بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وحياكم الله في ليلة الأول من شهر صفر من سنة ست وأربعين وأربعمائة وألف، ونحن في جامع البواردي بحي العزيزية في مدينة الرياض.
نحقد بحمد الله وتوفيقه المجلس السادس وهو الأخير من مجالس شرح الآجرومية، وكنا قد توقفنا في أثناء الكلام على الأسماء المنصوبه، فبدأنا بالكلام على المفاعيل وعرفت أنها خمسة، وهي: المفعول به، والمفعول المطلق، وشرحناهما، ثم بعد ذلك المفعول فيه أي ظرف الزمان والمكان، والمفعول لأجله، والمفعول معه، وسنبدا إن شاء الله بشرحها.
فنبدأ بالمفعول معه، قال ابن آجروم: باب ظرف الزمان وظرف المكان. ظرف الزمان وظرف المكان يسميان أيضا بالمفعول فيه؛ لانهما يدلان على المكان الذي وقع الفعل فيه، أو على الزمان الذي وقع الفعل فيه، فيسمى مفعولاً فيه، فإن وقع الفعل في زمانه فالأولى أن يسمى ظرف زمان، وإن وقع في مكانه فالأولى أن يسمى ظرف مكان.
فقال ابن آجروم في تعريف ظرف الزمان: ظرف الزمان هو اسم الزمان المنصوب بتقدير في نحو: اليوم والليلة، وغدوة وبكرة وسحرا وغدا وعتمة وصباحا ومساء وأبدا وأمدا وحينا وما أشبه ذلك.
إذاً، ظرف الزمان هو اسم الزمان، ظرف الزمان الأسماء التي تنتصب على أنها ظرف زمان لا تكون إلا من أسماء الزمان، أي اسم يدل على زمان مثل: يوم، ساعة، دقيقة، عام، حين، نحو ذلك.
طيب، هل كل اسم زمان يكون ظرف زمان؟ لا، وإنما قال: اسم الزمان المنصوب بتقدير في. اسم الزمان إذا كان منصوبا، ليس مرفوعا أو مجرورا، وبتقدير في، يعني يمكن أن تقدر قبله في تقديرا حقيقيا لفظيا أو تقديرا معنويا.
وقولك: أكرمت الأستاذ اليوم، يعني اكرمته في هذا اليوم، أكرمت الأستاذ أمام المسجد يعني أكرمته في هذا المكان، سافر زيد صباحا يعني سافر في الصباح، زرته ليلا يعني في الليل، وهكذا، فتكون حينئذ ظرف زمان، فإن لم تقدر فيه فإنه لا يكون ظرف زمان، كقولك: اليوم جميل. اليوم جميل، اليوم اسم زمان لكنه ليس على تقدير فيه، فاليوم مبتدأ لأنه اسم مجرد عن العوامل اللفظية فهو مبتدأ وجميل خبره.
لو قلت مثلا: الأسبوع سبعة أيام. أيام هنا ليست على معنى فيه، الأسبوع مبتدأ وأيام خبر، إذاً فظرف الزمان لا يكون ظرف زمان حتى يكون على تقدير في، وكذلك ظرف المكان.
ولهذا قال ابن آجروم: وظرف المكان هو اسم المكان المنصوب بتقدير في، نحو: أمام، وخلف، وقدام، ووراء، وفوق، وتحت، وعند، ومع، وإزاء، وحذاء، ولقاء، وثم، وهنا، وما أشبه ذلك.
كذلك ظروف المكان لا تكون إلا من أسماء المكان، متى؟ إذا كان اسم المكان على تقدير في، يمكن أن تقدر قبله في لفظا أو معنى، كقولك: صليت خلف الإام، أي في هذا المكان الذي هو خلف الإمام، جلست يمين زيد أي في هذا المكان، انتظرتك قدام البيت يعني في هذا المكان الذي هو قدام البيت، وهكذا.
فإن لم يكن على تقدير في فليس بظرف مكان، كان تقول: المسجد واسع. المسجد اسم مكان، لكن ليس على معنى فيه، فالمسجد واسع مبتدأ وخخبر، لو قلت مثلا: انتظرتك في الشارع، هذا في موجودة ظاهرة صار الجار والمجرور هكذا، فهذا هو ظرف المكان وهذا هو ظرف الزمان.
إذاً، فائدة ظرف الزمان وفائدته ووظيفته بيان زمان الفعل، وفائدة ظرف المكان بيان مكان الفعل، بيان المكان الذي وقع فيه الفعل، فلهذا تجد أن ظرف الزمان هو في الحقيقة جواب لقولك متى. ظرف الزمان جواب لقولك متى، سافر زيد متى؟ غدا -أسف- سافر زيد أمس أو سيسافر زيد غدا. نعم، ستقول مثلا: زرتك البارحة، زرتك متى؟ البارحة، ستقول مثلا: سنذهب متى؟ صباحا، سنذهب متى؟ ظهرا، سنذهب مغربا، سنذهب ليلا.
وأما ظرف المكان فهو جواب لاين: صليت أين؟ خلف الإمام. صليت أين؟ يمين زيد. وهكذا، قال تعالى: ﴿لَقَد رَضِيَ اللَّهُ عَنِ المُؤمِنينَ إِذ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: 18]. يبايعونك أين بايعوه؟ تحت، تحت ظرف مكان.
قال: ﴿اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دينَكُم﴾ [المائدة: 3]. متى أكمل الدين لهم؟ اليوم، اليوم ظرف زمان مقدم. قال: وسبحوه متى؟ بكره وأصيلا، سبحوه بكره ظرف زمان، وأصيلا الواو حرف عطف، وأصيلا ما نقول ظرف زمان، نقول معطوف على ظرف الزمان منصوب.
طيب، إذا كان الأمر كذلك، فتأمل هذين المثالين، إذا قلت لكم الآن: المؤمن المسلم تخاف يوم القيامة أو لا؟ المؤمن يخاف يوم القيامة أم لا ها؟ يخافه. طيب والكافر يخاف يوم القيامة أو يأمن ها؟ الكافر عندما تقوم القيامة يخاف يوم القيامة؟ الكافر يخاف يوم القيامة أو يأمن يوم القيامة ها؟ انتبهت من الفرق في المعنى أي نعم.
إذا كان المعنى على معنى في صار ظرفاً، تقول: الكافر يخاف يوم القيامة، يعني يخاف في يوم القيامة ظرف زمان، لكن المؤمن يخاف يوم القيامة، يخاف في يوم القيامة أم أن الآن يوقع خوفه على يوم القيامة الآن يخافه؟ فيوم القيامة مفعول به مع المؤمن، ليس على معنى فيه، يخافون يوما مفعول به، ليس مفعولاً فيه، المؤمن إنما آمن واسلم وعمل الصالحات في الدنيا لكي يأمن يوم القيامة، لا لكي يخاف، والمؤمن عموما في يوم القيامة يأمن لا يخاف.
إذا فالكافر يأمن يوم القيامة عبارة صحيحة، والمؤمن يخاف يوم القيامة عبارة صحيحة، لكن اليوم مع الكافر ظرف زمان على معنى في، يخاف في يوم القيامة، واليوم مع المؤمن يخاف يوم القيامة ها مفعول به ليس على معنى في، فتأمل الجملتين.
انتهينا من المفعول فيه ظرف الزمان والمكان، سننتقل -هو ذكر الحال لكن سنتجاوز هذه الأشياء حتى نصل إلى المفعول من أجله قبل الأخير لكي نكمل فقط المفاعيل نربط المفاعيل بعضها ببعض-.
قبل الأخير ذكر باب المفعول من أجله، قال: وهو الاسم المنصوب الذي يذكر بيانا لسبب وقوع الفعل، نحو: قام زيد إجلالا لعمرو، وقصدتك ابتغاء معروفك.
