السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، والحمد لله رب العالمين، وصَلِّ اللهم على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. نبدأ بإذن الله تبارك وتعالى الدرس الأخير من شرح منظومة لغة المحدث للشيخ طارق عوض الله حفظه الله.
وصلنا إلى مبحث مصطلح، صفحة أربعمائة وخمس عشرة. يمكن أن -يعني لأننا قطعنا الدرس مدة طويلة- يمكن أن نراجع بشكل سريع ما كنا قد وصلنا إليه: كنا قد تحدثنا عن الألفاظ التي يُعبَّر بها عن ضعف الرواية أو باب علل الحديث؛ تحدثنا عن لفظ المنكر، وتحدثنا عن ألفاظ أخرى، واليوم سنتحدث عن لفظ الشاذ.
وذكرنا أن الحديث إنما يُرَدّ من جهات: إما أن يكون الإسناد ليس متصلاً، وهذا له صور: أن يكون الحديث معلقًا، أو يكون منقطعًا، أو يكون معضلاً، أو يكون مدلسًا، أو يكون مرسلاً إرسالاً خفيًا أو إرسالاً ظاهرًا. وكذلك مما يُرَدّ به الحديث ضعف الرواة.
الأخ اللي بيسأل على تسجيل تربية الأولاد: موجود يعني، إن شاء الله تجده في آخر الدرس يعني، موجود. مما تُردّ به الرواية أن يكون الراوي ليس مقبولاً، إما من جهة العدالة أو من جهة الضبط. وكذلك مما تُردّ به الرواية أن يثبت خطأ الراوي في الرواية، وهذا له صور: منها الإدراج، ومنها القلب، ومنه النكارة أو المخالفة أو التفرد الذي لا يُحتَمل، وكل ذلك تحدثنا عنه وذكرنا له صورًا كثيرة.
فاليوم بإذن الله تبارك وتعالى نختم الكتاب، وسيكون بعد ذلك اختبار في كل مسائل الكتاب؛ اختبار شامل لكل مسائل الكتاب مع بعض الخرائط أو الأسئلة العملية للتدريب. وبعد هذا الكتاب إن شاء الله نستمر في نفس الاتجاهين: اتجاه تراث الإمام ابن تيمية في تزكية النفس والعبادة وأعمال القلوب والاستقامة، وكذلك نكمل في كتب علوم الحديث؛ سنقرأ إن شاء الله مقدمة الإمام مسلم، وبعدها نرجع مرة ثانية في قراءة كتاب تحرير علوم الحديث. واخترت أن يعني نأخذ مرة كتابًا من الكتب المعاصرة أو الكتب المتأخرة ومرة من الكتب المتقدمة؛ حتى يعني يتدرب الطلاب على قراءة تراث الأئمة في علوم الحديث.
يبقى أنت الآن تصورت الفكرة: نحن أخذنا في علوم الحديث شرح نخبة الفكر كاملاً بحمد الله شرحًا مفصلاً، وأخذنا شرح منظومة لغة المحدث كان فيها الكلام عن علم مصطلح الحديث والرجال والعلل ومصادر السنة أو المؤلفات في السنة النبوية. بعد ذلك إن شاء الله سيكون عندنا اختبار يشمل أغلب مسائل الكتاب، وبعد ذلك سنأخذ مقدمة الإمام مسلم، والإمام مسلم في هذه المقدمة تعرض لأهم المسائل العملية التي يحتاجها طالب علم الحديث وذكر فيها كلمات جامعة، وبعد ذلك نرجع إلى كتاب من الكتب المعاصرة التي في رأيي هي استوعبت أغلب مسائل علوم الحديث، ربما يكون كتاب تحرير علوم الحديث أو ندخل في مقدمة الإمام ابن الصلاح على حسب مستوى الطلاب.
فإذا وجدت الطلاب مثلاً في الاختبار يعني مستواهم تقدم، فيمكن أن نتخطى كتاب تحرير علوم الحديث وندخل في الكتب التي ذكرتها لكم من كلام أهل العلم؛ مثل مقدمة ابن الصلاح وشرح علل الترمذي ومقدمات الكتب: مقدمات ابن أبي حاتم، ومقدمات ابن حبان، ومقدمات العقيلي وابن عدي في الكامل، وغير هذه المقدمات.
نبدأ بإذن الله تبارك وتعالى في قراءة الكتاب صفحة أربعمائة وخمس عشرة: الشاذ.
قال الشيخ حفظه الله: قال الإمام أبو يعلى الخليلي: وأما الشواذ، فقد قال الشافعي وجماعة من أهل الحجاز: الشاذ عندنا ما يرويه الثقات على لفظ واحد، ويرويه ثقة خلافه زائدًا أو ناقصًا. والذي عليه حفاظ الحديث: الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد، يشذ بذلك شيخ ثقة كان أو غير ثقة؛ فما كان عن غير ثقة فمتروك لا يُقبل، وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يُحتج به.
وقد تعقب بعضهم هذا التعريف على الخليلي بما يتفرد به العدل الحافظ الضابط، كحديث إنما الأعمال بالنيات، فإنه حديث فرد، تفرد به عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم تفرد به عن عمر علقمة بن وقاص الليثي، ثم عن علقمة محمد بن إبراهيم التيمي، ثم عنه يحيى بن سعيد الأنصاري.
وفي هذا التعقب نظر؛ لأن كلام الخليلي في تفرد الشيوخ، والشيوخ في اصطلاح أهل هذا العلم عبارة عمن دون الأئمة الحفاظ، وقد يكون فيهم الثقة وغيره. فأما ما انفرد به الأئمة والحفاظ فقد سماه الخليلي فردًا، وذكر أن أفراد الحفاظ المشهورين الثقات أو أفراد إمام من الحفاظ والأئمة صحيح متفق عليه.
قال الإمام أبو يعلى الخليلي: وأما الأفراد فما يتفرد به حافظ مشهور ثقة أو إمام عن الحفاظ والأئمة فهو صحيح متفق عليه.
وبهذا يسلم كلام الإمام أبي يعلى الخليلي من النقد الذي أوردوه عليه؛ لأن كلامه ليس في كل ما يتفرد به الثقات، وإنما يقصد بالثقات هنا الشيوخ الثقات، يعني بالشيوخ الثقات: أي الذين لم يبلغوا في الحفظ وسعة الرواية منزلة الزهري وهشام بن عروة وأمثالهما. فإن من لم يبلغ في الحفظ وسعة الرواية منزلة هؤلاء يصعب عليه أن يتفرد وأن يكون تفرده مقبولاً؛ لأن التفرد إنما يُقبل من المكثرين الذين سمعوا من أهل بلدهم ورحلوا وسمعوا من غير أهل بلدهم.
أما من ليس له من الحديث إلا القليل ولم يشتغل بالرواية أو بسماع الحديث وروايته اشتغال غيره من الأئمة الحفاظ، فمثل هذا لا يُحتمل تفرده، وإنما يُحتمل التفرد من الرجل الذي سمع فأوعى ورحل وطاف البلدان بما لم يستطعه غيره من الرواة، فمثل هذا يُحتمل تفرده.
إذاً كلام أبي يعلى الخليلي عليه رحمة الله يتضمن أن الشاذ من الحديث يصدق على ما يرويه الثقة وما يرويه الضعيف إذا ترجح أنه أخطأ فيه؛ سواء كان هذا الترجح مبنيًا على تفرده وهو ليس أهلاً للتفرد، أو على مخالفته لغيره.
نشرع يا شباب في هذه المقدمة. اخترت لكم أن نقرأ الفقرة كاملة حتى تتعودوا على ذلك؛ لأن بعض الطلاب حينما يقرأ كتابًا يحاول أن يفهم كل جملة على حدة، فلذلك يتعجلون في الفهم ويقعون في اللبس.
نحن هنا يا شباب نعالج لفظ الشاذ. لفظ الشاذ استعمله النقاد؛ النقاد الذين حكموا على الروايات جاء في استعمالهم في الحكم على بعض الروايات لفظ الشاذ، وإن كان قليل الاستعمال عند المتقدمين. اللفظ الشائع هو لفظ منكر أو خطأ، أما لفظ الشاذ فهو قليل، يعني اشتهر عند الخليلي وعند الحاكم، وهؤلاء ليسوا من المتقدمين، وإنما يعني من آخر المتقدمين؛ يعني من أواخر طبقة المتقدمين. أعني بالمتقدمين يا شباب الأئمة مثل شعبة مثلاً، ويحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، والبخاري، وأبي حاتم الرازي، وأبي زرعة الرازي، ومسلم، وأبي داود، والنسائي، ثم الدارقطني، يعني هؤلاء يعتبرون ممن يسمون بالمتقدمين من النقاد.
طيب، لفظ الشاذ يا شباب، نحن حينما نريد أن نعرف استعمال النقاد للفظ الشاذ، فمن الخطأ هنا أن نحكم عليهم بأن هذا اللفظ ينبغي أن يُراد به كذا أو كذا. لا، نحن يجب أن نعرف ما الذي أرادوه هم باستعمال اللفظ؛ إذاً نحن لا نريد أن نحكم عليهم فنقول يجب أن يستعملوا لفظ الشاذ في المعنى الفلاني، وإنما نقول ما هي الاستعمالات أو ما هي الدلالات التي أطلقوا عليها لفظ الشاذ.
عندنا أبو يعلى الخليلي في كتابه المشهور، وهو كتاب الإرشاد، استعمل لفظ الشاذ وذكر هنا أن الشاذ في قول جماعة من أهل الحجاز -يعني مثل الشافعي وغيره-: ما يرويه الثقات على لفظ واحد، ويرويه ثقة خلافه زائدًا أو ناقصًا. يعني كأنه هنا يقول إن أهل الحجاز أو بعض أهل الحجاز يحصرون دلالة الشاذ في مخالفة الراوي الثقة لمن هم أوثق منه، واضح؟
قال: والذي عليه حفاظ الحديث -ده كلام أبي يعلى الخليلي-: الشاذ ما ليس له إلا إسناد واحد، يشذ به شيخ ثقة كان أو غير ثقة؛ فما كان عن غير ثقة -نحن نقرأ كلامه يا شباب اللي هو صفحة أربعمائة وستة عشرة- فما كان عن غير ثقة فمتروك لا يُقبل، وما كان عن ثقة يتوقف فيه ولا يُحتج به.
قد يُفهم من كلام الخليلي أنه قال إن الراوي إذا تفرد فإنه شذ، فإن كان غير ثقة نترك تفرده ولا نقبله، وإن كان ثقة فإننا نتوقف فيه ولا نحتج به. قد يُفهم من هذا الكلام أنه يريد أن كل تفرد لا يُقبل، وهذا ليس صحيحًا.
بعض الشباب مشغولون بمسألة تحميل درس أمبارح، مش مهم يا شباب، خلينا دلوقتي نركز في درس اليوم، وبعد كده إن شاء الله ممكن نبقى نشوف درس الأمس ده؛ نجيب المادة الصوتية بتاعته أو الملف اللي هو مكتوب فيه، فخلينا نركز دلوقتي في الدرس بعد إذنكم.
بعض الناس هنا تعقب الخليلي فقال: توجد أحاديث انفرد بها رواة ثقات وقبلها العلماء، مثل حديث إنما الأعمال بالنيات، واضح؟ ابن رجب الحنبلي قال: لا، هذا التعقب خطأ، لماذا؟ لأن الخليلي لا يقصد كل تفرد، يعني لا يقصد أن كل شخص تفرد -حتى لو كان ثقة ثَبْتًا حافظًا- نرد تفرده، وإنما قصد فقط الراوي الشيخ. وكلمة شيخ يا شباب ذكرنا أنها أحيانًا تطلق في علم الحديث للدلالة على الراوي الذي فيه حفظ وثقة لكنه ليس حافظًا متقنًا، فبالتالي هو هنا لا يقصد الثقة الذي يُحتمل تفرده، وإنما يقصد فقط الراوي الذي ليس أهلاً للتفرد.
إذاً لفظ الشاذ عند الخليلي يُقصد به التفرد، واضح؟ لكن إذا كان هذا التفرد عن راوٍ ضعيف فإنه يُردّ، وإن كان عن راوٍ متوسط يُتوقف فيه، أما إن كان عن راوٍ ثقة أو حافظ فإنه يُقبل ولا يُردّ، واضح؟ إذاً كلام الخليلي هنا ليس خطأ، واضح؟
نحن في صفحة أربعمائة وسبعة عشر يا شباب. وكلام الإمام أبي عبد الله الحاكم النيسابوري في كتاب معرفة علوم الحديث قريب من كلام أبي يعلى أيضًا؛ حيث فرّق بين الشاذ والمعلول، وذكر أن المعلول هو الذي يُتوصل إليه من خلال الاختلاف بين الرواة، فيتبين الموصول الذي أخطأ في وصله بعض الرواة والصواب أنه مرسل، أو المرفوع الذي أخطأ في رفعه بعض الرواة والصواب أنه موقوف، فقال: هذا يُسمى معلولاً. وقال إن الشاذ هو أصل من الأصول يتفرد به ثقة وليس له شاهد أو متابع.
يعني إيه يا شباب؟ يعني الحاكم بيفرّق بين نوعين من الخطأ في الرواية، أو يفرّق بين نوعين من العلة: العلة التي يكون مقتضاها أن الراوي تفرد برواية وليس أهلاً للتفرد فهذا يسميه شاذاً، وقد يكون الراوي أهلاً للتفرد فيسميه شاذاً صحيحاً، واضح؟ لكن إذا كان خطأ الراوي توصلنا إليه بجمع الروايات وببيان أن الراوي خالف الثقات فهذا يسميه معلولاً، يبقى هو يفرّق بين الشاذ والمعلول. الشاذ عنده هو التفرد، ننظر بقى في حال المتفرد هذا: راوٍ انفرد بمتن أو انفرد بإسناد، هل هو أهل للتفرد أو لا؟ دي قصة لوحدها. أما الحديث الذي نتوصل فيه إلى خطأ الراوي عن طريق مخالفته للثقات فهذا هو الذي يُسمى معلولاً.
ونص كلامه -نحن في صفحة أربعمائة وثمانية عشر يا شباب-: قال: الشاذ من الروايات غير المعلول، فإن المعلول ما يُوقف على علته؛ أنه دخل حديث في حديث، أو وهم فيه راوٍ، أو أرسله واحد فوصله واهم. يعني إيه يا شباب أرسله واحد؟ يعني كان الصواب في الحديث أنه مرسل مثلاً؛ الصواب الزهري عن سعيد بن المسيب عن النبي صلى الله عليه وسلم، فوهم بعض الرواة فجعله عن الزهري عن سعيد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، فوهم في وصل الحديث والصواب أنه مرسل وليس موصولاً. قال: فأما الشاذ فإنه حديث يتفرد به ثقة من الثقات وليس للحديث أصل متابع لذلك الثقة.
فكلامه قريب من كلام أبي يعلى الخليلي أنه ليس يقصد كل ثقة ولا أي ثقة، وإنما يقصد الثقة الذي ليس هو من كبار الحفاظ، ثم انضم إلى روايته ما يدل على خطئه فيها. والأمثلة التي ساقها تؤكد هذا المعنى، وأن الحديث عنده لا يكون شاذًا لمجرد أن الثقة تفرد به، بل لما انضم إليه من القرائن الدالة على خطأ ذلك الثقة فيما تفرد به.
يعني إيه يا شباب؟ نلخص هذه الفكرة: أبو يعلى الخليلي والحاكم النيسابوري هما من الطبقة المتأخرة في المتقدمين، واضح يا شباب؟ هؤلاء يرون أن الشذوذ هو التفرد. طيب هو التفرد بماذا؟ يعني إذا انفرد راوٍ ضعيف فإن حديثه يكون شاذًا، وإذا انفرد راوٍ متوسط كذلك لا نقبل تفرده ونتوقف فيه، أما إذا كان المتفرد أهلاً للتفرد -يعني كان ثقة فيما تفرد به- فإننا نقبل تفرده، وهو حينئذ لا يكون شاذًا بمعنى ضعيف، وإنما يكون مقبولاً.
والإمام الترمذي عليه رحمة الله لما عرّف الحديث الحسن، تضمن كلامه أن الشاذ عنده يقع في أحاديث الضعفاء كما يقع في أحاديث الثقات؛ لأنه قال: وما ذكرنا في هذا الكتاب حديث حسن، فإنما أردنا به حسن إسناده عندنا، كل حديث يُروى لا يكون في إسناده من يُتهم بالكذب، ولا يكون شاذًا، ويُروى من غير وجه نحو ذلك، فهو عندنا حديث حسن.
هذا الحديث الذي يحسنه الإمام الترمذي هو حجة عنده، وقد اشترط لوصف الحديث بالحسن ثلاثة شروط: الشرط الأول: أن يكون راويه سالماً من التهمة بالكذب. الشرط الثاني: أن يكون الحديث نفسه سالماً من الشذوذ. الشرط الثالث: أن يُروى نحو ذلك من غير وجه. فإذا نظرنا في هذه الشرائط، وبخاصة الشرط الأول والشرط الثاني، يتبين لنا أن الشاذ عند الإمام الترمذي يقع في أحاديث الضعفاء كما يقع أيضاً في أحاديث الثقات.
الشيخ هنا يا شباب يرد على ما اشتهر عند المتأخرين، مثل الحافظ ابن حجر رحمه الله، أنهم جعلوا الحديث الشاذ هو مخالفة الراوي الثقة لمن هم أوثق منه خاصة. لا، لفظ الشذوذ يا شباب ولفظ النكارة يقع على أحاديث الضعفاء وأحاديث الثقات، لماذا يا شباب؟ لأنه ببساطة وصف للرواية وليس للراوي. يعني إيه يا شباب؟ يعني الكلام الخطأ خطأ، سواء صدر من ثقة أو من ضعيف؛ فالكلام الخطأ لو نطق به الثقة لكان أيضاً خطأ، والكلام الخطأ لو نطق به الضعيف لكان أيضاً خطأ.
المشكلة عند المتأخرين أنهم جعلوا للمصطلح الواحد دلالة واحدة، بينما المتقدمون كان عندهم سعة؛ كانوا يعبرون عن المعنى الواحد بأكثر من لفظ، ويعبرون باللفظ الواحد عن أكثر من معنى. فعندهم اللفظ الواحد، مثلاً لفظ ثقة، يمكن أن يُطلق على العدل الذي هو صادق حتى وإن كان ضعيفاً في الحفظ، ويمكن أن يُطلق على الحافظ حتى ولو كان مبتدعاً، ويمكن أن يُطلق على من جمع بين الصدق والحفظ، ويمكن أن يُطلق على من حضر مجلس السماع فقط حتى لو لم يكن حافظاً أو لم يكن عدلاً، واضح؟ عندهم سعة في استعمال الدلالات.
كذلك يعبرون عن المعنى الواحد بأكثر من لفظ؛ يريدون أن يبينوا أن الراوي أخطأ، يمكن أن يقولوا: هذا حديث باطل، أو منكر، أو ضعيف، أو خطأ، أو لا يثبت، واضح؟ كل هذه ألفاظ يعبرون بها عن معنى في الرواية.
إذاً يا شباب، الشيخ هنا يريد أن يرد على المتأخرين الذين حصروا دلالة الشاذ في مخالفة الراوي الثقة لمن هم أوثق منه، قال: لا، الشذوذ وصف للرواية، واضح؟ إما أن يكون الراوي المتفرد ليس أهلاً للتفرد؛ سواء كان ضعيفاً، أو متوسطاً، أو ثقة يخطئ في بعض شيوخه أو في بعض الأوقات أو في بعض الأماكن، أو يُطلق على مخالفة الراوي لمن هم أولى منه بالحفظ، حتى لو كان الراوي ثقة أو غير ثقة.
