فيها أخطاء من جهة متونها أو من جهة أسانيدها.

وقد اعتنى الإمام مسلم رحمه الله في هذه الأمثلة بذكر أخطاء الحفاظ الكبار من أمثال شعبة والزهري والإمام مالك، فهؤلاء هم نجوم علم الحديث وهم قادة سفن الرواية، ومع ذلك لم يعرض المحدثون النقاد عن أن يدققوا النظر ويفحصوا روايات هؤلاء الكبار

فاذا تنبهوا لأخطاء هؤلاء الكبار، فتنبؤهم لأخطاء من دونهم أولى وأحرى.

قال الإامام مسلم رحمه الله: وسنذكر الآن -إن شاء الله- الأحاديث المنقولة الموسومة عند أهل العلم بالاغاليط فيها في أسانيدها ومتونها، حديثاً حديثاً، ونخبر فيها بالعلل التي من أجلها صارت أخباراً أغاليط، بشرح وجوهنا بها وأشباهها، من أراد معرفتها إن وفق الله لجمعها، وبالله توفيقنا وإليه مرجعنا.

سمعت مسلما يقول: ذكر الأخبار التي نقلت على الغلط في متونها.

حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا يحيى بن سعيد ومحمد بن جعفر قالا: حدثنا شعبة.

سأقف هنا قليلاً، وإن كنت في الحقيقة لا أريد أن أتتبع أخبار الرواة والتعليق على الأسانيد، لأن هذا ليس هو المقصود في الكتاب. هناك من أهل العلم والفضل ممن شرح هذا الكتاب، عمد إلى تراجم الرواة، يعني عمد إلى شرح أحوال الرواة راوياً راوياً، ويعرف برجال الإسناد كلهم. ولا أريد حقيقة أن أسلك هذا المسلك، وإنما قد أقف بعض الوقفات اليسيرة جداً أو التنبيهات على بعض الأمور التي قد تفيد في الأسانيد المتكررة.

فعندنا هذا الإسناد: حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا يحيى بن سعيد ومحمد بن جعفر قالا: حدثنا شعبة. هذا الإسناد متكرر في صحيح البخاري ومسلم. شعبة يعتبر من أهم محاور الرواية والحديث، ولكن الإامام البخاري لم يسمع من شعبة وكذلك الإامام مسلم، فلا بد أن يصلوا إليه من طرق الذين سمعوا عنه.

فكيف يصلون إليه؟ يصلون إليه من طرق متعددة، منها هذا الطريق وهو مشهور جداً. ويحيى بن سعيد هو القطان، ومحمد بن جعفر وهو الملقب بغندر. هذان راويان مكثران عن شعبة، وأيضاً هذان الراويان لم يرو عنهما البخاري ومسلم، وإنما روى عنهما الإامام أحمد مباشرة، فنجد الإامام أحمد في مسنده يقول: حدثنا يحيى بن سعيد قال: حدثنا شعبة، مباشرة، أو يقول: حدثنا محمد بن جعفر حدثنا شعبة.

وأما البخاري ومسلم فيصلان إلى يحيى بن سعيد ومحمد بن جعفر من طرق من أهمها طريق محمد بن بشار. طيب، نرجع، وكما قلت هذه الفائدة ليست في صلب الكتاب، وإنما هي يعني فائدة عرضية.

قال مسلم رحمه الله: حدثنا محمد بن بشار قال: حدثنا يحيى بن سعيد ومحمد بن جعفر قالا: حدثنا شعبة عن سلمة بن كهيل قال: سمعت حجراً أبا العنبس يقول: حدثني علقمة بن وائل عن وائل عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وحدثنا إسحاق قال: أخبرنا أبو عامر قال: حدثنا شعبة عن سلمة قال: سمعت حجراً أبا العنبس يحدث عن وائل بن حجر عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الحديث.

طبعا هنا لم يذكر المتن، لم يذكر ما هو المتن، وسيذكره لاحقا، ولعله آآ لعل هذا عدم الذكر لعله من اختصار من اختصر الكتاب، من اختصار آآ من اختصر الكتاب وليس من صنيع الإامام مسلم رحمه الله تعالى. طبعا هو نص الحديث، طبعا آآ أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ، فقال: آمين، وخفض بها صوته، وخفض بها صوته.

طيب، آآ ثم قال: كلهم عن شعبة، كلهم عن شعبة عن سلمة عن حجر عن علقمة عن وائل، إلا إسحاق عن أبي عامر، فانه لم يذكر علقمة، وذكر الباقون كلهم علقمة. سأشرح القضية بعد قليل إن شاء الله.

سمعت مسلما قال: أخطأ شعبة في هذه الرواية حين قال: وحين قال: وأخفى صوته، وسنذكر -إن شاء الله- رواية من حدث عن شعبة فيها.

آآ قال أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم قالوا: حدثنا وكيع قال: حدثنا سفيان عن سلمة بن كهيل، نأتي إلى هذا بعد قليل. الآن ساق الإامام مسلم رحمه الله حديث شعبة الذي رواه عن سلمة بن كهيل عن حجر أبي العنبس عن علقمة بن وائل عن وائل بن حجر صاحب الرسول صلى الله عليه وسلم في أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قرأ آآ غير المغضوب عليهم ولا الضالين ثم يقول آمين ويخفض بها صوته. هذه رواية شعبة الآن.

وحصل هناك اختلاف على شعبة. ايش معنى اختلافنا على شعبة؟ يعني أن الرواة الذين رووا هذا الحديث عن شعبة لم يتفقوا على وجه واحد في الإسناد، وإنما آآ بعضهم رواه فذكر علقمة، وبعضهم روى فلم يذكر علقمة. فقال بعضهم عن شعبة عن سلمة عن حجر عن وائل. وأما الرواية الأولى التي أخرجها مسلم فهي عن حجر عن علقمة عن وائل. طيب، الآن هذه رواية شعبة.

الثوري رحمه الله سفيان بن سعيد مسروق الثوري، كيف روى هذا الحديث؟ قال الإامام مسلم آآ أبو بكر بن أبي شيبة، أو ربما حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم قالوا: حدثنا وكيع قال: حدثنا سفيان. سفيان هو الثوري عن سلمة بن كهيل عن حجر بن عنبسة عن وائل.

الان الإسناد نفس الإسناد الثاني المروي عن شعبة الذي اسقط فيه علقمة، قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قرأ ولا الضالين، آآ قال: آمين، يمد بها صوته. لاحظوا الآن في اختلاف في المتن بين رواية الثوري ورواية شعبة، هنا: يمد بها صوته، وهناك: يخفض بها صوته، وهذا اختلاف تضاد.

وأيضاً هناك اختلاف ثالث، وهو أن الثوري قال: عن سلفينة، عن سلمة بن كين عن حجر بن عنبسة أو ابن عنبس. وأما شعبة فقال: عن حجر أبي العنبس. واختلف في آآ حجر، هل هو ابن أنبس؟ أو هو أبو العنبس؟ هذه ثلاثة اختلافات بين شعبة وآآ سفيان الثوري رحمهما الله تعالى.

نكمل، قال الإامام مسلم: حدثنا أبو كريب قال: حدثنا أسود بن عامر قال: حدثنا شريك عن سماك عن علقمة عن أبيه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يجهر بأمين.

سمعت مسلما يقول: قد تواترت الروايات كلها أن النبي صلى الله عليه وسلم جهر بأمين، وقد روي عن وائل ما يدل على ذلك.

ثم قال: حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك بن أنس عن ابن شهاب عن سعيد وأبي سلمة أنهما أخبراه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا أَمَّنَ الإمامُ فآَمِّنُوا، فإنَّه مَنْ وافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ المَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ.

آآ هذه الروايات أو هاتان الروايتان الأخيرتان ساقهما الإامام مسلم لتأييد رواية من بتأييد رواية الثوري، بأنه هو الذي روى الجهر بالتأمين، وأما شعبة فهو الذي روى خفض الصوت بالتأمين. فهو الإامام مسلم يقول لك: إن مما يؤيد صحة رواية الثوري على رواية شعبة أن هناك من روى هذا الحديث على نفس رواية الثوري من غير آآ أو غير الثوري، غير الثوري، وهناك أيضاً حديث آخر من وجه آخر بلفظ آخر يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجهر بأعماله أو كان يحث على الجهر بأمين، مما يدل على تأييد حديث الثوري أيضاً.

حسناً، هنا عندنا ثلاثة اختلافات كما تقدم، والإامام البخاري رحمه الله تعالى يرى أن الصواب مع الثوري في كل هذه الأمور الثلاثة، وقال آآ رحمه الله تعالى في التاريخ عن شعبة لما ذكر هذا الحديث وخولف فيه في ثلاثة أشياء: قيل حجر أبو السكن، وقال هو أبو العنبس. طبعا الثوري لمن قال حجر ابن عمبس جعل كنيته أبا السكن. طيب وزاد فيه علقمة وليس فيه، وقال: يخفض، وإنما هو جهر بها.

أيضاً الإامام أبو زرعة الرازي رحمه الله تعالى قال: حديث سفيان في هذا أصح من حديث شعبة.

قال: وروى العلاء بن صالح الأسدي عن سلمة بن كهيل نحو رواية سفيان. هذا الآن رواية أخرى أيضاً ثالثة تؤيد رواية سفيان الثوري.

آآ إذا الإامام شعبة، عفوا، الإامام مسلم رحمه الله تعالى ينص على أن شعبة وإن كان أمير المؤمنين في الحديث، وإن كان مقدماً في الرواية وفي الصنعة، إلا أنه نص على خطأ شعبة في هذه الرواية. آآ وذلك أنه قال: أخطأ شعبة في هذه الرواية، وهذه القضية لم يذهب يعني كما قلنا أيضاً أشار إليه البخاري وكذلك الإامام آآ أبو زرعة الرازي رحمه الله تعالى، وكذلك أبو بكر الأثرم، وكذلك الإامام الدارقطني، فقال في سننه: هكذا قال شعبة: وأخفى بها صوته، ويقال إنه وهم فيه، لأن سفيان الثوري ومحمد بن سلمة بن كهيل وغيرهما رووه عن سلمة فقالوا: ورفع بها صوته، وهو الصواب.

إذا بهذا نكون أنهينا المثال الأول الذي ذكره الإامام مسلم رحمه الله تعالى، وفيه بيان خطأ الإامام شعبة في حديث وائل بن حجر رضي الله تعالى عنه، وأن الخطأ إنما عرف بمقارنة هذا الحديث بالأحاديث الأخرى، ومقارنة رواية شعبة بالروايات الأخرى. ولذلك فإن من المستقر المستقر عند أهل العلم أن الحديث إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطأه.

آآ ننتقل للمثال الثاني، قال: سمعت مسلما يقول: ذكر الأحاديث التي نقلت على الغلط في متونها. حدثنا أحمد بن يونس قال: حدثنا زهير قال: حدثنا أبو إسحاق قال: سألت الأسود بن يزيد عما حدثت عائشة عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: كان ينام أول الليل ويحيي آخره، وإن كانت له حاجة إلى أهله قضى حاجته ولم يمس ماء حتى ينام.

هذا الحديث آآ إسناده من حيث الظاهر صحيح، لا إشكال فيه ولا غبار عليه. ولكن يرى الإامام مسلم وغيره من الحفاظ الكبار أن هذا الحديث خطأ فيه غلط، وأن الذي أخطأ هو أحد الثقات الكبار المعروفين، وهو أبو إسحاق السبيعي. ننظر أو نستمع إلى كلام الإامام مسلم رحمه الله ثم نرى بيان آآ الطرق التي كشفت الخطأ عن هذا الطريق الذي ظاهره الصحة.

قال: سمعت مسلما يقول: فهذه الرواية عن أبي إسحاق خاطئة، وذلك أن النخعي وعبد الرحمن بن الأسود جاءا بخلاف ما روى أبو إسحاق. إذا الخطأ في هذه الرواية لماذا؟ لأن هناك رواية أخرى هي أرجح من هذه الرواية خالفتها، فرج فرجحت الأخرى على هذه، وإن كانت آآ وإن كانت جميع الروايات من طرق الثقات.

الان سيسوق الروايات التي خالفت رواية أبي إسحاق فقال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا ابن علية ووكيع وغندر عن شعبة عن الحكم عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كانوا جنبا فأراد أن يأكل أو ينام توضأ وضوءه.

وحدثنا ابن نمير قال: حدثنا أبي قال: حدثنا حجاج عن عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عن عائشة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجنب ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ثم ينام حتى يصبح. طبعا هذا الإسناد إذا كان الحجاج، حجاج الذي فيه هو ابن أرطأة، آآ يعني يكون مقبولا في الجملة بحكم أنه له شواهد ومتابعات، إلا أن حجاج في ذاته ليس ثقة متثبتا، وإنما فيه ضعف ولين.

حدثنا يحيى بن يحيى وابن رمح وقتيبة عن الليث عن ابن شهاب عن أبي سلمة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاة قبل أن ينام. إذا هذه الروايات كلها تخالف رواية آآ أبي إسحاق آآ السبيعي.

طبعا آآ توارد الأئمة والحفاظ على تخطئة أبي إسحاق، وإن كان قد جاء من بعض المتأخرين من صحح رواية أبي إسحاق، ولكن هذا غير مقبول، آآ لأنه مخالف لصنيع الكبار المتقدمين. فمنهم مثلاً آآ يزيد بن هارون قال: هذا الحديث وهم. ومنهم آآ الترمذي قال: وقد روى عن أبي إسحاق هذا الحديث شعبة والثوري وغير واحد، ويرون أن هذا غلط من أبي إسحاق.

وكذلك آآ من رواة الحديث سفيان الثوري كان يرى أن هذا الحديث غلط. إذا هذا مثال ثان على وجود خطأ في الرواية، آآ سببه آآ طبعا عفواً ليس سببه، وإنما طريقة كشفه جاءت بالمقارنة والنظر إلى جميع آآ الطرق. واما السبب فقد قيل إن أبا إسحاق آآ غلط فيه بسبب اختصاره له، فلم يختصره بشكل أو على لفظه الصحيح.

آآ ابن العربي في شرح الترمذي يقول: غلط أبي إسحاق هو أن الحديث رواه أو آآ أن الحديث رواه أبو إسحاق ها هنا مختصرا اقتطعه من حديث طويل فأخطأ في اختصاره.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. اللهم صلي وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد. أما بعد،

أرحب بكم في بداية الدرس الرابع من دروس التعليق على كتاب التمييز للإامام مسلم رحمه الله تعالى. وكنا قد ذكرنا في الدروس الأولى أن الإامام مسلما رحمه الله رتب كتابه على مقدمات ثم تطبيقات، وأن التطبيقات استغرقت جل الكتاب، وهي التطبيقات تتمحور على موضوع واحد تقريبا، وهو موضوع الأمثلة على الأخطاء والأغلاط، سواء أكانت في الإسناد أم في المتن، وأبرز أخطاء جماعة من أئمة الثقات وحفاظهم، إثباتا لأن المحدث والحافظ والناقد مهما بلغ من الدرجة فإنه يخطئ، وأنه لا يسلم من الغلط أحد، وأن هذا مما يميز المحدثين، أعني كشف أخطاء الثقات وكشف أخطاء آآ الأئمة والكبار.

وقفنا عند قول الإامام مسلم رحمه الله تعالى في ذكر مثال جديد: حدثنا الحسن الحلواني قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، نعم، قال: عفوا قبل ذلك، ومن الأخبار المنقولة على الوهم في المتن دون الإسناد.

حدثنا الحسن الحلواني قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا أبي عن صالح عن ابن شهاب أن أبا بكر أن أبا بكر بن سليمان بن أبي حثمة أخبره أنه بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين ثم سلم.

مقالب الشمالين ابن عبد عمرو يا رسول الله، أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لم تقصر الصلاة ولم أنس.

خالد ذو الشمالين قد كان ذلك يا رسول الله. فأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس فقال: أصدق ذو اليدين؟ قالوا: نعم. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتم ما بقي من الصلاة ولم يسجد السجدتين اللتين تسجدان إذا شك الرجل في هاته حين لقاه الناس.

إذا، هذا هو المتن، وهو متن معروف. أصل المتن معروف في البخاري ومسلم، حديث مشهور من أشهر أحاديث سجود السهو. ربما هو أشهر حديث على الإطلاق في باب سجود السهو. هذا الحديث من هذا الطريق رواه ابن شهاب، الذي هو الزهري، الإام أحد أكبر أئمة الحديث، وأحد أكبر يعني هو ركن من أركان الرواية، ركن من أركان السنة، وهو تابعي جليل روى عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه كثيرا، وأحاديثه عن أنس بن مالك في البخاري ومسلم، وروى عن طائفة من كبار التابعين كسعيد بن المسيب رحمه الله تعالى.

وله طرق متعددة يصل بها إلى الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. وضحت ذلك في دروس صناعة الأسانيد. هذا الحديث الذي رواه الزهري، أخطأ فيه الزهري رحمه الله تعالى وهما في بعض المواضع في متن الحديث.

وبعض المحدثين يرى أنه وهم في إسناده أيضا. ولكن الإمام مسلم رحمه الله، الإام مسلم رحمه الله تعالى يرى هنا أن الوهم هو في المتن دون الإسناد، لأنه قال: ومن الأخبار المنقولة على الوهم في المتن دون الإسناد. طيب، ما الاشكال؟ وما الذي حصل؟

قال مسلم رحمه الله: قال ابن شهاب وأخبرني ابن المسيب عن أبي هريرة وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف وأبو بكر وعبد الرحمن وعبيد الله بن عبد الله. سمعت مسلما يقول: وخبر ابن شهاب هذا في قصة ذي اليدين وهم غير محفوظ لتظاهر الأخبار الصحاح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا.

حدثنا عمرو الناقد قال حدثنا سفيان قال حدثنا أيوب سمعت ابن سيرين يقول: سمعت أبا هريرة رضي الله عنه. وساقه في هذا. طبعا، واضح أنه هناك اختصار في الكتاب. وهذا يعني يؤيد أن الكتاب كتاب التمييز للإمام مسلم رحمه الله هو كتاب مختصر، هذا ليس هو الأصل، لأنه واضح فيه اختصار، يعني اختصار عدد من الأخبار والروايات.

يقول: حدثنا أبو كريب قال حدثنا أبو أسامة قال حدثنا عبيد الله عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي المهلب عن عمران، كل هؤلاء ذكروا في حديثهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سهى في صلاته يوم ذي اليدين سجد سجدتين بعد أن أتم الصلاة.