أيضا من المفاعيل المفعول لأجله، وهو اسم منصوب، لكن ما فائدته وظيفته؟ بيان سبب الفعل وعله الفعل، الشيء الذي من أجله فعل الفعل، تقول: جاء زيد لماذا ها؟ جاء زيد اذكر سبب لمجيئه، علة لمجيئه، جاء زيد طلبا للعلم، جاء زيد حبا لك، جاء زيد خوفا منك، جاء زيد احتراما لك، هذا مفعول من أجله أو مفعول لأجله أو مفعول له.
قال ابن آجروم: قام زيد إجلالا لعمرو. قام زيد لماذا؟ إجلالا لعمرو. طيب قصدتك لماذا؟ ابتغاء معروفك. تبين من ذلك أن المفعول من أجله جواب لأي سؤال؟ جواب لماذا؟ لماذا جاء زيد؟ لماذا جاء؟ طلبا للعلم، احتراما لزيد، خوفا من أبيه، وهكذا.
قال تعالى: ﴿وَلا تَقتُلوا أَولادَكُم خَشيَةَ إِملاقٍ﴾ [الإسراء: 31]. أي من أجل خشية الإملاق. قال: ﴿وَالَّذينَ اتَّخَذوا مَسجِدًا﴾ [التوبة: 107] لماذا اتخذوه؟ ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين.
وتقول: إكراماً لك حضرت. أين المفعول من أجله؟ إكراماً لك حضرت، إكراماً مفعول لأجله مقدم. قال: يغضي لماذا؟ حياءً، ويغضى من مهابته فلا يكلم إلا حين يبتسم. يغضي من أجل الحياء، بسبب الحياء، إذاً ما إعراب يغضي حياءً؟ حياءً مفعول لأجله.
بعد ذلك قال: باب المفعول معه، قال: وهو الاسم المنصوب الذي يذكر لبيان من فعل معه الفعل، نحو قولك: جاء الأمير والجيش، واستوى الماء والخشبة.
هذا باب المفعول معه، وهو من ألطف أساليب العرب، تريد أن تبين شيئا كان موجودا في أثناء فعلك للفعل، قد يكون هذا من مراد المتكلم، فتقول: استذكرت والمصباح، اردت أن تخبرنا أن المصباح كان بمعيتك وأنت تستذكر، المصباح شارك في الاستذكار؟ لا، إذا فالواو ليست عاطفة، وإنما هي واو معية.
ما علاقة المصباح بالاستذكار؟ استذكرت والمصباح، المصباح مفعول الاستذكار مع مصاحبته، مفعول معه استذكرت والشمعة. طيب مشيت -كان شيء موجود يعني معك أو قريب يعني موجود- مشيت والصورة، مشيت والحديقة، مشيت والجريدة، مشيت والجوال، شيء كان معك سواء بيدك أو كان موجود قريب من عندك، فتاتي به بعد واو المعية منصوبا وكونه مفعولا معه.
مشيت والبحر، تمشيت والبحر، سريت والقمر، مشيت والصحراء، هذه اشياء ما فعلت معك الفعل، لكنها كانت موجودة معك وأنت تفعل هذا الفعل فيكون مفعولا معه، أسلوب لطيف. سافرت معك شيء تريد أن تخبرنا أنه كان معك وأنت مسافر، سافرت والمعاملة، سافرت والحقيبة، وهكذا.
نعم، نأتي المفعول معه بعد أن فهمتموه الآن. المفعول معه نوعان، النوع الأول: الذي لا يشاركك في الفعل، كجميع الأمثله السابقة، المصباح ما شاركك في الاستذكار، فلهذا لا يمكن أن تجعل الواو عاطفة لأنه ما فعل الاستذكار، سافرت والحقيبة الحقيبة ما فعلت السفر، تمشيت والشاطئ والشاطئ ما فعل التمشي، ما يصلح أن تعطفه، فهو النوع الثاني.
ما شاركك في الفعل دون قصد، يعني فعل الفعل لكن من غير قصد، أنت فعلت الفعل قاصدا وهو فعل الفعل لكن من دون قصد، لماذا فعله؟ فعله فقط لأنه بمعيتك لو لم يكن بمعيتك ما فعله.
مثلا تمشيت والجوال، هذا النوع الأول. لكن تمشيت والقطة ها تمشت أو ما تمشت، هي فعلت فعلت الفعل أو ما فعلت؟ تمشت وأنت تمشيت، إذا يصح أن نجعل واو عاطفة وما يصح؟ يصح أن نجعل الواو عاطفة لأنها فعلت الفعل معك، لكن الأدق أن تقول تمشيت والقطة فتعطف، أو تقول تمشيت والقطة لتبين أنها فعلت الفعل دون قصد وإنما فعلته فقط لأنها بمعيتك.
الأدق أن تقول تمشيت والقطة، ولو قلت مشيت والقطة صح لأنها فعلت الفعل لكن تضعف البلاغة حينئذ. مثال ذلك أيضا لو قلت لي: سافرت وزيداً. زيداً فعل السفر معك ولا ما فعل؟ أخير أنه فعل، لكن لماذا نصبت عندما قلت سافرت وزيداً؟ لتخبر أنه لم يقصد السفر وإنما سافر فقط من أجلك، سافر فقط من أجلك، يعني لزمت عليه وكذا سافرتك، سافر من أجلك لو لم تسافر ما سافر، هكذا خرجنا إلى البر وزيداً، يعني لزمت عليه حتى ذهب معك، لكن لو قلت: سافرت إلى البر ذهبت إلى البر وزيد صال -صح- لأنه فعل الفعل معك.
فلهذا ذكر ابن آجروم لنا مثالين، فقال نحو قولك: جاء الأمير والجيش. الأمير جاء إلى هذه المنطقة فعل المجيء قاصدا، طيب والجيش جاء إلى هذه المنطقة منطقة قاصدا أو فقط لأنه بمعية الجيش؟ها فقط لأنه بمعية الجيش، لو لم يجا الأمير لم يجا الجيش، فيصح أن تقول جاء الأمير والجيش، لأن الجيش جاء، لكن الأدق تقول: جاء الأمير والجيش، يعني بمعية الجيش.
والمثال الثاني: استوى الماء والخشبة. في الأنهار الكبيرة يضعون خشبة وعليها أرقام ليعرفوا مستوى ارتفاع الماء، فالماء ارتفع إلى رقم فلاني يرتفع إلى، فإذا زاد الفيضان ها قد يزيد الفيضان أحيانا حتى يصل الماء إلى راس الخشبة، ارتفع الماء حتى ساوى الماء الخشبة، ما الذي ارتفع حتى ساوى الخشبة؟ كلاهما أو الماء فقط؟ الماء الذي ارتفع وساوى، أما الخشبة فثابتة، إذا فاستوى الماء هو الذي استوى، والخشبة هنا لا يصح بها إلا النصب، يعني استوى الماء مع الخشبة.
طيب، نعود بعد ذلك إلى بقية المنصوبات، بعد ظرف الزمان والمكان ذكر بعد ظرف الزمان والمكان فقال: باب الحال. الحال كما سبق شرحناه عندما تكلمنا على النعت الصفة، عرفنا أن الحال هو الصفة إذا خالفت الموصوف التعريف والتنكير، كقولك: جاء زيد خائفا. ولو قلت: جاء زيد الخائف، لكان صفة نعتاً.
هذا من حيث اللفظ، من حيث الإعراب، لكن من حيث المعنى هل جاء زيد الخائف بمعنى جاء زيد خائفا؟ المعنى العام واحد، وهو أن الخوف من صفة زيد الخوف في المثال من صفة من؟ من صفة زيد، إلا أنك في قولك: جاء زيد الخائف، جعلته مثله في التعريف، وجاء زيد خائفا خالف بينهما في التعريف والتنكير.