قال: اشترط في الحديث الذي يصفه بالحسن أن يكون راويه سليماً من التهمة بالكذب، والسالم من التهمة بالكذب إما أن يكون ثقة، وإما أن يكون ضعيفاً إلا أنه لم يبلغ في الضعف إلى حد أن يُتهم بالكذب، ثم اشترط مع ذلك ألا يكون الحديث شاذًا؛ فإن كان الراوي الذي ليس متهماً بالكذب ثقة، نفهم من هذا أن الشاذ يقع في أحاديث الثقات؛ لأنه مع أن الراوي ثقة، اشترط أن يكون الحديث سالماً من الشذوذ، فنفهم من هذا أن الشذوذ يقع في أحاديث الثقات، ولو كان الشذوذ لا يقع في أحاديث الثقات لما كان لاشتراطه نفي الشذوذ في حديثهم معنى.
وإن كان الراوي ضعيفاً، ومع ذلك اشترط في حديثه أن يكون سالماً من الشذوذ، نفهم من ذلك أن الشذوذ يقع أيضاً في أحاديث الضعفاء غير الثقات؛ لأنه إذا كان الراوي ضعيفاً ومع ذلك اشترط في روايته أن تكون سالمة من الشذوذ، فإننا نفهم من ذلك أن الشذوذ قد يقع في أحاديث الضعفاء.
فهذا إن فهمنا كلام الإمام الترمذي على نحو ما بيّن الإمام ابن رجب الحنبلي عليه رحمة الله في شرح العلل، حيث ذكر أن اشتراط الترمذي في الراوي أن يكون سالماً من التهمة بالكذب يدخل فيه الثقة والراوي الضعيف؛ لأن الثقة سالم من التهمة بالكذب، كما أن الضعيف الذي لم يشتد ضعفه هو أيضاً سالم من التهمة بالكذب، واضح يا شباب؟
نلخص الفكرة مرة ثانية: الشيخ هنا يريد أن يبين أن الأئمة يستعملون اللفظ الواحد في أكثر من دلالة. لفظ الشاذ يستعمله النقاد إما لوصف الراوي أو لوصف الرواية؛ أن هذا الراوي شاذ الحديث -يعني ينفرد بالأحاديث ولا يُتابع عليها وليس أهلاً للتفرد-، أو أن هذا الراوي يخالف الرواة الثقات الذين هم أولى منه بالحفظ، سواء بقى كان هذا الراوي ضعيفاً، أو كان ثقة، أو كان متوسطاً.
إذاً وصف الشذوذ هو وصف للرواية، كما أن النكارة وصف للرواية؛ كما أن لفظ المنكر يقع على حديث الضعيف وعلى حديث الثقة الذي تأكدنا أنه أخطأ فيه، كذلك لفظ الشذوذ يقع في رواية الضعيف الذي تفرد بما لم يُحتمل أو خالف الثقات، ويقع في رواية الثقة إذا تفرد بما لم يُحتمل أو خالف الثقات.
صفحة أربعمائة وعشرين يا شباب: فإذا فهمنا أن كلام الترمذي في قوله "لا يكون متهماً بالكذب" يتناول الثقات والضعفاء، نفهم من ذلك أن الشاذ يدخل في أحاديث الثقات ويدخل أيضاً في أحاديث الضعفاء. أما إن فهمنا من كلام الترمذي حيث قال: "لا يكون في إسناده من يُتهم بالكذب" أنه يقصد فقط الضعيف الذي لم يبلغ في ضعفه هذا الحد، فهذا يكون أصرح في الدلالة على أن الشاذ يقع في أحاديث الضعفاء؛ لأن قول الترمذي "لا يكون في إسناده من يُتهم بالكذب" إن لم نفهم من قوله هذا إلا أن يكون الراوي ضعيفاً لم يشتد ضعفه، ثم بعد ذلك اشترط هو في الرواية أن تكون سالمة من الشذوذ، نضع علامة يساوي يا شباب -يعني النتيجة في عقلنا وفهمنا- أن الشذوذ يقع في أحاديث الرواة الضعفاء.
وإلا لما كان لاشتراطه مع سلامة الراوي من التهمة بالكذب ألا يكون الحديث شاذًا معنى، ولو كان الشذوذ لا يقع في أحاديث الضعفاء لاكتفى بالشرط الأول؛ وهو ألا يكون الراوي متهماً بالكذب، ولما كان في حاجة إلى اشتراط أن يكون الحديث سالماً من الشذوذ. لكن لما اشترط مع السلامة من التهمة بالكذب سلامة الحديث من أن يكون شاذًا، فهمنا أن الراوي الذي يكون ضعيفاً تقع في أحاديثه الأحاديث الشاذة. وبهذا نفهم أن الشاذ يقع في أحاديث الضعفاء كما يقع في أحاديث الثقات سواء بسواء.
السطر الأخير ده يا شباب هو الخلاصة، لكن أنا برضه هشرح صفحة أربعمائة وعشرين؛ لأن بعض الناس ممكن ما يفهمش قصد الشيخ. بصوا يا شباب، كان عندنا الإمام الترمذي في كتابه الجامع -اللي هم بيسموه سنن الترمذي، واسمه الصحيح الجامع- ذكر في آخر الكتاب أنه يطلق كثيراً مصطلح الحسن، فبيّن دلالة لفظ الحسن؛ أنه المراد به عنده: كل حديث يُروى لا يكون في إسناده من يُتهم بالكذب، ولا يكون شاذًا، ويُروى من غير وجه، واضح؟
فهنا في عندنا فهمان لهذا الكلام: في ناس فهمت من كلام الإمام الترمذي "لا يكون في إسناده من يُتهم بالكذب" يبقى معنى كده أن يكون الراوي إما ضعيفاً ضعفاً محتملاً، أو يكون متوسطاً، أو يكون ثقة، فكل هؤلاء ليسوا متهمين بالكذب، واضح؟ يبقى هذا هو الفهم الأول: أن كل راوٍ ليس متهماً بالكذب يدخل في شرط الإمام الترمذي؛ يمكن أن يكون ضعيفاً ضعفاً محتملاً، ويمكن أن يكون متوسطاً، ويمكن أن يكون ثقة في أعلى درجات الثقة.
الفهم الآخر: أن معنى "ليس متهماً بالكذب" يعني راوٍ ضعيف، لكن ليس ساقطاً متروكاً. فالشيخ يقول: في كل الحالات، لو افترضنا أن الترمذي يقصد كل الرواة الذين ليسوا متهمين بالكذب، أو قصد فقط الراوي الذي هو ضعيف لكن لم يبلغ حد السقوط أو التهمة بالكذب، فمعنى ذلك أن الإمام الترمذي يمكن عنده أن يقع الراوي الضعيف في الشذوذ، لماذا؟ لأنه اشترط عدم الشذوذ.
طب ما هو معنى الشذوذ يا شباب هنا؟ له معنيان: إما تفرد الراوي بما لا يُحتمل التفرد به، أو مخالفة الراوي لمن هم أوثق منه. يبقى الشذوذ هنا يا شباب هو الخطأ؛ يعني أن هذه الرواية ثبت فيها الخطأ، أيّاً كان المخطئ، سواء كان المخطئ ثقة أو ضعيفاً، فالشذوذ وصف للرواية وليس وصفاً للراوي فقط.
صفحة أربعمائة وواحد وعشرين: قال: هذا وقد ذهب الحافظ ابن حجر كما سبق إلى التفرقة بين الشاذ والمنكر؛ فبينما اشترط في المنكر ما سلف بيانه من أن يكون راويه ضعيفاً...
بعض الشباب لما بيستمع إلى هذه الدروس أحياناً لا يكون قد بدأ الدروس من أولها، أو لا يكون أخذ الكتاب من أوله، فيقع عنده مشكلة كبيرة جداً في الفهم. بطبيعة الحال يا شباب، أي إنسان يقرأ كتاباً أو يسمع درساً لا يفهمه، فهذا يدل على أنه كان هناك مقدمات يجب عليه أن يأخذها قبل أن يدخل في الكتاب، فهو هنا بين أمرين: إما أن يترك الدرس ويأخذ بالمقدمات، أو يحاول أن يجمع بين الأمرين؛ أن يستمع ويفهم القدر المسموح له ويحاول أن يراجع الدروس التي فاتته، واضح؟
لكن لا يمكن أبداً إن إحنا كل ما ندخل في درس يا شباب نحاول أن نعيد الكتاب من أوله. أنتم تلاحظون أننا كلما مررنا على فكرة أحاول أن أعيدها مرة أخرى، لكن هذا لا يمكن أن يصلح في الدروس القادمة؛ لأن عندنا كتباً كثيرة جداً المفروض إن إحنا بنبدأ بالتدريج عشان كل كتاب يختصر علينا في الكتب بعده. فإذا كنا كلما مررنا بمسألة قد شرحناها قبل ذلك نسهب فيها نفس الإسهاب فإننا لن ننتهي، فلذلك أنصح الشباب الذين يلتحقون بالدروس مؤخراً أن يستمروا فيها، هذا جيد، لكن يبدأوا الدرس من أوله. كثير من الناس يكون عنده كسل في هذه الفكرة؛ يعني يريد الشيء السريع، لا يمكن لإنسان يريد أن ينبل في طلب العلم إلا ويأخذ الأشياء بالتدرج، يعني واحدة واحدة، حاول أن تبدأ من أول السلم، لكن أن تدخل في منتصف الكتاب وانت ليس عندك قاعدة في علم الحديث أو في العلم الذي يُدرس، فأظنه يصعب عليك أن تمشي في هذا الكتاب.
طيب نرجع تاني نقول الفكرة يا شباب، صفحة أربعمائة وواحد وعشرين: هذا وقد ذهب الحافظ ابن حجر كما سبق إلى التفرقة بين الشاذ والمنكر؛ فبينما اشترط في المنكر ما سلف بيانه من أن يكون راويه ضعيفاً وقد خالف الثقات أو أهل الصدق، فكذلك اشترط في الحديث لكي يُوصف بكونه شاذًا أن يكون راويه ثقة، وأن يكون خالفه من هو أوثق منه أو أولى بالحفظ والإتقان منه، أو أن يكون الذين خالفوه أكثر عدداً منه، فحينئذ يكون الحديث عنده شاذًا.
يعني الحافظ ابن حجر يا شباب يرى أن الشاذ فقط هو مخالفة الراوي الثقة لمن هم أوثق منه، والمنكر هو مخالفة الراوي الضعيف لمن هم أوثق منه. هذا التفريق ليس موجوداً عند الأئمة المتقدمين؛ الأئمة المتقدمون عندهم هذه الألفاظ تُطلق على كل خطأ، سواء كان المخطئ ثقة أو ضعيفاً.
إذاً محصلة قول هذا القائل أن الشاذ والمنكر يختلفان؛ فالشاذ عنده ليس هو المنكر، ثم إنه يشترط في الشاذ والمنكر أن يقع الخلاف بين الرواة؛ فمجرد تفرد الراوي لا يكون عنده منكراً، وأن الحديث لكي يكون منكراً مع الاختلاف يُشترط أن يكون الراوي الذي أُنكر حديثه راوياً ضعيفاً، بينما راوي الحديث الشاذ مع وجود الخلاف في حديثه يُشترط أن يكون هو في نفسه من الثقات وليس من الضعفاء. فالشاذ والمنكر يشتركان عنده في اشتراط المخالفة، ويختلفان في حال الراوي؛ فراوي الحديث المنكر ضعيف، بينما راوي الحديث الشاذ من الثقات.
الحافظ ابن حجر يا شباب ومن اتبعه على هذه الفكرة يصفون الرواية بالنكارة أو الشذوذ في حالة واحدة؛ هي أن يخالف الراوي غيره: فإذا كان الراوي ضعيفاً وخالفه الثقات سُمي خطؤه منكرًا، وإذا كان الراوي ثقة وخالفه الثقات سُمي خطؤه شاذًا. وهذا ليس صواباً؛ لأن الأئمة المتقدمين يطلقون النكارة أو الشذوذ على إحدى حالتين:
إما تفرد الراوي الذي ليس أهلاً للتفرد؛ سواء كان ثقة أو ضعيفاً. يعني إيه ثقة لا يُقبل تفرده؟ يعني أنه ثقة وانفرد عن شيخ يخطئ فيه كثيراً؛ مثلاً كجرير بن عبد الحميد إذا انفرد عن الأعمش، أو سفيان بن حسين إذا انفرد عن الزهري، أو معمر يخطئ عن ثابت البناني، أو حماد بن سلمة يخطئ عن أيوب، وهكذا. فهذه هي الصورة الأولى التي يطلقون عليها النكارة أو الشذوذ، وهو التفرد الذي لا يُحتمل.
الصورة الثانية هي مخالفة الراوي لمن هم أوثق منه، هنا بقى يسمونه باطلاً، شاذًا، منكرًا؛ ليس عندهم مشكلة في الاسم.
الشيخ يرى في صفحة أربعمائة وواحد وعشرين في آخر الصفحة، قال الشيخ: ولعله إنما اعتمد في قوله هذا على ما رُوي عن الشافعي عليه رحمة الله؛ حيث رُوي عنه أنه قال -وقد تقدم ذكر هذا القول-: ليس الشاذ من الحديث أن يروي ثقة حديثاً لا يرويه غيره، إنما الشاذ من الحديث أن يروي ثقة حديثاً يخالف فيه الناس.
وكلام الإمام الشافعي عليه رحمة الله هذا ليس فيه ما يدل على اشتراط أن يكون راوي الحديث الشاذ ثقة؛ لا شك أنه إذا كان ثقة وقد خالفه الناس فإن هذا يسمى شاذًا. ولكن البحث هنا: هل لا بد لكي يوصف الحديث بأنه شاذ أن يكون راويه ثقة؟ أم أن الراوي الضعيف أيضًا يسمى حديثه شاذًا إذا ثبت خطؤه فيه؟ يعني يا شباب نحن ليست المشكلة عندنا أن خطأ أو مخالفة الراوي للثقات يسمى شذوذًا، إنما المشكلة أن تحصر الشذوذ في هذه الصورة. أنت هنا أخرجت صورتين: الصورة الأولى هي تفرد الراوي الثقة بما لا يتابع عليه وليس أهلاً للتفرد فيه، هذا أيضًا يسمى شاذًا. أو تفرد الضعيف، هذا أيضًا يسمى شاذًا. أو مخالفة الراوي الضعيف للثقات، هذا أيضًا يسمى شاذًا.
واضح يا شباب؟ يعني مثلاً يا شباب أصور لكم الفكرة بشكل أسهل: إحنا عندنا مثلاً المرجئة يجعلون آآ الإيمان في القلب فقط ويخرجون الأعمال عن الإيمان، فهذا قول منكر. هل نحن ننكر عليهم إدخالهم أعمال القلوب في الإيمان؟ لأ، وإنما ننكر عليهم إخراجهم أعمال الجوارح عن الإيمان. فكذلك نحن لا ننكر على المتأخرين أنهم سموا مخالفة الراوي الثقة لمن هم أوثق منه شاذًا، لا، هذا أيضًا يسمى شذوذًا. لكن ننكر عليهم أنهم حصروا الشذوذ في هذه الصورة، لأ، الشذوذ والنكارة تطلق على... فكل تفرد لا يحتمل، وتطلق على كل مخالفة للراوي لمن هم أوثق منه.
هذا باختصار. الإمام الشافعي عليه رحمة الله، المتأمل لكلامه هذا يظهر له أنه إنما قال ذلك الكلام قائلًا به قولًا ربما قيل بحضرته، أو في مجلس من مجالسه التي كان يعقدها لمناظرة أقرانه؛ كان بعض من خالفه رد عليه حديثًا احتج به بأنه تفرد به ثقة وهو حديث شاذ، فأراد الشافعي عليه رحمة الله أن يرد هذه الشبهة على صاحبها فقال كلامه المذكور: ليس الشاذ من الحديث أن آآ يروي الثقة حديثًا لا يرويه غيره، إنما الشاذ من الحديث أن يروي الثقة حديثًا يخالفه فيه الناس.
يعني يا شباب باختصار، الإمام الشافعي لم يكن هنا يؤسس لمصطلح الشاذ، لا، كأن الشافعي ذكر روايات انفرد بها بعض الرواة، مثلاً حديث انفرد به الزهري، حديث انفرد به سفيان بن عيينة، فواحد شخص بيقول له: ده حديث شاذ. فالشافعي بيقول له: لأ، ده مش شاذ، ليس الشاذ أن ينفرد الراوي وإنما الشاذ أن يخالف الثقات. هنا الشافعي لا يقصد أن يحصر الشاذ في هذه الصورة، وهي مخالفة الثقات، ولكنه كان يقصد أن الشذوذ الذي يُرد آآ ليس هو تفرد الراوي وإنما هو أن يخالفه الثقات، واضح؟
يبقى خلاصة الكلام يا شباب: أن لفظ الشاذ أو لفظ المنكر يطلق على معنيين إجمالاً: إما تفرد الراوي الذي لا... وتفرده ثقة كان أو ضعيفًا، أو مخالفة الراوي لمن هم أوثق منه. طيب، الشيخ طبعًا بيطوّل، يعني بيحاول يشرح كتير جدًا لأنه بيخشى أن كلامه لا يكون مفهومًا، لكنه الحمد لله كلامه مفهوم.
قال: بمعنى أن الإمام الشافعي عليه رحمة الله إنما قال ذلك الكلام ليس على إرادة الحصر ولا على إرادة وضع قاعدة كلية، وإنما قال ذلك ليرد به على هذه الشبهة التي ربما كانت قد أثيرت أمامه. فإذا كان الأمر كما أفهمه -يعني الشيخ كما فهم يعني والله أعلم- فحينئذ لا نستطيع أن نفهم من كلام الشافعي عليه رحمة الله أنه قاعدة كلية، أو أن الشاذ لا بد أن يكون راويه من الثقات؛ لأن بعض الناس فهم كده من كلام الشافعي أن هو بيشترط أن الراوي يكون من الثقات وأنه يكون خالف. لا، مش لازم، الشاذ يطلق على كل تفرد لا يحتمل، وعلى كل مخالفة غير مقبولة.
طيب، وإنما قال ذلك لما عُرض عليه حديث يرويه ثقة، ورَدّ آآ بعض من رده لمجرد أنه ثقة وقد تفرد به، فبيّن له أن هذا ثقة يحتج بتفرده ما لم يأتِ دليل على خطئه، كأن يخالف هذا الثقة الناس فيما رووا. لكن هل الشافعي عليه رحمة الله لا يطلق الشاذ إلا على ما أخطأ فيه الراوي الثقة واستُدل على خطئه فيه بمخالفة غيره؟ هذا لا يُفهم من كلامه ولا نستطيع أن نفهمه من كلامه، نعم.
وأيضًا، لو أننا فهمنا كلام الشافعي عليه رحمة الله على أنه لا بد للحديث الشاذ أن يكون راويه ثقة، فماذا هو رأي الشافعي عليه رحمة الله في الحديث الذي يتفرد به الراوي الضعيف؟ وما هو رأيه في الحديث الذي يرويه راوٍ ضعيف مخالفًا فيه الثقات أو أهل الصدق؟ إن الشافعي عليه رحمة الله ليس في كلامه ما يدل على أن أحاديث آآ مثل هؤلاء الرواة لا تسمى أحاديث شاذة. فماذا يسميها الإمام الشافعي؟ هل يسميها منكرة؟ ليس في كلام الشافعي ما يدل على ذلك ولا ما ينفيه. هل تدخل عنده في مسمى الشاذ؟ هذا هو الظاهر من صنيعه؛ لأن الإمام الشافعي حين يتكلم عن الثقة وأنه إنما يحكم بشذوذ أحاديثه بالشرط المذكور، وهو أن يخالف آآ فيما روى الناس، فمن باب أولى أن يكون الراوي الضعيف كذلك، ولا يمتنع الشافعي من إطلاق الشاذ على أحاديث الضعفاء حيث يتبين خطؤهم آآ فيما رووا، إما بتفردهم بما لا يحتمل، أو بمخالفتهم لأهل الثقة آآ أو أهل الصدق.