سمعت مسلما يقول: فقد صح بهذه الروايات المشهورة المستفيضة في سجود رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ذي اليدين أن الزهري واهم في روايته إذ نفى ذلك في خبره من فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذاً، الإمام مسلم رحمه الله يقول: إن الزهري وهم في رواية هذا الحديث.

كيف عرفت أن الزهري وهم في هذا الحديث يا أبا الحسين؟ عرف ذلك من خلال مجموع الروايات لهذا الخبر. فهو ذكر طريق أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة، وهذا الطريق من أصح الطرق عن أبي هريرة. وذكر طريق أبي أسامة عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر، وذكر الطرق التي ذكرناها. يقول: كل هؤلاء رووا قصة ذي اليدين، يعني القصة واحدة والشأن واحد، فإما أن الرسول صلى الله عليه وسلم سجد أو لم يسجد، القضية ما تحتمل الجمع بين الروايات. وما دام أن مجموع الروايات وأكثر الروايات من طرق الثقات ذكروا السجود، فهنا نكتشف خطأ من أخطأ، ولو كان من أكبر الثقات كالزهري رحمه الله تعالى.

وهناك غلط آخر في هذا الحديث وهو أن لو يعني في بداية القراءة قلت ايش إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين ثم سلم فقال ذو الشمالين ابن عبد عمرو وهذا خطأ فيه أيضا غير واحد من المحدثين. فمثلا ابن حجر رحمه الله تعالى يقول: اتفق أئمة الحديث كما نقله ابن عبد البر وغيره على أن الزهري وهم في ذلك، وسببه أنه جعل القصة لذو الشمالين، وذو الشمالين هو الذي قتل ببدر، وهو خزاعي واسمه عمير بن عبد عمر بن نضلة، وأما ذو اليدين فتأخر بعد النبي صلى الله عليه وسلم بمدة، لانه حدث بهذا الحديث بعد النبي كما أخرجه الطبراني، وهو سلمي واسمه الخرباء.

إذا هذا وهم آخر في تسمية الراوي الذي في الحديث. ثم قال الإام مسلم وسمعت مسلما، عذرا، ثم ذكر الراوي قال: سمعت مسلما يقول: الخبر المنقول على الوهم في متنه أيضا، هذا خبر آخر فيه خطأ في المتن.

حدثني الحسن الحلواني وعبد الله بن عبد الرحمن الدارمي قال حدثنا عبيد الله بن عبد المجيد قال حدثنا كثير بن زيد قال حدثني يزيد بن أبي زياد عن كريب عن ابن عباس قال: بت عند خالتي ميمونة، فاضطجع رسول الله صلى الله عليه وسلم في طول الوسادة، واضطجعت في عرضها، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوضأ ونحن نيام، ثم قام فصلى، فقمت عن يمينه، فأخذني فجعلني عن يساره، فلما صلى قلت يا رسول الله، وساقه يعني إلى آخر الحديث.

سمعت مسلما يقول: وهذا خبر غلط غير محفوظ لتتابع الأخبار الصحاح برواية الثقات على خلاف ذلك، أن ابن عباس إنما قام عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم فحوله حتى أقامه عن يمينه.

الآن الرواية من طريق كثير بن زيد عن يزيد بن أبي زياد عن كريب عن ابن عباس، فيها أن الرسول صلى الله عليه وسلم حين قام الليل، قام ابن عباس فوقف بجوار الرسول صلى الله عليه وسلم من جهة يده اليمنى، وهذا موقف صحيح. قال: فاخذني النبي صلى الله عليه وسلم فجعلني عن يساره، اداره من الخلف وجعله أقامه عن يساره. وهذه الرواية غلط ووهم، وهذا الحديث رواه مجموعة جماعة من الثقات بعكس ذلك، فقالوا: إن ابن عباس قام عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم. طبعا، كان صغيرا، فأداره النبي صلى الله عليه وسلم وجعله عن يمينه.

الفرق بين هذا الخطأ والأخطاء السابقة أن الحديث الذي فيه الغلط ليس من رواية كبار الثقات، بل وليس من رواية الثقات أصلا. إذا يزيد بن أبي زياد فيه ضعف، هو ليس شديد الضعف، ولكنه رجل لين الحديث وعنده أخطاء. وكذلك كثير بن زيد فيه ما فيه، ليس بتلك المتانة والقوة، وإن كان أجود حالا من يزيد بن أبي زياد، إلا أن حديث الضعفاء ليست دائما مردودة ويجزم بردها في مثل هذه الرواية حين يكتشف خطأها.

يقول الإمام مسلم رحمه الله، الآن سيذكر الروايات المخالفة لرواية كثير بن زيد عن يزيد بن أبي زياد. يقول: حدثنا، انظروا كم الروايات؟ روايات كثيرة جدا تجعلك تقطع قطعا يقينيا أن تلك الرواية غلط. قال حدثنا ابن أبي عمر قال حدثنا سفيان، طبعا سفيان هو ابن عيينة عن عمرو بن دينار بالمناسبة، وعن سفيان من أثبت الناس في عمرو بن دينار، عن كريب عن ابن عباس رضي الله عنه أنه بات ليلة عند ميمونة، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم من الليل فتوضأ. قال ابن عباس: فقمت فصنعت مثل ما صنع النبي صلى الله عليه وسلم ثم جئت فقمت عن يساره، فجعلني عن يمينه.

طيب ومخرّمة بن سليمان عن كريب، الآن عندنا راويان عمرو بن دينار ومخرّمة بن سليمان كلاهما عن كريب، وسلمة بن كهيل عن أبي رشدين وسلمة عن كريب وسالم أبي الجعد عن كريب وهشيم عن أبي بشير عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وابن أو عن عبد الله عن أبيه والحكم عن سعيد بن جبير وابن جريج عن عطاء وقيس بن سعد عن عطاء وأبي وقيس بن سعد عن عطاء وأبي نضرة عن ابن عباس والشعبي عن ابن عباس وطاووس عن عكرمة عن ابن عباس.

سمعت أبا الحسين الذي هو مسلم يقول: فقد صح بما ذكرنا من الأخبار الصحاح عن كريب وسائر أصحاب ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أقامه عن يساره أن النبي صلى الله عليه وسلم أقامه عن يساره وهم وخطأ غير ذي شك، يعني بدون شك أن هذا غلط وخطأ، وعلمنا كيف اكتشفنا ذلك، لما جمعنا الطرق وجدنا أن مجموع رواية الثقات على خلاف رواية يزيد بن أبي زياد.

وكالذي صح عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أقامه عن يمينه رواية جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة أبي حزرة عن عبادة بن الصامت ابن عبادة أتينا جابرا فقال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى ثم جئت فقمت عن يساري رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ عن فأخذ بيده فادارني حتى أقامني عن يميني. ثم جاء جبار بن صخر فقام عن يسار رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ بأيدينا جميعا فدافعنا حتى أقامنا خلفه. وكذا روى محمد بن المنكدر عن جابر رضي الله عنه.

يقول، مما يزيد الأمر يقينا في أن رواية كريم غلط، الرواية عذرا يزيد بن أبي زياد غلط، هو أنه قد جاء من غير طريق ابن عباس أيضا نفس هذا المعنى وهذا يؤكد ما ذكره رحمه الله تعالى.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه اجمعين. أما بعد، مرحبا بكم في اللقاء الخامس في التعليق على كتاب التمييز للإمام مسلم رحمه الله تعالى.

ومن أهم ما يميز كتاب الإمام مسلم رحمه الله تعالى أنه يوقف الناظر فيه على أسباب الخطأ والغلط في الحديث، ويوضح للباحث والمتأمل يوضح له كيف يعلل النقاد الحديث. فإن طالب العلم يجب عليه أن يقف على تفصيلات ذلك وتطبيقاته، وألا يكتفي بمعرفة القواعد النظرية للعلل. فمثلا حين يأخذ طالب الحديث أن من طرق كشف العلل جمع الطرق، جمع الأسانيد للحديث الواحد، والمقارنة بين هذه الأسانيد، وثم ترجيح أحاديث الثقات والأعلم بالشيخ، هذه قاعدة نظرية. لكن إذا درست تفصيلات ذلك وأخذ الأمثلة العملية عليها، وتكررت عليه النماذج، فإن هذه القاعدة النظرية تترسخ. ولا يعني لا يوجد شيء يمكن أن يكشف للناظر دقة علم الحديث وحقيقة العمل الذي يجري أو الذي يقوم به النقاد لكشف العلل مثل الوقوف على الأمثلة العملية.

عندنا اليوم عددا من الأمثلة العملية. وكما قلنا، كتاب التمييز مليء بالأمثلة على العلل والأخطاء. قال الإمام مسلم رحمه الله تعالى: ومن الأخبار التي يهم فيها بعض ناقليها.

حدثنا يحيى بن يحيى وأبو كريب ومحمد بن حاتم قالوا: حدثنا أبو معاوية عن هشام عن أبيه عن زينب عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرها أن توافي معه صلاة الصبح يوم النحر بمكة.

سمعت مسلما يقول: وهذا الخبر وهم من أبي معاوية لا من غيره. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصبح في حجته يوم النحر بالمزدلفة، وتلك سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. فكيف يأمر أم سلمة أن توافي معه صلاة الصبح يوم النحر بمكة وهو حينئذ يصلي من مزدلفة؟ سمعت مسلما يقول: هذا الخبر محال. ولكن الصحيح من روى هذا الخبر عن أبي معاوية، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن توافي صلاة الصبح يوم النحر بمكة، وكان يومها فأحب أن وإنما أفسد أبو معاوية معنى الحديث حين قال توافي معه.

سمعت مسلما يقول: وسنذكر إن شاء الله رواية أصحاب هشام عن هشام هذا الحديث ليتبين من صواب مصيبهم فيه وخطأ مخطئهم. حدثنا ابن أبي عمر قال حدثنا سفيان قال حدثنا هشام عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أم سلمة أن تصلي الصبح يوم النحر بمكة، وكان يومها فأحب أن توافقه. وروى هذا الحديث عبدة عن هشام ويحيى عن هشام.

في الرواية الصحيحة من هذا الخبر ما رواه الثوري عن هشام. وقد روى وكيع أيضا فوهم فيه كنحو ما وهم فيه أبو معاوية. حدثنا أبو بكر قال حدثنا وكيع عن هشام عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمر أم سلمة أن توافيه الصبح بمنى.

سمعت مسلما يقول: وسبيل وكيع كسبيل أبي معاوية. أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الصبح يوم النحر بمزدلفة دون غيرها من الأماكن لا محالة.

إذا، هذا المثال الأول في هذا الدرس: الخطأ والعلة. هذا الحديث يرويه هشام بن عروة بن الزبير رحمه الله تعالى. وقد رواه عن هشام جماعة من الرواة، منهم أبو معاوية محمد بن خازم الضرير رحمه الله تعالى وهو من رجال البخاري ومن رجال الإام مسلم، راوي مشهور كوفي، وهو ثقة. ولكن حديثه ليس على درجة واحدة في التثبت والاتقان. وهذا أمر مهم جدا لا يدركه إلا من يقرأ في كتب الحفاظ، ويدمن القراءة والنظر في كتب العلل وفي كتب الجرح والتعديل بشكل عام.

حديث الثقات ليست على درجة واحدة. آآ هناك عدد من الثقات تختلف مراتب حديثهم، فيتقنون حديث بعض الشيوخ ولا يتقنون حديث شيوخ آخرين. ومنهم أبو معاوية، أبو معاوية رحمه الله تعالى هو من أثبت الناس في الأعمش، فإذا روى عن الأعمش فانه يتقن حديثه، ولكن حديثه عن غير الأعمش ليس بذاك المستوى وإن كان في الجملة مقبولاً. ومنه حديث عن هشام العروة فانه يضطرب فيه أحياناً ولذلك أخطأ في هذا الحديث.

فهذا الحديث كما قلنا رواه عن هشام بن عروة جماعة منهم أبو معاوية، فرواه عن هشام عن أبيه عن زينب عن أم سلمة، ورواه جماعة من أصحاب هشام فخالفوا أبا معاوية في الإسناد وفي المتن أيضاً. وأما مخالفتهم إياه في الإسناد فإنهم فقد رووه عن هشام عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم ومرسلاً، لم يذكروا زينب ولم يذكروا أم سلمة، ذكروا أم سلمة في القصة فقط لكن لم يذكروها في الإسناد. وهذا الاختلاف آآ رواية الثقات على هذا الوجه هي الراجح، رواية أبي معاوية فيها خطأ في الإسناد إضافة إلى أن فيها خطأ في المتن، وهو الخطأ الذي ركز عليه الإام مسلم وأبرزه.

وهذه قضية مهمة ظاهرة في كتاب التمييز؛ التدقيق على المتون، آآ تعليل بعض المتون بسبب مخالفتها لما هو أصح منه من المتون. فمسلم يقول: كيف يأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن أم سلمة أن توافي معه صلاة الصبح يوم النحر بمكة؟ ومن المعلوم والثابت عنه من طرق متعددة أنه صلى الصبح يوم النحر بمزدلفة، تعرفون ليلة النحر يبيت النبي صلى الله عليه وسلم يبيت الحجاج من مزدلفة، وبات النبي صلى الله عليه وسلم من مزدلفة ثم صلى الصبح بمزدلفة ثم انطلق آآ إلى إلى منى.

فهذا الحديث يقول إن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أم سلمة أن توافي معه، وكلمة معه هنا يعني فيها إشكال كبير صلاة الصبح بمكة. ويقول مسلم رحمه الله: كيف يأمر أم سلمة أن توافي معه صلاة الصبح من مكة وهو حينئذ يصلي بمزدلفة؟ هذا خبر محال. إذاً هذا هذه آآ هذا سبيل من سبل كشف العلل في آآ الأحاديث سواء في المتون أو في الأسانيد، ثم ذكر رواية آآ سفيان وغيره هذا الحديث مرسلاً، ثم بين أن وكيع آآ ابن الجراح رحمه الله أيضاً أخطأ في متن هذا الحديث وإن كان لم يخطأ في سنده. فوكيع روى هذا الحديث عن هشام عن أبيه كأن النبي صلى الله عليه وسلم مثل رواية الجماعة، فرواه مرسلاً فوافق الجماعة في الإسناد وخالفهم في المتن فزاد فيه أن توافيه صلاة الصبح بمنى، هذا من الخطأ الذي أيضاً وقع فيه وكيع رحمه الله تعالى في المتن ولكنه حفظ الإسناد ولم يخطئ فيه كما أخطأ أبو معاوية.

آآ بقي أن أقول إن هناك وجهاً لهذه الحديث آآ رواه أحد الرواة عن هشام عن أبيه عن عائشة رضي الله تعالى عنها، لاحظوا أبو معاوية رواه عن هشام امن عن هشام عن أبيه عن زينب عن أم سلمة، لكن رواه آخر أظن الضحاك فرواه عن هشام عن أبيه عن عائشة. ليش قال عن عائشة والبقية قالوا عن أم سلمة أو قالوا أو رووه مرسلاً؟ لأن هذا اسمه هذا اسمه عند المحدثين سلوك الجادة. إيش معنى سلوك الجادة؟

هناك أسانيد متكررة في الرواية معروفة، وهناك رواة دائماً يروون عن شيوخ معينين أو عن صحابة معينين، فيسبق الوهم أو يسبق إلى الذهن حين تسمع اسم هذا الراوي يسبق إلى ذهنك المعتاد من روايته، فتظن أنه روى هذا الحديث عن شيخه المعتاد إذا لم تحكم وتضبط الرواية. فهذا الضحاك رواه عن آآ هشام عن أبيه عن عائشة لأن هشام دائماً يروي عن عروة عن عائشة، أبوه اللي هو عروة، وسلسلة هشام عروة عائشة هذه السلسلة معروفة ومطروقة وتسمى جادة.

فمن طرق كشف العلل أو الخطأ أن يكون الحديث مروياً على أكثر من وجه ومن وجوه الحديث؛ رواية الجادة. فرواية الجادة مظنة الوهم إذا كان هناك ما يخالفها من أحاديث الثقات. إذاً هذا المثال الأول الذي معنا.

ثم قال رحمه الله قال: سمعت مسلما يقول: ومن فاحش الوهم لابن لهيعة؛ حدثنا زهير بن حرب قال: حدثنا إسحاق عيسى، بالمناسبة زهير بن حرب هذا شيخ من أكثر الشيوخ الذين روى عنهم الإمام مسلم في صحيحه وهو كنيته أبو خيثم، آآ فروى عنه الإمام مسلم في صحيحه أحاديث كثيرة جداً، قال: حدثنا زهير بن حرب قال: حدثنا إسحاق بن عيسى قال: حدثنا ابن لهيعة قال: كتب إلي موسى بن عقبة يقول: حدثني بشر بن ابن سعيد عن زيد بن ثابت أن رسول الله قال صلى الله عليه وسلم: احتجم في المسجد. قلت لابن لهيعة: مسجد بيت مسجد في بيته؟ قال: مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم.

سمعت مسلما يقول: وهذه رواية فاسدة من كل جهة، فاحش خطأها في المتن والإسناد جميعاً، وابن لهيعة المصحف في متنه المغفل في إسناده. وإنما الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجر في المسجد بخوصة أو حصير يصلي فيها، وسنذكر صحة الرواية في ذلك إن شاء الله تعالى.

طيب، الآن الخطأ الذي وقع فيه ابن لهيعة وهو راو مصري معروف اسمه عبد الله آآ ابن لهيعة ولم يخرج له الإمام البخاري ولا الإمام مسلم من ناحية الاحتجاج، وهو راوي مشهور ومكثر ومخرج حديثه في السنن، وإن كان الإمام النسائي أيضاً اجتنب حديثه، آآ لكن هناك من يقول إن عبد الله ابن لهيعة إن إن حديث عبد الله ابن لهيعة مقبول إذا كان من رواية العبادلة عنه، وهذا الكلام فيه نظر إذا كان المقصود قبول صحة أو قبول احتجاج هذا كلامه فيه نظر.

فإن من الحفاظ من ضعف ابن لهيعة مطلقاً، على كل حال ليس هذا مجال التفصيل في عبد الله بن لهيعة في حاله، وإنما إثبات الخطأ الفاحش الذي وقع فيه في هذا في هذه الرواية. الآن يقول: كتب إلي موسى بن عقبة. موسى بن عقبة هذا أحد الرواة الثقات المعروفين، كتب حديثاً، هذي طريقة من طرق التحمل أن يأخذ الراوي الحديث كتابة، يكتب إليك الشيخ كتابه، هذا يكون مثلاً في مدينة وهذا في مدينة في كتب له يرسل له الحديث إرسالاً، آآ فكتب له هذا الحديث.