هذا في المعنى الإجمالي، لكن في المعنى الدقيق يختلف؛ لان الصفة النعت تدل على أن هذه الصفة معروفة في الموصوف، إذا قلت جاء زيد الخائف فمعنى ذلك أن الخوف من صفات زيد المعروفة، لأن الإنسان ما يوصف إلا بصفة معروفة فيه، لا ليس ملا -لا- يش تكون ملازمة قد تكون ملازمة كـ جاء زيد الطويل، وقد تكون غير ملازمة لكنها معروفة فيه من صفاته المعروفة، جاء زيد خائف يعني معروف أنه كثير الخوف.
لو قلبتها حالا فقلت: جاء زيد خائفا. الحال الحال تبين هيئة صاحبها وقت الفعل، تبين هيئة صاحبها يعني زيد وقت الفعل فقط، قبل الفعل لا تبين شيئا، بعد الفعل لا تبين شيئا، جاء زيد خائفا زيد في حالة المجيء في أثناء المجيء كان خائفا، لكن قبل بعد ما تبين شيئا، قد يكون الخوف من صفة من صفاته المعروفة، وقد يكون الخوف ليس من صفاته المعروفة لكن فقط في هذا الوضع كان خائفا.
إذا لا يصح في كل حال أن يقلب صفة والعكس، وإنما لابد من معرفة المعنى، فالكلام السابق هو كلام لفظي نحوي، فتقول مثلا: جاء انسان معروف عنه السمت وعن قلة الضحك، فعن دخل مره عليك وهو يضحك ماذا تقول؟ تقول: دخل فلان ضاحك، أو دخل فلان ضاحكا؟ دخل فلان ضاحكا.
لكن انسان معروف دائما كثير الضحك فدخل عليك ماذا تقول؟ تقول: دخل فلان ضحك، يعني من صفته المعروفة الضحك. فلهذا قال ابن آجروم في تعريف الحال: الحال هو الاسم المنصوب المفسر لمن بهم من
الحال تفسر صاحبها وقت الفعل، نحو: جاء زيد راكباً، وركبت الفرس مسرْجاً، ولقيتُ عبد الله راكباً، وما أشبه ذلك. جاء زيد راكباً، راكباً حال من زيد، وزيد فاعل مرفوع. وركبت الفرس مسرْجاً، مسرْجاً حال من الفرس، من المفعول به. الحال تأتي من الفاعل ومن المفعول به ومن غيرهما. ولقيتُ عبد الله راكباً، راكباً حال من الفاعل: لقيتُ (التاء أنا اللي راكب)، أو عبد الله (الراكب). هذه الحال ملبسة: لقيتُ عبد الله راكباً، يعني قد تكون من الفاعل وقد تكون من المفعول به. الأصل في ذلك أنه إذا دل دليل أو قرينة فالحكم للدليل والقرينة، كأن تقول: لقيتُ هنداً راكباً الحال للتاء، أو لقيتُ هنداً راكبةً الحال للمفعول به. فان لم يكن دليل ولا قرينة: لقيتُ عبد الله راكباً، فالحال للقريب، يعني لمن لك أو لعبد الله؟ للقريب: لقيتُ عبد الله راكباً، لعبد الله. إن لم يكن دليل ولا قرينة يكون الحال للقريب: لقيتُ عبد الله راكباً. لكن لو قلتَ إن أردتَ أنها لي، يقول: ما في دليل أنها لك، كان يجب أن تقدمها، يقول: لقيتُ راكباً عبد الله، ولا يجوز أن تؤخرها عنك إلا إذا كان هناك دليل أو قرينة.
قال ابن آجروم: ولا يكون الحال إلا نكرةً، ولا يكون إلا بعد تمام الكلام، ولا يكون صاحبها إلا معرفةً. قوله: ولا يكون الحال إلا نكرةً، ولا يكون صاحبها إلا معرفةً، عرفنا أن الحال لابد أن تخالف صاحبها، يعني موصوفها؛ فموصوفها تكون معرفةً، وهي تكون نكرةً، فحينئذ تكون حالاً. وقوله: ولا يكون إلا بعد تمام الكلام، يريد أن الحال فضلةٌ، فضلةٌ يعني من مكملات الجملة ليس من العمد. عرفنا العمد: المبتدأ والخبر والفاعل، ما سوى ذلك يسمى فضلاتٍ أو مكملاتٍ.
قال تعالى: ﴿بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [البقرة: 213]، بعث الله النبيين: فعل وفاعل ومفعول به. مبشرين ما يعرب؟ حال، يعني بعثهم الله حالة كونهم مبشرين ومنذرين. لو عرفت مبشرين، لو قلت: بعث الله النبيين المبشرين والمنذرين صار صفةً. ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا﴾ [الملك: 22]، مكباً حال، يعني أفمن يمشي حالة كونه مكباً؟ مكباً حال من ماذا؟ من فاعل يمشي، أفمن يمشي هو حالة كونه مكباً. ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ [إبراهيم: 33]، دائبين يعني دائمي الحركة، وسخر لكم الشمس والقمر حالة كونهما دائبين، ما أعرب دائبين؟ حال، ولو قال الدائبين لكان صفةً. ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ [طه: 86]، فرجع موسى إلى قومه غضبانَ، ما يعرب غضبانَ؟ حال، يعني حالة كونه غضبانَ (لكن ممنوع من الصرف). أسفاً يعني شديد الغضب. غضبانُ حالٌ، أسفاً ما في عاطف، غضبانُ أسفاً حال ثانية، حال ثانية. الحال قد تتكرر ما في إشكال، مثل الخبر: محمد كاتبٌ شاعرٌ، ما في إشكال، خبر أول خبر ثاني.
هذا الحال، ننتقل إلى التمييز. قال باب التمييز: التمييز هو الاسم المنصوب المفسر لمنبهم من الذوات. نحو قولك: تصبّب زيدٌ عرقاً، وتفقّأ بكرٌ شحماً، وطاب محمدٌ نفساً، واشتريت عشرين غلاماً، وملكْتُ تسعين نعجةً، وزيدٌ أكرمُ منك أبَا، وأجملُ منك وجهاً. التمييز سهل، لأن التمييز اسم منصوب على معنى (من). يمكن أن تقدر قبله (من). وظيفته وفائدته أنه يفسر اسماً مبهماً قبله. ما معنى مبهم؟ يعني يحتمل أكثر من معنى. فإذا قلتَ: اشتريتُ عشرين، عرفنا أنك اشتريت عشرين، عشرين ماذا؟ مبهم. فتقول: اشتريتُ عشرين قلماً، يعني عشرين من الأقلام، اشتريت عشرين بقرةً يعني من الأبقار. عندي خمسْةٌ وخمسونَ ثوباً يعني من الأثواب. فهي على معنى (من)، تقول: تصدّقتُ بصاعِ بُرّاً، يعني بصاعٍ من بُرّ، على معنى (من).
لو قلتَ: طاب زيدٌ، نسبتَ الطيبة إلى زيد. طاب زيدٌ طيباً؟ طاب زيدٌ من أي جهة؟ ربما طاب زيدٌ أبَا، طاب زيدٌ علماً، طاب زيدٌ خلقاً، طاب زيدٌ ماذا؟ من أي جهة؟ تقول: طاب زيدٌ خلقاً، يعني طاب زيدٌ من جهة الخلق؛ طاب زيدٌ علماً من جهة العلم؛ طاب زيدٌ نفساً من جهة النفس؛ طاب زيدٌ نسباً من جهة النسب. إذاً هي على معنى (من)، لكن من هذه الجهة. فالتمييز هو اسم منصوب على معنى (من). الأمثله: تصبّب زيدٌ عرقاً، يعني تصبّب زيدٌ من جهة العرق؛ طاب محمدٌ نفساً؛ اشتريتُ عشرين غلاماً؛ ملكتُ تسعين نعجةً؛ زيدٌ أكرمُ منك أبَا، زيدٌ أكرمُ منك، أكرمُ منك من أي جهة؟ أكرمُ منك أبَا، أما علماً خلقاً، أكرمُ منك ماذا؟ قال أبَا، يعني من جهة الأب. وأحسن منك وجهاً، أحسن منك وجهاً، أحسن منك خطأً، أحسن منك علماً، أحسن منك وجهاً، يعني مبهم يحتمل أشياء كثيرة، أحسن منك من جهة الوجه. إذن فالتمييز على معنى (من).