والمتأمل لصنيع أئمة العلم عليهم رحمة الله في استعمال هذه المصطلحات يتبين له أن الواحد منهم كان يغلب عليه استعمال مصطلح من هذه المصطلحات، فيكثر ذلك في استعماله أكثر من استعماله لمصطلح آخر هو نفسه معنى المصطلح الدارج على لسانه، وليس معنى هذا أن هذا الإمام لا يستعمل المصطلح الآخر، أو أنه يجعل مصطلح الآخر له معنى غير المعنى الذي يقصده من المصطلح الذي يكثر في استعماله. يعني الشيخ يا شباب يريد أن يقول باختصار: كل إمام من الأئمة يعبر عن حال الرواية أو حال الراوي بلفظ يراه كافيًا.
عارفين يا شباب؟ ده من باب اختلاف التنوع أو الخلاف اللفظي، مثل مثلاً الأئمة لما سُئلوا عن الإيمان: واحد منهم قال: الإيمان قول وعمل، الثاني قال: الإيمان قول وفعل، واحد ثاني قال: الإيمان قول وعمل ونية. واضح؟ اه، واحد ثاني مثلاً يقول: الإيمان اه قول وفعل، اه، كل هذا اسمه اختلاف لفظي، اللي هو التعبير عن المعنى الواحد بأكثر من لفظ. فمش لازم الأئمة يستعملون لفظًا واحدًا؛ لأن العرب، أو من خصائص لسان العرب -وإن كانت موجودة أيضًا في بعض الألسنة الأخرى- أن العرب يسمون الشيء الواحد بالأسماء الكثيرة، ويسمون بالاسم الواحد الأشياء الكثيرة. واضح؟ فكذلك الأئمة في علم المصطلح أو في أي باب من الأبواب، يعني يطلقون المعنى الواحد... يطلقون على المعنى الواحد أكثر من لفظ، ويطلقون اللفظ الواحد للتعبير عن أكثر من معنى. فالإمام الشافعي لو استعمل لفظ الشاذ اه وكثُر في استعماله، لا يعني ذلك أنه يرى أن هذه الحالة لا تسمى إلا شاذة، أو أنه لا اه يستعمل الشاذ إلا في هذه الحالة، لا يا شباب.
قال: فمثلاً نجد إمامًا كالإمام أحمد عليه رحمة الله يكثر في استعماله مصطلح المنكر، فهو يستعمل مصطلح المنكر كثيرًا للدلالة على الخطأ الواقع في الرواية، سواء كان الخطأ في الإسناد أو في المتن، وسواء كان الخطأ استُدل عليه بتفرد الراوي حيث لا يكون أهلاً للتفرد، خالف غيره أو لم يخالف؛ فالإمام عليه رحمة الله الإمام أحمد عليه رحمة الله يعبر عن هذا بقوله: إنه منكر، ونادرًا جدًا ما يستعمل مصطلح الشاذ. فهل يا ترى الإمام أحمد ليس عنده أحاديث يصدق عليها وصف الشاذ؟ لا يمكن أبداً أن يكون الإمام أحمد على كثرة ما تكلم في الأحاديث ليس عنده حديث يتنزل عليه مصطلح الشاذ ويصدق عليه وصف الحديث الشاذ، وإنما هو يعبر عن الخطأ سواء كان الخطأ من ثقة أو من غير ثقة، وسواء كان الخطأ استُدل عليه بالتفرد أو بالمخالفة، يعبر عنه بأن الحديث منكر.
بينما نجد في المقابل أئمة آخرين يعبرون عن نفس الخطأ الذي وصفه الإمام أحمد بأنه منكر، يعبرون عنه بأنه شاذ. فنجد الشاذ استعمله الإمام الشافعي واستعمله أيضًا الإمام الترمذي وغيرهما من أئمة الحديث عليهم رحمة الله، ونجد الإمام الشافعي قلما يستعمل المنكر، كذلك الإمام الترمذي قلما يستعمل مصطلح المنكر اه. فهل يا ترى ليس هناك حديث عند الإمام الترمذي أو عند الإمام الشافعي يصدق عليه وصف المنكر؟ هذا أمر مستبعد جداً.
وإنما هؤلاء الأئمة... هنا بقى يا شباب دي تعتبر خلاصة البحث اللي تقدم كله، اللي هو الكام سطر اللي جايين دول يا شباب: وإنما هؤلاء الأئمة يعبرون عن الخطأ الواقع في الرواية بألفاظ يرون أنها تفيد هذا المعنى، وبعضهم يغلب على استعماله مصطلح منكر، والبعض الآخر يغلب على استعماله مصطلح الشاذ، وكلاهما أراد معنى واحدًا: فهذا أراد بالمنكر الخطأ إذ أراد بالشاذ الخطأ، هذا أطلق المنكر على الخطأ مهما كان حال راويه ومهما كانت الوسيلة التي استُدل بها على الخطأ تفردًا أو مخالفة، وهذا أيضًا أطلق الشاذ على الخطأ مهما كان حال راويه ومهما كانت الطريقة التي استُدل بها على الخطأ التفرد أو المخالفة. وليس معنى هذا أن الشاذ عندهم يختلف عن المنكر، ونحن نجد في استعمال أئمة الحديث الذين غلب على استعمالهم مصطلح الشاذ في الدلالة على الخطأ، نجد في تعريفهم الشاذ ما يصدق عليه اسم المنكر. يعني نفس تعريف الشاذ عندهم هو الذي يمكن أن يستعمل في آآ دلالة لفظ المنكر: المنكر يُقصد به تفرد الراوي بحديث وهو ليس أهلاً للتفرد، كذلك آآ الشاذ، والمنكر يُتوصل إليه أحيانًا بمخالفة الراوي، كذلك الشاذ، واضح؟
يعني يا شباب باختصار: ممكن عالم يُسأل عن راوٍ فيقول: هو ثقة، وآخر يقول: هو ثبت، وآخر يقول: هو حجة، وآخر يقول: هو إمام؛ إذن عندنا أربعة ألفاظ: ثقة، ثبت، إمام، حجة، كل هذه ألفاظ يُعبر بها عن كون الراوي أهلاً لقبول روايته. فهذا يا شباب اسمه اختلاف لفظي، واضح؟
قال الشيخ في آخر صفحة أربعمئة وخمسة وعشرين يا شباب: بمعنى أننا نجدهم يستعملون الشاذ على أخطاء الثقات وأخطاء الضعفاء، غير متقيدين بأن يكون الشاذ مختصاً بأحاديث الثقات، والمنكر بأحاديث الضعفاء، كما تقدم عن الترمذي وأبي يعلى الخليلي والحاكم النيسابوري، والله أعلم.
آآ دلوقتي يا شباب انتهينا من مصطلح الشاذ، نذكر فيه ملخصًا جامعًا إن شاء الله: لفظ الشاذ يطلق كثيرًا على الرواية وليس على الراوي، يُقصد يطلق على الرواية لأحد أمرين: إما أن يكون الراوي انفرد برواية وليس أهلاً للتفرد بها، سواء كان الراوي ضعيفًا أو ثقة أو متوسطًا، ويُقصد كذلك أو يُطلق على الرواية التي خالف فيها الراوي من هم أولى منه بالحفظ والثقة، سواء كان هذا الراوي الذي خالف الثقات ثقة أو ضعيفًا، دي الخلاصة.
طيب، صفحة أربعمئة وستة وعشرين يا شباب: من الألفاظ المستعملة عندنا: لفظ الباطل، الساقط، آآ لا أصل له، اه، المتروك، المطروح، وكذلك آآ لفظ ضعيف جدًا. الشيخ هنا سيعلق على هذه الألفاظ يا شباب، وعامة هذه الألفاظ تطلق على الروايات شديدة الضعف؛ لأن إحنا عندنا الضعف في الروايات يا شباب فيه ضعف محتمل، واضح؟ وفيه ضعف لا ينجبر، واضح؟ يعني كما يقول الإمام أحمد: الحديث عن الضعفاء قد يُحتاج إليه في وقت، والمنكر أبدًا منكر. يعني فيه حديث مقبول متوسط في القبول، واضح؟ لكن فيه حديث ساقط، هذا الحديث تأكدنا أنه لا يثبت، يبقى هذا الحديث لا يقوى ولا يتقوى. أما الضعف المحتمل فيمكن أن تأتي روايات يعني آآ تجتمع فترفع من شأن الرواية.
طيب، نقرأ يا شباب، إحنا في صفحة أربعمئة وستة وعشرين، قال: الحديث الباطل هو المنكر، وربما أطلق على الكذب الموضوع. قال أبو حاتم الرازي: الكذب والباطل واحد. وربما عبر المحدثون عن بطلان الحديث بعبارات تدل عليه منها المطروح. يعني يا شباب آآ هذه ليست أنواعًا في علوم الحديث، وإنما هي مصطلحات يُعبر بها عن شدة ضعف الرواية.
قال الذهبي: المطروح من انحط عن رتبة الضعيف، يعني هو ضعيف جدًا. يعني المعضل هو غير المعضل الذي هو من مباحث السقط في الإسناد، وقد تقدم أن هذا المصطلح "المعضل" يُعبر آآ به في كلام أهل العلم على المنكر المستغلق الشديد، فهو إذن من الألفاظ الدالة على الضعف الشديد. يعني إحنا عندنا المعضل يا شباب اللي إحنا ذكرناه قبل ذلك في مبحث السقط في الإسناد معناه أن الرواية سقط من خلال إسنادها اثنان أو أكثر على التوالي فده معضل، أما المعضل هنا فيُقصد به الأحاديث المنكرة شديدة الضعف؛ كان ابن حبان أحيانًا يقول: فلان يروي المعضلات، يعني يروي الأحاديث المنكرة الباطلة.
طيب، صفحة أربعمئة وسبعة وعشرين يا شباب: مصطلح "لا أصل له"، ومن ذلك قول محمد بن علي بن حمزة المَرُّوذِي. فيه عندنا يا شباب فرق بين المَرُّوذِي والمَرْوَزِي: المَرُّوذِي فيه بلد اسمها مَرُو الرُّوذ، هي يعني مركبة اسمها مركب كده: مَرُو الرُّوذ، لما نيجي ننسب الراوي لها نقول: المَرُّوذِي، ومنهم اللي هو المَرُّوذِي صاحب الإمام أحمد، أحد الطلاب المتميزين عند الإمام أحمد. أما المَرْوَزِي فده من مَرُو.
طيب، آآ قول محمد بن علي بن حمزة المَرُّوذِي: سألت يحيى بن معين عن هذا الحديث -يعني حديث عوف بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم: تفترق أمتي- قال: ليس له أصل. قلت: فنعيم بن حماد؟ قال: نعيم ثقة. قلت: كيف يحدث ثقة بباطل؟ قال: شُبِّه عليه. واعلم أنهم لا يقصدون بقولهم: "لا أصل له"... طبعًا أشرح الأول المقطع ده يا شباب: هو الراوي تلميذ ابن معين بيسأله عن حديث فابن معين قال له: لا أصل له، يعني باطل. الراوي بيقول له: طيب مش نعيم ثقة؟ يعني نعيم اللي هو تفرد بهذا الحديث ثقة، كيف يروي الثقة الباطل؟ قال: شُبِّه عليه. يعني أن الراوي الثقة يمكن أن يروي حديثًا كذبًا أو حديثًا منكرًا من باب الغفلة والخطأ وليس من باب التعمد.
قال: واعلم أنهم لا يقصدون بقولهم "لا أصل له" نفي جنس الإسناد، وإنما يقصدون نفي أن يكون للحديث أصل يرجع إليه، أي مخرج صحيح أو إسناد صحيح تقوم به الحجة يرجع إليه. وهذا يطلقونه سواء كان الراوي الذي أخطأ في الحديث ثقة أو غير ثقة، وسواء كان خطؤه في المتن أو في الإسناد. وعلى الثاني فمرادهم أنه لا أصل له بهذا الإسناد.
يعني إيه يا شباب؟ يعني كلمة "لا أصل له" هل معناها ليس له إسناد؟ لا يمكن أن يُقصد بها ليس له إسناد تمامًا، يعني كلام هذا مرسل، مثل الأحاديث الكثيرة المنتشرة بين يدي الناس لا يكون لها إسناد آآ أصلًا، وممكن يُقصد ليس له إسناد يعني ليس له إسناد صحيح. هو قال في الآخر: "وهذا يطلقونه سواء كان الراوي الذي أخطأ في الحديث ثقة أو غير ثقة، وسواء كان خطؤه في المتن أو في الإسناد، وعلى الثاني فمرادهم أنه لا أصل له بهذا الإسناد". يعني يمكن أن يكون له أصل صحيح بإسناد آخر، ولكن ليس بهذا الإسناد؛ يعني ممكن يكون فيه متن يا شباب صحيح لكن بغير الإسناد الذي رُوي به هذه الرواية.
طيب من الألفاظ أيضًا التي يُعبر بها عن ضعف الرواية: "لا إسناد له". صفحة أربعمئة وسبعة وعشرين يا شباب، وهو كمثل قولهم: "لا أصل له"، لا يقصدون نفي جنس الإسناد وإنما يقصدون إسنادًا صالحًا للحجة، إسنادًا يصلح الاعتماد عليه. ومن ذلك أن الإمام أحمد بن حنبل عليه رحمة الله اه سُئل عن بعض أسانيد حديث: ما بين المشرق والمغرب قبلة، فقال: ليس له إسناد. وهذا الحديث له أسانيد كثيرة، اه ثم إنه سُئل عن الحديث بإسناده والإسناد معروف والإمام أحمد يعرفه. يعني كأنه يقصد إيه؟ ليس له إسناد صحيح، يعني مش معنى أن هو ليس له إسناد يعني ليس له إسناد نهائيًا، وإنما يقصد إسنادًا صحيحًا تقوم به الحجة، وليس في كلامه نفي لأصل الإسناد أو لجنس الإسناد.
صفحة أربعمئة وثمانية وعشرين يا شباب: من المصطلحات يا شباب "لا مدار له"، وهو أيضًا كمثل اه سابقيه، ومدار الحديث هو مخرج الحديث وأصله. وقد استعمل ابن حبان البستي هذا المصطلح في المجروحين. "المجروحين" أحد أهم كتب الرواة، هي كتب جمعت الرواة الذين تُكُلِّم فيهم سواء في عدالتهم أو في ضبطهم. وعندنا أربعة كتب مهمة يا شباب بالترتيب: كتاب المجروحين... الكامل لابن عدي، والمجروحين لابن حبان، والعقيلي في الضعفاء، وجمع هذه الكتب اه كتاب ميزان الاعتدال للإمام الذهبي، ولخص هذا الكتاب أو آآ يعني حاول أن يستثني الرواة الذين آآ هم موجودون في الكتب الستة الحافظ ابن حجر، يعني أخرج الرواة الموجودين في الكتب الستة ثم اختصر الكتاب على الرواة الذين ليسوا موجودين في الكتب الستة في كتاب لسان الميزان.
آآ طيب، قال في المجروحين آآ بصدد حديث منكر: هذا آآ شبه لا شيء فليس للخبر مدار يرجع إليه. كلمة "لا مدار له" من الألفاظ النادرة جدًا في استعمال النقاد، نادرة جدًا، بخلاف كلمة "لا أصل له" موجودة كتير يعني.
طيب، كلمة "متروك"، لكن أكثر ما يستعمل المحدثون مصطلح المتروك على الراوي دون الرواية، فكثيرًا ما يقولون: فلان متروك، أو متروك الحديث، أو تركوه، أو تركه الناس. أما في الحديث فلا يستعملونه إلا نادرًا. ومع ذلك فلا يحصرونه في رواية المتهم بالكذب، كما قال ذلك البعض، بل الحديث عندهم يُترك إذا قامت الدلائل على ضعفه، أو لم تقم الدلائل على صحته، وإن لم يكن ذلك موجبًا لترك راويه. يعني إيه يا شباب؟ يعني أحيانًا يطلقون كلمة متروك على الرواية حتى لو كان الراوي ثقة، يقصدون أن تلك الرواية بعينها ضعيفة أو ثبت فيها خطأ الراوي.
قال الشيخ في آخر صفحة أربعمئة وثمانية وعشرين يا شباب: لأن الراوي لا يُترك إلا إذا كثر الخطأ منه، لكن إذا أخطأ ولو قليلاً تُرِك الحديث الذي أخطأ فيه. كما قلنا يا شباب: لا تلازم بين الحكم على الراوي والحكم على روايته، فقد يخطئ الراوي الثقة وقد يصيب الضعيف، لكن الراوي إذا كثر الخطأ منه والنكارة في حديثه سُمي منكر الحديث أو متروك الحديث أو ضعيف جدًا، بخلاف الراوي الثقة فإن آآ صوابه أكثر من خطئه.
صفحة أربعمئة وتسعة وعشرين يا شباب: وقد يطلقون المتروك بمعنى المنسوخ، المتروك بمعنى المنسوخ على معنى ترك العمل لا ترك الرواية. قال ابن عبد البر: خبر ابن عباس في رد أبي العاص إلى زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر متروك، لا يجوز العمل به عند الجميع. ويعني بقوله متروك أي منسوخ، فقد قال هو قبل هذا عن هذا الحديث نفسه: وهذا الخبر وإن صح فهو متروك منسوخ عند الجميع، والله أعلم. يعني كلمة متروك هنا ليس معناها أنه لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، هو ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم لكنه نُسِخ، فهذا النسخ يجعله متروكًا يعني تُرك العمل به.
أيضًا من الألفاظ يا شباب لفظ "الساقط". قال الذهبي في مبحث الموضوع من كتاب الموقظة -كتاب الموقظة أيضًا من الكتب الجميلة جدًا يا شباب، إن شاء الله إن جاءنا وقت إن شاء الله نقرأ هذا الكتاب قراءة سريعة، وهو من الكتب المتأخرة المحققة وفي رأيي أقوى من كتاب حتى نخبة الفكر آآ وإن لم يكن أوسع- قال الذهبي في مبحث الموضوع من الموقظة: آآ ومن الموضوع ما الأكثرون على أنه موضوع والآخرون يقولون هو حديث ساقط مطرح ولا نجسر أن نسميه موضوعًا.
هذا وينبغي أن يُعلم أن هذه الألفاظ الدالة على الضعف الشديد وغيرها مما يفيد الضعف الشديد أيضًا إنما يُوصف بها الحديث الذي ترجح لدى أهل العلم كونه خطأ، مهما كان الراوي المخطئ فيه ثقة أو غير ثقة. يعني إيه يا شباب؟ يعني نحن الآن نتكلم عن الرواية وليس عن الراوي؛ فالرواية الخطأ أو التي تحققنا من عدم قول النبي صلى الله عليه وسلم لها تمامًا وحكمنا عليها بالوضع أو النكارة لا يهمنا فيها أن يكون المخطئ أوثق الناس أو أضعف الناس. ففرّقنا يا شباب بين أن نحكم على الرواية وبين أن نحكم على الراوي.