فابن لهيعة لم يقرأ الكتابة جيداً فصح فـ آ فقْرأ كلمة احتجر قرأها احتجم، تعرفون احتجم معروفة والفرق بينها وبين احتجر حرف الراء فحرف واحد فقط، فرأى احتجر احتجم وفرق في المعنى كبير بين احتجر واحتجم، يعني احتجر الرسول صلى الله عليه وسلم آآ حجيرة في المسجد أو احتجر في المسجد بخوصة وحصير معناه اتخذ حجرة في المسجد، ولكن آآ ابن لهيعة قرأها احتجم فتحدث بهذا الحديث.

فالراوي تعجب، يعني كيف الرسول صلى الله عليه وسلم يحتجم في المسجد؟ فقال له: مسجد في بيته، يعني في مسجد بيته احتجم أم في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم؟ فابن لهيعة حمل القضية على الأصل؛ المسجد الأصل إذا أطلق المسجد المقصود به مسجد العام. فقال: مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم.

فالإام مسلم يقول: هذه رواية فاسدة من كل جهة فاحش خطأها في المتن والإسناد، آآ ففي المتن هذا هو الخطأ. وكيف عرفنا الخطأ؟ عرفنا الخطأ من خلال الأحاديث الأخرى التي آآ نقلت نفس نفس الخبر نفس الإسناد من رواية بشر بن سعيد ولكن أيضاً مع اختلاف يسير في إسناده أخطأ فيه آآ ابن لهيعة.

من الذي كتب لابن لهيعة؟ هو موسى بن عقبة، موسى بن عقبة رواه عن من؟ موسى بن عقبة رواه ليس عن بشر بن سعيد مباشرة كما قال ابن وإنما رواه عن أبي النضر، قال الإمام مسلم: حدثني محمد بن حاتم قال: حدثنا بهز بن أسد قال: حدثنا وهيب وحدثنا وهيب قال قال: حدثنا حدثني موسى بن عقبة قال: سمعت أبا النضر يحدث عن بشر بن سعيد عن زيد بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ حجرة في المسجد من حصير، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ليالي حتى اجتمع إليه أناس، ثم فقدوا صوته ليلة وظنوا أنه قد نام، فجعل بعضهم يتنحنح بأن يخرج إليهم وساقه.

حدثنا محمد بن مثنى قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا عبد الله بن ابن سعيد قال: حدثنا سالم أبو النضر مولى عمر بن عبيد الله أم بشر بن سعيد عن زيد بن ثابت قال: احتجر رسول الله صلى الله عليه وسلم بخصفة أو حصير، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم.

سمعت مسلما يقول: الرواية الصحيحة في هذا الحديث ما ذكرنا عن وهيب وذكرنا عن عبد الله بن سعيد عن أبي النضر، وابن لهيعة إنما وقع في الخطأ من هذه الرواية أنه أخذ الحديث من كتاب موسى بن عقبة إليه في ذكر فيما ذكر، وهي الآفة التي تخشى على من اخذ الحديث من الكتب من غير سماع من المحدث أو عرض عليه، فإذا كان أحد هذين السماع أو العرض فخليق ألا يأتي صاحبه صاحبه التصحيف القبيح آآ وما أشبه ذلك من الخطأ الفاحش إن شاء الله تعالى.

وأما الخطأ في إسناد رواية ابن لهيعة فقوله: كتب إلي موسى بن عقبة يقول: حدثني بشر بن سعيد، وموسى إنما سمع هذا الحديث من أبي النضر يرويه عن بسر عن بسر بن سعيد. هذا تنبيه مهم من إمام مسلم رحمه الله، يقول: إن الرواية عن الكتب من غير سماع أو من غير قراءة على الشيخ هذا قد يوقع الراوي في هذه الأخطاء، يوقعه في التصحيف في خطأ سواء في تصحيف أو في تصحيف أسماء الرواة، وخاصة إذا كانت أسماء الرواة متشابهة، آآ وهذا يدخل في باب المتفق والمفترق أو يعني أكثر ما يدخل فيه المتفق والمفترق قد لا يكون فيه اختلاف في الكتابة، ولكن الذي يدخل فيه من باب أولى هو المؤتلف والمختلف، فتجد أسماء قريبة من بعضها آآ فيعني يقع فيها الخطأ ولهم بعض الأحيان يكون الاختلاف في نقطة واحدة واضحة، أن يكون الاختلاف في آآ حرف في اسم الأب مثلاً، ويختلف الحال أحياناً إذا تغير الحرف أو النقطة ينقلب الراوي من ثقة إلى ضعيف وهكذا.

التنبه لعرض الحديث على الشيخ الذي كتب هذا أمر في غاية الأهمية، وهذا نستفيد منه حتى اليوم، ليس في رواية الحديث خاصة وإنما بشكل عام في قراءة العلم وأخذه، فإن القراءة من الكتب وأخذ العلم عن أن الكتاب الجامد وعدم القراءة على الشيخ وعدم تصحيح الفهم ولا حتى النفس نفس القراءة أو اللفظ هذا يوقع فيه أخطاء متعددة وقد أحياناً تصل إلى أخطاء فاحشة كما في هذا الخطأ الذي اختلف فيه أو بسببه الحكم.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، أما بعد. آآ هذا هو الدرس السادس من دروس المختصر على كتاب التمييز للإمام مسلم رحمه الله تعالى.

وفي العادة أذكر في أول الدرس ببعض المقاصد العامة لكتاب التمييز باختصار شديد. هذا الكتاب من الإمام مسلم رحمه الله مليء بالتطبيقات العملية للأخطاء التي تقع من الرواة، بعضها أخطاء في المتون وبعضها أخطاء في الأسانيد، أسباب الأخطاء التي ذكرها الإمام مسلم من خلال تطبيقات العملية متنوعة؛ فبعض الأخطاء راجع إلى التصحيف، وهذا آخر ما اخذنا من أنواع من الأخطاء في حديث ابن لهيعة حين قال: احتجم النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، الصواب آآ احتجر النبي صلى الله عليه وسلم أو اتخذ حجرة.

وهناك من الأخطاء ما يكون بسبب وهم الراوي، ويعرف ذلك بطريق مخالفة الثقات جمع الطرق ثم النظر في حديث الثقات ومعرفة من خالفهم فيقدم حديث الثقات عليه. هذا كله بعد مقدمة نظرية ساقها الإمام مسلم رحمه الله في أول كتابه بين فيها أنه لا يسلم راو من الخطأ ثم أثبت ذلك عملياً، وفي المقدمة النظرية كذلك ذكر وجهين من وجوه الخطأ التي تقع في الروايات. نكمل حديثنا أو التعليق على الموضع الذي انتهينا إليه.

قال: سمعت مسلما يقول: يقول من الأخبار المنقولة على الوهم في في الإسناد والمتن جميعاً؛ حدثنا أبو بكر قال: حدثنا أبو خالد عن أيمن عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: بسم الله وبالله والتحيات.

قال أبو الحسين وهو مسلم بن الحجاج: هذه رواية من التشهد والحديث غير ثابت الإسناد والمتن جميعاً. والثابت ما رواه الليث وعبد الرحمن بن حميد فتابع فيه في بعضه. آآ طبعا في بعض الطبعات هو أكثر الطبعات مكتوب فيها هذه الرواية من التشهد والتشهد غير ثابت الإسناد والمثن جميعاً. لكن استحسن المحقق آآ طبعة دار ابن الجوزي أن يغير إلى والحديث، أن كلمة والتشهد الثانية إلى كلمة والحديث آآ بحيث ما يكون في تكرار غير مفهوم، لأنه إذا كانت والتشهد تصبح هذه الرواية من التشهد والتشهد غير ثابت آآ ولكن هذه رواية من التشهد حديث غير ثابت لأني أنسب على كل حال يقول الإمام مسلم: والثابت ما رواه الليث وعبد الرحمن بن حميد فتابع فيه في بعضه فيما حدثنا قتيبة حدثنا الليث هنا يعني الأنسب أنه كان يكتب حاء، حاء المعروفة عند المحدثين في الأسانيد بحيث إنه ينتقل الذهن إلى إسناد آخر، يعني بعد حدثنا قتيب حدثنا الليث حاء وحدثنا أبو بكر قال: حدثنا يحيى بن آدم.

حدثنا، قال: حدثنا عبد الرحمن بن حميد، قال: حدثني أبو الزبير، عن طاووس، عن ابن عباس، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلمنا التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن.

سمعت مسلما يقول: فقد اتفق الليث وعبد الرحمن عن ابن حميد الرؤاسي، عن أبي الزبير، عن طاووس. وروى الليث، فقال: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، وكل واحد من هذين عند أهل الحديث هذين الذين هما آآ الليث وعبد الرحمن، وكل واحد من هذين عند أهل الحديث أثبت في الرواية من أيمن، ولم يذكر الليث في روايته حين وصف التشهد: بسم الله وبالله.

فلما بان الوهم في حفظ أيمن لإسناد الحديث بخلاف بخلاف الليث وعبد الرحمن إياه، دخل الوهم أيضا في زيادته في المتن، فلا يثبت ما زاد فيه. وقد روي التشهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أوجه عدة صحاح، فلم يذكر في شيء منه بما روى أيمن في روايته قوله: بسم الله وبالله، ولا ما زاد في آخره من قوله: أسأل الله الجنة وأعوذ بالله من النار، والزيادة في الأخبار لا تلزم إلا عن الحفاظ الذين لم يعلم عليهم الوهم في حفظهم.

هذا الكلام فيه أكثر من مسألة وأكثر من تعليق، وهذا المثال مهم جدا. طبعا وافق مسلما على تضعيف هذه الرواية، رواية أيمن أكثر من واحد من الحفاظ المتقدمين، آآ منهم الإمام الترمذي رحمه الله، وكذلك النسائي، النسائي قال: لا نعلم أحدا تابع أيمن بن نابل على هذه الرواية، وأيمن عندنا لا بأس به والحديث خطأ، آآ كذلك الدارقطني. ومن اللطيف أن آآ الدكتور بشار عواد المحقق المعروف ذكر أنه كان يصحح هذا الحديث اقتداء أحمد شاكر رحمه الله، ولكنه تراجع بعد ذلك آآ فضعفه.

وهنا عندي تعليق على الإمام أحمد شاكر رحمه الله تعالى، وكذلك ينجر هذا التعليق على بعض المحدثين المعاصرين، آآ هناك صحوة حديثية حصلت في العصر الحديث، يعني خلال آآ خمسين أو ستين سنة الماضية، وذلك من خلال بعض رموز العالم الإسلامي الذين أهتموا واشتغلوا بالحديث، ومنهم الإمام أحمد شاكر رحمه الله تعالى، وكذلك الإمام الألباني. وكان لهما من الأثر العظيم على آآ طلاب العلم في العالم، من ناحية إحياء السنة وإحياء علم الحديث، صرف الناس الاشتغال بكتب التراث الحديثية وكتب الأثر، هذا شيء آآ يعرفه كل من يعني يطلع على آآ سيرتهما وعلى نتائج آآ جهودهما في تلك المرحلة.

ولكن ليس معنى ذلك أن كل ما قدماه في الأحكام الحديثية صحيح، آآ فهناك آآ طائفة من الأحكام التي قدمها الله تعالى يخالف فيها أو خولف فيها من بعض الحفاظ المتقدمين، من مثال مثل هذا الحديث، مثل هذا الحديث ضعفه الترمذي قبله الإمام مسلم، وكذلك النسائي، وآآ الدارقطني وصححه أحمد شاكر، وهذا التصحيح لا شك أنه غير صحيح. وهذا أيضا يقع للألباني رحمه الله تعالى في بعض المواضع، ويجب على طالب العلم إذا نقد مثل هذه المواضع أن ينقدها بأدب وباحترام لأهل العلم، وأن لا يعني يسلط لسانه، وأن لا يعني يعلي من شأنه أو من نفسه أو من معرفته، ولكن لا بأس بتبيين المواطن التي أخطأ في تصحيح أو تقوية بعض الأحاديث فيها، وكذلك آآ ما حصل من، على كل حال آآ الإمام مسلم في ختام هذا المثال ذكر قاعدة مهمة، قال: والزيادة في الأخبار لا تلزم إلا عن عن الحفاظ الذين لم يعثر عليهم الوهم في حفظهم.

يقول هنا: إن الزيادة الزيادة الألفاظ، الزيادة في المتون، الزيادة في الأحاديث بشكل عام، هذه الزيادة لا تلزم لا يلزم قبولها إلا إذا كانت الزيادة من الحفاظ المتقنين. وكلمة حفاظ لا شك أنها تفيد معنى أعلى مما يفيده مجرد لفظ الثقة. وقد ذكر الإمام الترمذي أيضا في العلل الصغير مثل هذه العبارة، آآ يعني عبارة تفيد أن الزيادة في الأخبار لا تلزم إلا ممن هم آآ من أهل الحفظ والتقدم فيه.

وهذه قضية في غاية الأهمية، فهناك روايات يختلف الرواة فيها، فبعض الرواة يذكر فيها زيادات وبعضهم لا يذكر فيها، فاذا كان الذي زاد ممن الرواية موصوفا بالتقدم في الحفظ والمبالغة في الاتقان، فإن هذه الزيادة تقبل، وأيضا لا تقبل مطلقا، يعني ليس كل من كان كان مبرزا في الحفظ فزاد زيادة فإنها تكون مقبولة. والترمذي رحمه الله كما أنه ذكر ذلك الكلام نظريا، فإنه حين آآ أتى لتطبيق عملي في هذا آآ ذكر بعض بعض القيود، وإن كان ذكرها عمليا على لسان آآ يحيى القطان في زيادة الإمام مالك في حديث آآ زكاة الفطر. فهذه قضية دقيقة جدا في علم الحديث وفي ميدان علم العلل وفي طريقة تطبيقات المتقدمين، أن الزيادات من الرواة آآ القاعدة العامة فيها هي أن الحافظ إذا كان الراوي إذا كان مبرزا في الحفظ متقدما في الاتقان، فإن زياداته مقبولة ما لم تكن تقم قرينة أيضا على تضعيفها.

وبعض الأحيان تكون القرينة آآ في في يعني متمثلة في قوة الجهة الأخرى التي خالفت هذا الراوي، فقد أحيانا يكون ما بين الروايتين أو ما بين الطرفين في الرواية يكون بينهما تفاوت كبير، فقد يأتي حديث يرويه مثلا سبعة من الثقات أو عشرة من الثقات وكلهم متقنون، ولهم عناية خاصة بحديث الشيخ، ثم ثامن أو عاشر فيخالفهم ويزيد زيادة وإن كانت لا تعاد لا تعتبر مخالفة مضادة، وإنما هي زيادة في الرواية، فهنا قد يتردد الناقد في قبول هذه زيادة وقد يضعفها، وهذا يعني وقع في بعض الأخبار وبعض آآ الروايات الحديثية، مثلا زيادة: وإذا قرئ فأنصتوا، على خلاف في قبولها طبعا، ولكن الذي زادها هو راو ثقة، ومع ذلك نجد من المتقدمين من ضعفها، لأن طائفة آآ غير قليلة من الرواة لم يذكروها.

آآ على كل حال، ليس المراد ترجيح ضعفها أو عدم ضعفها، لكن المراد القول أن زيادة الثقة ثقة هي يعني مسألة ليست ليس فيها نظام مطرد أو قاعدة حرفية مطردة تطبق على كل زيادات الثقات، هذه تحتاج إلى معرفة تفصيلية، معرفة دقيقة بأحوال كل رواية وقرائن الرواية وقرائن الرواة ومدى الاختصاص بالشيخ المختلف عليه حتى يحكم بصوابها من خطئها. وفي الجملة كلما زاد قوة الراوي وتميز في حفظه الذي زاد، فإن قبول روايته أهون من قبول رواية الثقة العادي.

هذه إذا مسألة آآ في حديث أيمن بن نابل، وقد خالف كما قلنا في، ولو لم يكن آآ إلا مخالفة الليث آآ ابن سعد آآ رحمه الله تعالى. قال: سمعت مسلما يقول: من الأخبار التي رويت عن الغلط والتصحيف، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا قبيصة، قال: حدثنا سفيان -سفيان هنا هو الثوري، يعني سفيان بن عيينة في الغالب يكون بينه وبين الإمام مسلم راو واحد فقط، وليس آآ راويا اثنان- عن زيد بن أسلم، عن عياض، عن أبي سعيد، قال: هل كنا نورثه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ يعني الجد. سمعت أبا الحسين يقول: هذا خبر من صح ففيه قبيصة، وإنما كان الحديث بهذا الإسناد عن عياض، قال: كنا نؤديه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعني في الطعام وغيره، في زكاة الفطر، فلم يفهم قراءته اللي هو قبيصة، فقلب قوله إلى أن قال: يورثه، ثم قلب له معنى، فقال: يعني الجد.

من من الواضح لمن يقرأ هذا الكتاب، كتاب التمييز، أن الإمام مسلم رحمه الله بالتصحيف يعتني بالأخطاء التي سببها التصحيف. ولذلك ذكر في البداية آآ حين ذكر الأخطاء أنواع الأخطاء أو جهات الخطأ، ذكر منها آآ التصحيف، كما قرأنا في المقدمة، فقال: وما وصفت من هذه الجهة من خطأ الأسانيد فموجود في متون الأحاديث، مما يعرف مما يعرف خطأه السامع الفهم حين يرد على سمعه، وكذلك نحو رواية بعضهم حيث صح فقال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بئر أراضي النجس، وكما روى آخر فقال: إن أبغض الناس إلى الله ثلاثة: ملحد في الحرفة، وكذا وكذا، أراد ملحدا في الحرم، وكذا، وكراوية الآخر إذ قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تتخذ الروح عرضا، أراد الروح عرضا آآ فهذه هي الجهة التي وصفنا من خطأ الإسناد ومتن الحديث هما أظهر الجهتين خطأ وعارفوه في الناس أكثر.

إذا الإمام مسلم يعني يعتني بقضية الخطأ في الذي يكون بسبب التصحيف. على كل حال نعود إلى الحديث، آآ الإمام مسلم يقول: إن قبيصة آآ أخطأ في هذا الحديث عن آآ الثوري، فرواه آآ بلفظ: كنا نورثه، ثم زاد الجد، والصواب: كنا نؤديه. وهناك تشابه في الكتابة بين نؤديه وبين نورثه، ولا شك أن رواية الرواية على وجه نورثه خطأ، رواية غلط لا شك في ذلك، ولكن الخطأ ممن آآ اختلف الناظرون في هذه القضية، فمنهم من عزاه إلى قبيصة، وهذا رأي الإمام مسلم رحمه الله تعالى، وكذلك رأي الإمام أبي زرعة، حيث قال: هذا خطأ أخطأ فيه قبيصة.