يزعم بعضهم، بعض الطلاب يقول: ما الفرق بين الحال والتمييز؟ فنقول: ما في شبه أصلاً بين الحال والتمييز لكي تقول: ما الفرق بينهما؟ ما في فرق، ما في شبه. الحال على معنى (في)، والتمييز على معنى (من). كيف تقول: ما الفرق بينهما؟ تقول: جاء زيد ضاحكاً، كيف يكون على معنى من؟ جاء زيد ضاحكاً، لا يمكن، جاء زيد في حالة الضحك، حالة كونه ضاحكاً. بخلاف ما لو قلت: عندي خمسة عشر رجلاً، أو زارني خمسة عشر رجلاً، رجلاً على معنى (في)، ما يأتي على معنى (من) يعني من الرجال، فما في أي تشابه بين الحال والتمييز. التشابه قد يكون بين الحال والنعت (الصفة)، وفرقنا قلنا: الحال يخالف الموصوف تعريفا وتنكيراً، الصفة (النعت) توافق الموصوف في التعريف والتنكير.
ومع ذلك نزيد الأمر وضوحاً في التمييز، ونقول: هناك مواضع معينة للتمييز، في مواضع لا يقع فيها إلا التمييز، إذا رايت فيها اسماً منصوباً فاعلم أنه تمييز، لا يكون شيئاً آخر. منها من مواضع التمييز: الاسم المنصوب بعد أفعل، الاسم المنصوب بعد أفعل التفضيل: أحْمَى، أكبر، أصغر، أقوى، أضعف، أجمل، أحسن. إذا أتاكَ أفعلُ وبعده اسمٌ منصوب، هذا الاسم المنصوب تمييز. أنا أكثر منك مالاً، أنا أحسن منك وجهاً، أنا أقوى منك يداً، أنا أحسن منك كتابةً، أنا أجمل منك خطّاً، وهكذا.
من مواضع التمييز: الاسم المنصوب بعد العدد، أي اسم منصوب بعد عدد فهو تمييز. ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً﴾ [يوسف: 4]، ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: 4]، ﴿لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ [ص: 23]، وهكذا. من مواضع التمييز: الاسم المنصوب بعد المقادير، أي كلمة تدل على مقدار، مقدار (وزن، مساحة، حجم)، أي مقدار. مثل: عندي صاعٌ بُرّاً، عندي صاعٌ زبيباً، عندي صاعٌ شعِيراً، عندي مترٌ قماشاً، عندي ذراعٌ قماشاً، كذلك من الأرتال. فهذه من المواضع الخاصة بالتمييز.
قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلاً﴾ [المزمل: 6]، أسمان منصوبان بعد أفعل: أشد وطئاً وأقوم قيلاً. قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ [البقرة: 138]، صبغةً اسم منصوب بعد أحسن، تمييز. قال: وظلم ذوي القربى أشد مضاضةً على المرء من وقع الحسام المهندِ، أين التمييز؟ أشد مضاضةً، أشد أفعل ومضاضةً اسم منصوب بعد أفعل. هذا ما يتعلق بالتمييز انتهينا منه، ننتقل إلى المنصوب التالي وهو المستثنى.
قال ابن آجروم: باب الاستثناء، وحروف الاستثناء ثمانية وهي: إلا، وغير، وسوى، وسِوى، وسواء، وخلا، وعدى، وحاشا. إذا ذكر ثمانية أدوات للاستثناء. قال: حروف الاستثناء، وهذا مما يؤخذ عليه، فإن هذه الأدوات ليست كلها حروفاً؛ فإلا حرف نعم، أما غير وسوى وسِوى وسواء فهذه أسماء، وأما خلا وعدى وحاشا فهذه تكون حروفاً وتكون أفعالاً، فكان الذي ينبغي أن يقول: أدوات الاستثناء، ليشمل الجميع، أما أدوات الاستثناء إلا، فلهذا سيبدأ بالكلام بها.
فلهذا قال: فالمستثنى بإلا ينصب إن كان الكلام تاماً موجباً، نحو: قام القوم إلا زيداً، وخرج الناس إلا عمراً. وإن كان الكلام منفياً تاماًّ جاز فيه البدل والنصب على الاستثناء، نحو: ما قام القوم إلا زيداً وإلا زيدٌ. وإن كان الكلام ناقصاً كان على حسب العوامل، نحو: ما قام إلا زيدٌ، وما ضربت إلا زيداً، وما مررت إلا بزيدٍ.
الاستثناء الاستثناء أسلوب عربي معروف، يتكون من ثلاثة أركان، تقول: جاء الضيوف إلا خالداً. الركن الأول المستثنى منه: الضيوف. الركن الثاني أداة الاستثناء: إلا. الركن الثالث المستثنى: خالداً. إذاً فالاستثناء له كم؟ ثلاثة أركان. إذا جاءت كلها نسمي الاستثناء تاماًّ أم ناقصاً؟ تاماًّ. فإذا نقص المستثنى منه، قلتَ: ما جاء إلا خالدٌ، ذهب المستثنى منه، الأداة موجودة والمستثنى موجود، لكن المستثنى منه سقط، ما جاء إلا خالدٌ، نسمي الاستثناء تامّاً أو ناقصاً؟ هذا استثناء ناقصاً، إذا سقط المستثنى منه.
إذًا فالاستثناء إما تام وإما ناقص. الاستثناء التام ما تمت فيه أركان الاستثناء، إما أن يسبق بنفي: ما جاء الضيوف إلا خالدٌ، وإما أن يسبق بنفي: جاء الضيوف إلا خالداً. إذاً إذا كان تامّاً ومسبوقاً بنفي نسميه تامّاً منفيّاً، وإذا كان تامّاً وغير مسبوق بنفي نسميه تامّاً غير منفي أو تامّاً مثبتاً أو تامّاً موجباً. عرفنا هذه الأقسام، نبدأ بالاستثناء التام الموجب، مثل: جاء الضيوف إلا خالداً، تام كل الأركان موجودة، مثبت لم يسبق بنفي، ما حكم المستثنى فيه؟ وجوب النصب. جاء الضيوف إلا خالداً، جاء فعل، الضيوف فاعل، إلا أداة استثناء مبنية على السكون لا محل لها من الإعراب (إن حرف استثناء)، خالداً مستثنى منصوب وعلامة نصبه الفتحة. نجح الطلاب إلا المهملَ، سافر إخواني إلا زيداً.
النوع الثاني: الاستثناء التام المنفي، ما جاء الضيوف إلا خالدٌ. ما حكم المستثنى فيه؟ يجوز فيه وجهان. الأول: النصب على الاستثناء كالسابق: ما جاء الضيوف إلا خالداً، نقول مستثنى منصوب وعلامة نصبه الفتحة. الوجه الثاني الجائز: أن تجعل المستثنى بدلاً من المستثنى منه، أن تجعل المستثنى بدلاً من المستثنى منه، فيكون تابعاً، فتقول: ما جاء الضيوفُ (فاعل مرفوع) إلا خالدٌ (بدل من الضيوف مرفوع وعلامة رفعه الضمة). أن يكون المستثنى بدلاً من المستثنى منها، فتقول: ما سافر إخواني إلا زيدٌ، ما نجح الطلاب إلا المجتهدُ.