فإن علماء الحديث رحمهم الله لا يتقيدون بحال الراوي المخطئ في الحكم على حديثه الذي أخطأ فيه، بل هم يعتبرون حال الرواية سندًا ومتنًا -ممكن نحط خط يا شباب تحت كلمة "هذا وينبغي أن يعلم أن هذه الألفاظ" لأن دي من الكلمات الجامعة في الحديث اللي بتريحك لحد آآ الصفحة اللي بعدها- بل هم يعتبرون حال الرواية سندًا ومتنًا ونوع الخطأ الواقع فيها أو في أحدهما، وإذا ترجح لديهم أنه خطأ لم يترددوا في وصف الحديث بأنه ضعيف جدًا أو باطل أو منكر أو لا أصل له أو نحو ذلك. والأمثلة على هذا من كلام أهل العلم كثيرة جدًا.
الشيخ تحت بيقول لك: راجع كتاب الإرشادات. كتاب الإرشادات كما قلت لكم هو في رأيي أفضل ما كُتب في بيان أخطاء المحققين المعاصرين الذين يتسرعون في تقوية الروايات الضعيفة بعضها ببعض بحجة أن لها شواهد، وهذه الشواهد تزيد من ضعفها لا تقوي ضعفها. هذا الكتاب من الكتب المهمة جدًا ومقدمة هذا الكتاب تُدرس، يعني المقدمة لوحدها كافية في شحذ همة طالب العلم لمحبة علم الحديث، وهي من المقدمات اللي كنت بحب جدًا حتى لو مش هقرأ الكتاب مع المجموعات اللي يُدرس لها أن أنا أقرأ معهم المقدمة لأنها بتشحذ الهمم على طلب علم الحديث وعلى الصبر عليه وبيان ما بذله الأئمة المتقدمون في آآ التثبت من حديث النبي صلى الله عليه وسلم أو ما يُنسب للنبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك فيها كلام نافع جدًا عن نقد الرواية. كتاب "الإرشادات في تقوية الحديث بالشواهد والمتابعات" للشيخ طارق عوض الله حفظه الله.
الشيخ هنا سيذكر بعض الأمثلة، من ذلك: قال محمد بن علي بن حمزة المَرُّوذِي: سألت يحيى بن معين عن هذا الحديث -يعني حديث نعيم بن حماد عن عيسى بن يونس عن حريز بن عثمان عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير آآ عن أبيه آآ عن عوف بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم: تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم فيحلون الحرام ويحرمون الحلال- قال: ليس له أصل. طبعًا الحديث ده يا شباب رُوي بألفاظ كثيرة جدًا، لكن هذا اللفظ بعينه لفظ منكر، يعني اللي هو إيه؟ يعني كأن أساسًا واحد وضعه عشان ينتقص من أهل الكوفة اللي هم كانوا يستعملون الرأي أو القياس يعني. طبعًا ابن معين أساسًا كان مقلدًا لأبي حنيفة وبسبب ذلك كان فيه بينه وبين الشافعي يعني بعض إيه؟ بعض المشاكل يعني، المهم أن هو طبعًا أنكر هذا الحديث ليس لكونه مقلدًا لأبي حنيفة في الفقه أو غير ذلك، ولكن لكون الحديث باطلاً لا يثبت.
فهو بيقول: ليس له أصل. فنعيم بن حماد؟ قال... أقصد الراوي اللي هو بيسأله اللي هو محمد بن علي بيقول له: طب نعيم بن حماد مش هو ثقة؟ آآ قلت: كيف يحدث ثقة بباطل؟ قال: شُبِّه عليه. قلت: فرغم أن نعيماً عند ابن معين ثقة، إلا أنه حكم على حديثه هذا حيث أخطأ فيه بأنه ليس له أصل وأنه باطل، وهذان اللفظان يفيدان الضعف الشديد. وذلك يرجع لشدة الخطأ الذي وقع فيه نعيم في الرواية بصرف النظر عن حاله هو من حيث الضبط والحفظ. وقوله "شُبِّه عليه" مع قوله "ثقة" يفيد أن الثقة إذا أخطأ عن غير عمد فإن هذا لا يمنع من الحكم على ما أخطأ فيه بالضعف الشديد، فيكون باطلاً ولا أصل له.
يعني كما قلت لكم يا شباب: يمكن أن يكون الراوي ثقة ويكون حديث معين من أحاديثه منكرًا أو باطلاً أو ضعيفًا، عادي مش مشكلة. ممكن واحد مننا يقول كلامًا يكون كذبًا لكنه لا يكون متعمداً، إنما يُسمى الإنسان... لأن الكذب في لسان العرب يا شباب ليس محصوراً في آآ تعمد آآ عدم الصدق، وإنما الكذب منه بتعمد ومنه بغفلة؛ لذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا. فيؤكد أن الإنسان يمكن أن يجري الكذب على لسانه من باب الغفلة وليس من باب التعمد. فهذا الراوي الذي تحققنا من كون روايته خطأ يمكن أن نسميها باطلة، منكرة، ضعيفة، شديدة الضعف، لا أصل لها، عادي، واضح؟
صفحة أربعمئة وواحد وثلاثين يا شباب: وقد أشار الإمام دُحَيْم إلى أن نعيماً انقلب عليه -دُحَيْم يا شباب اللي هو عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقي، أحد النقاد، يعني تُذكر له عبارات في النقد- وقد أشار الإمام دُحَيْم إلى أن نعيماً انقلب عليه إسناد هذا الحديث وأنه دخل عليه إسناد في إسناد، فقد سُئل عنه فرده وقال: هذا حديث صفوان بن عمرو حديث معاوية. ومعنى هذا أن هذا الخطأ إذا وقع في حديث كان هذا الحديث ضعيفًا جدًا وباطلاً ولا أصل له، ولو كان المخطئ فيه من الثقات.
ومن ذلك أيضًا: قال المَرُّوذِي -هو ده بقى المَرُّوذِي يا شباب اللي هو إيه؟ تلميذ الإمام أحمد غير المَرْوَزِي- وقد ذكر -يعني أحمد بن حنبل- لُوَيْنًا اه فقال: حدث اه حديثًا منكرًا عن ابن عيينة ما له أصل. قلت: إيش هو؟ -يعني إيش، يعني أي شيء- قال: عن عمرو بن دينار عن أبي جعفر عن إبراهيم بن سعد عن أبيه قصة علي: ما أنا الذي أخرجتكم ولكن الله أخرجكم. حديث مروي في كتاب الخصائص في السنن الكبرى، وهو حديث منكر، فأنكره إنكارًا شديدًا وقال: ما له أصل. يعني ده نفس الفكرة يا شباب، أن هو حكم أن هو ليس له أصل مع أنه ماذا؟ مع أنه الراوي الذي اه أخطأ فيه هو راوٍ ثقة.
طيب، قلت: ولُوَيْن هو محمد بن سليمان المصيصي، وهو ثقة، ومع ذلك فقد ضعف الإمام أحمد حديثه هذا تضعيفًا شديدًا وأنكره عليه إنكارًا شديدًا. وقد ذكر الخطيب البغدادي كلام أحمد هذا ثم قال بعقبه: أظن أبا عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- أنكر على لُوَيْن روايته متصلاً، فإن الحديث محفوظ عن سفيان بن عيينة غير أنه مرسل عن إبراهيم بن سعد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم أسنده من غير وجه عن سفيان.
سلام. واضح يا شباب؟ يبقى خلاصة الفكرة أن الراوي الثقة يمكن أن تُسمى بعض رواياته التي تحققنا من كونه أخطأ فيها، يمكن أن نسميها منكرة أو باطلة أو ضعيفة أو خطأ أو شاذة، عادي، الخطأ خطأ والشذوذ شذوذ، سواء وقع من أوثق الناس أو من أضعف الناس.
طيب، وقد ذكر الخطيب... قلناها دي. صفحة أربعمئة واثنين وثلاثين يا شباب: قلت: وهذا يفيد أن مثل هذا الخطأ إذا تحقق من وقوعه في حديث...
كان الحديث ضعيفًا ومنكرًا ولا أصل له لا يصلح للاعتبار، ولو كان المخطئ فيه ثقةً. وذلك أن الخوف الذي يعتلي الناقدَ من رواية الضعيف ليس منبعثًا من حال هذا الضعيف فحسب، بل هو يكمن -آه- فيما يمكن أن يكون هذا الراوي الضعيف فعله في الرواية فأفسدها.
فإن غاية ما يمكن أن يصنعه الراوي المتروك أو الضعيف جدًّا، بل والكذاب في الرواية، هو أن يقلب إسنادًا أو يركب متنًا، فهذا قد يقع فيه هين الضعف بل والثقة أحيانًا إذا ما أخطأ، فقد يدخل عليه حديث في حديث، وقد -آه- يقلب -آه- فيبدل كذابًا كان بالإسناد فيضع -آآ- مكانه -آآ- ثقةً خطأً لا عمدًا، وقد يأتي إلى حديث معروف بإسناد ضعيف فيبدل إسناده بإسناد آخر صحيح، وقد يسقط من الإسناد كذابًا أو متروكًا كان فيه، ويسوي الحديث ثقةً عن ثقة.
كلمة يُسَوِّي يا شباب يعني -آه- التسوية هي تجويد الرواية، يعني إخفاء عيب الرواية، وهذا يكون عمدًا أو غفلةً. فالشيخ هنا يريد أن يقول إن الأخطاء التي يقع فيها الراوي الضعيف يمكن أن يقع فيها الراوي الثقة.
طب إذاً ما الفرق؟ الفرق في قدر هذا الضعف بالنسبة للإصابة. يعني إيه يا شباب؟ يعني لو عندنا لعيب كورة، لعيب كورة ده ضيع عشر ضربات جزاء، بيشوط ضربات جزاء ضيع عشر ضربات جزاء، هل نحكم عليه بأن هو ضعيف في ضربات الجزاء أو إن هو قوي؟ لازم نعرف الأول هو شاط كام ضربة، فإذا كان في حياته كلها ما شاطش غير خمستاشر ضربة ضربة جزاء وضيع منهم عشرة، يبقى ده طبعا ضعيف، واضح. أما إذا كان شاط ألف يعني -آه- ضربة، يعني ألف ضربة جزاء وعشرة بس ما جابهمش، يبقى ده ثقة، واضح. يبقى إحنا هنا نعرف حال الراوي العام من قدر الخطأ بالنسبة للصواب؛ فالضعيف يخطئ وقد يصيب، والثقة قد يخطئ، لكن الفرق بينهما أن الثقة قليل الخطأ، والضعيف كثير الخطأ.
قال الشيخ -آآ-: كما كان ابن لَهيعة يسمع الحديث عن إسحاق بن أبي فَرْوَة -وإسحاق بن أبي فروة متروك- والمثنى بن الصباح -وهما متروكان- ثم يسقطهما من الحديث عمدًا وغفلةً. غاية ما هنالك أن الثقة قلما يقع منه ذلك، بخلاف الضعيف والمتروك؛ فإنه كثيرًا ما يقع منه ذلك، ولهذا ضعَّفوا الضعيف ولم يضعَّفوا الثقة، يعني لم يضعَّفوا الثقة بسبب أخطائه. لماذا يا شباب؟ لأن إصابته أكثر، وإن كانوا لم يترددوا في الحكم على هذا القليل الذي أخطأ فيه الثقة بالنكارة والبطلان.
يقول الإمام مسلم في مقدمة الصحيح -والله الشيخ يا شباب بيشرح بطريقة ممتعة، يعني بيشرح ويعيد ويكرر ويضرب الأمثلة، عشان كده قلت لكم الكتاب ده يا شباب من أحسن الكتب اللي انت تراجع فيها دايما مسائل الحديث، أو حتى بتقرأه أو تدرسه لبعض إخوانك أو أحبابك-، -آه- يقول الإمام مسلم في مقدمة الصحيح: "وعلامة المنكر في حديث المحدث إذا ما عُرِضَت روايته للحديث على رواية غيره من أهل الحفظ والرضا خالفت روايته روايتهم أو لم تكد توافقها، فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك كان مهجور الحديث، غير مقبوله ولا مستعمله".
ومعنى هذا أن الحديث المنكر هو الحديث الذي ثبت خطأ الراوي فيه، إما بمخالفته لأهل الحفظ والرضا فيه، أو بعدم موافقته لهم. وعليه، فلو أخطأ راوٍ في حديث واحد واستُدِلّ على خطئه بالمخالفة أو بعدم الموافقة كان هذا الحديث بعينه منكرًا وإن لم يكن لهذا الراوي منكر سواه، يعني هنا لا تلازم بين الحكم على الرواية والراوي، قلناها كتير جدا.
أما إذا أكثر الراوي من رواية المناكير، أي من مخالفة الثقات أو عدم موافقته لهم، فحينئذٍ يتعدى الحكم من الرواية إلى الراوي. الإنسان يا شباب لما بيغلط مرة ممكن نفوت له، لكن لما يكون دايما بيغلط يبقى خلاص ده أصبح هو خطّاء هنا، أصبح خطّاء، واضح؟ اللاعب اللي دايما بيلعب المباريات ويكون في حالة غير جيدة يبقى ممكن نوصمه بأن هو لعيب ضعيف. كذلك طالب العلم، ممكن يكسل شوية يوم مثلاً، يكسل عن ورده القرآن، يكسل عن الحفظ، لكن لما يكون هذا هو الأغلب عليه يبقى دي مشكلة. الإنسان قد يعصي ويتوب، لكن لما يكون الأغلب على حاله المعصية والتفريط، لا، واضح! وده اللي خلى ابن مسعود يفرق بين الفاجر والمؤمن؛ المؤمن يجتهد في الأخذ بعدم أسباب المعصية، فإذا وقع في معصية يجتهد في الاستغفار وفي تعويض ذلك بالحسنات ويبقى خائفًا من المصائب التي تصيبه بسبب ذنوبه، أما الفاجر فخلاص، أصبحت المعاصي هي عادة يومية لا يكترث بها. كذلك الراوي يا شباب، لما يكون نادر الخطأ غير لما يكثر فيه الخطأ.
طيب -آآ- صفحة أربعمئة أربعة وثلاثين يا شباب: "أما إذا أكثر الراوي من رواية المناكير -أي من مخالفة الثقات أو عدم موافقته لهم- فحينئذٍ يتعدى الحكم من الرواية إلى الراوي، فيكون الراوي متروكًا لا يُعرَج على حديثه ولا يُشتَغَل به، فالحكم على الرواية بالضعف الهين أو الشديد لا يتوقف على حال راويها فحسب، بل يتوقف على مدى استقامتها إسنادًا ومتنًا من عدم ذلك، ونوع الخطأ الذي وقع فيه الراوي عند روايته لها وإن لم يكن أخطأ إلا فيها".
وقد روى ابن أبي حاتم في تقدمة الجرح والتعديل والعقيلي في الضعفاء عن نوفل بن مطهر قال: كان بالكوفة رجل يقال له حبيب المالكي، وكان رجلًا له فضل وصحبة، فذكرناه لابن المبارك فأثنى عليه، قلت: عنده حديث غريب، قال: ما هو؟ قلت: الأعمش عن زيد بن وهب قال: سألت حذيفة عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لحسن، ولكن ليس من السنة أن تخرج على المسلمين بالسيف. فقال: هذا حديث ليس بشيء. قلت له: إنه وإنه -أعني حبيبًا- يعني ده حبيب ده فلان وفلان وفلان، -آه- فأبى، يعني برضه قال لا هو برضه حديث ضعيف. فلما أكثرت عليه في ثنائي عليه قال: عافاه الله في كل شيء إلا في هذا الحديث. قال له: يا عم انت شاغل بالك ليه؟ الراجل ده زي الفل وعلى دماغنا وخير وبركة، بس الحديث ده بعينه ضعيف. هذا حديث كنا نستحسنه من حديث سفيان عن حبيب بن أبي ثابت عن أبي البختري عن حذيفة. وموضع الشاهد من هذه الحكاية واضح، والله الموفق لا ريب فيه.
أيوه، واضح يا شباب؟ يبقى خلاصة هذه الفكرة أنه لا تلازم بين الحكم على الراوي وروايته، تمام؟ وأن الراوي -آه- الثقة قد يخطئ، والراوي الضعيف قد يصيب. لكن لماذا سُمِّي الضعيف ضعيفًا مع كونه يصيب؟ ولماذا سُمِّي الثقة ثقةً مع كونه يخطئ؟ لأن العبرة في الحكم العام بالأغلب؛ شخص جايب في المجموع العام تسعين بالمئة، يعني جايب مثلاً امتياز، بس هو جايب في الإنجليزي مقبول، بيبقى ده في الإنجليزي ده حكم خاص، في الحكم العام ممتاز.
طيب، صفحة أربعمئة وخمسة وثلاثين يا شباب: قولهم "صحيح إلا أنه منكر". قال: "يستعمل المحدثون مصطلح هذا حديث صحيح إلا أنه منكر، وإنما يقصدون بقولهم صحيح أي ظاهر السند، وبقولهم منكر أي المتن، ذلك أن النكارة يطلقها الأئمة أحيانًا ويريدون بطلان المتن أو الجزء المستنكر منه حتى ولو كان الإسناد ظاهره الصحة؛ لأنه كما هو معروف لا تلازم بين صحة الإسناد وصحة المتن، فقد يكون الإسناد رجاله ثقات ولكن الأئمة يرون أن الحديث الذي جاء به أُدْخِلَ عليه أو أخطأ فيه عن غير عمد".
يعني الشيخ يريد أن يقول إن كلمة "صحيح إلا أنه منكر" -طبعا دي كلمة يا شباب برضه قليلة الاستعمال "صحيح إلا أنه منكر"- يعني هنا كأنه في تناقض، لا، ما فيش تناقض، ربما هم يقصدون أن الحديث في ظاهره أنه صحيح لكن به عيب خفي لا يطلع عليه إلا النقاد.
قال: والأمثلة على ذلك كثيرة. طيب، كلمة "موضوع"، إحنا وصلنا للفظ "موضوع" يا شباب، نحن نتكلم عن الألفاظ التي يُعبَّر بها عن الضعف الشديد في الرواية، واضح، أربعمئة وستة وثلاثين. قال الإمام الذهبي: "الموضوع ما كان متنه مخالفًا للقواعد، وراويه كذابًا، كالأربعين الودعانية، وكنسخة عليّ الرضا المكذوب عليه. وهو مراتب: منه ما اتفقوا على أنه كذب، ويُعرَف ذلك بإقرار واضعه، وبتجربة الكذب منه، ونحو ذلك. ومنه ما الأكثرون على أنه موضوع، والآخرون يقولون: هو حديث ساقط مطروح، ولا نجسر أن نسميه موضوعًا. ومنه ما الجمهور على وهنه وسقوطه، والبعض على أنه كذب. ولهم في نقد ذلك طرق متعددة وإدراك قوي تضيق عنه عباراتهم، من جنس ما يُؤتاه الصيرفي الجهبذ في نقد الذهب والفضة، أو الجوهري لنقد الجواهر والفصوص لتقويمها. نعم، فلكثرة ممارستهم للألفاظ النبوية، إذا جاءهم لفظ ركيك -أعني مخالفًا للقواعد- أو فيه المجازفة في الترغيب والترهيب أو الفضائل، وكان بإسناد مظلم، أو إسناد مضيء كالشمس في أثنائه رجل كذاب أو وضاع، بَانَ أن هذا مختلَق ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتتواطأ أقوالهم فيه على شيء واحد. نعم، كثير من الأحاديث التي وُسِمَت بالوضع لا دليل عليها، كما أن كثيرًا من الموضوعات لا نرتاب في كونها موضوعة".
نشرح هذه الفكرة يا شباب باختصار: الحديث الموضوع، كلمة "موضوع" هو مصطلح يُطلَق على الرواية التي تُحُقِّقَ من كونها كذبًا، لكن يا شباب الناقد ممكن يتحقق مثلا نسبة الكذب عنده مائة بالمائة، وممكن تكون تسعين بالمائة، وممكن تمانين بالمائة، فبقدر ذلك يسمي الرواية، ممكن يسميها موضوعة، وممكن يخاف إنه يطلق هذا اللفظ فيسميها مثلا واهية، أو يسميها ساقطة، أو فيها نكارة. إذا قطع الناقد بكون الحديث كذبًا فإنه يسميه كذبًا أو موضوعًا، أما إذا كان عنده شك يعني، فإنه ممكن يسميه ساقطًا أو مطروحًا أو -آه- مثلاً -آه- واهيًا.