وآآ على هذا التقدير يكون الخطأ من قبيصة بسبب أن رواية، وإن كان ثقة قبيصة، ولكن روايته عن الثوري ليست رواية آآ متينة، هو ليس من المقدمين الكبار من أصحاب الثوري رحمه الله تعالى، ليس مثل يحيى القطان ولا مثل عبد الرحمن بن مهدي، فهذان من كبار أصحاب الثوري من المقدمين فيه، من المتقنين لحديثه. كذلك أبو نعيم الفضل بن دكين وغيرهم آآ فقبيصة ليس مثل هؤلاء، ولذلك يقول ابن معين رحمه الله: هو ثقة إلا في حديث الثوري، سمع منه وهو صغير، سمع منه وهو صغير.

طيب، طبعا ليس معنى ذلك أن حديثه عن الثوري دائما ضعيف، أو يصنف أنه ضعيف، أو الأصل أنه ضعيف، لا، ولكن المقصود أن حديثه عن الثوري ليس بتلك الدرجة من الضبط أو من التثبت والإتقان، آآ غير أن هذا الحديث روي عن قبيصة أيضا على الوجه الصحيح: كنا نؤديه، فروي عنه على الوجه الصحيح، وروي عنه على الوجه الخاطئ، فعندنا احتمالان: أما أن يكون هو قد آآ تبين له الخطأ، وهذا وارد جدا، الرواة الذين يخطئون أحيانا يأتيهم الطلاب فيذكرون لهم الوجه الصحيح، يبينون لهم أو قرناؤهم أقرانهم، فهذا محتمل احتمالا كبيرا أن يكون صحح له خطأه خطأه فرجع عنه، ومن المحتمل أن يكون الخطأ ممن روى عنه، وآآ لكن هذا فيه يعني فيه بعد نوعا ما، فلعلق به رحمه الله تعالى أخطأ في أول الأمر، ثم عاد آآ روى الحديث على وجهه آآ الصحيح.

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: مرحبا بكم، هذا هو الدرس السابع من دروس التعليق على كتاب التمييز للإمام مسلم رحمه الله تعالى. وكنت في العادة في بداية كل درس أذكر بالمنهجية العامة للإمام مسلم في هذا الكتاب، وقد لا أحتاج إلى التذكير بعد ذلك إلا يسيرا، آآ لأني كررت ذلك في مرات متعددة.

قال الإمام مسلم رحمه الله تعالى: حدثنا ابن نمير، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا حجاج، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أعتق نصيبا له في عبد، ضمن لأصحابه في ماله إن كان موسرا، وإن لم يكن له مال بذل العبد. وروى هذا الخبر غير واحد هذه الرواية عن نافع في استسعاء العبد فاعتق، والدليل على خطأه اتفاق الحفاظ من أصحاب نافع على ذكرهم في الحديث المعنى الذي هو ضد السعاية، وخلاف الحفاظ المتقنين لحفظهم يبين ضعف الحديث من غيره. وسنذكر إن شاء الله ما روى بعض من أصحاب نافع بخلاف ما من قدمنا روايته في هذا الخبر.

قبل أن أكمل باقي الطرق آآ هذا المثال ذكره الإمام مسلم رحمه الله تعالى ليبين خطأ من أخطأ في الرواية وطريقة اكتشاف ذلك الخطأ كما هي العادة التي صار عليها في في هذا الكتاب. هذا الحديث فيه ذكر لمسألة آآ عتق العبد الذي يشترك فيه أكثر من سيد، فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول: من أعتق آآ شركا له في عبد، هذه الرواية الأخرى اللي هي أصح: من أعتق شركا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد، قوم قيمة عدل، فأعطى شركاء حصصهم، وعتق عليه العبد، والا فقد عتق منه ما عتق. وهو قريب من اللفظ الذي أخرجه مسلم.

هذا الحديث الصحيح أو هذا اللفظ الصحيح من رواية ابن عمر رضي الله تعالى عنه. والمعنى أن الذي أعتق نصيبا له من عبد، فإما أن يكون موسرا، فيقوم العبد تقوم قيمة العبد، فيأتي هذا الموسر في دفع لبقية الشركاء الذين يملكون العبد، يدفع لهم حصصهم بقدر قيمة العبد، وإذا لم يكن موسرا فقد عتق منه ما عتق، يعني عتق منه الجزء الذي تحته.

لكن اللفظ الذي ذكره مسلم في البداية هنا، اللي هو من طريق الحجاج، قال: وإن لم يكن له مال بذل العبد، وهذا يخالف قوله: فقد عتق منه ما عتق. فقد جعل هنا حملا وعبئا على العبد أنه يسعى ليخلص نفسه آآ بدفع بقية الثمن. وهذا هو هذه المسألة المعروفة بالسعاية، وهي واردة في حديث آخر وفي حديث أبي هريرة أيضا مختلف في آآ في كون لفظ السعاية محفوظ فيه، ليس الآن آآ الشأن في حديث أبي هريرة، عندنا الآن حديث ابن عمر، حديث ابن عمر لا شك أن لفظ السعاية وما يتعلق بمعنى السعاية لا يصح.

وإنما هو ذكر المسلم أن وارد من طريق حجاج قال: سنذكر إن شاء الله ما روى الحفاظ من أصحاب نافع بخلاف من قدمنا روايته في هذا الخبر. حجاج رواه عن نافع، طيب، عندنا آخرون لدينا رواة آخرون رووا عن نافع خلاف ما رواه حجاج عنه. فقال مسلم: حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من أعتق شركاً له في عبد فكان له ثمن فكان له مال يبلغ وثمن العبد قوم عليه قيمة عدل فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق.

وروى عبيد الله عن نافع بهذا، وأيوب ويحيى بن سعيد وجليل بن حازم والليث من جريج ومعمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر رضي الله عنه. إذاً الآن ليس فقط رواية مالك وعبيد الله عن نافع وهاتان الروايتان تكفيان لإسقاط رواية حجاج، لكن مع ذلك أيضاً جاء من طريق، يعني الآن عندنا الرواة عن نافع، حجاج عن نافع روى بلفظ السعاية أو بمعنى السعاية، وخالفه مالك وعبيد الله بن عمر وكل واحد منهما أثبت من الآخر في نافع وأجل من روى عن نافع رضي الله عنهم أجمعين ورحمهم.

أجل من روى عن نافع هم هؤلاء: مالك وعبيد الله بن عمر واختلف في تقديم أحدهما على الآخر، وأيوب كذلك في منزلتهما. ثم عندنا أيضاً رواية عن الزهري عن سالم عن أبيه، وهذه رواية ليس فيها ذكر الاستسعاء، فصار عندنا متابع لنافع في عدم ذكر الاستسعاء، وكذلك ذكر طرقاً متعددة ولواء، وعندنا متابعة كذلك نافع وسالم من رواية حبيب بن أبي ثابت رحمهم الله تعالى. يقول مسلم بعد ذلك: وسفيان عن عمرو عن سالم وحبيب بن أبي ثابت عن ابن عمر رضي الله عنه، وعبد العزيز عن أهل مكة عن ابن عمر. يقول: قد ذكرنا جملة من رواية من روااة هذا الخبر، يعني ابن عمر رضي الله عنه، وليس في حديث واحد منهم ذكر السعاية إلا الذي قدمنا حديثهم من قبل.

وفيما ذكر مالك وعبيد الله وأيوب وجليل بن حازم في حديثهم: فإن لم يكن لهم مال عتق منه. بيان أن السعاية ساقطة عن العبد، وليس حجاج وأشعث والدالاني عن الصائغ بشيء يعتبر بهم من رواية أحد من هؤلاء إذا خالفوا فكيف بهم جميعاً وقد أطبقوا على الخلاف لهم؟ يقول: إن رواية حجاج وأشعث والدالاني عن الصائغ، طبعا هو لم يذكر رواية أشعث والدلاني عن الصائغ، يعني كأنه يقول: إن من ذكر السعاية الحجاج وكذلك أشعث والدالان عن الصائغ، لعل هذا من اختصار الكتابة، يعني بسبب اختصار الكتابة لعلها لم تذكر الروايات الأخرى.

يقول: ليست روايتهم بشيء إذا خالفت رواية أحد هؤلاء الذين ذكرنا، يعني فقط رواية مالك عن نافع عن ابن عمر تكفي لهدم رواية هؤلاء فكيف وقد اجتمع مالك وعبيد الله ورواية الجماعة عن الزهري عن سالم ورواية حبيب بن أبي ثابت عن ابن عمر، يقول: هذا إطباق هؤلاء كاف في أو يعني قاطع في إسقاط تلك الرواية. يقول: فأما ابن أبي ذئب فلم يذكر ابن أبي فديك السعاية عنه في خبره، يعني هنا يقول: إنه عندنا رواية أخرى أيضاً فيها ذكر السعاية من طريق ابن أبي ذئب، وابن أبي ذئب ثقة.

ولكن اختلفوا عنه، اختلف عنه أي أن الرواة الذين رووا عنه عن ابن أبي ذئب اختلفوا عنه، فابن أبي فديك الراوي عن ابن أبي ذئب لم يذكر الساعات، طبعا ابن أبي ذئب رواه عن نافع عن ابن عمر، لكن هل نستطيع أن نقول إنه بالفعل ابن أبي ذئب رواه لنافع عن ابن عمر؟ هل نستطيع أن نقول أن ابن أبي ذئب بالفعل خالف مالكاً؟ نقول: لا؛ لأن هناك اختلافا عن ابن أبي ذئب نفسه، رواه عنه ابن أبي فديك ولم يذكر لفظ السعاية فيكون هذا موافقاً لرواية الجماعة.

وابن أبي بكير رواه عن ابن أبي ذئب بلفظ السعاية، ولكن يقول الإامم مسلم: فلعل ابن أبي بكير حين ذكر عنه السعاية كان قد لقن اللفظ؛ لأن سماعه عن ابن أبي ذئب بالعراق فيما نرى وفي حديث العراق وفي حديث العراقيين عنه كثير. هنا الجملة ليست مستقيمة حقيقة، لعل هناك كلمة ساقطة مثلاً وهم كثير. يقول: إن سماعنا بالعراق فيما نرى وفي حديث العراقيين عنه كثير، لعله وهم كثير أو خطأ كثير، أو هو في حديث العراقيين عنه كثير من الغلط أو كثير من الوهم حتى تستقيم الجملة.

خلاصة الكلام أيها الكرام أن حديث الشركاء في العبد قد روي عن نافع عن ابن عمر من طريق مالك وعبيد الله بن عمر بدون لفظ السعاية، وخالفهما حجاج بن أرطاة وهو وفيه ضعف فذكر السعاية، وكذلك رواه محمد بن أبي ذئب عن نافع عن ابن عمر بلفظ السعاية في رواية ابن بكير عنه ابن أبي بكير، ولكن هذه الرواية ليست قوية؛ لأن ابن أبي بكير خولف من جهة ابن أبي فديك، وابن أبي فديك سماعه من ابن أبي ذئب في الحجاز ورواية الحجازيين أقوى، وأما ابن أبي بكير فروايته عن ابن بذئب عراقية ورواية العراقيين أضعف من رواية الحجازيين.

وهكذا رواية الدالاني وأشعث عن الصائغ، الذي هو إبراهيم بن ميمون، الدعلاني يعني صدوق ولكن لديه من الخطأ ما يعني ليس متقناً، وكذلك أشعث ضعيف، فهؤلاء كلهم روايات ليست متينة في مقابل روايات رواية الجماعة عن نافع أو عن ابن عمر سواء من طريق نافع أو من طريق سالم أو من طريق ابن عمر نفسه رضي الله تعالى عنه. وبالتالي اكتشفنا الآن لو عرفنا كيف وقع الخطأ والوهم أو كيف اكتشفنا نحن الخطأ في هذه الرواية عن طريق مخالفة الثقة. طبعا السعاية مذكورة في حديث أبي هريرة أخرجه البخاري ومسلم واختلف في تصحيح هذا الحديث اختلافاً كثيراً، بعضهم يرى أن الاستعاية ذكر السعاية مدرج ومنهم الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

طيب، ثم قال الإمام مسلم: ومن الحديث الذي نقل على الوهم في متنه ولم يحفظ، حدثنا ابن نمير قال: حدثنا أبيه، قال: حدثنا سعيد بن عبيد، قال: حدثنا بشير بن يسار الأنصاري عن سهل بن أبي حثمة أنه أخبره أن نفراً منهم انطلقوا إلى خيبر فتفرقوا فيها فوجدوا أحدهم قتيلاً فقالوا للذين وجدوه عندهم: قتلتم صاحبنا؟ قالوا: ما قتلنا ولا علمنا. فانطلقوا إلى نبي الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا رسول الله، أتينا خيبر فتفرقنا فيها فوجدنا أحدنا قتيلاً فقلنا للذين وجدناه عندهم: قتلتم صاحبنا؟ قال: قتلنا ولا علمنا. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تجئون بالبينة على الذي تدعون عليهم؟ قالوا: ما لنا بينة. قال: فيحلفون لكم. قالوا: لا نقبل أيمان يهود. فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطل دمه فوداه رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة من إبل الصدقة.

وروي عن سعيد بن عبيد كذا من رواية أبي نعيم قال أبو الحسين اللي هو مسلم: هذا خبر لم يحفظ لم يحفظه سعيد بن عبيد على صحته ودخله الوهم حتى أغفل موضع حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم على جهته، وذلك أن في الخبر النبي صلى الله عليه وسلم بالقسامة أن يحلف المدعون خمسين يميناً ويستحقون قاتلهم فأبوا أن يحلفوا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: تبرئكم يهود بخمسين يميناً فلم يقبلوا أيمانهم، فعند ذلك أعطى النبي صلى الله أعطى النبي صلى الله عليه وسلم عقله، وسنذكر هذا الخبر بخلاف ما روى سعيد بخلاف ما روى سعيد.

هذا الحديث في القسامة بفتح القاف وتخفيف السين، والقسامة هي اليمين سميت بذلك لأنها تقسم على أولياء الدم، تقسم على أولياء الدم الأيمان تقسم على أولياء الدم. إذا اجتمع أولياء الدم وادعوا على رجل أنه قتل صاحبهم فإنهم يتقاسمون اليمين يحلفون خمسين يميناً. وهناك من أهل اللغة من قال: إن القسامة هي اسم للأولياء الذين يحلفون على استحقاق دم المقتول، وأشهر حديث في القسامة هو حديث سهل بن أبي حثمة رضي الله تعالى عنه.

والإمام هذا الحديث اللي يبين الوهم الذي وقع فيه في لفظ البينة، فإن القسامة ليس فيها بينة، وصفتها أن يوجد قتيل لا يعرف قاتله ولا تقوم البينة على من قتله، فيأتي أولياء المقتول أولياء الدم فيدعون على قاتل على على شخص معين يعني يدعون على واحد أو على جماعة فيقولون: أن هذا الرجل هو الذي قتل صاحبنا. وهناك قرائن تدل على صدق هذه الدعوة لكن ليست بينة، لا تقوم لا تصل هذه القرائن إلى درجة البينة. يقوم هذا هؤلاء أولياء الدم بالقسم خمسين يميناً على صحة دعواهم.

وبخصوص القرائن قال ابن حجر رحمه الله تعالى: اتفقوا على أنها لا تجب القسامة لمجرد دعوى الأولياء حتى تقترن بها شبهة يغلب على الظن الحكم بها. إذاً لابد أن تكون هناك قرائن تسمى عند الفقهاء ويحلف مع ذلك أولياء القتيل أو أولياء الدم خمسين يميناً ليستحقوا دم صاحبهم. أما هنا في رواية مسلم التي ساقها لبيان الوهم فقد ذكر فيها سعيد بن عبيد البينة، ومن المعلوم أن القسامة ليس فيها بينة فهذا وهم. يقول: سنذكر هذا الخبر بخلاف ما روى سعيد، حدثنا قتيبة قال: حدثنا الليث عن يحيى عن بشير عن يسار، هذا مذكور بشير عن يسار في طبعة ابن الجوزي تحقيق الدكتور عبد القادر ولكن هذا خطأ عن يحيى عن بشير بن يسار وليس عن يسار.

قال: وحماد بن زيد عن يحيى وبشر المفضل عن يحيى وعبد الوهاب عن يحيى وسفيان بن عيينة عن يحيى وسليمان بن بلال عن يحيى وهشيم عن يحيى وعن ابن إسحاق قال: حدثني بشير بن يسار وابن شهاب قال: أخبرني أبو سلمة وسليمان بن يسار عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية. وروي هذا عن يونس عن ابن شهاب.

ثم قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: أنا أبو خالد الأحمر عن حجاج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن حويص ومحيص أبناء مسعود وعبد الله وعبد الرحمن أبناء فلان خرجوا وساقه حدثنا محمد بن رافع قال: حدثنا عبد الرزاق قال: أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني الفضل عن الحسن أنه وأخبره أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بيهود فأبوا أن يحلفوا فرد القسامة على الأنصار فأبوا أن يحلفوا فجعل النبي صلى الله عليه وسلم العقل على اليهود.

قال أبو الحسين: فقد ذكرنا جملة من أخبار أهل القسامة في الدم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلها مذكور فيها سؤال النبي صلى الله عليه وسلم إياهم قسامة خمسين يميناً وليس في شيء من أخبارهم أن النبي صلى الله عليه وسلم سألهم البينة إلا ما ذكر سعيد بن عبيد في خبره، وترك سعيد القسامة في الخبر ألم يذكره. الآن سيوضح الإمام مسلم كيف يكتشف الناقد مثل هذا الخطأ؟

يقول: وتواطؤ هذه الأخبار التي ذكرناها بخلاف رواية سعيد يقضي على سعيد بالغلط والوهم في خبر القسامة، وغير مشكل على من عقل التمييز من الحفاظ من نقلت الأخبار ومن ليس كمثلهم أن يحيى بن سعيد أحفظ من سعيد بن عبيد وأرفع منه شأناً في طريق العلم وأسبابه، فلو لم يكن إلا خلاف يحيى إياه حين اجتمعنا حين اجتمعا في الرواية عن بشير بن يسار لكان الأمر واضحاً في أن بالحفظ يحيى بن سعيد ودافع لما خالفه، غير أن الرواة قد اختلفوا في موضعين من هذا الخبر سوى الموضع الذي خالف فيه سعيد، وهو أن بعضهم ذكر في روايته أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ المدعين بالقسامة، وتلك رواية بشير بن يسار ومن وافقه عليه وهي أصح روايتين.