لو قلتَ مثلاً: ما مررت بأحدٍ إلا محمدٍ، ما مررت بأحدٍ، المستثنى منه أحدٌ مجرور، ما مررت بأحدٍ إلا محمدًا، هذا استثناء تام منفي، لك في المستثنى النصب: ما مررت بأحدٍ إلا محمدًا (مستثنى منصوب وعلامة نصبه الفتحة)، ولك البدل، ماذا تقول في البدل؟ ما مررت بأحدٍ إلا محمدٍ (بدل من أحد مجرور وعلامة جره الكسرة).
بقي النوع الثالث من الاستثناء، وهو الاستثناء الناقص، يعني الذي لم يذكر فيه المستثنى منه، كقولك: ما جاء إلا محمدٌ. هذا الاستثناء تعرب فيه المستثنى على ما قبل إلا، تعرب المستثنى على ما قبل إلا، يعني كأن إلا غير موجودة، كأن إلا غير موجودة. فتقول: ما جاء إلا خالدٌ، تعرب مثل إعرابك: جاء خالدٌ، خالدٌ فاعل. تقول: ما أكرمتُ إلا خالداً، أكرمتُ خالداً مفعول به. ما جاء خالدٌ إلا خائفاً، ما إعراب خائفاً؟ حال، كجاء خالد خائفاً. ما جاء خالدٌ إلا حباً لك، مفعول لأجله. ما جاء خالدٌ إلا صباحاً، ظرف زمان.
فالمستثنى إذا كان تاماً مثبتاً، وجب نصب المستثنى: ما جاء الضيوف إلا خالداً. وإن كان تاماً منفياً، جاز فيه الوجهان: النصب على الاستثناء: ما جاء الضيوف إلا خالداً، وأن تجعله بدلاً من المستثنى منه: ما جاء الضيوف إلا خالدٌ. والاستثناء الناقص تعرب ما بعد إلا على حسب ما قبل إلا، وهذا الذي قاله ابن آجروم قبل قليل.
ثم قال: والمستثنى بغير وسوى وسواء مجرور لا غير. بعد أن انتهى من الكلام على إلا، انتقل إلى الكلام على الاستثناء بغير وسوى. الاستثناء بغير كأن تقول: جاء الضيوف غيرَ خالدٍ. وسوى، سوى فيها لغات، يقال سِوى ويقال سَوى ويقال سُواء بمعنى واحد، هذه أمور لغوية ليست نحوية. فتقول: جاء الضيوف سوى خالدٍ. غير وسوى، كما قلنا قبل قليل، أسماء أم حروف؟ أسماء. فلأنها أسماء يقع الإعراب عليها، يقع إعراب الاستثناء عليها هي، ثم تكون بعد ذلك مضافاً وما بعدها مضافاً إليه. فتقول: جاء الضيوف غيرَ زيدٍ. جاء الضيوف: فعل وفاعل. وغير: الاستثناء وقع عليها، غيرَ تنصب، تنصب غيرَ وهو مضاف، وخالدٍ مضاف إليه، والمضاف إليه دائماً مجرور. فلهذا قال: والمستثنى بغير وسوى مجرور لا غير، لأنه حينئذ يكون مضافاً إليه.
لو قلت في الاستثناء التام المنفي: ما جاء الضيوف، ماذا تقول في غيرَ؟ لك فيها الوجهان: أما أن تنصب على الاستثناء: ما جاء الضيوف غيرَ خالدٍ، أو تبدل: ما جاء الضيوف غيرُ خالدٍ. فإذا كان استثناء ناقصاً: ما جاء غيرُ خالدٍ، غيرُ فاعل، ما جاء: جاء فعل، وغيرُ فاعل. إذاً فأحكامها كلها بعد إلا ستنقلها وتجعلها على ماذا؟ على كلمة غيرُ، وهي مضاف وما بعدها مضاف إليه مجرور.
ثم انتقل إلى الاستثناء بخلا وعدى وحاشا، فقال: والمستثنى بخلا وعدى وحاشا يجوز نصبه وجره، نحو: قام القوم خلا زيداً وزيدٍ، وعمراً وعمرٍو، وحاشا بكراً وبكرٍ. هذا هذه الأدوات الثلاث: عدا وخلا وحاشا، جاء في اللغة ما بعدها مجروراً ومنصوباً. فيقال: جاء القوم عدا زيدٍ، وجاء القوم عدا زيداً، وخلا زيدٍ وزيداً، والذي بعدها يأتي مجروراً ويأتي منصوباً. فقال العلماء: إذا كان الذي بعدها مجروراً، جاء القوم عدا زيدٍ، فنقول إنها حرف جر، فما بعدها اسم مجرور بها، فلهذا يذكرونها في حروف الجر عند التفصيل: جاء القوم.
عدا زيد، عدا حرف جر وزيد اسم مجرور. طيب، فإذا نصب الذي بعدها؛ جاء القوم عدا زيدا، قالوا: عدا هنا فعل ماضي، عدا من معنى عدا يعدو جاوز، فعل ماضي فتحتاج إلى فاعل ومفعول به، فعسى زيدا، زيدا مفعول به والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود إلى مفهوم سابق، تقدر مفهوما سابقاً مثل: جاء القوم عدا هؤلاء الذين جاؤوا زيدا، يعني عد مجيئهم زيدا جاوزه، جاوزه ونحو ذلك.
الخلاصة أن عدا وخلى وحاشا إن جررت ما بعدها صارت حروف جر وما بعدها مجرور، وإن نصبت ما بعدها صارت أفعالاً ماضية فما بعدها مفعول به منصوب والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، فلهذا قال ابن آجروم: يجوز في الذي بعدها نصبه على أنه مفعول به وجره على أنه اسم مجرور. هذا ما يتعلق باب الاستثناء، ننتقل إلى باب لا.
قال: باب لا، باب لا يعني في نحو: لا رجل في البيت، لا تفاحة في الشجرة، لا سيارة في المعرض. باب لا، ويسميه النحويون باب لا النافية للجنس، يعني النحو فيه أسرار كثيرة جميلة بس لكن الوقت لا يسمح أن نشرحها، إنسان إذا فهم اللغة بشيء من أسرارها يتلذذ بها.
لا النافية للجنس، لا النافية للجنس هي لا النافية، لا النافية قد تدخل على فعل: محمد لا يهمل واجباته، ما لنا علاقة بها هذه لا مهملة لا عمل لها دخلت على الفعل، لا نريد لا التي دخلت على اسم. طيب، إذا دخلت على اسم لا رجل في البيت، لا شجرة في الحديقة، إذا دخلت على اسم أما أن تريد نفي الجنس، أما أن تريد بها نفي الجنس تقول: لا رجل في الدار، بمعنى أن هذه الدار ليس فيها أحد من جنس الرجال، كيف ما في أحد من جنس الرجال؟ يعني فيها رجل، لا، فيها رجلين، في رجال، في رجل نائم، في رجل مريض، ما في أحد من جنس الرجال، لا رجلاً في الدار.
طيب، وقد يكون المعنى المراد بالنفي النفي العام، لا رجل في الدار نفي عام، لا تريد أن تنص نصاً على نفي الجنس وإنما تريد مطلق النفي، مطلق النفي، مطلق النفي قد تريد به لا رجل في الدار، يعني هذه الدار ما فيها رجل لكن فيها رجال، لا رجل في الدار بل فيها رجال. هذه شجرة تقول واحد مثلاً شجركم ما فيها إلا تفاحة تقول: لا تفاحة في الشجرة، بل فيها تفاح كثير، النفي موجود لكن عندما قلت لا تفاحة في شجرة لم ترد نفي الجنس لأنك أثبت كثيراً من هذا الجنس وإنما أردت نفي الواحد.