لذلك مثلاً ابن الجوزي يا شباب عنده كتاب "الموضوعات"، وعنده كتاب اسمه "العلل المتناهية في الأحاديث الواهية"، في فرق بين الأحاديث التي قَطَعَ بكذبها، وبين الأحاديث التي يغلب على ظنه أنها كذب. فهو بدأ هنا يقول لك بقى: كيف يكتشف العلماء هذا الكذب؟ بيقول لك بالظبط زي الصيرفي، الراجل اللي هو بيبيع الجواهر والذهب ده، لو كان فيكم حد يعني بيروح عند الجواهرجي، يعني يلاقي الجوهري ده مثلا بيمسك -آآ- خاتم أو غويشة ويبص فيها بصة كده، أو يلمسها لمسة معينة يقول لك دي مغشوشة، أو دي سليمة، فهو لا يستطيع أن يشرح لك، انت ممكن تقول له: طب ازاي عرفت؟ هو لا يستطيع أن يشرح لك، واضح؟ إلا إذا تعلمت مثل علمه.
فكذلك النقاد لكثرة ممارستهم لألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم، يعرفون أن هذا اللفظ لفظ النبي صلى الله عليه وسلم، أو هذا ليس لفظ النبي صلى الله عليه وسلم. طب من القرائن التي كشفوا بها نكارة الرواية أو كذب الرواية: منها مثلاً ما يكون مخالفًا للقرآن أو للسنة الصحيحة، أو المجازفة في الترغيب والترهيب، يعني عمل بسيط جدا جدا وسهل يضعون عليه ثوابًا ضخمًا كبيرًا، ويكون الإسناد مظلمًا، واضح في حاجة تدل أن الرواية موضوعة، أو مثلا يكون الإسناد كالشمس بس فيه في وسط الإسناد راوي كذاب، يبقى تعرف على طول إن الراوي ده اختلق هذا الإسناد وألّف هذا المتن، واضح يا شباب؟ طيب.
قال المعلمي اليماني -والمعلمي اليماني رحمه الله أحد النقاد المعاصرين، يعني هو مات في هذا العصر، وكان له يعني كتب مهمة جدا منها كتاب "التنكيل"، وقام مجموعة من أهل العلم بجمع مؤلفاته، وهو كان إمامًا ناقدًا، وكان رجلًا من أهل العبادة وأهل الصوم وأهل الصلاة، يعني كل من عاشره أو خالطه يثني عليه ثناءً كبيرًا جدا، وأُلِّفَت بعض الكتب في سيرته-، المعلمي اليماني -آآ- قال: "إذا قام عند الناقد من الأدلة ما غلب على ظنه معه بطلان نسبة الخبر إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقد يقول باطل أو موضوع، وكلا اللفظين يقتضي -آه- أن الخبر مكذوب عمدًا أو خطأً، إلا أن المتبادر من الثاني الكذب عمدًا، غير أن هذا المتبادر لم يلتفت إليه جامعو كتب الموضوعات، بل يوردون فيها ما يرون قيام الدليل على بطلانه وإن كان الظاهر عدم التعمد".
يعني يا شباب، النقاد الذين يحكمون على رواية بأنها موضوعة لا يقتضي ذلك أنهم يكذبون الراوي فيها، لأنهم يحكمون على الرواية؛ فهم يقولون: هذه الرواية بعينها موضوعة، -آآ- سواء بقى كان الراوي ده يعني تعمدها أو غفل أو أخطأ، وقد تتوفر الأدلة على البطلان مع أن الراوي الذي يصرح الناقد بإعلال الخبر به لم يُتَّهَم بتعمد الكذب، بل قد يكون صدوقًا فاضلًا، ولكن يرى الناقد أنه غلط أو أُدْخِلَ عليه الحديث.
وقال ابن الجوزي: "ما أحسن قول القائل: إذا رأيت الحديث يباين المعقول، أو يخالف المنقول، أو يناقض الأصول، فاعلم أنه موضوع". يعني رأيت يباين المعقول يعني حديث يأتي بما تنكره العقول. طبعا مش معنى ذلك يا شباب إن هو أي واحد ينكر معنى في الرواية لكونه لم يفهمه فينكر الحديث، كما يقع من كثير من العلمانيين أو بعض المسلمين المتأثرين بالشبهات، أو الذين ليس عندهم قدر محكم -آآ- من الشريعة، ها؟ فيتشربون الشبهات التي يطلقها -آه- ضعفاء العلم أو لقطاء العلمانية أو لقطاء الفكر، فيبدأ يقيس هذا الحديث بعقله فينكره فيجعله موضوعًا. لأ يا حبيبي، مش انت اللي تحكم، لما يكون عندك قدر من العلم بالوحي والعلم بالسنة والعلم بطرق النقد، حينها يمكن أن تتكلم، ومع ذلك لا يُقبَل كلامك إلا بحجة، ليس لمجرد أن الحديث لا تفهمه، واضح؟ أو يخالف المنقول يعني يخالف الوحي، أو يناقض الأصول اللي هو القرآن والسنة والإجماع يعني، فاعلم أنه موضوع. قال: "ومعنى مناقضته للأصول أن يكون خارجًا عن دواوين الإسلام من المسانيد والكتب المشهورة".
ومن طريف ما جاء في ذلك ما رواه ابن أبي حاتم عن أبيه قال: جاءني رجل... -الأثر ده يا شباب من أجمل ما يمكن أن تقرأه في علم الحديث، الأثر اللي جاي ده يا شباب تحفة، يعني تقرأه كده وتتمزمج منه-، -آآ- مختصر القصة يا شباب عشان بعد كده نقرأها من غير ما أشرحها: إن في رجل من أهل الرأي -يعني اللي هم الفقهاء بتوع الكوفة- كان يعني مش مهتم بعلوم الحديث ومستغرب إن النقاد يأتون إلى أحاديث معينة يقولون هي موضوعة، وأحاديث تانية يقولون إن هي منكرة، وأحاديث تانية يقولون صحيحة، فقال لهم: انتم بتدعوا الغيب، يعني انتم بتضربوا، يعني انتم ازاي عرفتم إن الأحاديث دي ضعيفة أو موضوعة؟ هو انتم كنتم عايشين مع الناس اللي قالوها؟
فبدأ بقى أبو حاتم الرازي يشرح له، فالراجل قال له: أنا يعني مش مصدقك، فـأبو حاتم الرازي قال له: طيب روح لحد يحسن مثل ما أحسن، فإن اتفقنا علمتَ أننا لم نتكلم إلا بعلم. فالراجل ده راح لـأبي زرعة الرازي، وأبو زرعة الرازي قال نفس الكلام اللي قاله أبو حاتم في الحكم على الأحاديث دون أن يتفقا، يعني ده في مكانه وده في مكانه، غير إن هم اختلفوا في بعض الألفاظ بس من باب الاختلاف اللفظي؛ يعني مثلاً قال في بعض الحديث: "رواية باطلة"، والآخر قال عنها: "موضوعة"، فقال: الباطل والموضوع واحد، أو الباطل والكذب واحد.
طيب، اقرأ بقى القصة، بس مش هعلق عليها بقى، انتم استمتعوا بها يعني: "ما رواه ابن أبي حاتم عن أبيه -اللي هو أبو حاتم الرازي- قال: جاءني رجل من جُلَّة أصحاب الرأي من أهل الفهم منهم، ومعه دفتر، فعرضه عليّ، فقلت في بعضها -دفتر فيه أحاديث يعني يا شباب-: فقلت في بعضها: هذا حديث خطأ قد دخل لصاحبه حديث في حديث، وقلت في بعض: هذا حديث باطل، وقلت في بعض: هذا حديث منكر، وقلت في بعض: هذا حديث كذب، وسائر ذلك أحاديث الصحاح. فقال لي: من أين علمتَ أن هذا خطأ وأن هذا باطل وأن هذا كذب؟ أأخبرك راوي هذا الكتاب بأني غلطتُ وأني كذبتُ في حديث كذا؟ فقلت: لا، ما أدري هذا الجزء من رواية مَنْ هو، غير أني أعلم أن هذا الحديث خطأ، وأن هذا الحديث باطل، وأن هذا الحديث كذب. فقال: تدّعي الغيب! قلت: ما هذا ادعاء غيب. قال: فما الدليل على ما تقول؟ -طبعا هو مش هيعرف يشرح له- قلت: سلْ عما قلتُ مَنْ يحسن مثل ما أحسن، فإن اتفقنا علمتَ أنا لم نجازف -المجازفة اللي هو القول بغير علم يعني- ولم نقل إلا بفهم. قال: من هو الذي يحسن مثل ما تحسن؟ قلت: أبو زرعة. قال: ويقول أبو زرعة مثلما قلتَ؟ قلت: نعم. قال: هذا عجب!".
"فأخذ فكتب في كاغد ألفاظي -يعني زي الصفحة كده، ألفاظي يعني إيه؟ كتب مثلاً أبو حاتم قال في الحديث ده كذا وفي الحديث ده كذا، وأخد دي بقى مَخْبَأَهَا معه يعني في جيبه- في تلك الأحاديث، ثم رجع إليّ وقد كتب ألفاظ ما تكلم به أبو زرعة في تلك الأحاديث، فما قلتُ إنه باطل قال أبو زرعة: هو كذب، قلت: الكذب والباطل واحد. وما قلتُ إنه كذب قال أبو زرعة: هو باطل. وما قلتُ إنه منكر قال: هو منكر كما قلت. وما قلتُ إنه الصحاح قال أبو زرعة: صحاح. فقال: ما أعجب هذا! تتفقان من غير مواطأة فيما بينكما! فقلت: ذلك أننا لم نجازف، وإنما قلنا بعلم ومعرفة قد أُوتِينا".
"والدليل على صحة ما نقول -هيجيب له قياس يا شباب-: بأن دينارًا مبهرجًا -مزيفًا يعني- يُحمَل إلى الناقد -اللي هو الجواهرجي- فيقول: هذا دينار مبهرَج، ويقول للدينار الجيد: هو جيد. فإن قيل له: من أين قلت إن هذا مبهرج؟ هل كنت حاضراً حين بُهرِجَ هذا الدينار؟ قال: لا. فإن قيل له: فأخبرك الرجل الذي بهرجه أني بهرجتُ هذا الدينار؟ قال: لا. -آآ- فإن قيل: فمن أين قلت إن هذا مبهرج؟ قال: علمًا رُزِقْتُ. وكذلك نحن رُزِقْنا معرفة ذلك. وقلتُ له: فَيُحْمَل فص ياقوت إلى واحد من البصراء من الجوهريين، فيقول: هذا زجاج -لأ، ده مش ياقوت، ده مغشوش- ويقول لمثله -لمثله يعني أهو شبهه-: هذا ياقوت. فإن قيل له: من أين علمت أن هذا زجاج وأن هذا ياقوت؟ هل حضرت الموضع الذي صُنِعَ فيه هذا الزجاج؟ قال: لا. فقيل له: فهل أَعْلَمَكَ الذي صاغه بأنه صاغ هذا زجاجاً؟ قال: لا. قال: فمن أين علمت؟ قال: لهذا علمٌ رُزِقْتُ. وكذلك نحن رُزِقْنا علماً لا يتهيأ لنا أن نخبرك كيف علمنا بأن هذا الحديث كذب وهذا منكر إلا بما نعرفه". مش محتاج إننا نعلق على الجملة الروعة دي.
خاتمة الكتاب يا شباب هي لطائف كده يعني، معرفة المواليد والتواريخ، فهنقرأها إن شاء الله بسرعة، وبكده نكون انتهينا من الكتاب والحمد لله.
خاتمة، صفحة أربعمئة واحد وأربعين يا شباب: قال: "معرفة التواريخ، معرفة التواريخ من مهمات هذا العلم الشريف؛ معرفة التواريخ لمواليد الرواة ووفياتهم والسماع والرحلة في الطلب -في طلب الحديث- والتصدر للتحديث، فهو فن مهم جدا به يُعْرَف اتصال الحديث وانقطاعه. وقد ادعى قومٌ الرواية عن قوم، فنُنِظِرَ في التاريخ فظهر أنهم زعموا الرواية عنهم بعد وفاتهم بسنين، كما سأل إسماعيل بن عياش رجلًا اختبارًا: أي سنة كتبتَ عن خالد بن مَعْدان؟ فقال: سنة ثلاث عشرة ومائة. فقال: انت تزعم أنك سمعت منه بعد موته بسبع سنين". يعني يريد أن يقول إن معرفة -آه- تواريخ وفاة الرواة مهمة عشان نعرف -آه- الاتصال والانقطاع بين الرواة.
ومن المهم أيضًا معرفة طرق التحمل. طرق التحمل يا شباب غير صيغ الأداء، صيغ الأداء اللي هي: حدثنا، أخبرنا، سمعت، عن، قال، واضح؟ إنما طرق التحمل يعني الطريقة التي أخذ بها الراوي الرواية عمن روى عنه: "معرفة طرق التحمل -تحمل الحديث- وهي ثمانية، وأدوات نقله لصيغ الأداء". وطرق التحمل الثمانية هي: السماع، والعرض أو القراءة، والإجازة، والمناولة، والمكاتبة، والإعلام، والوصية، والوجادة. دي الطرق يا شباب اللي الراوي بيتحمل بها الرواية عمن روى عنه، واضح يا شباب؟ هيشرح كل واحدة منهم:
"السماع، ويكون من لفظ الشيخ وهو ينقسم إلى إملاء وتحديث من غير إملاء، وسواء كان من حفظه أو من كتاب، وهذا القسم أرفع الأقسام عند الجماعة" -يعني أقوى شيء إن الإنسان يسمع من الشيخ، واضح؟ سواء بقى كان الشيخ بيمليه أو الطالب بيسمع كده- "وأرفع العبارات فيه: سمعتُ، ثم حدثنا، وحدثني". يعني الإنسان لما يسمع يقول: سمعتُ.
"العرض، وهو القراءة على الشيخ وسواء كنت انت القارئ أو قرأ غيرك وانت تسمع" -واضح؟- "أو قرأتَ من كتاب أو من حفظك، أو كان الشيخ يحفظ ما يُقرَأ عليه أو لا يحفظ لكن يمسك أصله -آآ- هو أو ثقة غيره" -يعني ثقة غيره من الطلاب مثلاً ماسك الكتاب بتاعه والطالب بيقرأ عليه- "والقراءة على الشيخ أحد وجوه التحمل عند الجمهور، وأبعد -يعني أخطأ- من أبى ذلك من أهل العراق". يعني بعض أهل العراق قال لا، العرض على الشيخ ده مش طريقة صحيحة، لأ هي طريقة صحيحة، يعني مثلاً طالب بيقرأ من كتاب الشيخ والشيخ بيقِرّ، واضح؟ زي ما يقول يحيى بن يحيى: قرأتُ على مالك كذا وكذا ومالك يُقِرّ، هذا صحيح. "وقد اشتد إنكار الإمام مالك وغيره من المدنيين عليهم في ذلك" -يعني الإمام مالك وأهل المدينة أنكروا على بعض أهل العراق اللي هم لم يقبلوا طريقة العرض على الشيخ- "حتى بلغ بعضهم فرجّح على السماع من لفظ الشيخ" -دول بقى إيه اللي هم وسعوها قوي، قال لك لا ده انت لما تقرأ على الشيخ أقوى من إن لما الشيخ يحدثك، واضح- "وذهب جمعٌ جَمٌّ -منهم البخاري، وحكاه في أوائل صحيحه عن جماعة من الأئمة- إلى أن السماع من لفظ الشيخ والقراءة عليه في الصحة والقوة سواء" -يعني الاثنين زي بعض- "وأجود عباراتها وأسلمها أن يقول: قرأتُ على فلان، أو قُرِئَ على فلان وأنا أسمع فأقَرّ به".
يعني مثلاً يا شباب، الشافعي حضر درس للإمام مالك -يا سلام! يعني درس جميل كده- يبقى الإمام مالك جالس والإمام الشافعي جالس من ضمن الطلاب، ويأتي مثلاً القَعْنَبِي، أو يأتي -آآ- يحيى بن يحيى، أو واحد من الحفاظ دول يقرأ على الإمام مالك والإمام الشافعي يسمع، فيقول الإمام الشافعي: قُرِئَ على مالك وأنا أسمع، يعني عايز يقول أنا حضرت هذا المجلس لكن مش أنا اللي قرأت، واضح؟ "ويتلو ذلك استعمال لفظ حدثنا أو أخبرنا مقيداً بقوله قراءة عليه". يعني ممكن يقول: حدثنا قراءةً عليه، يعني قُرِئَ عليه.
"وأما إطلاقه حدثنا وأخبرنا في القراءة على الشيخ فقد اختلفوا فيه على أقوال". قال الحافظ ابن حجر -يعني هل ممكن يكون طالب قرأ على الشيخ وانت تقول حدثنا الشيخ بكذا؟ دي فيها خلاف- قال ابن حجر: "وتخصيص التحديث بما سُمِعَ من لفظ الشيخ هو الشائع بين أهل الحديث اصطلاحاً، ولا فرق بين التحديث والإخبار من حيث اللغة، وفي ادعاء الفرق بينهما تكلف شديد". يعني واحد يقول حدثنا وأخبرنا فيها فرق؟ ما فيش فرق، الاثنين زي بعض. لكن لما تقرر الاصطلاح صار ذلك حقيقة عرفية، فتقدم على الحقيقة اللغوية. يعني يقصدون بالحقيقة العرفية والحقيقة اللغوية، يعني مثلاً يا شباب كلمة اللحم، كلمة اللحم في اللغة هم يجعلونها عامة في كل لحم حتى السمك، لكن العرف لما يقول لك إحنا طابخين لحمة، يعني لما تطبخوا لحمة، بيبقى معروف إن هي مش سمك، بس في لسان العرب السمك يطلق عليه لحم.
قال: "ولا فرق بين التحديث والإخبار من حيث اللغة وفي ادعاء الفرق بينهما تكلف شديد، لكن لما تقرر الاصطلاح صار ذلك حقيقة عرفية، فتقدمت على الحقيقة اللغوية، مع أن هذا الاصطلاح إنما جاء عند المشارقة ومن تبعهم، وأما غالب المغاربة فلم يستعملوا هذا الاصطلاح، بل الإخبار والتحديث عندهم بمعنى واحد". يعني بعض أهل المشرق يفرقون بين حدثنا وأخبرنا، لكن غالية المغاربة يستعملون الاثنين بنفس المعنى: أخبرنا أو حدثنا.
"الإجازة، وهي أنواع أرفعها أن يجيز لمعين في معين، وذلك أن يأذن المحدث للطالب أن يروي عنه حديثاً معيناً أو كتاباً معيناً، كأن يقول له: أجزتُ لك أن تروي عني صحيح البخاري، أو كتاب الإيمان من صحيح مسلم ونحو ذلك، فله أن يروي عنه بموجب ذلك من غير أن يسمعه منه أو يقرأه عليه. وهذه الإجازة -مع كونها أقوى أنواع الإجازة- مختلف في صحتها إختلافاً قوياً عند القدماء، وإن كان العمل استقر على اعتبارها عند المتأخرين".