وقال الآخرون: بل بدأ بالمدعى عليهم لسؤال ذلك. والموضع الآخر: أن النبي صلى الله عليه وسلم وداه من عنده وهو ما قال بشير في خبره ومن تابعه، وقال فريق آخرون: بل أغرم النبي صلى الله عليه وسلم يهود الدية. وحديث بشير بن يسار في القسامة أقوى الأحاديث أقوى الأحاديث فيها وأصحها. إذاً يقول الإمام مسلم رحمه الله تعالى: إن حديث القسامة وقع في اختلاف في ثلاثة مواضع: الموضع الأول ما ذكرناه في القضية البينة ووضح خطأ سعيد.

ثم الموضع الثاني: من الذي يبدأ بالقسامة؟ هل هم المدعون أم المدعى عليهم؟ ويقول: إن رواية التي قدمت المدعين أصح. ثم أيضاً موضع ثالث من الخلاف: من الذي يغرم القتيل أو في في تلك القصة من الذي غرم؟ هل الرسول صلى الله عليه وسلم أغرم يهود الدية؟ أو أنه دفعها من عنده أو داه من عنده؟ يقول: أن رواية ابن بشير في هذا أصح في كل الثلاثة مواضع في عدم البينة وفي البدء بالمدعين وفي أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي وداه من عنده. ثم انتقل إلى حديث آخر قاله مسلم رحمه الله تعالى: ذكر خبر واهن يدفعه الأخبار الصحيح، حدثنا مسلم قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة قال: أخبرنا

ابن وردان عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً من أصحابه فقال: يا فلان هل تزوجت؟ قال: لا. وساقه. قبل أن نكمل كلام الإامم مسلم هنا لم يذكر ما هو ما الخبر أو ما المتن فلعل المختصر أيضاً.

اه يعني قام بهذا الاختصار الذي يعتبر اه مخلاً. تمام الحديث اه أن الرسول صلى الله عليه وسلم سأل رجلاً من من أصحابه: هل تزوجت؟ قال: لا. ولا وليس عندي ما أتزوج به. قال: أليس معك قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ؟ قال: بلى. قال: ربع القرآن. قال: أليس معك اه قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ؟ قال: بلى.

قال: ربع القرآن. قال: أليس معك إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ؟ قال: بلى. قال: ربع القرآن؟ قال: أليس معك إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ اه وَالْفَتْحُ؟ قال: بلى. قال: ربع القرآن؟ قال: أليس معك آية الكرسي: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ؟ قال: بلى. قال: ربع القرآن. قال: تزوج، تزوج، تزوج.

قال مسلم: هذا الخبر الذي ذكرناه عن سلمة عن أنس أنه خبر يخالف الخبر الثابت المشهور، فنقل عوام أهل العدالة ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو الشائع من قوله: قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن. فقال ابن وردان في روايته: إنها ربع القرآن. ثم ذكر في خبره من من القرآن خمس سور، يقول في كل واحدة منها ربع القرآن، وهو مستنكر غير مفهوم صحة معناه. يعني يقول إن هذا الحديث فيه إشكال في متنه؛ كيف تكون آآ يكون للقرآن خمسة أرباع أو لكل شيء خمسة أرباع؟ فهنا يعني خمس آآ سور آآ ومن ضمنها آية أنه قال فيها كل واحد منها ربع القرآن ربع القرآن ربع القرآن. يقول: هذا مستنكر غير مفهوم صحة معناه.

يقول أصلاً اه من ضمن هذه الأشياء التي ذكرت هنا على أن ربع القرآن سورة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، وهي ثلث القرآن كما جاء في آآ رواية عوام أهل العدالة وهو الشائع. يقول: لو أن هذا الكتاب قصدنا فيه الأخبار عن سنن الأخيار بما يصح وبما يستقيم لما استجنا ذكر هذا الخبر عن سلمة بلفظه باللسان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فضلاً عن روايته. يعني يقول مسلم: أنا أتنزه عن ذكر هذا الخبر لولا أني جعلت في هذا الكتاب آآ يعني بيان الأحاديث التي فيها خطأ وغلط. يقول: وكذلك ما أخرجه من الأخبار المنكرة ولكننا سوغنا عن روايته لعزمنا على أخبارنا فيه من العلة التي وصفنا، وسنذكر إن شاء الله ما صح من الأخبار عن رسول الله صلى وسلم.

وسورة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ أنها تعدل ثلث ثلث القرآن. طبعا هنا قال: وسورة، لعلها في سورة ما صح من أخبار عن الرسول صلى الله عليه وسلم في سورة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ أنها تحدث في القرآن، هذا السياق أصح يعني. طيب.

قال: رواه مالك. ورواه مالك بن أنس عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي... شرع في الأحاديث التي في ذكر بعض الأحاديث التي فيها آآ أن قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تعدل ثلث القرآن. قال: ورواه مالك بن أنس عن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي صعصعة عن أبي عن أبي سعيد عن قتادة النعمان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها تعدل ثلث القرآن. ورواه يحيى بن سعيد عن شعبة عن قتادة عن سالم عن معدن عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا، والجرير بن حازم عن قتادة عن أنس، والزهري عن حميد عن أمه أم كلثوم عن النبي صلى الله عليه وسلم، وسويد.

أم سعيد قال: حدثنا فضيل بن عياض عن منصور عن هلال عن ربيع بن خثيم عامر بن ميمون عن ابن أبي ليلى عن امرأة من الأنصار عن أبي أيوب عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا. وعن محمد بن جعفر عن شعبة عن أبي قيس عن عمرو بن ميمون عن أبي مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم، وزكريا.

كان أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن بعض أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم. وعمرو بن عثمان قال: أخبرنا موسى بن طلحة قال: سمعته أبا أيوب. إذاً هذه كلها أحاديث في آآ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ أنها تعدل ثلث القرآن، وهي تخالف الحديث الذي رواه سلمة. اه في أنها ربع القرآن. إذاً فهذه الأحاديث تبين غلط سلمة، وسلمة أصلاً ضعيف، سلمة بن وردان أصلاً ضعيف في حاله، ومثل هذه الأخبار هي التي تبين ضعفه وتكشف عن النكارة في حديثه.

ثم قال الإمام مسلم رحمه الله تعالى: ذكر رواية أخرى نقلها الكوفيون على الغلط، عن عطاء وأبي الزبير عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ببيع المدبر في دين الذي دبره. وهشيم عن عبد الملك عن أبي جعفر محمد بن علي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما باع خدمة المدبر، ومحمد بن فضيل عن عبد الملك عن عطاء عن النبي صلى الله عليه وسلم: أمر ببيع خدمة المدبر إذا احتاج.

حدثنا مسلم قال: حدثنا أبو غسان آآ قال: حدثنا معاذ بن هشام قال: حدثني أبي عن مطر عن عطاء بن أبي رباح وأبي الزبير وعمرو أن جابراً حدثهم أن رجلاً من الأنصار أعتق مملوكه إن حدث به فمات فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فباعه من نعيم بن عبد الله أخي بني عدي. سمعت مسلما يقول: قد ذكرنا رواية أهل الكوفة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيع المدبر، وقد تابع بعضهم بعضاً في أن النبي صلى الله عليه وسلم باعه في دين كان على سيده. وذكر.

الملك في رواية أن الذي باعه النبي صلى الله عليه وسلم باعه بعد موت السيد، وما ذكرنا من زيادة في الخبر غير البيع فخطأ لم يحفظ. وسنذكر إن شاء الله رواية من حفظ هذا الخبر واداه على وجهه وصحته. طبعا أولاً المدبر المدبر هو العبد الذي يعلق عتقه بموت سيده، فإذا مات السيد عتق العبد. هذا اه هو المدبر. آآ وهنا في هذه الأخبار التي نقلها الإامم مسلم يرى أنها غلط وخطأ آآ لم آآ ليس فيها آآ إطلاق جواز بيع المدبر؛ بيع العبد الذي علق عتقه على موت سيده أو بموت سيده. وإنما فيها تقييد بأنه إنما باع خدمة المدبر أو باع المدبر في دين في دين الذي دبره يعني كله معلقة بقيوده.

يقول مسلم رحمه الله إن هذه الزيادات التي التي فيها ذكر شيء زائد على البيع خطأ ولم يحفظ، وإنما المحفوظ هو بيع المدبر. ثم ذكر الروايات، يقول: قال الليث عن أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه أنه قال: أعتق رجل من بني عذرة عبدا له عن دبر - عن دبر هو اللي يعني بعد ما يدبر السيد - فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: الك مال غيره؟ قال: لا. قال: من يشتريه مني؟ فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم. وأيوب عن أبي الزبير عن جابر ومعمر عن أيوب وسفيان عن أبي الزبير.

حماد عن عمرو بن دينار عن جابر أن رجلاً من الأنصار، وسفيان عن عمرو وأيوب عن عمرو وبن جريج عن عمرو، وعبد المجيد بن سهيل عن عطاء عن جابر رضي الله عنه، وأبو عمرو بن العلاء أو ابن العلاء عن عطاء جابر، وابن المنكدر عن جابر.

سمعت مسلما يقول: قد ذكرنا عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم في بيع المدبر من وجوهه ونتبين سبيله إن شاء الله هو همهم وتمييزهم، إذ اتضح بمن بما ذكرنا من روايتهم لهذا الخبر أن الذي رواه الكوفيون فيه وهم حين ألقوا من الخبر ذكرى الدين على الذي دبره وألحقوا فيه البيع بعد موت السيد، وكذلك ذكر من ذكر من ذكر منهم بيع الخدمة، وأن الصحيح من ذلك ما روى غيرهم، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم باع المدبر ودفع الثمن إلى سيده من غير ذكر دين كان عليه. فقد اتفق على ذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحاب عمرو بن دينار مثل أيوب السختياني وابن جريج وآآ حماد وشعبة وابن عيينة، وكذلك عن أبي الزبير عن جابر.

ليث بن سعد وابن أبي ذئب عن ابن المنكدر. ومن ذكرنا روايتهم لا اختلاف بينهم في معنى الخبر، فأما رواية ابن فضيل عن عبد الملك عن عطاء فوهم كله برمته الإسناد والمتن، وذلك أن عبد الملك إنما روى هذا الحديث عن أبي جعفر عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلاً، فأما ذكر الخدمة فغلط لا شك فيه إن شاء الله تعالى إن شاء الله.

طيب إذا هذا آآ خبر كذلك فيه خطأ في المتن والإسناد كذلك آآ كشف خطأ أو كشف هذا الغلط عن طريق جمع الروايات والطرق والمقارنة بينها كالعادة في طريقة اكتشاف آآ الأخطاء.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلي اللهم على رسول الله، أما بعد فمرحبا بكم في اللقاء الثامن من لقاءات التعليق على كتاب التمييز للإامم مسلم رحمه الله تعالى. ولا زال الإامم مسلم يأتي بالأمثلة التطبيقية على الأخطاء الواقعة في الأسانيد والمتون أو في كليهما. فقال رحمه الله: ومن الخبر الذي لم ينقل على الصحة وأخطأ ناقله في الإسناد والمتن: أبو سنان عن علقمة بن مرثد عن ابن بريدة قال: جئت أنا ويحيى بن يعمر. اه ثم لم يسق الحديث أو لم يسق المتن، وهذا غالباً بسبب الاختصار؛ يعني المختصر يكون حذف المتن، وهذا ليس بجيد حقيقة، فإن سياق المتن يزيد في البيان والوضوح والفهم لطبيعة الخطأ.

قال: وأبو عوانة عن عطاء بن السائب قال: حدثنا محارب بن دثار وعلقمة وحسين بن الحسن أن ابن بريدة. هو الآن يسوق الأسانيد نفس الإسناد الأول أو لنفس المتن الأول عفى الله عنه، وسفيان بن علقم ما هو الشريك عن الحسين بن الحسن الكندي عن ابن بريدة وساقه أي ساق المتن، وقد ذكرنا رواية الكوفيين حديث ابن عمر في سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان والإسلام، وقد أوهموا جميعاً في إسناده إذ انتهوا بالحديث إلى ابن عمر، حكي ذلك من حضور رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سأله جبريل.

يقول: إن رواية الكوفي لهذا الحديث فيها خطأ من جهة الإسناد، وذلك بأنهم جعلوا الحديث من مسند ابن عمر، وإنما هو من مسند عمر رضي الله تعالى عنه. فهذه القصة آآ هذا المتن الذي هو ذكر حديث جبريل عليه السلام إنما رواه في بهذا السياق عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وليس ابن عمر. يقول: وإنما روى ابن عمر عن عمر بن الخطاب أنه هو الذي حضر ذلك دون أن يحضره ابن عمر. ولو كان ابن عمر عاين ذلك وشاهده لم يجز أن عن عمر.

وسنذكر إن شاء الله رواية من أسند هذا الحديث إلى ابن عمر رضي الله عنه، يرويه عن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وسؤال جبريل عليه السلام إياه. ثم نذكر مواضع العلم في متنه ونبينها إن شاء الله.

وذكر حديث كهمس هذا المختصر الآن يقول: وذكر حديث كهمس ومطر الوراق وعثمان بن غيث، سليمان التيمي عن يحيى عن ابن عمر مر عن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا في النسخة التي أقرأ منها الآن طبعة ابن الجوزي تحقيق الدكتور عبد القادر، وهنا سقط مخل جداً، وهذا السقط هو اسم عمر رضي الله تعالى عنه. وفي نسخة الأعظم ذكر على الوجه الصحيح؛ لأنه ما الفائدة أن يذكر هنا الإسناد الذي يوافق رواية الكوفيين الخاطئة؟ هذا إشكال حقيقة.

الصواب: وذكر حديث كهمس ومطر الوراق وعثمان بن غيث، سليمان التيمي عن يحيى عن ابن عمر عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: فهذه رواية البصريين لهذا الحديث، وهم في روايته أثبت وأحفظ من أهل الكوفة، إذ هم الزائدون في الإسناد عمر بن الخطاب، ولم يحفظ الكوفيون فيه عمر. الحديث للزائد والحافظ ولأنه في معنى الشاهد الذي قد حفظ في شهادته ما لم يحفظ صاحبه، والحفظ غالب على وناقض عليه لا محالة.

يقول هنا: إن رواية البصريين لهذا الحديث التي فيها الزيادة، زيادة عمر في الإسناد، هي المعتبرة وهي المحفوظ، وهم الذين زادوا في الإسناد رجلاً. قال: والحديث للزائد والحافظ. وهذه الجملة ذكرها الإامم مسلم سابقاً أو ذكر معناها سابقاً، أني قوله آآ والزيادة في الأخبار إنما تلزم عن الحفاظ. قال: والحديث للزائد والحافظ لأنه في معنى الشاهد الذي قد حفظ في شهادته ما لم يحفظ صاحبه، والحفظ غالب على النسيان وقاض عليه لا محالة.

آآ ثم ذكر قضية أخرى. التعليق على هذا الكلام هو أن تنظيرات الحفاظ المتقدمين لا تفهم على وجهها إلا بجمعها مع تطبيقاتهم. وكثيراً ما يدخل الوهم على بعض الشراح وعلى بعض الباحثين في تحقيق مذهب المتقدمين من المحدثين بسبب عزل آآ مقولاتهم النظرية عن تطبيقاتهم العملية. وهذه قضية في غاية الأهمية، أعني التنبه لها. التنبه لهذه القضية في غاية الأهمية، فإنك قد تجد من بعض الحفاظ المتقدمين إطلاق القول بقبول زيادة الثقة، وتعليل وقبول الزيادات في بعض الأحاديث يقول: لأنها زيادة من ثقة، والزيادة من الثقة مقبولة، فيأتي فيأتي غير المحقق فيعتبر هذا مذهباً مطلقاً.

فحيث رأى الزيادة في خبر من الأخبار قبلها، ثم نسب ذلك إلى المتقدمين أو إلى بعض من نقل عنه هذا القول من المتقدمين. وقد يقع هذا لبعض كبار أهل العلم من المشتغلين بالحديث، لكن الوهم إنما يقع لغير المشتغلين بتحرير كلام المتقدمين منهم من أهل الحديث.

فقد يقع لبعض الشراح المعروفين، كما وقع الإمام النووي رحمه الله تعالى في مقدمة مسلم حيث نسب قبول زيادة الثقة إلى الإمام البخاري رحمه الله تعالى، ونسب رد زيادة الثقة إلى الإمام الدارقطني، مع أن للدارقطني عبارة نظرية في قبول زيادة الثقة. والأقرب والارجح أن مذهب البخاري وكذلك مذهب الدارقطني متقارب في ذلك، أو هو مذهب متماثل في هذه القضية، وكلاهما لا يقبل الزيادة مطلقا ولا يردها مطلقا. وقد رد كلا الإمامين بعض الزيادات، وقبل كلا الإمامين بعض الزيادات أيضا.

لذلك نحن نأخذ عبارة الإمام مسلم هذه، نأخذها في ضوء التطبيقات التي يقوم بها أيضا، حتى لا ينسب إليه مذهب يخالف تطبيقاته العملية. ثم انتقل إلى بيان الخطأ الذي وقع في المتن، قال: فأما رواية أبي سنان، أنا ألقى ما في متن هذا الحديث؛ إذ قال فيه إن جبريل عليه السلام، حيث قال جئت أسألك عن شرائع الإسلام، فهذه زيادة مختلقة ليست من الحروف بسبيل، وإنما أدخل هذا الحرف في رواية الحديث شرذمة زيادة في الحرف؛ مثل ضرب النعمان بن ثابت وسعيد بن سنان ومن يجاري الإرجاء نحوهما.

وإنما أرادوا بذلك تصويبا في قوله في الإيمان، وتعقيد الإرجاء في ذلك، ما لم يجد قولهم إلا وهنا، ما لم يزد قولهم إلا وعن الحق إلا بعدا، إذ زادوا في رواية الأخبار ما كفي بأهل العلم. والدليل على ما قلنا من إدخالهم الزيادة في هذا الخبر، أن عطاء بن السائب، وأن عطاء بن السائب وسفيان روياه عن علقمة، فقال: قال يا رسول الله ما الإسلام؟ وعلى ذلك رواية الناس بعد؛ مثل سليمان ومطر وكهمس ومحارب وعثمان وحسين والحسن وغيرهم من الحفاظ، كلهم يحكي في روايته أن جبريل عليه السلام قال: يا محمد ما الإسلام؟ ولم يقل ما شرائع الإسلام كما روت المرجعة؟

هنا يقول إن، كما أن هناك خطأ في الإسناد الذي سبق بيانه وهو جعل الحديث من مسند ابن عمر، فهنا خطأ في المتن لم يقع لعموم الكوفيين، وإنما وقع لبعضهم؛ حيث رووا الحديث أن جبريل قال يا محمد أخبرني عن شرائع الإسلام. يقول: والمعروف في الرواية والمشهور والذي رواه الجماعة: أخبرني عن الإسلام دون إضافة كلمة شرائع، وقال إن إضافة هذه الكلمة توافق مذهب المرجية.