طيب، إذا أردت أن تنفي الجنس نصاً كيف تفرق بين المعنيين؟ كيف تفرق بين المعنيين؟ هل تريد نفي الجنس كل الجنس أم تريد نفي الوحدة؟ أووجدوا العرب لك هذا الإعراب، قالوا: إذا أردت نفي الوحدة فاجعل لا على أصلها حرفاً هاملاً ليس له عمل فتقول: لا رجل في الدار، فرجل اسم ولا مهملة، إذاً فرجل مسبوق بعامل أو اسم عاري، اسم عاري ماذا ما إعرابه؟ يكون مبتدأ مرفوعاً، لا رجل اسم مرفوع مبتدأ مرفوع، في الدار خبر.
أما إذا أردت أن تكون نافية للجنس تريد أن تنفي الجنس ما تقول ما في رجل تقول ما في أحد من جنس الرجال، فاعمل عمل إن، يعني تنصب بها الاسم وترفع بها الخبر، تقول: لا رجل في الدار لكن بلا تنوين، تعملها عمل إن بلا تنوين، لا رجل في الدار، لا تفاحة في الشجرة. ما معنى لا تفاحة في الشجرة؟ يعني ليس فيها شيء من هذا الجنس، لا تفاحة ولا تفحتان ولا أكثر من ذلك، لا سيارة في المعرض، يعني هذا المعرض ما فيه شيء من جنس السيارات.
فإذا قلت لا سيارة في المعرض بالرفع، لا سيارة في المعرض، كان نفياً عاماً، يحتمل أنك تريد أن هذا المعرض ما في ولا سيارة، ويحتمل أنك تريد هذا المعرض ما في سيارة واحدة لكن فيه سيارة أو أكثر. إذاً فأعمل لا عمل إن، ما فائدته في اللغة؟ الدلالة على نفي الجنس، الدلالة على نفي الجنس فسموها لا النافية للجنس.
فإذا أردت الدلالة نصاً على نفي الجنس فإنك تعمل لا عمل إن لكن بلا تنوين، فلهذا قال ابن آجروم: باب لا، اعلم أن لا يريد النافية للجنس ليست مطلقة، اعلم أن لا تنصب النكرات بلا تنوين، تنصبها النصب، أتى بمصطلح الإعراب قال: تنصب النكرات بلا تنوين إذا باشرت النكرة الشرط الأول، ولم تتكرر لا الشرط الثاني، نحو: لا رجل في الدار، إذاً فلا في الجنس تعمل عمل إن فتنصب النكرات بشرطين: أن تباشر النكرة ليس بينهما فاصل وألا تتكرر، نحو: لا رجل في الدار.
لا، نافيه للجنس حرف مبني على السكون لا محل له من الإعراب مبني لا محل له من الإعراب مبني على السكون، رجل اسم لا النافية للجنس منصوب وعلامة نصبه الفتحة، في الدار شبه جملة خبر لا النافية للجنس. طيب، قال: فإن لم تباشرها وجب الرفع ووجب تكرار لا، نحو: لا في الدار رجل ولا امرأة، إذا فصلت بين لا واسمها النكره خلاص بطل عملها، بطل عملها صارت حرفاً هاملاً مهملاً لا عمل لها وجب أن تكررها فتقول: لا في الدار رجل ولا امرأة، يعني ما يصح أن تقول لا في الدار رجل، ما يصلح فقط لا في الدايرة رجل، تقول ليس في الدايرة رجل، أما لا إذا استعملتها فتأتي بعدها بالنكرة لا رجل في الدار، فإن أخرت النكرة تكرر لا في الدار رجل ولا امرأة.
فما إعراب رجل حينئذ؟ لا في الدار رجل، لا مهملة، في حرف جر، الدار اسم مجرور بفي، ورجل اسم عاري مبتدأ وفي الدار خبر مقدم. طيب، فإن تكررت، هذا الشرط الثاني، لو انخرم الشرط الثاني فكررت، قال: فإن تكررت لا جاز إعمالها وإلغاؤها، فإن شئت قلت: لا رجل في الدار ولا امرأة، وإن شئت قلت: لا رجل في الدار ولا امرأة. إذا تكررت لا فقلت: لا قلماً ولا مسطرة في المكتبة، تكررت لا فيجوز لك في اللغة أن تجعلها نافية للجنس فتنصب بها بلا تنوين، لا رجل في الدار ولا امرأة، لا قلم عندي ولا مسطرة، لا حول ولا قوة إلا بالله، ويجوز أن تلغيها أن تهملها أن تجعلها حرفاً هاملاً ليس له عمل فيكون الاسم بعدها مبتدأ مرفوعاً فتقول: لا رجل في الدار ولا امرأة، لا قلم عندي ولا مسطرة، لا حول ولا قوة إلا بالله.
الخلاصة أن لا النافية للجنس تعمل عمل إن بلا تنوين فتنصب اسمها وترفع خبرها، نحو: لا رجل في الدار، ونحو: لا مؤمن كذاب، تنفي هذا الأمر نفياً عاماً، ما في مؤمن كذاب، المؤمن لا يكذب، لا مؤمن كذاب، لا نافية للجنس، مؤمن اسمها منصوب وعلامة نصبه الفتحة، كذاب خبرها مرفوع. لا مهملاً ناجح، لا بخيلاً ممدوح، وهكذا.
ثم قال ابن آجروم رحمه الله، انتقل إلى باب النداء فقال: باب المنادى. باب النداء، النداء اسلوب عربي معروف مشهور موجود في كل اللغات. المنادى له صورتان، المنادى له صورتان: الصورة الأولى أن يكون المنادى كلمة واحدة وتريد به معيناً. الصورة الأولى المنادى أن يكون المنادى كلمة واحدة ليست أكثر وتريد بها معيناً، فحينئذ تبني على الضم أو ما ينوب عنه عن الضم أو الواو في جمع المذكر السالم الألف من مثنى، تبني على الضم كنداء محمد، يا محمد، المنادى كلمة محمد، ومحمد معين ولا غير معين؟ معين، إذاً يا محمد، يا إبراهيم، يا نوح، يا مريم، ليس كذلك.
طيب، لو كان الرجل الذي امامي يعبث بقلمه هذا، فقوله: يا رجل أعط القلم، رجل كلمة أو لا كلمة؟ كلمة، طيب، أريد بها معين أم لا أم أي رجل؟ أريد بها معين، إذاً أبني على الضم، يا رجل، لأنها كلمة وأريد بها معيناً يسمونها نكرة مقصودة، ومن المعارف النكرة المقصودة. طالب غير منتبه معك تقول: يا طالب انتبه، تبني على الضم لأنك تريد معيناً يا طالب. هذه الصورة الأولى للمنادى أن يكون المنادى كلمة والمراد بها معيناً.
طيب، الصورة الثانية: ما سوى ذلك، ما سوى ذلك فانه ينصب، ينصب يعني معرب وإعرابه النصب، كأن تنادي عبد الله، عبد الله ليس كلمة إذاً ليس من النوع الأول، تقول: يا عبد الله، يا عبد بالنصب، يا عبد الله، يا حرف نداء لا محل المعرب مبني على السكون، منادى منصوب وعلامة نصبه الفتحة وهو مضاف ومضاف إليه.
حارس المدرسة، ناده يا حارس أو يا حارس، يا حارس المدرسة. إمام المسجد، يا إمام المسجد. أستاذ المادة، يا أستاذ المادة. وهكذا.