وأما باقي أنواع الإجازة فهي كما ذكروها -يعني الإجازة الأولانية دي يا شباب إن في شخص يجيز لشخص آخر أن يحدث عنه بكتاب أو ببعض الأحاديث، لكن في أنواع تانية بقى من الإجازات خلاص؟ دي تعتبر أقل منها يعني-: "أن يجيز لمعين في غير معين، مثل أن يقول: أجزتُ لك أو لكم جميع مسموعاتي أو جميع مروياتي وما أشبه ذلك" -ده كده من غير ما يعين، لكن في الأولانية قال لك أن تحدث عني كتاب البخاري، يبقى ده كده عَيَّن، واضح؟- "أن يجيز لغير معين بوصف العموم" -يعني واحد يقول: أجزتُ للمسلمين، أو أجزتُ لكل أحد، أو أجزتُ لمن أدرك زماني-.
فيه ناس طبعا مهتمة جدا بفكرة الإجازات، فكرة الإجازات في أصلها ليست مشكلة، لكن المشكلة في أمرين: الأمر الأول أن يكون المقصد منها الشهرة، أو أن يكون فيها الغش؛ فلا يقرأ الإنسان على شيخ مثلاً فيجيزه ذلك الشيخ. -آه- أما إن طلب الإنسان أن يقرأ على شيخ متقن أو معه إجازة أو معه إسناد بقصد أن يتقن هذا العلم، فهذا في حد ذاته ليس... يعني هذا أمر مشروع ليس فيه مشكلة، أما إن قصد به الشهرة أو -آآ- أو طلب المحمدة أو نحو ذلك، فهو طبعا منهي عنه ويدخل في الرياء والتسميع، -آآ- أو قصد مثلاً -آآ- أو إن هو لم يقرأ عليه وأعطاه مالاً، أو مثلا الشيخ عملها له جدعنة وادى له إجازة كده زي ما بيحصل، فاهم؟
و"مَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ"، اعرف ناس مهووسة بموضوع الإجازات وموضوع الأوراق والشهادات والحاجات دي، وهو مع نفسه تعبان وعارف إن هو تعبان، يعني لا... إذا عرف الرجل نفسه فما ينفع كلام الناس، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: احرص على ما ينفعك. كل ما لا ينفعك وتعرف إنه لا ينفعك فلا تهتم به. لكن هل فكرة الشهادات مهمة؟ طبعا فكرة الشهادات مهمة، كثير من الناس يتعطلون عن كثير من الخير بسبب إن مش معاه الشهادة، لكن ما هو الضابط يا شباب؟ أن...
كان يفعل ذلك بقدر المصلحة وبقدر الخير، لكن لا يريد بذلك تسميعًا ولا يريد بذلك شهرة. طيب، أن يجيز لغير معين دي قلناها. الإجازة للمجهول أو بالمجهول: أن يقول أجزت لمحمد بن خالد الدمشقي، وفي وقته جماعة مشتركون في هذا الاسم والنسب، ثم لا يعين المجازِي أهله منهم. ومثل أن يقول: أجزت لفلان أن يروي عني كتاب السنن، وهو يروي أكثر من كتاب من كتب السنن المعروفة بذلك، ثم لا يعين.
الإجازة للمعدوم. كل دي يا شباب أشياء من اللطائف يعني؛ لأنها ما كانتش موجودة عند العلماء في عصر الرواية وفي عصر الاحتجاج، ما كانتش موجودة الصور دي، الصورة الأولانية كانت موجودة وبصورة قليلة. إنما الإجازة للمعدوم والإجازة للمجهول دي تعتبر يعني من الأشياء التي تكلم فيها المتأخرون؛ مثل أن يقول: أجزت لمن يولد لفلان. وقد قيل إن عطفه على موجود صح، كأن يقول: أجزت لفلان ومن يولد لهم. قول الحافظ ابن حجر: والأقرب عدم الصحة أيضًا. وهناك أنواع أخرى لا حاجة إلى ذكرها هنا لضعفها.
وكل ذلك كما قال ابن الصلاح توسع غير مرضي؛ لأن الإجازة الخاصة المعينة أصلًا يا شباب مختلف في صحتها اختلافًا قويًا عند القدماء، وإن كان العمل استقر على اعتبارها عند المتأخرين، فهي دون السماع بالاتفاق، فكيف إذا حصل فيها الاسترسال المذكور؟ فإنها تزداد ضعفًا، لكنها في الجملة خير من إيراد الحديث معضلًا. يعني ابن الصلاح كان هنا بيحاول يركز الفكرة، بيقول: يعني لما ينتشر عند الناس فكرة الأحاديث بس بصدق، يعني يكون في أسانيد فعلا، ده أفضل من الروايات الإيه؟ المعضلة. أما أن الإنسان يشتغل بمجرد جمع الأسانيد ولا يتعب في طلب العلم ولا يكون أهلا للإجازة التي أخذها، فده إنسان بيضحك على نفسه، وَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً ۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ.
وقال ابن الصلاح: إنما تستحسن الإجازة إذا كان المجيز عالمًا بما يجيز، والمجاز له من أهل العلم؛ لأنه توسع وترخيص يتأهل له أهل العلم لمسيس حاجتهم إليه. نعم، يبقى شوف هو قيدها هنا: امتى تكون مقبولة؟ لما يكون المجيز عالمًا بما يجيز والمجاز له أهل لما يجاز له، أما أكتر من كده لأ.
وقال ابن عبد البر: تلخيص هذا الباب أن الإجازة لا تجوز إلا لماهر بالصناعة حاذق بها، يعرف كيف يتناولها، ويكون في شيء معين معروف لا يشكل إسناده، فهذا هو الصحيح من القول في ذلك.
المناولة دي بقى إيه؟ صورة بعد كده، المناولة. يبقى إحنا يا شباب كده خدنا كام صورة؟ خدنا أول حاجة السماع، وخدنا العرض، وبعد كده خدنا الإجازة توسعنا فيها شوية، وبعد كده المناولة، واشترطوا في صحة الرواية بها اقترانها بالإذن بالرواية، وهي إذا حصل هذا الشرط أرفع أنواع الإجازة لما فيها من التعيين والتشخيص، وصورته أن يدفع الشيخ أصله أو ما قام مقامه للطالب، أو يحضر الطالب الأصل للشيخ ويقول له في الصورتين: هذا روايتي عن فلان فاروه عني، دي المناولة يعني. تمام؟ بيبقى أقوى من مجرد الإجازة، إنه يمسك الكتاب ويقول له: اتفضل يا حبيبي اروِ ده عني.
وشرطه أيضًا أن يمكنه منه إما بالتمليك وإما بالعارية، يعني يعيره إياه لينقل منه ويقابل عليه، وإلا إن ناوله واسترد في الحال فلا تتبيّن أرفعيّته، يعني كده ما هي شبه الإجازة، لكن لها زيادة مزية على الإجازة المعينة، وهي أن يجيزه الشيخ برواية كتاب معين ويعين له كيفية روايته له. وإذا خلت المناولة عن الإذن لم يعتبر بها عند الجمهور، يبقى لازم يكون معه.
طيب، المكاتبة: هو أن يكتب الشيخ إلى الطالب شيئًا من حديثه بخطه، وهي نوعان: مقرونة بإجازة ومجردة. يعني مثلا شيخ يا شباب في مكان، مثلا في فلسطين، وشيخ تاني في مصر، بعث الكتاب وقال له: اروِ ده عني، يعني أذن له فيه. قال الحافظ: وقد ذهب إلى صحة الرواية من مكاتبة مجردة جماعة من الأئمة، ولو لم يقترن ذلك بالإذن بالرواية، كأنهم اكتفوا في ذلك بالقرينة. يعني مش لازم يبعث له الكتاب ويقول له: اروِ ذلك عني، كفاية إنه بعث له الكتاب، يعني مجرد إنه أرسل إليه الكتاب يبقى هذه قرينة على أنه يأذن له في روايته عنه، ثم يكفي في ذلك أن يعرف المكتوب إليه خط الكاتب، وإن لم تقم البينة عليه. طيب، كل دي طبعا يا شباب صور أضعف من صورة السماع والقراءة على الشيخ.
الإعلام: شرطوا الإذن بالرواية، وشرط الإذن بالرواية في الإعلام، وهو أن يعلن الشيخ أحد الطلبة بأنني أروي الكتاب الفلاني عن فلان، فإن كان له منه إجازة اعتبر وإلا فلا عبرة بذلك، كالإجازة العامة في المجاز له لا في المجاز به، كأن يقول: أجزت لجميع المسلمين، أو لمن أدرك حياتي، أو لأهل الإقليم الفلاني، أو لأهل البلدة الفلانية، وهو أقرب إلى الصحة لقرب الانحصار. واضح، ده كأنه إيه؟ أذن، يعني كل من حضر من المسلمين، أو زي ما الناس بيعملوها كده يطلع على الفيسبوك مثلا: اقرأ كتاب الأربعين النووية، وقال: يا جماعة، كل واحد من الناس اللي سمعتني يروِ عني هذا الكتاب، واضح.
الوصية: وهي أن يوصي المحدث عند موته أو سفره لشخص معين بأصله أو بأصوله، تمام؟ يعني مش عارف يوصوا له بالفلوس يعني، بيوصي بالكتاب يعني. وقد قال قوم من الأئمة المتقدمين: لا يجوز له أن يروي تلك الأصول عنه بمجرد الوصية، وأبى ذلك الجمهور إلا إذا كان له منه إجازة. قوم من المتقدمين قالوا إيه يا شباب؟ لا يجوز له أن يروي تلك الأصول عنه بمجرد الوصية، يعني هو أوصى له بالكتب لكن هل أذن له في الرواية؟
طيب، الوجادة: هي أن يجد بخط يعرف كاتبه، فيقول: وجدت بخط فلان، ولا يجوز فيه إطلاقه: أخبرني، بمجرد إلا إن كان له منه إذن بالرواية. وجد كتابًا مثلًا فيرويه، وجد كتابًا للإمام النسائي، وجد كتابًا للبيهقي، هل بمجرد وجادته يصلح أن يرويه أو لا؟ هي دي الصورة.
ومن المهم معرفة صفة كتابة الحديث وضبطه. دي يا شباب كل اللي إحنا بنقرأه ده يا شباب اسمها لطائف يعني، واضح؟ ليست كلها على درجة مهمة في المعرفة، نعم يجب أن تعرفها، لكن ليست بأهمية ما كنا نتحدث فيه عن علم علة الحديث والجرح والتعديل وهكذا، لكنها مصطلحات تحتاج أن تعرفها. قال الشيخ: ومن المهم معرفة صفة كتابة الحديث وضبطه، وهو أن يكتبه مبينًا مفسرًا، ويشكل المشكل منه وينقطه. يعني لو في كلمة مشكلة يشكلها، ويكتب الساقط في الحاشية اليمنى ما دام في السطر بقية، وإلا ففي اليسرى. يعني لو سقطت حاجة في السطر يكتبها على الحاشية، يعني على جنب الصفحة.
وصفة عرضه: وهو مقابلته مع الشيخ أو مع ثقة غيره أو مع نفسه شيئا فشيئا، يعني واحد عنده مجموعة أحاديث يا شباب يعرضها على غيره من الطلاب اللي هي المذاكرة يعني، بيذاكروا مع بعض وبيراجعوا مع بعض.
وصفة إسماعه كذلك: وأن يكون ذلك من أصله الذي سمع فيه كتابه، أو من فرع قوبل على أصله. قوبل يعني راجع الطلاب على أصل كتاب الشيخ، فإن تعذر فليجبره بالإجازة لما خالف إن خالف. يعني هم بيشترطوا إن الطالب مثلا لو كتب كتابًا عشان يتأكد من ضبط هذا الكتاب إنه يعرضه على الشيخ، أو يقابله مع أحد من الطلاب اللي حضروا معه الدرس.
قال: وصفة الرحلة فيه: حيث يبتدئ بحديث أهل بلده فيستوعبه، ثم يرحل فيحصل في الرحلة ما ليس عنده، ويكون اعتناؤه في أصفاره بتكثير المسموع أولى من اعتنائه بتكثير الشيوخ. يعني دي من اللطائف إن الإنسان يتعلم من أهل بلده ثم يرحل إلى غيرهم.
وصفة تصنيفه: وذلك إما على المسانيد بأن يجمع مسند كل صحابي على حدة، فإن شاء رتبه على سوابقهم، وإن شاء رتبه على حروف المعجم وهو أسهل تناولًا. دي اللي هي يا شباب اللي إحنا قلناها: طريقة تصنيف العلماء للأحاديث، منهم من يجعله مرتبًا على أسماء الصحابة. طب لما بيرتب الصحابة، واحد مثلا بيرتبهم بناء على حروف المعجم، واحد بيرتبهم بناء على الفضل، واحد بيرتب بناء على السوابق، سبق في الإسلام.
أو تصنيفه على الأبواب الفقهية أو غيرها، بأن يجمع في كل باب ما ورد فيه مما يدل على حكمه إثباتًا أو نفيًا. اللي هي الكتب المرتبة على الأبواب الفقهية يا شباب مثل كتب السنن. والأولى أن يقتصر على ما صح أو حسن، فإن جمع الجميع فليبين علة الضعيف. يعني في بعض الناس بيجمعوا الأحاديث الصحيحة والضعيفة، الأولى أن يبين، كان مثلا الإمام الترمذي يبين، وكان الإمام أبو داود يبين، والنسائي كان يبين.
أو تصنيفه على العلل: في ذكر المتن وطرقه وبيان اختلاف نقلته، والأحسن أن يرتبها على الأبواب ليسهل تناولها. بعض الناس كان يجمع كل كتب الأحاديث المعلولة، واضح؟ مثل مثلا مسند البزار، يعني هو مسند بيجتمع فيه الأحاديث المعلولة، فيها أحاديث فيها علل، ويرتبها على الأبواب ليسهل على الباحث إنه يبحث عن الحديث المعلول في الباب الفلاني، مثلا الأحاديث المعلولة في باب الطهارة، الأحاديث المعلولة في باب الزكاة وهكذا.
أو يجمع على الأطراف: فيذكر طرف الحديث الدال على بقيته، كأن مثلا واحد يجمع الأحاديث بناء على الأطراف، بيرتبها: إنما الأعمال بالنيات مثلا، لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ، اللي هو طرف الحديث يا شباب.
قال: ومن المهم أيضًا معرفة آداب الشيخ والطالب، ويشتركان في تصحيح النية، والتطهير من أغراض الدنيا، وتحسين الخلق. وينفرد الشيخ بأن يسمع إذا احتيج إليه، يعني يعلي صوته يعني ويرفع، ولا يحدث ببلد فيه من هو أولى منه بل يرشد إليه، يعني يرشد الناس إلى من هم أعلم منه في هذا المجال، ولا يترك إسماع أحد لنية فاسدة، وأن يتطهر ويجلس بوقار، ولا يحدث قائمًا ولا عاجلًا ولا في الطريق إلا إن اضطر إلى ذلك، وأن يمسك عن التحديث إذا خشي التغير أو بَنَ لمرض أو هرم. يعني إن هو يتوقى لحديث النبي صلى الله عليه وسلم ويحترمه ويوقره، وإذا خشي أن يكون قد نسي يتثبت.
قال: وينفرد الطالب بأن يوقر الشيخ ولا يضجره، يعني ما يخنقوش، ويرشد غيره لما سمعه، يعني يدعو غيره أو يعلمه ما يتعلمه يعني، لا يكون بخيلًا يعني، ولا يدع الاستفادة لحياء أو تكبر، واضح؟ وده موجود عند بعض الناس إن هو يأنف من أن يسمع من هو نظير له، أو من هو أقل منه، أو حتى من هو أعلى منه، لا يريد أبدا أن يكون مستمعًا، يريد أن يكون متكلمًا فقط، واضح؟ أو الحياء، إن يكون إنسان كثير الحياء، لدرجة إن هو يضيع الحق ويضيع الخير لأنه مكسوف، واضح. ويكتب ما سمعه تامًا، يعني لا يختصر إلا لما يكون عالمًا بالاختصار، ويعتني بالتقييد والضبط، ويذاكر بمحفوظه ليرسخ في ذهنه. طيب، بعد ذلك.
ومن المهم في هذا الفن معرفة كل المسمَّين ممن اشتهر باسمه وله كنية، لا يؤمن أن يأتي في بعض الروايات مكنى لئلا يظن أنه آخر. يعني مثلا بعض الرواة يا شباب أحيانا يذكر بكنيته، واضح؟ فلازم أنت تكون عارف اسمه؛ لأنه ممكن تظنه راويين بينما هو راوٍ واحد. ومعرفة أسماء المكنيين، وهو عكس الذي قبله، يعني ممكن واحد يكون دايما مذكور بكنيته أنت محتاج تعرف اسمه. واضح يعني يا شباب؟ أي راوٍ من الرواة بالذات المشهورين محتاج تعرف اسمه ونسبه وكنيته ونسبته وهكذا.
ومعرفة من اسمه كنيته، وهم قليل. ومعرفة من اختلف في كنيته، وهم كثير. الكتاب يا شباب اللي تميز جدا بهذا اللي إحنا بنقرأه، اللي هو معرفة الأسماء والألقاب، كتاب تحرير علوم الحديث.
قال: ومعرفة من اختلف في كنيته وهم كثير، ومعرفة من كثرت كناه، كابن جريج له كنيتان: أبو الوليد وأبو خالد، أو كثرت نعوته وألقابه، شخص مشهور بكذا لقب. ومعرفة من وافقت كنيته اسم أبيه، كأبي إسحاق إبراهيم بن إسحاق المدني أحد أتباع التابعين. وفائدة معرفته نفي الغلط عمن نسبه إلى أبيه فقال: أخبرنا ابن إسحاق، نُسب إلى التصحيف وأن الصواب أخبرنا أبو إسحاق، أو بالعكس كإسحاق بن أبي إسحاق السبيعي. أو وافقت كنيته كنية زوجته، كأبي أيوب الأنصاري، أبو أيوب الأنصاري وأم أيوب صحابيان مشهوران.
أو وافق اسم شيخه اسم أبيه، كالربيع بن أنس عن أنس، هكذا يأتي في الروايات فيظن أنه يروي عن أبيه، كما وقع في الصحيح عن عامر بن سعد عن سعد وهو أبوه، وليس أنس شيخ الربيع والده، بل أبوه بكري وشيخه أنصاري، وهو أنس بن مالك الصحابي المشهور، وليس الربيع المذكور من أولاده.
ومعرفة من نُسب إلى غير أبيه، كالمقداد بن الأسود، نُسب إلى الأسود الزهري لكونه تبناه، وإنما هو المقداد بن عمرو. أو نُسب إلى أمه، كابن عُليّة، وهو إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم أحد الثقات، وعليّة اسم أمه اشتهر بها، وكان لا يحب أن يقال له ابن عليّة، ولهذا كان يقول الشافعي: أخبرنا إسماعيل الذي يقال له ابن عليّة. أو نُسب إلى غير ما يسبق إلى الفهم كالحذّاء، ظاهره أنه منسوب إلى صناعتها أو بيعها وليس كذلك، وإنما كان يجالسهم، ده كان بيحب يقعد مع الجزمجية، هو طبعا أحد الثقات الحفاظ يعني، فنُسب إليهم، كان يحب يقعد مع الجزمجية فَسُمِّيَ إيه؟ الحذّاء. وكسليمان التيمي، لم يكن من بني تيم ولكنه نزل فيهم. يعني يا شباب هو خلاصة الفصل ده، وفصل مهم، يعني يقول لك: حاول أن تعرف عن الرواة المشهورين بالذات الأسماء والكنى والأنساب التي يذكرون بها في الإسناد؛ حتى لا يقع لك اللبس. طيب.