لان الاشكال فيما يبدو على المرجئة هو في تسمية العمل ضمن الاسلام، لان النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل عن الاسلام قال ان تعبد الله ولا تشرك به شيئا ثم ذكر الصلاة والزكاة والصيام والحج وهذه اعمال فذكرها من الاسلام، واما ان كانت من شرائع الاسلام فهذا امر معروف لا ينكره احد، لكن ان تكون من اركان الاسلام نفسه الخلاف يعني في عند المرجئة في قضية دخول العمل.

نسب هذا إلى النعمان الذي هو أبو حنيفة رحمه الله تعالى، وأبو حنيفة له قول محفوظ في الإرجاء يعرف بإرجاء الفقهاء، وهو قول قديم معروف لبعض فقهاء الكوفة كحماد بن أبي سليمان رحمه الله تعالى. غير أن القول بأن هذا اختلاق واصطناع وتعمد تغيير لفظ الحديث، هذا الكلام فيه نظر، فقد يكون من باب الوهم والخطأ أو من باب رواية الحديث بالمعنى الذي فهموه، وأما أن يكون تعمدا فالإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى أجل وأعلى وأعدل من أن يعمل ذلك رحمه الله تعالى.

ثم قال: سمعت مسلما يقول: ذكر رواية فاسدة بلا عاضد لها في شيء من رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، واتفق العلماء على قوله بخلافه. حدثنا مسلم قال: حدثنا حجاج بن الشاعر قال: أخبرني يعقوب بن إبراهيم قال: حدثنا أبي، أنا ابن إسحاق حدثني شعبة بن أبي هند عن رجل من العرب -وهذا قول شعبة بن أبي هند يبدو أنه تصحيف، فلعله سعيد بن أبي هند- من أهل البادية، وقليل من أهل البادية من يكذب في مثل هذا الحديث، أن أباه حدثه قال: لرسول الله صلى الله عليه وسلم يا نبي الله، أرأيت من فاتته الدفعة من عرفات؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن وقفت عليها قبل الفجر فقد أدركت. فقلت: يا نبي الله، أرأيت إن أدركتني الفجر؟ فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن وقفت عليها قبل أن تطلع الشمس فقد أدركت.

يقول الإمام مسلم: هذه رواية فاسدة بلا عاضد لها في شيء من الروايات، واتفق العلماء على القول بخلافها. أين محل الاشكال في متن هذه الرواية؟ محل الاشكال هو القول بأن من وقف يوم عرفة -عفوآ من وقف بعرفة- قبل طلوع شمس يوم النحر فقد أدرك الحج. هذا خلاف الروايات وخلاف قول العلماء جميعا، الذين جعلوا الحد طلوع الفجر وليس طلوع الشمس.

ولذلك قال مسلم: ذكر الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بخلاف هذه الرواية، ثم عن الصحابة والتابعين بعد. حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا وكيع عن سفيان عن بكير بن عطاء عن عبد الرحمن بن يعمر قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفة وأتاه أناس من أهل الكوفة -طبعا هذا خطأ، ليس من أهل الكوفة، والأقرب من أهل نجد- فقالوا: يا رسول الله، كيف الحج؟ قال: الحج عرفة، فمن جاء قبل طلوع الفجر ليلة جمع فقد تم حجه، أيام منى ثلاثة أيام، فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه، ثم أردف رجلا ينادي بهن.

حدثنا عبيد الله بن معاذ قال: حدثنا أبي قال: حدثنا شعبة عن بكير بن عطاء بهذا. حدثنا ابن أبي شيبة قال: حدثنا أبو خالد الأحمر عن حجاج عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس وابن الزبير قال: من نزل عرفة بليل فقد أدرك الحج. وذكر حديث جابر بن عبدالله وابن الزبير وابن عمر أنه كان ينزل من لم يقف بعرفة من ليلة مزدلفة.

فقد تواطأت الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار، أن إدراك الحج هو أن يطأ المرء عرفات مع الناس أو بعد ذلك إلى أقرب الصبح من ليلة النحر، فإن أدركه الصبح ولم يدخل عرفات قبل ذلك فقد فاته الحج، لا اختلاف بين أهل العلم في ذلك. ودل بما ذكرنا من تواطؤ الأخبار واتفاق العلماء على ما وصفنا، أن رواية ابن إسحاق التي رواها فجعل إدراك الحج إلى بعد الصبح قبل طلوع الشمس رواية ساقطة وحديثا مطرحا، إذ لو كان محفوظا وقولا مقولا بمثل سائر الواجبات لم يذهب عن جميعهم.

إذا، الإمام مسلم رحمه الله يعل هذه الرواية بسبب مخالفتها للخبر الصحيح الذي رواه عبد الرحمن بن يعمر رضي الله تعالى عنه، وبسبب مخالفتها لقول أهل العلم من الصحابة والتابعين فمن بعدهم، وإضافة إلى ذلك أنها رواية فيها راو مجهول. لكن محور النقد أو مرتكز النقد عند الإمام مسلم هذه الرواية هو نقد المتن نقد المتن، ولذلك كتاب التمييز للإمام مسلم رحمه الله من أهم الكتب التي يتعرف بها على منهجية المحدثين في نقد المتون.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فمرحبا بكم في الدرس التاسع والأخير من دروس التعليق على كتاب التمييز للإمام مسلم رحمه الله تعالى.

قال: ذكر خبر ليس بمحفوظ المتن. حدثنا يحيى بن يحيى قال: حدثنا وكيع عن سفيان عن أبي قيس عن هزيل بن شرحبيل عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على الجوربين والنعلين. وحدثنا أبو بكر قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن المسلم عن مسروق عن المغيرة قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، وساقه. والأَسْوَدُ بن هلال عن المغيرة، وعلي بن ربيعة قال: خطبنا المغيرة، وإياد بن لقيط عن قبيصة بن برمة عن المغيرة بن شعبة، وعلي بن حمزة بن المغيرة عن أبيه، وعروة بن المغيرة عن أبيه.

قبل أن أكمل الطرق، أؤكد على أن الاختصار الذي وقع لكتاب التمييز للإمام مسلم، اختصار يعني يكون مخلا أحيانا، بمعنى أن القارئ أو الدارس لهذا الكتاب إذا لم يكن على علم بسياق المتون لهذه الأسانيد فقد لا يستبين له وجه الكلام على تمامه. فهنا بعد أن ذكر الإسناد الأول الذي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح على الجوربين والنعلين، ذكر الأسانيد التالية وقال في أولها وساقه، قد يفهم الناظر أو القارئ أن وساقه يعني ساقه على نفس السياق الأول اللي هو مسح على الجوربين والنعلين، وهذا غير صحيح، وسيظهر هذا إن شاء الله في تمام التعليق.

أكمل باقي الطرق التي ذكرها، قال: والزهري عن عباد عن عروة، وبكر بن عبد الله عن ابن المغيرة عن المغيرة، وسليمان التيمي عن بكر عن الحسن عن ابن المغيرة بن شعبة، وعن أبي شريك عن أبي السائب عن المغيرة، ومحمد بن عمر عن أبي سلمة عن المغيرة وعروة بن المغيرة عن أبيه، وعامر بن عامر وسعد بن عبيدة قال: سمعنا المغيرة، وأبو العالية عن فضالة عن المغيرة، وعمرو بن وهب عن المغيرة، وابن عون عن عامر عن عروة عن المغيرة، وابن سيرين عن عمر عن المغيرة، وقتادة عن الحسن، وزرارة بن أوفى عن المغيرة، وحريز بن حية الثقفي عن المغيرة.

سمعت مسلما يقول: قد بينا من ذكر أسانيد المغيرة في المسح بخلاف ما روى أبو قيس عن هزيل عن المغيرة، ما قد اقتصناه وهم من التابعين وأجلتهم مثل مسروق. إذا، هذا النص هو الذي يبين ما ذكرت، أن هذي الأسانيد التي في ساقها هي بخلاف الرواية الأولى التي فيها ذكر المسح على الجوربين، وهذا كما قلت لم يكن ظاهرا من خلال القراءة المجردة.

يقول وذكر من تقدم ذكرهم، فكل هؤلاء قد اتفقوا على خلاف رواية أبي قيس عن هزيل، ومن خالف خلاف بعض هؤلاء بين لأهل الفهم من الحفاظ في نقل هذا الخبر وتحمل ذلك. يبدو لي أن هذه الجملة يعني لم تنقل على وجهها التام في تركيبها شيء من العسر. قال: الحمل فيه على أبي قيس أشبه، وبه أولى منه بهزيل؛ لأن أبا قيس قد استنكر أهل العلم من روايته أخبارا غير هذا الخبر سنذكرها في مواضيعها إن شاء الله.

فأما في خبر المغيرة في المسح: حدثنا مسلم قال: فأخبرني محمد بن عبد الله بن قهزاز عن علي بن الحسن بن شقيق قال: قال عبد الله بن مبارك: عرضت هذا الحديث -يعني حديث المغيرة من رواية أبي قيس- على الثوري فقال: لم يجئ به غيره، فعسى أن يكون وهما. إذا، هذا الحديث الذي فيه المسح على الجوربين لا يصح فيه ذكر الجوربين، فقد رواه عن المغيرة من قد سمعتم من هؤلاء الرواة الكثر الذين ذكر مسلم رواياتهم ولم يذكروا فيه الجوربين، وعلى ذلك لم يعتبر أهل العلم هذه الرواية صحيحة أو هذه الزيادة صحيحة.

وقد وقع في ذلك نوع من الخلاف، إلا أن جل من تكلم في هذا الحديث من أئمة المحدثين المتقدمين ضعفوا هذه الزيادة. قال مسلم رحمه الله: ذكر خبر ذكر خبر خطأ في متنه يدفعه الأخبار الصحاح، غير أننا نبدأ بذكر الرواية الصحيحة ثم نتبعها الفاسدة.

حدثني زهير بن حرب قال: حدثنا مروان قال: حدثنا يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة قال: اعتم رجل عند النبي صلى الله عليه وسلم ثم رجع إلى أهله فوجد الصبية قد ناموا، فأتاه أهله بطعامه فحلفر ألا يأكل من أجل صبيته، ثم بدأ له فأكل، فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأتها وليكفر عن يمينه.

فهذا الخبر الذي ابتدأ به الإمام مسلم يبين أن المرء إذا حلف على يمينه ثم رأى غيرها خيرا منها أنه يأتي هذا الذي رأى أنه خير ثم يكفر عن يمينه، ولا يكتفي بمجرد الاتيان دون هلا. ومالك عن سهيل عن أبيه، وسليمان بن بلال عن سهيل عن أبيه، وحماد بن زيد عن غيلان بن جرير عن أبي بردة عن أبي موسى، وحماد عن أيوب عن أبي قلابة، وعن القاسم بن عاصم عن زهدم -وتركت طرق زهدم وأبي بردة عن أبي موسى وحميد عن أنس- أن أبا موسى وبشير بن عبيد الله عن أبي عائد عن أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم مما أعفاء الله. فقال أبو موسى الأشعري: يا رسول الله. ثم قال في آخره: فاذا حلفت على يميني.

طبعا كما تلاحظون كل هذه الألفاظ مختصرة ولا يتم الفهم إلا بادراك وجوهها على تمامها. طيب قال: وتميم بن طرفة عن عدي، والأعمش عن عبد العزيز بن رفيع عن تميم، والشيباني عن عبد العزيز، وشعبة عن عمرو بن مرة عن عبد الله بن.

مولى الحسن ابن علي عن عدي ابن حاتم وأبو الزهراء عن أبي الأحوص عوف ابن مالك عن أبيه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم.

قال: وقد ذكرنا الأحاديث الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر الحالف على الشيء يرى غير ما حلف عليه أن يكفر عن يمينه ويأتي الذي هو خير، لأن الكفارة قبل الحنث غير واجبة على الحالف وبعد الحنث هي واجبة باتفاق من الجميع، فلا يجوز أن يكون المقطوع بأداء كفارة ينويها مؤديها مؤديا لغرض يجب في وقت ثاني.

سمعت مسلما يقول: وسنذكر الرواية التي تخالف هذه الأخبار الثابتة التي قدمناها.

حدثنا يحيى ابن يحيى قال: حدثنا شيم عن يحيى بن عبيد الله عن أبيه عن أبي هريرة قال: ذكر النبي صلى الله عليه وسلم من حلف على يمين رأى غيره خيرا منها فأتى الذي هو خير فهو كفارته.

يعني هنا إسقاط الكفارة والاكتفاء بإتيان ما رأى الحالف أنه خير مما يخالف يمينه، ففي هذا الأثر أو في هذه في هذا الخبر عدم ذكر الكفارة أو ذكر بالإتيان بالإتيان ما حلف على ألا يأتيه.

قال مسلم: فلو لم يكن مما تبين فساد هذه الرواية إلا ما ذكرنا قبل من رواية سهيل عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه، ويزيد ابن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فليأتيها وليكفر عن يمينه لكفى ذلك، فكيف ومعه حديث أبي موسى وعلي ابن حاتم وأبي الدرداء وغيرهم بمثل هذه الرواية وأشباهها؟!

ترك أهل الحديث حديث يحيى ابن عبيد الله لا يعتدون به، وأما حديث ابن خياط عن عمرو ابن شعيب فلا معنى في التشاغل به.

لفت الإامام مسلم هنا إلى معنى مهم من معاني صناعة الحديث وصناعة الجرح والتعديل، وهي أن الراوي قد يترك حديثه هو بسبب مروياته، وليس فقط بالنظر إلى حاله الشخصي، إلى حاله من جهة الاستقامة والعدالة؛ فقد يكون المرء عدلا ولكنه لا يكون مستقيم الرواية.

ففهنا الإمام مسلم حين ذكر رواية يحيى بن عبيد الله التي خالف فيها رواية من ذكرنا من الجماعة -الخلاف هنا خلاف تضاد لا يمكن أن يجمع بين الوجهين أو بين الخبرين- فعلم ذلك الوهم الشديد الذي وقع فيه يحيى بن عبيد الله.

قال: وبهذه بمثل هذه الرواية وأشباهها ترك أهل الحديث حديث يحيى ابن عبيد الله.

إذا يحكمون على الراوي من خلال مروياته، ويكون المعيار الأهم في تقييم الراوي من جهة مروياته هو مدى موافقته أو مخالفته لأحاديث الثقات لحديث الجماعة، فالذي يشذ عن الجماعة ويخالفهم بروايات على نقيض رواياتهم فإن ذلك يكون راجعا عليه بالضعف.

هذا ليس معناه أن كل خلاف يضعف الراوي، لا، وإنما بقدر عدد مرات المخالفة وبمقدار المخالفة نفسها بنوعها؛ قد تكون المخالفة يسيرة، قد يكون الخطأ في اسم مثلا هذا أمر يسير، وقد يكون الخلاف في حكم فهذا أمر أكبر.

ثم ليس الخلاف في حكم لمرة أو مرتين يعني ذلك إسقاط الحديث حديث الراوي، لا، وإنما هذا راجع أيضا إلى مجموع رواياته؛ فقد يكون الراوي مكثرا، مثلا قد يكون الراوي ممن يروي ألف حديث، فيتفق مع في مثلا في تسعمائة وثمانين حديثا ثم يخالف في عشرين حديثا، شيء في الأسماء، شيء في المتون، شيء في كذا، فهذا لا يسقطه لأننا نظرنا بمجموع رواياته.

لكن اردت التنبيه إلى هذا، وهذا فيه نصوص كثيرة عن المتقدمين أنهم يعارضون أحاديث الراوي بحديث الثقات عن المتقدمين وعن المتأخرين كذلك ممن يشير إلى هذا المعنى، وهو معنى معروف عند أهل الحديث.

قال: سمعت مسلما يقول: ذكر رواية لا يتابع رواتها في متنها ولا في إسنادها.

إذا هذا مثال جديد فيه إشكال في المتن وفي الإسناد كذلك.

قال: حدثنا محمد ابن المثنى قال: حدثنا معاذ بن سليمان أبو سليمان صاحب الطعام قال: سمعت محمد ابن عجلان يذكر عن أبيه عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: من أتى جنازة فانصرف عليها إلى أهلها كان له قيراط، فاذا شيع فاذا شيعها كان له قيراط، فاذا صلى عليها كان له قيراط، فاذا جلس حتى يقضى قضاؤها كان له قيراط.

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: والقيراط مثل جبل أحد أو أعظم من جبل أحد.

فهذه الرواية المتقنون من أهل الحفظ على خلافه، وأنهم لم يذكروا في الحديث إلا قيراطين؛ قيراط لمن صلى عليها ثم يرجع، ولمن انتظر دفنها قيراطان.

كذلك روى أصحاب أبي هريرة عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، ويروى عن غير أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم بوجوه ذوات عدد سنذكرها إن شاء الله.

فأما حديث معاذ بن سليمان في روايته من ذكر أربعة قراريط فلم يواطئ عليه من وجه من الوجوه المعروفة وخولف في إسناده عن ابن عجلان.

الآن رواية معاذ وطبعا بالمناسبة معاذ هذا ضعيف، رجل ضعيف راو ضعيف، معاذ ابن سليمان رواه عن ابن عجلان، وابن عجلان رواه عن أبيه وأبوه رواه عن أبي هريرة.

المخالفة التي وقعت لمعاذ ليس فقط مخالفة عن ابن عجلان -يعني لم يأت راو آخر فرواه عن ابن عجلان شيخ معاذ بخلاف ما روى معاذ ابن سليمان، لا- وإنما هناك مخالفة من جهات متعددة.

نستمع للأسانيد التي فيها ذكر خلاف معاذ ابن سليمان.

قال: حدثني محمد ابن حاتم قال: حدثنا يحيى عن يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم الحديث.

هذا أول إسناد فيه مخالفة، المخالفة وقعت في مسند أبي هريرة، بمعنى أن الحديث كما رواه معاذ بن سليمان من طريق أبي هريرة من مسند أبي هريرة فهذا إسناد آخر أصح منه عن أبي هريرة يخالف الرواية.

وهنا المخالفة التالية هي أخص في إثبات الخطأ، وهي عن ابن عجلان؛ قال: وأبو عاصم عن ابن عجلان عن المقبري عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، والزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأبو مزاحم عن أبي هريرة رواه معاوية بن سلام، والوليد بن عبدالرحمن عن أبي هريرة، والسائب بن يزيد عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم، والمسيب بن رافع عن البراء مثل ذلك.