أردت أن تنصح نصيحة عامة للغافلين خطيب فيقول: يا غافلاً اذكر الله، أو يا غافل اذكر الله. يا غافلاً كلمة لكن لا يريد بها معيناً إذاً يقول: يا غافلاً اذكر الله. الحاج الخطيب في يوم عرفة يوجه الحجاج يقول: يا حاج ولا يا حاجا؟ يا حاجا أحفظ حجك. أنت حاج فرأيت حاجاً ظمآن فأردت أن تدعوه لشرب الماء فقلت له: يا حاجا تفضل اشرب الماء، فدخل إلى خيمتك كل من في منى لأنك دعوتهم قلت: يا حاجا دعوت كل الحجاج لأن حاجا نكرة غير مقصودة فعمت، لو أردت معيناً فقط هذا الظمآن ماذا تقول له؟ يا حاج. انظر إلى الدقة، انظر إلى الدقة، الأستاذ كيف يوجه كلمة لطلابه بالاجتهاد؟ يقول لهم: يا طالباً اجتهد. الكلمه للجميع فإن كانت لطالب معين يقول: يا طالب اجتهد. وهكذا.
هذا المنادى من حيث الشرح إجمالي الشرح التفصيلي لن يخرج عن ذلك، وفيه يقول ابن آجروم: باب المنادى، المنادى خمسة أنواع: المفرد العلم، مفرد يعني كلمة، العلم يعني من الأعلام مثل محمد وإبراهيم، والنكرة المقصودة، نكرة يعني في الأصل نكرة ولكن تريد بها معين مثل يا رجل يا طالب، والنكرة غير المقصودة، كلمة لكن لا تريد معيناً مثل يا غافلاً يا طالباً، والمضاف، اسمان بينهما إضافة مثل عبد الله حارس المدرسة، والشبيه بالمضاف، يعني أكثر من كلمة بينهما علاقة غير الإضافة، كلمتان أو أكثر متلازمتان مترابطتان لكن بغير الإضافة كقولك مثلاً: يا رحيماً بالعباد، رحيماً بالعباد، تنادي رحيماً أم تنادي رحيماً بالعباد؟ تنادي رحيماً بالعباد، طيب ما الصلة بين رحيماً بالعباد؟ هما بينهما صلة لكن غير الإضافة نسميها شبيه بالإضافة، لو قلنا مثلاً: يا جميلاً خطه، لا تنادي جميلاً تنادي جميلاً خطه، طيب جميلاً خطه بينهما علاقة جميلاً خطه لك غير الإضافة، يا حافظاً القرآن، يا حافظاً القرآن راجع حفظك، أنت لا تكلم حافظاً، تكلم حافظاً القرآن، لكن حافظاً القرآن العلاقة بينهم ليست إضافة، إذاً فالشبيه بالمضاف ما كان أكثر من كلمة بينهما علاقة غير علاقة الإضافة. هذه أقسام المنادى.
فحمكم قال: فأما المفرد العلم والنكرة المقصودة فيبني على الضم من غير تنوين، نحو: يا زيد يا رجل. وكما رأيتم المفرد العلم والنكرة المقصودة يدخلان في القسم الأول الذي ذكرناه أن يكون المنادى كلمة وتريد بها معيناً، والثلاثة الباقية منصوبة، منصوبة لا غير.
تمام. طيب، بعد ذلك انبئوني عن نداء الطلاب، لو أردت أن تنادي الطلاب لكن بلفظ الجمع هل تقول يا طلاب اجتهدوا أو يا طلاباً اجتهدوا؟ الطلاب مثلاً في القاعة عندك من 30 40 50 طالب تقول لهم يا طلاب أم يا طلاباً؟ أعيد السؤال: أنت الآن تريد أن توصي الطلاب الذين أمامك طلابك 30 50 طالب في القاعة فتقول يا طلابا أم يا طلاب؟ طلاب نكرة كلمة أو أكثر؟ كلمة. طلاب تريد بها معينين أم تريد بها كل طلاب؟ معينين، إذاً يا طلاب أو يا طلاباً؟ يا طلاب، لكن تريد بها مجموعة معينة، ففي يا محمد تريد بها شخصاً معيناً لكن طلاب تريد بها مجموعة معينة، لو قلت لا طلاباً فمعنى ذلك أنك ناديت طلابك وغيرهم وأنت الآن تريد طلاب تقول: يا طلاب، يا جبال أوبي معه. وهكذا.
نادي المسلمين، يا مسلمون أو يا مسلمين؟ كيف نادي المسلمين أمرهم بالاتحاد؟ تقول: يا مسلمون اتحدوا، تنادي مجموعة معينة من الناس، يا مسلمون اجتهدوا، لأنها مسلمون كلمة وهي مجموعة معينة يا مسلمون اتحدوا، وهكذا. هذا ما يتعلق بالنداء، وبذلك نكون قد انتهينا من الأسماء المنصوبة لم يبق منها إلا ما ذكره ابن آجروم في قوله: وأما خبر كان واخواتها واسم إن واخواتها فقد تقدم ذكرهما في المرفوعات، وكذلك التوابع تقدم ذكرها هناك، وبذلك نكون الحمد لله قد انتهينا من الأسماء المنصوبة لم يبق لنا إلا الأسماء المخفوضة.
طيب، نسمح عذراً بأن نكمل قليلاً لكي ننتهي من الأسماء المخفوضات. طيب قال: باب المخفوضات من الأسماء، المخفوضات ثلاثة أنواع: مخفوض بالحرف ومخفوض بالاضافة وتابع للمخفوض. المرفوعات من الأسماء كم؟ سبعة، المنصوبات كما قال ابن آجروم 15، والمخفوضات المجرورات يقولون ثلاثة. واضح أن المخفوضات هي الأقل، المرفوعات للعمد، المنصوبات كما راينا للمكملات الفضلات، المجرورات يقولون للروابط التي تربط الكلام بعضه ببعض، يا تربطه بحرف جر جلست في البيت، أو تربطه بإضافة هذا قلم زيد ونحو ذلك.
المخفوضات ثلاثة أنواع: مخفوض بالحرف، يعني حروف الجر، وقد ذكرها ابن آجروم في أول الآجرومية وسردها والآن سيعيدها مرة أخرى فيقول: فأما المخفوض بالحرف فهما يخفض بمن وإلى وعن وعلى وفي ورب والباء والكاف واللام وبحروف القسم وهي: الواو والباء والتاء، وبواو رب. وهي نعم من حروف.
الجر المجرور بحرف الجر واضح. حروف الجر حروف سماعية، ذكر ابن آجروم: أي اسم ظاهر أو مضمر يقع بعدها فحكمه الجر، سلمت على زيد أو سلمت عليك. الفرق بين المعرب والمبني سبق؛ سلمت على زيدٍ: اسم مجرور، سلمت عليك: ما نقول مجرور، نقول في محل جر، وهذا سبق شرحه.
النوع الثالث من المجرورات قال: تابع المخفوض، وهذا سبق شرحه في التوابع: النعت والعطف والتوكيد والبدل. يبقى لنا من المخفوضات: المخفوض بالإضافة. ماذا يقول فيه ابن آجروم؟ يقول: وأما ما يخفض بالإضافة فنحو قولك غلام زيدٍ. خلاص، هذه الإضافة! ما عرفها، واضح أنه ما عرفها، يقول: الإضافة نحو قولك غلام زيدٍ، نعم ذكر مثالاً فقط.
الإضافة يا إخوان الإضافة من أسهل الأشياء أو من أصعب الأشياء؛ لأنها أمر معنوي، إما أن تفهمه أو لا تفهمه، ما في أنصف حلول، فَنُريد أن نشرحها بصورة سهلة وواضحة لكي تتبينوا ما معنى الإضافة. ولهذا بعض الطلاب لأنه لا يفهم الإضافة عنده قاعدة خاصة به ليست صحيحة، لكن يقولها؛ يقول: الكلمة التي لا أعرف إعرابها مضاف إليه، لانه لا يفهم الإضافة.