وكذا من نُسب إلى جده، فلا يؤمن التباسه بمن وافق اسمه اسمه أو اسم أبيه اسم الجد المذكور، يعني مثلا أحمد بن حنبل، هو اسمه أصلا أحمد بن محمد بن حنبل. قال: ومعرفة من اتفق اسمه واسم أبيه وجده، كالحسن بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وقد يقع أكثر من ذلك وهو من فروع المسلسل؛ اتفاق الاسم. وقد يتفق الاسم واسم الأب مع اسم الجد واسم أبيه فصاعدًا، كأبي اليمن الكندي: زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن بن زيد بن الحسن. أو اتفق اسم الراوي واسم شيخه وشيخ شيخه فصاعدًا، كعمران عن عمران عن عمران: الأول يُعرف بالقصير، والثاني أبو رجاء العطاردي، والثالث أبو حصين الصحابي رضي الله عنه. وكسليمان عن سليمان عن سليمان: الأول بن أحمد بن أيوب الطبراني، والثاني بن أحمد الواسطي، والثالث بن عبد الرحمن الدمشقي المعروف بابن بنت شرحبيل.
وقد يقع ذلك للراوي وشيخه معًا، كأبي العلاء الهمذاني العطار المشهور بالرواية عن أبي علي الأصبهاني الحداد، وكل منهما اسمه الحسن بن أحمد بن الحسن بن أحمد، فاتفقا في ذلك وافترقا في الكنية والنسبة إلى البلد والصناعة، وصنف فيه أبو موسى المديني جزءًا حافلا.
ومعرفة من اتفق اسم شيخه والراوي عنه، وهو نوع لطيف لم يتعرض له ابن الصلاح. يعني كل اللي فات ده يا شباب ذكره المصنف، بس ده لم يعني إيه؟ يتعرض له، اللي هو اتفق اسم شيخه والراوي عنه، وفائدته رفع اللبس عمن يظن أن فيه تكرارًا أو انقلابًا. ده مشهور جدا يا شباب، يعني مثلا عندنا سلام بن سليم، سلام بن سليم اللي هو أبو الأحوص، أحيانا تأتي حديث: أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص، أبو الأحوص الأول سلام بن سليم، والثاني عوف بن مالك، فممكن واحد يفكر إن الحديث فيه خطأ، أنه أبو الأحوص عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص، واضح؟ كل ده الطالب يا شباب لما بيكون عنده تمرس بفضل الله بيكون سهل عليه الحاجات دي، مش محتاج إنه يدقق فيها لأنها بتجي له واحدة واحدة لما بيمارس الدراسة العملية بكثرة.
قال: فمن أمثلته البخاري: روى عن مسلم وروى عنه مسلم، فشيخه مسلم بن إبراهيم الفراهيدي البصري، وروى عنه مسلم بن الحجاج، يعني مسلم عن البخاري عن مسلم، واضح؟ كذا وقع ذلك لِعَبْد بن حُمَيْد أيضًا: روى عن مسلم بن إبراهيم، وروى عنه مسلم بن الحجاج في صحيحه حديثًا بهذه الترجمة بعينها. ومنه يحيى بن أبي كثير: روى عن هشام وروى عنه هشام، فشيخه هشام بن عروة وهو من أقرانه، والراوي عنه هشام بن أبي عبد الله الدستوائي. ومنها ابن جريج: روى عن هشام وروى عنه هشام، فالأعلى ابن عروة، والأدنى ابن يوسف الصنعاني. ومنها الحكم بن عتيبة: روى عن ابن أبي ليلى وروى عنه ابن أبي ليلى، فالأعلى عبد الرحمن، والأدنى ابن عبد الرحمن المذكور، وأمثلته كثيرة. كل ده يا شباب إن شاء الله مع الخبرة هتلاقي نفسك مش محتاج إنك أنت تكتب الفوائد دي؛ لأن إن شاء الله أنت هتعرفها من خلال الممارسة.
ومن المهم في هذا الفن معرفة الأسماء المجردة، وقد جمعها جماعة من الأئمة، فمنهم من جمعها بغير قيد كابن سعد في الطبقات، وابن أبي خيثمة والبخاري في تاريخيهما، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل. ومنهم من أفرد الثقات بالذكر كالعجلي وابن حبان وابن شاهين. ومنهم من أفرد المجروحين كابن عدي وابن حبان أيضًا. يعني إيه يا شباب؟ يعني راوٍ مثلا بيجي كده مذكور لوحده: سفيان، طب إحنا عايزين نعرف مين سفيان ده، ممكن يكون سفيان بن حبيب، سفيان بن عيينة، سفيان الثوري، سفيان بن حسين، مين فيهم؟ ففي بعض العلماء حاول إيه؟ يذكر لك قواعد جامعة، مثلا لو وكيع قال عن سفيان فقط يبقى ده سفيان الثوري مثلا، لو الحميدي قال عن سفيان يبقى ده سفيان بن عيينة، يعني بيحاول يديك كده إيه؟ مفاتيح تعرف بها الرواة الذين يذكرون مفردين.
طيب، ومنهم من تقيد بكتاب مخصوص، كرجال البخاري لأبي نصر الكلاباذي، ورجال مسلم لأبي بكر بن منجويه، ورجالهما معا لأبي الفضل بن طاهر، ورجال أبي داود لأبي علي الجياني، وكذا رجال الترمذي ورجال النسائي لجماعة من المغاربة، ورجال الستة -يعني أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه- لعبد الغني المقدسي في كتابه "الكمال"، ثم هذبه المزي في "تهذيب الكمال"، وقد لخصته وزدت عليه أشياء كثيرة وسميته "تهذيب التهذيب". وجاء بعد ذلك ابن حجر... يعني من أول إيه؟ يعني الشيخ هنا نقل الفقرة دي كلها من تقريبًا كلها من إيه؟ من ابن حجر أو اختصار هذه الفكرة يعني.
طيب، قال: وقد لخصته وزدت عليه أشياء كثيرة. صفحة 454 يا شباب، إحنا بنقرأ بالسرعة لأن دي حاجات سهلة يا شباب: "وقد لخصته وزدت عليه أشياء كثيرة وسميته تهذيب التهذيب". يبقى إحنا عندنا يا شباب كتاب "الكمال" لعبد الغني المقدسي ده خاص برواة الكتب الستة: البخاري ومسلم والترمذي وأبو داود والنسائي وابن ماجه، لخصه المزي في كتاب "تهذيب الكمال"، جه بقى ابن حجر لخصه وزاد عليه، لخصه يعني إيه؟ يعني حذف منه بعض الأشياء وزاد فيه بعض الأشياء في الحكم على الرواة. وجاء مع ما اشتمل عليه من الزيادات قدر ثلث الأصل.
ومن المهم أيضًا معرفة الأسماء المفردة، يبقى الأولاني الأسماء الإيه؟ المجردة، والتاني الأسماء المفردة. وقد صنف فيه الحافظ أبو بكر أحمد بن هارون البرديجي فذكر أشياء تعقبه عليه بعضها، من ذلك قوله: صغدي بن سنان أحد الضعفاء، وهو بضم الصاد المهملة وسكون الغين المعجمة بعدها دال مهملة ثم ياء كياء النسب، وهو اسم علم بلفظ النسب وليس هو فَرْد، ففي الجرح والتعديل لابن أبي حاتم: صغدي الكوفي وثقه ابن معين وفرق بينه وبين الذي قبله فضعفه، وفي تاريخ العقيلي: صغدي بن عبد الله يروي عن قتادة، قال العقيلي: حديث غير محفوظ، وأظنه هو الذي ذكره ابن أبي حاتم. وأما كونه العقيلي ذكره في الضعفاء فإنما هو للحديث الذي ذكره، وليس الآفة منه، بل هي من الراوي عنه عنبسة بن عبد الرحمن، والله أعلم.
ومن ذلك سندر، يعني هو يقصد الأسماء الغريبة هنا يا شباب، يعني يقصد بكلمة الأسماء المفردة يعني الأسماء التي ليس لها نظير، يعني الاسم ده غريب اللي هو صغدي ده، أو مثلا سندر، دي أسماء غريبة جدا. إبني كان معه واحد في المدرسة كان اسمه قريش، يعني إبني كان مع ولد في المدرسة صاحبه اسمه قريش، اسمه مش مثلا دي مش لقب ولا حاجة، يعني يقول له: تعال يا قريش، روح يا قريش.
قال: ومن ذلك سندر بالمهملة والنون بوزن جعفر، وهو مولى زنباع الجذامي، له صحبة ورواية، والمشهور أنه يكنى أبا عبد الله وهو اسم فرد، لم يتسم به غيره فيما نعلم. هي غرابة الأسماء يا شباب بتكون من بلد لبلد، يعني كان في طلاب سوريين معي قبل كده كنت بقول لهم إن في... يعني كانوا يستغربوا إن في اسم اسمه دعبس، هو كلمة دعبس دي عندنا في مصر مشهورة أحيانا يعني، لكن هما كانوا مستغربين الاسم ده جدا وكانوا بيتندروا به، فينفَع الغرابة يعني نسبية. والمشهور أن يكنى أبا عبد الله، وهو اسم فرد لم يتسم به غيره. يبقى الأسماء المفردة يا شباب اللي هي لم يتسم بها إلا واحد.
لكن ذكر أبو موسى في الذيل على معرفة الصحابة لابن منده -يعني ابن منده ألف كتاب الصحابة وده عمل ذيل يعني-: سندر أبو الأسود، وروى وله حديثًا واحدًا، وتُعُقِّب عليه ذلك فإنه هو الذي ذكره ابن منده. وقد ذكر الحديث المذكور محمد بن الربيع الجيزي في تاريخ الصحابة الذين نزلوا مصر في ترجمة سندر مولى زنباع، وقد حررت ذلك في كتاب الصحابة لابن حجر، يعني اللي هو كتاب الإصابة لابن حجر.
وكذا معرفة الكنى المجردة والمفردة، وكذا معرفة الألقاب، وهي تارة تكون بلفظ الاسم وتارة بلفظ الكنية، وتقع نسبة إلى عاهة أو حرفة، يعني مثلا كلمة الأعمش الأعرج دي تعتبر لقب يا شباب، بطين أو الطويل دي اسمها ألقاب.
وكذا معرفة الأنساب، وهي تارة تقع إلى القبائل وهي في المتقدمين أكثر بالنسبة إلى المتأخرين، وتارة إلى الأوطان وهذا في المتأخرين أكثر بالنسبة إلى المتقدمين. والنسبة إلى الوطن أعم من أن يكون بلادًا أو قُرى أو سككًا أو مجاورة، وتقع إلى الصنائع كالمعياري والحرف كالبزاز يعني الحريري، ويقع فيها الاتفاق والاشتباه كالأسماء، ممكن اثنين يكون اسمهم المكي أو المروزي، وقد تقع الأنساب ألقابًا كخالد بن مخلد القطواني، كان كوفيًا ويلقب بالقطواني وكان يغضب منها. ومن المهم طبعًا يا شباب، الألقاب في ضابط في ذكرها وهي أن تكون للتعريف وليس للتعيير، يعني مثلا الأعمش والأعرج، هذه الأشياء كانت تذكر للتعريف، أما إذا قصد منها التعيير أو الذم كانت حرامًا، وكانت من باب التنابذ بالألقاب، ولو كان في شخص له لقب وأنت تعرف أنه يغضبه هذا اللقب لا يجوز أن تذكره به. طيب.
ومن المهم أيضًا معرفة أسباب ذلك، أي الألقاب والنسب التي باطنها على خلاف ظاهرها، يعني معرفة مثلا الحذّاء ده ليه اتسمى الحذّاء مش ما كانش جزمجي يعني، لكن كان بيقعد معهم يعني والمتشابه. ومن المهم أيضًا معرفة المتشابه من الأسماء والمؤتلف والمختلف، وكذا المتفق والمفترق.
فأما المؤتلف والمختلف فهو فن جليل يقبح جهله بأهل العلم، لا سيما أهل الحديث، ومن لم يعرفه يكثر خطؤه ويُفضَح بين أهله. قال علي بن المديني: أشد التصحيف ما يقع في الأسماء؛ وذلك أنه شيء لا يدخله القياس، ولا قبله ولا بعده شيء يدل عليه. وهو ما يتفق من الأسماء خطًا ويختلف نطقا، مثلا يا شباب عُقَيل وعَقِيل دي ما لهاش قياس إنما بتسمع، واضح كده؟ ويختلف نطقا، سواء كان مرجع الاختلاف النقط أم الشكل، مثل حِزام وحَرام، ده ممكن واحد يتلخبط فيهم، أو مثلا عُبَيْدة وعَبِيدة، قال الدارقطني: لا نعلم أحدًا يُكنى أبا عَبِيدة بالفتح إلا الأزرعي والأدرعي، وأنس وأُنيس، وسَلَام وسَلَّام، وعُمارة وعِمارة. كل ده يا شباب بيسموه إيه؟ بيسموه المؤتلف والمختلف.
أما المتفق والمفترق فهو أن تتفق أسماؤهم وأسماء آبائهم فصاعدًا وتختلف أشخاصهم، سواء كان ذلك في الكنية أو في النسب. يعني مثلا يا شباب يحيى بن سعيد، في يحيى بن سعيد الأنصاري وفي يحيى بن سعيد القطان، واضح يا شباب؟ متفقين في الأسماء لكن الأشخاص مختلفة، يبقى اسمه متفق ومفترق، متفقين في الأداء مفترقين في الأشخاص. وإنما يحسن إيراد ذلك فيما إذا اشتبه الراويان المتفقان في الاسم لكونهما متعاصرَيْن واشتركا في بعض شيوخهما أو في بعض الرواة عنهما. يعني المشكلة هتقع متى يا شباب؟ إذا كان الراويان مشترِكَيْن في الطبقة، هنا ممكن يحصل لبس، مثلا سفيان وسفيان، لكن يحيى بن سعيد الأنصاري ده راجل كبير ويحيى بن سعيد القطان ده في الطبقات الإيه؟ النازلة، اللي هو مثلا شيخ الإمام أحمد، فالفرق بينهم يكون معروفًا. وهو ضرب أمثلة هنا مثل: الخليل بن أحمد ستة، أحمد بن جعفر بن حمدان أربعة، أبو عمران الجوني اثنان.
والمتشابه يتركب من النوعين السابقين، كأن يقع الاتفاق في الأسماء خطًا ونطقا، والاختلاف في الآباء نطقا مع ائتلافهما خطًا، كمحمد بن عُقَيل بفتح العين، ومحمد بن عَقِيل بضمها؛ الأول نيسابوري والثاني فريابي، وهما مشهوران وطبقتهما متقاربة، هنا يا شباب ممكن يقع لبس: ابن عُقيل وابن عَقيل. أو بالعكس، كأن تختلف الأسماء نطقا وتأتلف خطًا وتتفق الآباء خطًا ونطقا، كشُرَيح بن النعمان وسُرَيْج بن النعمان؛ الأول بالشين المعجمة والحاء المهملة وهو تابعي يروي عن علي رضي الله عنه، والثاني بالسين المهملة والجيم وهو من شيوخ البخاري. طيب، وكذا إن وقع ذلك الاتفاق في الاسم واسم الأب والاختلاف في النسبة، ويتركب منه ومما قبله أنواع. كل ده يا شباب ينفع في تمييز الراوي الذي يريد ضبط هذا الباب، وأمثلة كثيرة عليه تجده إن شاء الله في المجلد الأول من كتاب "تحرير علوم الحديث"، عمل فصلًا رائعًا جدا اسمه "تمييز الراوي"، ذكر في الأنساب والألقاب والأسماء والمتشابه وكيف نميز الراوي عن غيره، إنما الشيخ هنا ذكرها اختصارًا يعني؛ لأنه في آخر إيه؟ في آخر الكتاب.
طيب أو بالعكس؛ كان تختلف الأسماء نطقا وتأتلف خطا، وتتفق الآباء خطا ونطقا، كشريح بن النعمان. طيب، إحنا خلاص قرأنا دي، إحنا 458 يا شباب في آخر فقرة.
ويترقب منه ومما قبله أنواع، منها: أن يحصل الاتفاق أو الاشتباه في الاسم واسم الأب مثلا، إلا في حرف أو حرفين فأكثر من أحدهما، وهو على قسمين: إما أن يكون الاختلاف بالتغيير مع أن عدد الحروف ثابت في الجهتين، أو يكون الاختلاف بالتغيير مع نقصان بعض الأسماء عن بعض. والله يا شباب يعني أنت إيه ممكن تتلخبط في الكلام اللي بيتقال ده، لكن أنت أساسا لما تمارس ده عمليا مش هتحتاج كل الكلام ده؛ لأن الحاجات دي وجودها مش كتير في الرواية، لأن الحاجات دي لم يهتم بها المتقدمون كثيرا؛ لأن الرواة الذين وجدوا على هذا التشابه قليلون ليسوا كثيرين، واضح؟
لكن المتأخرين شوية توسعوا في الاهتمام بهذه الفكرة، والشاب لما يقرأ هذا الكلام ممكن يظن أنه يصعب عليه تمييز الرواة، بينما الواقع العكس، أن الأشياء دي نادرة في الرواية وليست كثيرة يعني.
قال: فمن أمثلة الأول؛ محمد بن سنان -بكسر السين المهملة ونونين بينهما ألف- سنان يعني، وهم جماعة، منهم العواقي -بفتح العين والواو ثم القاف- شيخ البخاري، ومحمد بن سيار -بفتح السين المهملة وتشديد الياء التحتانية وبعد الألف راء، سيار مش سنان- وهم أيضا جماعة، منهم اليماني شيخ عمر بن يونس. ومنها؛ محمد بن حنين -بضم الحاء المهملة ونونين الأولى مفتوحة بينهما ياء تحتانية- تابعي يروي عن ابن عباس وغيره، ومحمد بن جبير -بالجيم بعدها ياء، حدث وآخره راء- وهو محمد بن جبير بن مطعم التابعي المشهور أيضا.
ومن ذلك معرف بن واصل كوفي مشهور، مطرف بن واصل -بالطاء بدل العين- شيخ آخر يروي عنه أبو حذيفة النهدي. شوفوا يا شباب، كل الأسماء اللي ذكرت دي نادرة في الرواية؛ يعني قليلة جدا، فأنت لا تتصور أنك في إسناد هتلاقي فيه الحاجات دي، لا، دي أشياء نادرة.
ومنه أيضا؛ أحمد بن الحسين صاحب إبراهيم بن سعد واخرون، وأحيد بن الحسين مثله لكن بدل الميم ياء تحتانية، وهو شيخ البخاري يروي عنه عبد الله بن محمد البيكندي. ومن ذلك؛ حفص بن ميسرة شيخ مشهور من طبقة مالك، وجعفر بن ميسرة شيخ لعبيد الله بن موسى الكوفي، الأول بالحاء المهملة والفاء بعدها صاد مهملة، بالجيم والعين المهملة بعدها فاء ثم راء.
ومن أمثلة الثاني؛ عبد الله بن زيد، جماعة يعني فيه كتير، منهم في الصحابة صاحب الأذان، وصاحب الأذان اللي هو رأى رؤية الأذان يعني، واسم جده عبد ربه، وراوي حديث الوضوء واسم جده عاصم، وهما أنصاريان. وعبد الله بن يزيد -بزيادة ياء في أول اسم الأب والزاي مكسورة، ده زايد وده يزيد، واضح؟- وهم أيضا جماعة، منهم في الصحابة الخطمي، كنيته أبو موسى، وحديثه في الصحيحين. ومنهم القارئ له ذكر في حديث عائشة، وقد زعم بعضهم أنه الخطمي وفيه نظر.