إذا حتى من مساند صحابة آخرين كعائشة والبراء.

قال: وسليمان بن بلال عن عمرو بن يحيى عن ابن يوسف بن سلام عن أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.

إذا نلاحظ كيف أن المحدثين حين يحكمون على الحديث بالخطأ أو بالوهم فإنهم يجمعون الطرق وينظرون فيها ويقارنون بينها وينظرون أين الكفة الارجح.

وهذا ظاهر في كتاب التمييز للإمام مسلم رحمه الله تعالى.

ولذلك هذه القاعدة النظرية تترسخ بصورة كبيرة عند قراءة هذه التطبيقات المكثفة والمتكررة في كتاب واحد.

ثم قال: ذكر الأخبار التي في إسنادها غلط في بعض ناقليها.

حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة قال: حدثنا أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن مجاهد عن ابن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أكثر من عشرين مرة يقرأ في الركعتين بعد المغرب والركعتين قبل الفجر بقل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد.

تأملوا أيها الكرام كيف يكون نقد المتون.

قال: وإبراهيم الكوفي عن مجاهد عن ابن عمر بهذا، وهذا الخبر وهم عن ابن عمر.

الآن عندنا إسنادان، لدينا إسنادان من طريق مجاهد، الأول أو أبو عن أبي إسحاق المجاهد، والثاني إبراهيم الكوفي عن مجاهد.

كلا الطريقين يرويان -يعني يصلان إلى ابن عمر من طريق مجاهد- يقول: إن هذا الخبر وهم.

والدليل على ذلك الروايات الثابتة عن ابن عمر رضي الله عنه أنه ذكر ما حفظ عن النبي صلى الله عليه وسلم من تطوع صلاته بالليل والنهار، فذكر عشر ركعات ثم قال: وركعتي الفجر أخبرتني حفصة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي ركعتين خفيفتين إذا طلع الفجر وكانت ساعة لا أدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فيها.

فكيف سمع منه أكثر من عشرين مرة قراءته فيها وهو يخبر أنه حفظ الركعتين عن حفصة عن النبي صلى الله عليه وسلم؟!

هذا نقد نقد متن.

يقول: إن المعروف والثابت عن ابن عمر بالأسانيد الصحيحة أنه حين حدث عن السنن الرواتب التي كان يؤديها النبي صلى الله عليه وسلم سردها بما رآه، ثم لما جاء لركعتي الفجر قال: حدثتني حفصة وكانت ساعة لا أدخل على النبي صلى الله عليه وسلم في.. أو حفصة أخت ابن عمر.

فكيف هنا يأتي.. تأتي الرواية الأولى ويقول فيها ابن عمر: قد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم أكثر من عشرين مرة يقرأ في ركعتي الفجر بكذا وكذا؟ وهناك يقول وكانت ساعة لا أدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فيها.

لذلك الإمام مسلم يقول: إن هذا وهم.

يحيى ابن سعيد عن عبيد.. الآن بدأ مسلم يذكر الروايات الثابتة عن ابن عمر، سنذكر إن شاء الله ثابتة عن ابن عمر في الرواية في ذلك.

قال: يحيى ابن سعيد عن أبي نافع عن ابن عمر رضي الله عنه قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم قبل الظهر ركعتين وساقه.

هذه الأسانيد لأي أثر أو لأي خبر؟ هذا.. هذه الأسانيد للخبر الذي قال فيه ابن عمر أنها كانت ساعة لا أدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فيها، وأنه حفظ ما كان يصنع النبي صلى الله عليه وسلم في ركعتي الفجر من حفصة.

قال: وأيوب عن نافع، ومالك عن نافع، والزهري عن سالم عن أبيه.

فقد ثبت ما ذكرنا من رواية سالم ونافع عن ابن عمر رضي الله عنه أن حفصة أخبرته أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي ركعتي الفجر.

إن رواية أبي إسحاق وغيره لما ذكر عن ابن عمر أنه حفظ قراءة النبي صلى الله عليه وسلم وهم غير محفوظ، مع أن الرواية التي ساقها الإمام مسلم في البداية ليست لأناس.. ليست لضعفاء، راويها ليس ضعيفا، أبو إسحاق السبيعي من الحفاظ المعروفين من رواة الحديث.

ولكن أسانيد ابن عمر الصحيحة أو أصح أسانيد ابن عمر هي أسانيد نافع وسالم.

رواية نافع وسالم هي أثبت الروايات عن ابن عمر.

فإذا روى عن نافع مثل هؤلاء الذين ذكرهم مسلم عبيد الله وأيوب ومالك فهنا الغاية.. وهنا أصح ما يمكن أن يكون من إسنادنا لابن عمر.

يجتمع عبيد الله وأيوب ومالك في حديث عن نافع عن ابن عمر، هذا أصح ما يمكن أن يكون عن ابن عمر رضي الله عنه.

كيف وقد جاء إسناد الحديث أيضا من رواية الزهري عن سالم عن أبيه؟ وهذا الإسناد قد قال فيه البخاري إنه أصح الأسانيد، أعني الزهري عن سالم عن أبيه.

حسنا، ثم قال مسلم فيها خبر آخر غير محفوظ المتن: حدثنا أبو بكر ابن أبي شيبة قال: حدثنا زيد ابن حباب قال: حدثنا عمر ابن.. عبد الله ابن أبي خثعم قال: حدثني يحيى ابن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال: يا رسول الله، ما الطهور بالخفين؟ قال: للمقيم يوم وليلة وللمسافر ثلاثة أيام ولياليهن.

هذه الرواية في المسح عن أبي هريرة ليست بمحفوظة، وذلك أن أبا هريرة لم يحفظ أصح عن النبي صلى الله عليه وسلم لثبوت الرواية عنه بإنكاره المسح على الخفين، وسنذكر ذلك عنه إن شاء الله تعالى.

قال: حدثنا محمد ابن المثنى قال: حدثنا محمد قال: حدثنا شعبة -طبعا محمد هذا هو محمد ابن جعفر غندر وهو من أثبت من روى عن شعبة رضي الله تعالى عنهم ورحمهم اجمعين- عن يزيد ابن زادان قال: سمعت أبا زرعة قال: سألت أبا هريرة عن مسح الخفين، قال: فدخل أبو هريرة دار مروان ابن الحكم فبال ثم دعا بماء فتوضأ وخلع خفيه وقال: ما أمرنا الله أن نمسح على جلود البقر والغنم.

فقد صح برواية أبي زرعة وأبي رزين عن أبي هريرة إنكاره المسح على الخفين، ولو كان قد حفظ المسح عن النبي صلى الله عليه وسلم كان أجدر الناس وأولاهم للزومه والتدين به.

فلما أنكره الذي في الخبر من قوله: ما أمرنا أن نمسح على جلود البقر وغنم، والقول الآخر: ما أبالي على ظهر حمار مسحته أو على خفي؛ بأن ذلك أنه غير حافظ المسح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأن من أسند ذلك عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم واهي الرواية، أخطأ فيه إما أهون أو تعمدا.

فبجمع هذه الروايات ومقابلة بعضها والبعض يتميز صحيحها من سقيمها، ويتبين رواة ضعاف الأخبار من أضدادهم من الحفاظ.

ولذلك أضعف أهل المعرفة بالحديث عمر ابن عبد الله ابن أبي خثعم أشباهه من نقلة الأخبار لروايتهم الأحاديث المستنكرة التي تخالف روايات الثقات المعروفين من الحفاظ.

إذا هذه القاعدة هي التي أشرت إليها قبل قليل، وهي ظاهرة في كتاب الإمام مسلم رحمه الله تعالى، ترسخها كما ذكرت أيضا.. ترسخها في النفس يكون بكثرة هذه التطبيقات أكثر من رسوخها بقراءتها قاعدة نظرية مجردة.

إذا يقول إن أبا هريرة رضي الله تعالى عنه.

قد ثبت عنه إنكار المسح على الخفين، فكيف يسند عمر بن عبد الله بن أبي خثعم عنه من جهته؟ يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة وإسناده يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن أبي هريرة، هذا إسناد صحيح جداً عن أبي هريرة. يقول عمر بن عبد الله: كيف يسند هذا الخبر عن أبي هريرة والمعروف عنه إنكار المسح؟ فلذلك هذا أيضاً ليس رأي الإامم مسلم وحده، قال الإمام أحمد كما نقله الدارقطني رحمه الله تعالى في العلل: هذا حديث منكر، وكلها باطلة، ولا يصح عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم في المسح.

حسناً، إذاً هذه الرواية تبين لنا كيف حصل نقد المتن كذلك. سمعت مسلما يقول: ذكر خبر مستنكر عن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، فقد أطبق الحفاظ على ضد روايته عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم. الحسن بن صالح فراس عن عطية عن ابن عمر رضي الله عنه قال: صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم في السفر والحضر، فصلى الظهر في الحضر أربعاً وبعدها ركعتين، والعصر أربعاً وليس بعدها شيء، والمغرب ثلاثاً وبعدها ركعتين، والعشاء أربعاً وبعدها ركعتين وساق. ورواه ابن أبي ليلى عن عطية عن ابن عمر رضي الله عنه بهذا.

الآن المسلم يريد أن يقول: إن هذه الرواية لابن عمر التي فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتطوع في السفر بعد الصلاة بعد صلاة الظهر ركعتين، يقول: هذا يخالف المعروف عن ابن عمر أنه كان لا يتطوع في السفر، ينقل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يتطوع، أقصده دبر الصلوات في السفر. قال: سمعت مسلما يقول: ذكر الأسانيد الصحاح الثابتة التي تخالف رواية عطية. حدثنا مسلم قال: حدثنا عبد الله بن مسلمة قال: حدثني عيسى بن حفص بن عاصم عن ابن عمر بن الخطاب عن أبيه قال: صحبت ابن عمر رضي الله عنه في طريق مكة قال: فصلى لنا الظهر ركعتين إلى آخره، وساق الحديث كالعادة، لم يذكر في هذا المختصر ما الحديث الذي؟ وهذا لا يبين المعنى على تمامه.

وتمام الحديث قال: صحبت ابن عمر صحبت ابن عمر في طريق مكة. قال: فصلى لنا الظهر ركعتين ثم أقبل وأقبلنا معه حتى جاء رحله وجلس وجلسنا معه فحانت منه التفاتة نحو حيث صلى، فرأى ناساً قياماً فقال: ما يصنع هؤلاء؟ قلت: يسبحون. يسبحون طبعا يعني يتسننون بعد يعني يصلون يتطوعون بالصلاة بعد المكتوبة. قال: لو كنت مسبحاً أتممت صلاتي يا ابن أخي، إني صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله، وصحبت أبا بكر فلم يزل إلى ركعتين إلى آخر الخبر. إذاً هذا السياق الحديث ظاهر في ذلك. يقول قال مسلم: فهذه أسانيد صحاح، كل واحدة منها ثابت على انفراده، وهم جماعة منهم: حفص بن عاصم بن عمر، وعيسى بن طلحة بن عبيد الله، وعثمان بن عبد الله بن سراقة، ووبرة بن عبد الرحمن حكوا ذلك عن ابن عمر ترك النبي صلى الله عليه وسلم السبحة في السفر قبل المكتوبة وبعدها، ونافع حكى تركب تركبني عمراً ذلك.

ذكر رواية فاسدة بين خطأها بخلاف الجماعة من الحفاظ. حدثني القاسم بن زكريا بن دينار قال: حدثنا حسين بن علي عن زائدة عن عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه قال: كان الناس يخرجون صدقة الفطر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم صاع شعير أو تمر أو سلت أو زبيب، فلما كان عمر وكثرت الحنطة جعل عمر نصف صاع حنطة مكان صاع من تلك الأشياء. وسنذكر إن شاء الله من رواية أصحاب نافع بخلاف ما روى عبد العزيز. يريد الإمام مسلم رحمه الله أن المعروف عن ابن عمر في رواية هذا الحديث في صدقة الفطر أنه لم يذكر فيه ما ذكر في رواية عبد العزيز التي فيها السلت والزبيب، وكذلك ما فعل عمر رضي الله تعالى عنه.

قال مسلم: حدثنا عبد الله بن مسلمة وقتيبة قال: حدثنا مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس صاعاً من تمر أو صاعاً من شعير وساقه. أيضاً هذه ساقه على المنهج الذي أو على الطريقة التي ذكرتها مراراً. وعبيد الله عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه، أيوب عن نافع، والليث عن نافع، والضحاك عن نافع، وابن جريج قال: أخبرني أيوب بن موسى عن نافع، ومحمد بن إسحاق النافع، وإسماعيل بن علية ويزيد بن أبي زريع عن أيوب عن نافع، والضحاك بن عثمان ومحمد بن إسحاق. انظروا أيها الكرام، كل هذه الروايات عن نافع ليس فيها ما ذكره عبد العزيز بن أبي رواد وإن كان ثقة.

قال: فهؤلاء الأجلة من أصحاب نافع قد أطبقوا على خلاف رواية ابن أبي رواد في حديث صدقة الفطر، وهم سبعة نفر لم يذكر أحد منهم في الحديث السلت ولا الزبيب، ولم يذكروا أنه جعل مكان تلك الأشياء نصف صاع حنطة، إنما قال أيوب السختياني وأيوب بن موسى والليث في حديثهم: فعدل الناس به بعد نصف صاع من بر. فقد عرف فمن عقل الحديث وأسباب الروايات حين تتابع هؤلاء من أصحابنا فإن على خلاف ما روى ابن أبي رواد فلم يذكره جميعاً في الحديث إلا الشعير والتمر والسلت والزبيب يحكى عن ابن عمر على غير حجة، إذ كان ابن عمر لا يعطي في دهره بعد النبي صلى الله عليه وسلم إلا التمر إلا مرة أعوزه التمر فأعطى الشعير. وهذا كذلك على نفس السنن التي سبقت في هذا الكتاب والامر فيها ظاهر.

قال: سمعت مسلما يقول: أذكر حديث منقول عن الخطأ في الإسناد والمتن. حدثنا مسلم قال: حدثنا إسحاق قال: أخبرنا عبد الرزاق. قال: سمعت مالكا يقول: وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل العراق قرنا. فقلت: من حدثك بهذا يا أبا عبد الله؟ قال: أخبرنيه نافع عن ابن عمر. فحدثت به معمراً فقال: قد رأيت أيوب دار مرة إلى قرن فأحرم منها. وقال عبد الرزاق: وأخبرني بعض أهل المدينة أن مالكا بآخر محاه من كتابه. سمعت مسلما يقول: ذكر الروايات التي فيها بيان خطأ هذه الرواية عن عبد الرزاق.

الحقيقة في الحقيقة أيها الكرام المختصر الذي اختصر كتاب التمييز للإمام مسلم لم يحسن اختصاره في هذا الموضع وفي غيره من المواضع، ونبهت إلى ذلك مراراً سواء في هذا الدرس أو في الدروس السابقة أنه أحياناً يختصر اختصاراً لا يفهم المراد بسبب هذا الاختصار إلا بالرجوع إلى الألفاظ ألفاظ المتون متون السنة لا غير، أنه في هذا الموضع زاد الاختصار إخلالاً على العادة، والقارئ لهذا الموضع قد يخرج بصورة متناقضة عن هذه المسألة التي ساقها الإمام مسلم.

قال حدثنا مسلم قال حدثنا يحيى بن يحيى أنا قرأت على مالك عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، وأهل الشام من الجحفة، وأهل نجد من قرن. قال عبدالله وبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ويهل أهل اليمن من يلملم، وعبيد الله عن نافع، والليث عن نافع، ويحيى بن سعيد عن نافع، وحجاج وابن عون من جريج النافع. إذاً هؤلاء كلهم رووا عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر ميقات قرن لأهل نجد وليس لأهل العراق.

ثم أيضاً عن ابن عمر من طريق عبد الله بن دينار كما ذكره، ومن طريق الزهري عن سالم وصدق عن ابن عمر وعن ابن دينار ثم مسند ابن عباس عمرو بن دينار عن طاووس ابن عباس. ثم وكذلك ابن طاووس عن نبيه عن ابن عباس، ثم من مسند جابر وأبو الزبير عن جابر وعطاء جابر والحجاج بن أرطاة عن عطاء جابر بن جريج عن عطاء أن النبي صلى الله عليه وسلم، والقاسم عن عائشة، ومحمد بن علي أن ابن عباس ابن مهران عن ابن عمر. وفي الحقيقة هذه الطرق التي ذكرها الإمام مسلم رحمه الله ليست كلها في ذكر الرواية الصحيحة.

فيدبو أن كما قلت ترتيب المختصر لهذه الأسانيد ليس ترتيبا جيداً، لأنه العادة أنه يذكر يعني مسلم يذكر الأسانيد التي تؤيد العنوان الذي وضعه اللي هو هنا العنوان: ذكر الروايات التي فيها بيان خطأ هذه الرواية عن عبد الرزاق في أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق قرناً. وهذه الأسانيد ليست كلها في هذا المعنى. يقول في الثابت الصحيح من توقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم لإحرام المحرم ما في حديث ابن عمر وابن عباس، ذلك كل ذلك في روايته عن النبي صلى الله عليه وسلم فهي لهن ولمن أتى عليهن ما في الحديث.

فالظاهر من هذا الكلام أنه مفترق في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، يمكن أن تكون هذه الزيادة من قول ابن عباس ليس منقولاً في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر كلاماً كثيراً من الذي يقول ذكر كلاما كثيراً؟ مختصر يعني الإمام مسلم ذكر كلاماً كثيراً يدل على أن عبد الرزاق لم يحفظ، وإن كان حفظ فلعل لسان مالك سبق لسانه مع كلام كثير. قال: والصحيح المحفوظ من توقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يكون ذلك ما حفظ عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت قرناً لأهل العراق، هذا ما لا يحتمل التوهم على مالك.

هذه الجملة حقيقة ليست مفهومة. هذه الجملة ليست مفهومة، يعني هو الثابت عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل نجد قرناً، وهنا يقول أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت قرناً لأهل العراق. يقول وقد روى عبيد الله كما ذكرنا من قبل عن نافع ابن عمر حد لأهل العراق ذات عرق. هذا كما قلت فيه إشكال، وذكر ألفاظ كل رجل من هؤلاء المسمين من الذي ذكر؟ الإمام مسلم أين الألفاظ التي ذكرها؟ اختصرها المختصر بعد أن بين أن رواية عبد الرزاق عن مالك خطأ غير محفوظ.

الأحاديث التي ذكرناها من قبل أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق فليس منها واحد يثبت، وذلك أن ابن جريج قال في حديث أبي الزبير عن جابر رضي الله عنه، فأما رواية المعافى بن عمران عن أفلح عن قاسم عن عائشة مستفيضاً عن المعافى إنما روى هشام بن بهرام وهو شيخ من الشيوخ ولا يقره الحديث بمثله إذا تفرد. أي أن هشام رواه عن المعافى يهمنا كفائدة مصطلحية هنا، ذكر مسلم قال: وهو شيخ من الشيوخ ولا يقر الحديث مثله إذا تفرد. مصطلح شيخ المصطلح مهم في عبارات المحدثين وله أكثر من معنى.

فهو يعني أحياناً أن الراوي الذي أطلق عليه كلمة شيخ أو مصطلح شيخ أنه راوٍ ليس بتلك المعرفة عند المحدثين أو بالرواية لم يعرف بكبير رواية، فليس له يعني ذاك الشأن في الرواية والمعرفة بها، وإنما هو شيخ مقل يروي حديثاً أو حديثين. وأيضاً يطلق شيخ ويراد به أنه ليس من الحفاظ المتقنين ولو كان صدوقاً. وهذا مهم في فهم كلام المحدثين، مثلاً هناك موضع في شرح الترمذي لابن رجب تكلم فيه عن هذه القضية تعليقا على كلام العلائي في مسألة الحديث الشاذ فليراجع، وهو كلام مهم والتعليق عليه مهم جداً.

ثم قالوا: أما حديث يزيد بن أبي زياد عن محمد بن علي عن ابن عباس فيزيد هو ممن قد اتقى الناس حديثه أو حديثه الناس. والاحتجاج بخبره إذا تفرد للذين اعتبروا عليه من سوء الحفظ بمتين رواياته التي يرويها، ومحمد بن علي لا يعلم ورؤه سماع من ابن عباس ولا أنه لقيه أو رآه. هذه الكلمة الجملة فيها إشكال من جهة منهج الإمام مسلم في حديث المعاصرين المتعاصرين. محمد بن علي يقول: لا يعلم له سماع من ابن عباس ولا أنه لقيه أو رآه، طيب ولكنه روى عنه، ومذهب الإمام مسلم أنه إذا روى الشيخ عن الشيخ ولم يعرف أحدهما بتدليس فإن الأصل قبول الرواية، وهنا كان هذا كأن هذا فرد من أفراد التطبيق يخالف القاعدة.

وأما وأما رواية جعفر أم ميمون بن مهران عن ابن عمر فلم يحكم حفظه، لأن فيه لأهل الطائف قرناً، وفي رواية سالم ونافع وابن دينار ولاهل نجد قرناً. وميزوا في روايات من أهل اليمن أن ابن عمر لم يسمع ذلك من النبي صلى الله عليه وسلم، وفي رواية ميمون جعل لأهل المشرق ذات عرق وسالم ونافع ابن دينار، كل واحد منهم أولى بالصحيح عن ابن عمر من ميمون الذي لم يسمعه من؟ إذا هنا في الأخير بين قال: وفي رواية سالم ونافع بن دينار ولاهل نجد قرناً. وهذا يبين أن الجملة اللي قبل شوي التي قلت: هذه جملة غير مفهومة، أنها خطأ، لأنه الجملة كان فيها ماذا؟ كان فيها.

والصحيح المحفوظ من توقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، يكون ذلك ما حفظ عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم وقت قرن لأهل العراق، وهنا يقول: وفي رواية سالم ونافع وابن دينار إذا ذكر نافعا ولأهل نجد قرن. وهذه الرواية المعروفة عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه.

حدثنا مسلم قال: حدثني محمد بن علي بن شقيق قال: سمعت أبي قال: أبان عبد الله بن مبارك قال: حدثنا يحيى بن بشر عن عكرمة، قال: وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة وغيرهم إذا أراد أن يحج أو يعتمر أن لا يجاوز ذا الحليفة إلا محرما، ووقت لأهل الشام الجحفة ومن مر بها من غيرهم إلا يجاوزوها إلا محرما إلا أن يحرم إلى آخره وساقه.

حدثني محمد بن سهل بن عسكر قال: حدثنا ابن أبي مريم قال: حدثنا يحيى بن أيوب عن إسماعيل بن أمية عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أنه أهدي، هذا عنوان جديد أو هذا يعني ما مضى سابقا في قضية حديث عبد الرزاق هو قال الإام مسلم: إما أن يكون عبد الرزاق أو يكون الإمام مالك حصل له سبق لسان في ذكر الخبر، وكذلك حصل للمختصر الذي أخطأ في ذكر كلام الإمام مسلم رحمه الله تعالى فيما يبدو.

طيب، إذا موضوع جديد وأوشكنا على الانتهاء من الكتاب، قال: حدثني محمد بن سهل بن عسكر قال: حدثنا ابن أبي مريم قال: حدثنا يحيى بن أيوب عن إسماعيل بن أمية عن ابن شهاب عن عروة عن عائشة أنه أهدي لهما، أي لحفصة وعائشة، أهدي لهما طعام وهما صائمتان فافطرتا عليه، فسألت حفصة رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت بنت عمر، فأمرها رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تصوم يوما مكانه، طبعا هذه الجملة وكانت بنت عمر أي يعني لجرأتها في السؤال وامتداحها على ذلك.

قال حدثنا مسلم، حدثنا محمد بن سهل قال: حدثنا ابن أبي مريم قال: وأخبرنا العمري، العمري اللي هو عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب وهذا يرد الراوي يرد كثيرا في كتب السنن، لم يخرج له البخاري ولا مسلم حديثا، لم يحتج به البخاري ولا مسلم وهو أخو عبيد الله، أخو عبيد الله بن عمر العمري، ومن المعلوم أن عبيد الله المصغر هو ثقة حافظ ثبت، وأن عبد الله المكبر أخاه ليس بثبت ولا حافظ بل حفظه فيه ضعف ولذلك لا يحتج به.

قال حدثنا مسلم قال: حدثنا محمد بن سهل قال: حدثنا ابن أبي مريم قال: قال حدثنا يحيى بن أيوب عن إسماعيل بن أمية عن الزهري عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله، وابن وهب عن حيوة عن ابن الهاد عن زمير مولى عروة عن عروة عن عائشة مثله، وابن وهب عن جرير بن حازم عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة، أما حديث الزهري فقد أخطأ كل من قال عن عروة عن عائشة، وبيان ذلك في رواية ابن جريج.

حدثنا مسلم قال: حدثني محمد بن حاتم قال: حدثنا محمد بن بكر قال: حدثنا ابن جريج قال: قلت للزهري: أخبرك عروة عن عائشة يعني النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: من أفطر في تطوع فليقضه، قال: لم أسمع من عروة في ذلك شيئا. لاحظوا الآن كل الأسانيد الماضية ايش فيها؟ أو ماذا فيها؟ فيها عن ابن شهاب أن عروة عن عائشة، عن عائشة ايش؟ عن عائشة أنها أفطرت هي وحفصة في صيام تطوع فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالقضاء، ها هنا ابن جريج يسأل الزهري يقول له: هل أخبرك عروة عن عائشة في هذا الباب اللي هو من أفطر في تطوع؟ فقال: لم أسمع من عروة في ذلك شيئا، ولكن حدثني في خلافة سليمان بن عبد الملك ناس عن بعض من كان سأل عائشة أنها قالت: اصبحت انا وحفصة إلى آخر يقال فذكر الحديث.

سمعت مسلما يقول: فقد شفى ابن جريج في رواية الزهري هذا الحديث عن في نسخة تصحيح، لعلها التصحيح، فلا حاجة بأحد إلى التنقير عن حديث الزهري أكثر مما أبان عنه ابن جريج من النقر والتنقير في جمع الحديث إلى مجهولين عن مجهول، وذلك أنه قد قال له: حدثني ناس عن بعض من كان سأل عائشة، ففسد الحديث لفساد الإسناد.

إذا يقول الذين رووا تلك الرواية عن الزهري عن عروة عن عائشة وهموا وأخطأوا، وليس الحديث حديث الزهري عن عروة عن عائشة، لأن الزهري قد أبان كما في رواية ابن جريج عنه أن ليس عنده ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم عن عروة عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما عن أناس مجهولين.

قال: وأما حديث زميل مولى عروة فالزميل لا يعرف له ذكر في شيء إلا في هذا الحديث فقط، وذكره بالجرح والجهالة هل للمختصر يقصد أن يقصد أن مسلما ذكره بالجرح ووجه الجهالة. وأما حديث يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة فلم يسنده عن يحيى إلا جرير بن حازم، وجرير لم يعنى في الرواية عن يحيى، إنما روى من حديثه نزرا ولا يكاد يأتي بها على التقويم والاستقامة، وقد يكون من ثقات المحدثين من تضعف روايته عن بعض رجاله الذين حمل عنهم للتثبيت، يكون له في وقت وذكر قصة.

طيب، هذا الكلام في غاية الأهمية، ولو تلاحظون أيها الكرام، فهذا كتاب التمييز تتخلله قواعد نظرية متفرقة تأتي في التعليقات من الإام مسلم على بعض الأخبار التي وقعت فيها أخطاء، فهذه القاعدة في غاية الأهمية، هو هنا لما ذكر حديث يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة، طبعا هذه السلسلة يحيى عن عمرة عن عائشة سلسلة يعني سلسلة صحيحة جدا، لكن يقول: رواها عن يحيى جرير بن حازم، طب من جرير بن حازم؟ ابن حازم ثقة، يقول: ولكنه لم يعنى في الرواية عن يحيى أي أن جرير بن حازم لم يعرف بالاعتناء بحديث يحيى بن سعيد، ولذا قال: إن من ثقات المحدثين أي مثل جرير من تضعف روايته عن بعض رجاله، ثم ذكر دليلا على ذلك مبنيا على إجماع أهل الحديث، وهذا الدليل متعلق برواية آخر، هذا الراوي هو في الجملة من الثقات، ولكن حديثه عن بعض الناس بالإجماع مقدم ثبت صحيح بخلاف رواياته عن شيوخ آخرين.

قال مسلم: والدليل على ما بينا من هذا اجتماع أهل الحديث ومن علمائهم على أن أثبت الناس في ثابت البناني حماد بن سلمة، كذلك قال يحيى القطان ويحيى بن معين وأحمد بن حنبل وغيرهم من أهل المعرفة، وحماد يعد عندهم إذا حدث عن غير ثابت، طبعا في نسخة: وحماد لا يعد عندهم إذا حدث عن غير ثابت، والمحقق في النسخة التي أضاف فيها لا يقول: إن الكلام لا يستقيم إلا بلا، وفي رأيي أنه يمكن أن يستقيم بدونه.

قال: وحماد يعد عندهم إذا حدث عن غير ثابت كحديثه عن قتادة وأيوب ويونس وداود بن أبي هند والجرير ويحيى بن سعيد وعمرو بن دينار وأشباههم، فانه يخطئ في حديثهم كثيرا، وغير حماد في هؤلاء أثبت عندهم كحماد بن زيد وعبد الوارث ويزيد بن زريع وابن علية، وعلى هذا المقال الذي وصفنا عن أما في حسن حديثه وضبطه عن ثابت حتى صار أثبتهم فيه جعفر بن برقان.

أي بعد أن ذكر لنا مسلم حماد بن سلمة وتثبته في ثابت البناني وعدم تثبته في غيره، قال أيضا: عندنا راو آخر اسمه جعفر بن برقان، يقول عن ميمون بن مهران ويزيد بن الأصم فهو أغلب الناس عليهما والعلم بهما وبحديثهما، يعني أن رواية جعفر عن ميمون بن مهران ويزيد بن الأصم هذه رواية متثبتة جدا، ولو ذهبت تزن جعفرا في غير ميمون بن الأصم وتعتبر حديثه عن غيرهما زهري وعمرو بن دينار وسائر الرجال لوجدته ضعيفا رديء الضبط والرواية عنهم، وهذا أيها الكرام من أهم ما يمكن أن يقال في علم العلل، لأن من أهم ميادين علم العلل معرفة مراتب الثقات ومعرفة تفاوت أحاديث الثقات، والحديث هنا عن تفاوت أحاديث الثقات، فأحاديث الثقات ليست على درجة واحدة، وليس حديث من وثق جملة يكون على سمت واحد في كل عن عن كل الشيوخ، وإنما قد تجد الراوي يوثق ويكون حديثه عن بعض الشيوخ ثبتا، ويكون حديثه عن شيوخ آخرين دون ذلك، وقد يكون حديثه عن بعض الشيوخ ضعيفا.

ثم قال الإمام مسلم: واعلم رحمك الله، أو اعلم رحمك الله، أن صناعة الحديث ومعرفة أسبابه من الصحيح والسقيم إنما هي لأهل الحديث خاصة، لأنهم الحفاظ لروايات الناس العارفين بها دون غيرهم، إذ الأصل الذي يعتمدون على أديانهم السنن وآثار المنقولة من عصر إلى عصر من لدن النبي صلى الله عليه وسلم إلى عصرنا هذا، فلا سبيل لمن نابذهم من الناس وخالفهم في المذهب إلى معرفة الحديث ومعرفة الرجال من علماء أمصار فيما مضى من الأعصار من نقل الأخبار وحمال الآثار.

قال: وأهل الحديث هم الذين يعرفونهم ويميزونهم حتى ينزلوهم منازلهم في التعديل والتجريح، وإنما اختصصنا هذا الكلام لكي نثبته لمن جهل مذهب أهل الحديث ممن يريد التعلم والتنبه على تثبيت الرجال وتضعيفهم، فيعرف ما الشواهد عندهم والدلائل التي بها أثبتوا الناقل للخبر من أو سقطوا أو أسقطوا من أسقطوا منهم، والكلام في تفسير ذلك يكثر، وقد شرحناه في موضع أو في مواضع غير هذا، وبالله التوفيق في كل ما نؤم ونقصد.

هذا الكلام كأنه خاتمة للكتاب، ثم نجد بعد ذلك بعض الأسانيد التي فيها شيء من الخطأ في رواية مالك، ولعل هذه الأسانيد التي في رواية الإمام مالك لعلها كانت قبل هذا الكلام الذي في الختام، وتعرفون أن هذا الكتاب مختصر فربما يكون هناك تقديم أو تأخير.

سمعت مسلما يقول: ذكر حديث آخر وهي مالك في إسناده، حدثنا مسلم قال: حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك عن ابن شهاب عن عباد بن زياد، وهو من ولد المغيرة بن شعبة، المغيرة أنه ذهب مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته وساقه.

حدثنا مسلم قال: حدثنا أحمد بن جعفر المعقلي قال: حدثنا النضر بن محمد قال: حدثنا أبو أويس قال: أخبرني ابن شهاب أن عباد بن زياد بن أبي سفيان أخبره أن المغيرة قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويونس عن ابن شهاب قال: حدثني عباد بن زياد، والليث أبو عقيل قال ابن شهاب: أخبرني عباد بن زياد عن عروة، عبدالرزاق قال: أخبرنا ابن جريج عن ابن شهاب عن عباد، فالوهم من مالك في قوله: عباد بن زياد من ولد المغيرة، وإنما هو عباد بن زياد بن أبي سفيان كما فسره أبو أويس في روايته، والمحفوظ عندنا رواية الزهري رواية ابن جريج لاختصاصه الحديث عن الزهري عن عباد بن زياد عن عروة بن المغيرة عن أبيه، ثم فصل في آخر الحديث زيادة الزهري عن حمزة بن المغيرة.

سمعت مسلما يقول: يعني خلاصة الكلام أن مالك أخطأ في نسبة الراوي، وهذا من الأخطاء التي تقع من الحفاظ أو من بعض الحفاظ، ويعتبر من الأخطاء اليسيرة.

سمعت مسلما يقول: ذاكر ذكر حديث وهي مالك بن أنس في إسناده، حدثنا مسلم قال: حدثنا قتيبة قال: حدثنا مالك عن هشام عن أبيه أنه سمع عبد الله بن عامر بن ربيعة يقول: صلينا وراء عمر بن الخطاب الصبح فقرأ سورة يوسف وسورة الحج قراءة بطيئة، فقلت: إذا والله كان يقوم حين يطلع الفجر، قال: أجل.

سمعت مسلما يقول: فخالف أصحاب هشام هلم جرا مالكا في هذا الإسناد في هذا الحديث، يقول: إن هذا الحديث مداره على هشام بن عروة، ومالك رواه عن هشام عن أبيه أنه سمع عبد الله بن عامر بن ربيعة يقول: صلينا وراء عمر، طب ماذا قال أصحابه هشام الذين قالوا هلم جرا؟ يعني يعني أصحاب هشام المعروفين: قال أبو أامة وهو أحد أثبت الناس في هشام وأعرفهم أو أكثرهم شهرة في الرواية عنه، قال أبو أامة -طبعا اسمه محمد بن أامة كوفي معروف- أبو أامة عن هشام قال: أخبرني عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: صليت خلف عمر فقرأ سورة الحجر وسورة يوسف قراءة بطيئة، ووكيع عن هشام أخبرني عبد الله بن عامر، وحاتم عن هشام عن عبد الله بن عامر قال: صلى بنا عمر.

سمعت مسلما يقول: فهؤلاء عدة من أصحاب هشام كلهم قد أجمعوا في هذا الإسناد على خلاف مالك، والصواب ما قالوا دون ما قال مالك، يعني يقصد أن ذكر أبيه في الإسناد يعني اللي هو عروة بن الزبير ليس بصحيح، وإنما الصواب عن هشام عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، طبعا وهذا أيضا من الأخطاء التي ليست من الأخطاء الكبيرة أو الفاحشة، والإمام مالك لم يتفرد بهذه الرواية عن هشام بذكر عروة بن الزبير، اللي رواه أيضا غيره معه على هذه الرواية، وابن عبد البر رحمه الله تعالى يقول: والقول عندي قول مالك لأنه أقعد به هشام، والإمام مسلم رحمه الله وهو أجل من ابن عبد البر في هذا الفن يرجح رواية الجماعة، وعلى كل حال لو ترجح الخطأ.

في هذه الرواية من مالك فهو خطأ يسير ليس خطأ كبيراً. وبهذا نكون قد انتهينا من كتاب التمييز للإمام مسلم، والحمد لله رب العالمين، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

وتم هذا الشرح في يوم السبت الثامن عشر من ذي الحجة عام ثمانية وثلاثين وأربع مئة وألف للهجرة، ليلة الأحد.

واسأل الله سبحانه وتعالى النفع والبركة، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلي اللهم على نبينا محمد.