ومنها؛ عبد الله بن يحيى وهم جماعة، وعبد الله بن نجي -بضم النون وفتح الجيم وتشديد الياء- تابعون معروفون. طبعا كل الكلام ده نقله الشيخ من كتاب نزهة النظر، لذلك الشيخ الشبابي لم يهتم ببحث هذه المسائل؛ لأنها كما قلت لكم من اللطائف، وقليلا ما يتعرض لها الطالب في بحثه، فلذلك الشيخ نقل البحث كما هو من شرح ابن حجر لكتابه نخبة الفكر.
طيب، ومنها؛ عبد الله بن يحيى وهم جماعة، عبد الله بن نجي -بضم النون وفتح الجيم وتشديد الياء- تابعي معروف، يروي عن علي رضي الله عنه.
أو يعني صورة أخرى؛ يحصل الاتفاق في الخط والنطق لكن يحصل الاختلاف أو الاشتباه بالتقديم والتأخير، إما في الاسمين جملة أو نحو ذلك، كأن يقع التقديم والتأخير في الاسم الواحد في بعض حروفه بالنسبة إلى ما يشتبه به، مثل الأسود بن يزيد ويزيد بن الأسود وهو ظاهر، ومنه عبد الله بن يزيد ويزيد بن عبد الله، ومثاله الثاني؛ أيوب بن سيار وأيوب بن يسار، الأول مدني مشهور ليس بالقوي، والاخر مجهول، تمام؟
بعد كده الشيخ بقى ذكر عن: ومن المهم عند المحدثين معرفة بلدان الرواة وأوطانهم وشيوخهم. كل المبحث اللي فات ده شباب مأخوذ من كتاب نزهة النظر. قالوا: ومن المهم معرفة، ومن المهم عند المحدثين معرفة بلدان الرواة وأوطانهم وشيوخهم وتلاميذهم وطبقتهم، وفائدته: الأمن من تداخل المشتبهين، وإمكان الاطلاع على تبيين التدليس والوقوف على حقيقة المراد من العنعنة.
والطبقة في اصطلاحهم عبارة عن جماعة اشتركوا في السن ولقاء المشايخ، كلمة الطبقة. يعني مثلا يقول يا شباب إيه؟ سفيان بن عيينة من طبقة سفيان الثوري قولي مثلا أو يحيى بن سعيد الأنصاري من طبقة الزهري، كلمة طبقة يعني جماعة اشتركوا في السن، يعني تقاربوا في السن وفي الأخذ عن المشايخ، يعني عايشين في عصر واحد يعني.
وقد يكون الشخص الواحد من طبقتين باعتبارين، كأنس بن مالك رضي الله عنه، فانه من حيث ثبوت صحبته للنبي صلى الله عليه وسلم يعد من طبقة العشرة مثلا يعني من طبقة العشرة المبشرين بالجنة، ومن حيث صغر السن يعد في طبقة من بعدهم، واضح؟ يعني ممكن الإنسان الواحد يا شباب يلحق بأكثر من طبقة، يعني يكون قريبا من الطبقة الأعلى، ويكون كذلك قريبا من الطبقة اللي هم أقرانه يعني.
فمن نظر إلى الصحابة باعتبار الصحبة جعل الجميع طبقة واحدة كما صنع ابن حبان وغيره، ومن نظر إليهم باعتبار قدر زائد كالسبق إلى الإسلام أو شهود المشاهد الفاضلة لبدر وأحد وغيرها جعلهم طبقات. يعني ممكن يا شباب نخلي الصحابة دول كلهم طبقة واحدة، باعتبار أنهم التقوا بالنبي صلى الله عليه وسلم مسلمين وماتوا على ذلك، وممكن نفرقهم.
فباعتبار مثلا الفضل والسبق للإسلام، لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ، وهكذا وإلى ذلك جنح صاحب الطبقات أبو عبد الله محمد بن سعد البغدادي، اللي هو كتاب ابن سعد في الطبقات، حاول أن هو يقسمهم باعتبار الفضل، لم يجعلهم طبقة واحدة، وكذلك كتابه أجمع ما جمع فيه اللي هو كتاب الطبقات لابن سعد هو أجمع كتاب في طبقات الرواة.
وكذلك من جاء بعد الصحابة وهم التابعون، من نظر إليهم باعتبار الأخذ عن بعض الصحابة فقط جعل الجميع طبقة واحدة كما صنع ابن حبان أيضا، ومن نظر إليهم باعتبار اللقاء قسمهم كما فعل محمد بن سعد، ولكل منهم وجهة. يعني واحد يقول لك مثلا سعيد بن المسيب اللي شاف كبار الصحابة مش معقول نخليه في طبقة مع قتادة اللي هو شاف مثلا صغار الصحابة سنا، واضح؟ فيقسمهم بقى كبار التابعين، وسط التابعين، صغار التابعين، وإن كان الكل يطلق عليه تابعي أيضا.
ومن المهم معرفة أحوالهم تعديلا وتجريحا وجهالة، لأن الراوي إما أن تعرف عدالته، أو يعرف فسقه، أو لا يعرف فيه شيء من ذلك، يعني معرفة الجرح والتعديل.
صفحة 463 يا شباب. لا ينبغي لطالب الحديث أن يقتصر على سماع الحديث وكتبه دون معرفته وففهه، فتكون كمثل الحمار يحمل أسفارا قد أتعب نفسه من غير أن يظفر بطائل، غير أن يحصل في عداد أهل الحديث، بل لم يزدد على أنصار من المتشبهين المنقوصين المتحلين بما هم عنه عاقلون، يعني إنسان بيتشبه بأهل الحديث لكنه ليس حقيقا بهذا الوصف؛ لأنه لا يعرف معنى ما يحمل.
فينبغي على طالب الحديث أن يتعرف على صحته وضعفه وفقهه ومعانيه ولغته وأعرابه وأسماء رجاله، كل ذلك معتنيا بإتمام مشكلها.
تمام، آخر فقرة في صفحة 463: أن أئمة الحديث عليهم رحمة الله تعالى لم يصنفوا هذه الكتب الحديثية جزافا، بل كل مصنف لكل مصنف لهم لمصنفه فيه شرط التزمه. يعني أقرأها كده يا شباب؛ كل مصنف لهم، كل كتاب لهم، لمصنفه يعني لمؤلفه، فيه شرط زي ما هو وغاية نشدها، فكان إخراج الحديث في مصنف ما على وجه ما كالإشارة من مصنفيه إلى حال هذا الحديث، يعني بعضهم ألف مثلا يا شباب في المسانيد، في الجوامع، في السنن، إلى غير ذلك.
ومن هنا ندرك الخطأ الذي يقع فيه بعض الباحثين، حيث يخرجون الحديث من كتب متعددة غير ملتفتين إلى الفائدة التي أسداها إليهم صاحب الكتاب بإخراجه الحديث فيه، فدناية الاحتجاج بالحديث في الصحيحين على صحته وتلقي العلماء له بالقبول، حيث لا يكون ثمة تعقب من بعض الحفاظ، لا ينبغي أن تهمل، بل على الباحث الاستفادة من هذه الدلالة وتلك الفائدة.
فلا يعامل أحاديث الصحيحين معاملته لغيرها، ودلالة إخراج الحديث في كتب الأصول كالسنن الأربعة والموطأ والمسند لأحمد أيضا لا ينبغي إهمالها، بل من أهل العلم من يرى أن من علامات ضعف الحديث خلو هذه الكتب منه. يعني ما ينفعش يا شباب واحد يجد أن الحديث موجود في الكتب السته ويهمل هذه الدلالة، لأ، كون الأئمة الستة قبلوا هذا الحديث لا يمكن أن نهمل هذه الدلالة، الدلالة أن هذا الحديث مقبول.
وإخراج الحديث في ترجمة راويه المتفرد به في كتب الضعفاء مثل كامل ابن عدي والضعفاء للعقيلي والمرجوحين لابن حبان يدل على ضعف الرواية دلالة واضحة جليلة؛ لأن هؤلاء الأئمة إنما يخرجون في ترجمة الراوي بعض أحاديثه المنكرة ليستدلوا بذلك على ضعفه، فكانت هذه الأحاديث من هذه الأوجه عند هؤلاء المصنفين غاية في النكارة؛ حيث إنهم لم يضاعفوها فحسب، بل استدلوا بها على ضعف راويها المتفرد.
وقد قال ابن عدي في مقدمة كتابه: وذاكر لكل رجل منهم مما رواه مما يضعف من أجله أو يلحقه بروايته له اسم الضعف لحاجة الناس إليها. يعني يا شباب ما ينفعش تخرج حديث من الكتب دي اللي هي كتب الضعفاء التي تخرج حديث تستدل بها على ضعف الراوي وتهمل ذلك، لا، مجرد الاستدلال بالحديث على حال الراوي يؤكد أن هذه الأحاديث عند هؤلاء الأئمة غاية في النكارة.
وقال الحافظ ابن عدي من عادة ابن عدي في الكامل أن يخرج الأحاديث التي أنكرت على الثقة أو على غير الثقة، وكثيرا ما يتبرأ ابن حبان في المجروحين من تلك الأحاديث التي يخرجها في كتابه، وصرح بأنه ما دفعه إلى إخراجها إلا الرغبة في بيان الضعفاء وبيان أحاديثهم المنكرة، يقول في المقدمة: إنما نملي أسامي من ضعف من المحدثين وتكلم فيه الأئمة المرضيون، ونذكر عند كل شيخ منهم من حديثه ما يستدل به على وهنه في روايته تلك.
ويقول أيضا: واني لا أحل أحدا روى عني هذه الأحاديث التي ذكرتها في هذا الكتاب إلا على سبيل الجرح في روايتها على حسب ما ذكرنا، قرر هذا المعنى في غير موضع. واضح يا شباب؟ يبقى لابد الاستفادة من هذا الأمر.
طيب، وينبغي على طالب الحديث أن يكون عالما بأصول كل إمام واصطلاحاته؛ فإن مذاهب النقاد للرجال غامضة دقيقة، وربما سمع بعضهم في الراوي أدنى مغمز فتوقف عن الاحتجاج بخبره وإن لم يكن الذي سمعه موجبا لرد الحديث ولا مسقطا للعدالة.
ويرى السامع أن ما فعله هو الأولى، رجاء إن كان الراوي حيا أن يحمله ذلك على التحفظ وضبط نفسه عن الغميزة، وإن كان ميتا أن ينزله من نقل عنه منزلته، فلا يلحقه بطبقة السالمين من ذلك المغمز.
يعني إيه يا شباب؟ يعني طالب العلم لازم يعرف درجات النقاد ومنهج النقاد فيه؛ ناقد متساهل وفيه ناقد معتدل وفيه ناقد متشدد، ممكن ناقد يضاعف الراوي بأشياء لا يضاعف بها الشخص، مثلا رأى يبول قائما، أو رأى الراوي يشتري من السوق، أو رأى الراوي مثلا بجواره الغناء والموسيقى وهو لم ينكر عليهم فقال لك لا أخذ من هذا الراوي، فأحيانا يكون هناك بعض النقاد المتشددين أو الذين يضاعفون بغير ما يضاعف، فلازم طالب العلم يعرف منهج كل ناقد حتى يعرف درجة قوله.
ومنهم من يرى أن من الاحتياط للدين إشاعة ما سمع من الأمر المكروه، الذي لا يوجب إسقاط العدالة إيراده حتى ينظر هل له من أخوات ونظائر؟ فإن أحوال الناس وطبائعهم جارية على إظهار الجميل وإخفاء ما خالفه، فاذا ظهر أمر يكرهه مخالف للجميل لم يؤمن أن يكون وراءه شبهة له.
يعني إيه؟ في بعض مثلا نقاد لما بيشوف خطأ على الراوي بيستره ما بيعرفش الناس، يقول لك ده أنا كده سترته عشان الراجل يرجع عن غلطه وما أبقاش أنا كده سوقت سمعته، فيه واحد تاني يقول لأ، ما هو ممكن يكون أنا لو أخفيت خطأ وده أخفى خطأه يبقى كده إحنا بنعمي على الناس.
كل واحد من النقاد له مقصد حسن، وأئمة الحديث لا يقتصرون على الكلام في من طالت مجالستهم له وتمكنت معرفتهم به، بل قد يتكلم أحدهم في من لقيه مرة واحدة وسمع منه مجلسا.
واحدا في نقطة هنا غلط، سمع يعني دي المفروض نشبكها في اللي بعدها، وسمع منه مجلسا واحدا أو حديثا واحدا، وفي من عاصره ولم يلقه ولكنه بلغه شيء من حديثه، وفي من كان قبله بمدة قد تبلغ مئات السنين إذا إذا بلغه شيء من حديثه. ومنهم من يجاوز ذلك.
ومن الأئمة من لا يوثق من تقدموا حتى يطلع على عدة أحاديث له تكون مستقيمة، وتكثر حتى يغلب على ظنه أن الاستقامة كانت ملكة لذلك الراوي. ومنهم من يوثق المجاهيل من القدماء، يعني مثلا راوي في الطبقات المتقدمة مجهول مش معروف يوثقه، إذا وجد حديث الراوي منهم مستقيما، إذا وجد حديثا جيدا والحديث يدل عليه، ولو كان حديثا واحدا لم يروه عن ذلك المجهول إلا واحد. ومنهم من نفسه حاد في الجرح، ومنهم من هو معتدل، ومنهم من هو متساهل.
يعني يا شباب خلاصة هذه الفكرة أن النقاد ليسوا سواء؛ منهم المتشدد والمتساهل والمعتدل، ومنهم الذي يطلق اللفظ ويريد به أكثر من دلالة. وهكذا يقول الإمام الذهبي: اعلم هداك الله أن الذين قبل الناس قولهم في الجرح والتعديل على ثلاثة أقسام؛ قسم تكلموا في أكثر رواة كابن معين وأبي حاتم الرازي، وقسم تكلموا وفي كثير من الرواة كمالك وشعبة. شف الأولانيين في أكثر رواية، التانيين اتكلموا في كتير من الرواة، وقسم تكلموا في الرجل بعد الرجل كابن عيينة والشافعي.
والكل أيضا على ثلاثة أقسام؛ قسم منهم متعنت في الجرح، متثبت في في التعديل، يغمز الراوي بالغلطتين والثلاثة ويلين ذلك حديثه، يعني لو الراوي عنده غلط غلطتين أو تلاتة بيضعفوه، فهذا إذا وثق شخصا عض على قوله بناجذيك. يعني لما بقى الشخص ده يعني فيه واحد كده تلاقيه يعني ضنين في تعديل الأشخاص، ولما بيعدل بقى أشخاص تعرف أن فعلا الأشخاص دول ثقات، وتمسك بتوثيقه. وإذا ضعف رجلا فانظر؛ هل وافقه غيره على فيه؟ فإن وافقه ولم يوثق ولم يوثق ذاك أحد من الحذاق فهو ضعيف، وإن وثقه أحد فهذا الذي قالوا فيه لا يقبل اه تجريحه إلا مفسرا، يعني لا يكفي أن يقول فيه ابن معين مثلا هو ضعيف ولم يوضح سبب ضعفه، وغيره قد وثقه، فمثل هذا يتوقف في تصحيح حديثه وهو إلى الحسن أقرب.
وابن معين وأبو حاتم والجسجاني متعنتون، يعني فيهم تشدد يعني يعني لما بيوثقوا الراوي وأنت بتحس بقى بتطمئن الآه لكلامهم، لكن لو حصل خلاف يا شباب ده هناخده إن شاء الله اللي هو اختلاف الجرح مع التعديل في كتاب مهم جدا اسمه ألفاظ الجرح والتعديل المتعارضة.
وقسم في مقابلة هؤلاء كأبي عيسى الترمذي وأبي عبد الله الحاكم وأبي بكر البيهقي متساهلون، يعني ده ده كلام طبعا مينا شهاب؟ ده كلام الذهبي. متساهلون يعني إيه؟ فيهم خفة شوية في موضوع التوثيق، مش معنى متساهلون أن هم مثلا يوثقون الضعيف، لا، يعني شروطهم في توثيق أقل حدة من من شروط الأوائل. وقسم كالبخاري وأحمد بن حنبل وأبي زرعة وابن عدي معتدلون منصفون، مش معنى كده يا شباب أن هو يتهم من قبلهم بعدم الإنصاف، لكن هي فقط شدة الشروط.
ويترتب على هذا الاختلاف بين نقاد الحديث في الحكم على الرواة بالجرح والتعديل اختلاف على الروايات بالتصحيح والتعليل، فعلى طالب الحديث أن يكون مدركا مناهج أئمة الحديث في هذه الأبواب في هذه الأبواب كلها، عالما بمصطلحاته، مميزا لمذاهبهم، حتى لا يسيء فهم كلامهم أو أن ينسبوا إليهم ما ليس من أقوالهم أو أن يغتر بما اه توهمه اه توهمه بعض ألفاظهم التي لم يريدوا منها ظاهرها.
يعني خلاصة هذه الفكرة يا شباب أن طالب العلم يجب أن يعرف من هم الأئمة المعتبرون في في علوم الحديث في علم الجرح والتعديل في علم العلل؟ ما هي الكتب التي صنفوها؟ ما شروطهم في هذه الكتب؟ ما هو منهجهم في التعديل والتجريح؟ وماذا نفعل إذا اختلف النقاد؟ فوثقوا بعضهم وثق الراوي وبعضهم ضعفه، لابد أن نعرف هذه الأمور.
واضح آخر صفحة في الكتاب يا شباب أربعمية تسعة وستين. قال الشيخ: وهذه الأبواب الأخيرة المذكورة في هذه الخاتمة نقل محض ظاهرة التعريف غنية عن التمثيل، وحصرها متعثر، فلتراجع لها مبسوطاتها ليحصل الوقوف على حقائقها. يعني الشيخ بيقول: أنا لم أتوسع في هذه الخاتمة، الخاتمة يا شباب اللي هي بدأت عندنا من امتى؟ الخاتمة اللي هي بدأت عندنا شباب من صفحة هي أربعمية واحد وأربعين. الشيخ بيقول: هذه الخاتمة أنا لم أتوسع في الشرح لها والتمثيل، أولا لأنها من لطائف الحديث ليست بقدر ما سبقها من المسائل، وكذلك هي ليست من اهداف هذا الكتاب، فلها يعني الكتب التي بسطت فيها الكلام.
ثم قال الشيخ: والحمد لله أولا وآخرا ظاهرا وباطنا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يزدنا علما، وأن يفقهنا في الدين. اللهم إنا نعوذ بك من علم لا ينفع، ومن دعاء آآ لا يسمع، ومن آآ قلب لا يخشع، ومن عين لا تدمع، نسألك سبحانك أن تنفعنا بما علمتنا، وأن تعلمنا ما ينفعنا.
اللهم نج المستضعفين من المؤمنين. اللهم نج المستضعفين من المؤمنين. اللهم مفريج كرب المكروبين. اللهم فك قيد إخواننا المأسورين المعتقلين. اللهم اه نجنا من الظالمين. ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين، ونجنا برحمتك من القوم الكافرين. اللهم إنا نسألك اه علما نافعا وعملا متقبلا. اللهم اجعل أعمالنا كلها صالحة واجعلها لوجهك خالصة، ولا تجعل فيها لأحد غيرك شيئا. جزاكم الله خيرا، وبارك الله فيكم، وأحسن الله إليكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
غدا إن شاء الله موعدنا مع اه اه الكتاب اه يعني كتاب الإمام ابن تيمية أمراض القلوب آآ شفاؤها آآ وفيه مقدمة مهمة جدا إن شاء الله عن القلب وعن أعمال القلب، وآآ سانشر لكم إن شاء الله الاختبار الخاص بكتاب لغة المحدث. جزاكم الله خيرا وبارك الله فيكم، طبعا طولت عليكم النهاردة شوية بس عشان احنا خدنا إجازة كبيرة، يعني جزاكم الله خيرا، وبارك الله فيكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ حسين عبد الرازق