الإضافة يا إخوان أولاً نقول: الإضافة لا تقع إلا بين اسمين، إذاً خاصة بالاسماء، لا تكون في الأفعال ولا الحروف، لا تقع بين فعلين، لا تقع بين حرفين، لا تقع بين اسم وفعل، لا تقع بين اسم وحرف، لا تقع إلا بين اسمين، عرفنا ذلك. طيب، الأسماء الأصل في الأسماء أن كل اسم يدل على معنى، كل اسم له معنى، إذا قلت قلم، القلم أداة الكتابة، قلم لها معنى، طيب وإذا قلت الأستاذ، نفس المعنى السابق؟ لا، الأستاذ هذا الذي يشرح، قلم له معنى: هذا قلم، الأستاذ، هذا الأستاذ، فإذا قلت لكم قلم الأستاذ محمد؛ لأن في الواقع على شيء واحد بالضافة هذه الإضافة.
الإضافة أنت تجعل الاسمين يدلان على شيء واحد بخلاف طبيعة الأسماء؛ الأصل في الاسم كل اسم يدل على معناه، لكن كيف تجعل اسماً يدل على شيء واحد؟ بالإضافة. المدرسة التي يدرس فيها الطلاب، والحارس هذا أبو سعيد أو أبو محمد أو هذا، فإذا قلت حارس المدرسة صار شيئاً واحداً بالإضافة. المسجد الذي يصلى فيه، والباب الذي يدخل منه: باب المسجد، تريد فقط شيئاً واحداً وهو ذلك الباب الذي يدخل منه، فهذه هي الإضافة.
فإذا عرفنا معنى الإضافة إجمالاً، هناك بعض الضوابط التي ربما تساعدك في ضبط الإضافة أيضاً. من هذه الضوابط التي تضبط لك الإضافة: أن هناك أسماء ملازمة للإضافة أو شبه ملازمة للإضافة، هناك أسماء لا تأتي في اللغة، لا تستعمل في اللغة إلا مضافاً، فالذي بعدها مضاف إليه، أو شبه ملازمة لذلك، مثل كثير من الظروف غير المتصرفة مثل: قبل وبعد وعند ولدى وما أشبه ذلك. تقول: جئت قبل زيدٍ، بعد زيدٍ، جلست عند زيدٍ، جلست عنده، جلست عندكم. قبل: ظرف وهو مضاف، وزيد مضاف إليه، كلما جاءت قبل أو بعد أو عند أو لد أو لد فهي مضاف، بعدها مضاف إليه.
وكذلك ما يدل على الجهات الست النسبية وليست الجغرافية، وهي: أمام وخلف وفوق وتحت ويمين ويسار. تقول: جلست أمام زيدٍ، أمامه، خلف زيدٍ، خلفه، فوق شجرةٍ، تحت البيت، يمين زيدٍ، خلف زيدٍ، هذه الكلمات يغلب عليها ألا تستعمل إلا مضافاً فما بعدها مضافاً إليه.
أيضاً من الضوابط التي تضبط لنا باب الإضافة ما ذكرناه من قبل عدة مرات، ويتعلق بالضمير: ما الضمير الملازم لأن يكون مضافاً إليه؟ هو الضمير المتصل باسم، كل ضمير اتصل باسم فهو مضاف إليه؛ كتابي، كتابك، كتابه، كتابها، كتابهم، كتابكم، مضاف إليه.
من الضوابط التي تضبط الإضافة أيضاً ما ذكره ابن آجروم فقال: وهو على قسمين: ما يقدر باللام، وما يقدر بمن. فالذي يقدر باللام نحو غلام زيد، والذي يقدر بمن نحو ثوب خَزٍّ وباب سَاجٍ وخاتم حديدٍ. يريد أن يقول: الإضافة تأتي على نوعين -وبعضهم أضاف نوعاً ثالثاً- كل اسمين الإضافة لا تقع إلا بين اسمين، فكل اسمين تقدر بينهما لاماً أو من نضيف، أو في.
تقدر بينهما لاماً، وهذا هو الأغلب في الإضافة؛ قلم الأستاذ، يعني قلم للأستاذ، سيارة الوزير، سيارة للوزير، باب المسجد، باب للمسجد، حارس المدرسة، حارس للمدرسه، هذا الأكثر في الإضافة: أن تكون على معنى اللام.
أو اسمان يقدر بينهما مِنْ، مثل: ثوب خَزٍّ، ثوب من خزٍّ، باب سَاجٍ، باب من ساج، نافذة خشبٍ، نافذة من خشب، أو عمامة قطنٍ، من قطن.
أو اسمان يقدر بينهما في، مثل: سهر الليل، أي سهر في الليل، نوم النهار، نوم في النهار، بل مكر الليل، أي مكر في الليل.
فهذه ضوابط يعني تضبط لك كثيراً من باب الإضافة. بهذا نكون بحمد الله وتوفيقه قد انتهينا من هذا المتن المبارك متن الآجرومية الذي اردنا أن نشرحه بحمد الله وتوفيقه، نسأل الله جل جلاله أن يجعله شرحاً واضحاً مفيداً نافعاً مفهوماً وأن يبارك لنا فيه في الدنيا والآخرة.
أحب أن أنبه في النهاية يا إخوان إلى أمر أو أكثر. الأمر الأول: من أراد أن يتواصل معي بسؤال أو نحو ذلك فلي حساب على تويتر باسم المفتي اللغوي، المفتي اللغوي، حساب على تويتر أديره بنفسي، من كان عنده سؤال أو نحو ذلك فيمكن أن يتوجه إلى هذا الموقع.
أمر آخر يا إخوان، لا يخفى عليكم جميعاً أهمية طلب العلم، خاصة في هذا الوقت، وتعلَمون أن العلم الحقيقي لا يؤخذ إلا بالتّشَرُّب، أن تتشربه شيئاً فشيئاً، أما درسنا هذا فوجبة سريعة في يومين، صبرنا أنفسنا حتى انتهى، وفيه خير كثير إن شاء الله، ولكني لا أظن أنكم فهمتم منه كثيراً، وهذا أمر طبيعي، وليس المراد منه أن تفهموا النحو، ولا يمكن أن تفهموا النحو في يومين، لو كنتم تفهمون النحو في يومين لكنتم من العباقرة المحدودين، لكنها بداية جيدة أن حضرت الشرح، وربما تقول: فهمت بعض الأشياء.
ولكي تستفيد من هذا الشرح الذي استمعت إليه الآن كاملاً، أرى لك أن تأخذ نسخة من هذا الشرح -والإخوة في الجامع إن شاء الله يزودونكم بذلك بنسخه أو في النت سينزلون- فخذ نسخة منه واستمع اليه مرة ثانية إذا اردت أن تستفيد استفادة كاملة، ليس فقط استفادة سريعة، استمع إليه بالطريقة التي كنت قلتها في أول الشرح: استمع إليه مرة ثانية في يومين أو ثلاثة أيام في السيارة وأنت ذاهب وءاتٍ، ومرة ثالثة ورابعة وخامسة وسادسة وساَبِعَة، كل بحسب قدرته في يعني التشرب المعلومات حتى ترى بالفعل أنك قد استوفيت كل ما في هذا الشرح.
أنا أعلم أنني سريع في الكلام، وليست هذه طبيعتي في الكلام، ولكن لضيق الوقت، وأعلم أنكم لا يمكن أن تفهموا كل ما أقول لسرعة الكلام وضيق الوقت، لكن مع تكرار لما سمعتموه بإذن الله ستستفيدون أكثر وأكثر.
وأيضاً أحثكم يا إخواني على حضور الدروس الأخرى التي تقام في هذا الجامع، ففيها خير عظيم، الدروس التي ذكرها الشيخ إمام المسجد فاحرصوا على حضورها؛ فإن العلم يا إخوان لا يؤخذ إلا بالتّشَرُّب، لا تقولوا يعني أسبوع بعد أسبوع، فإن الذهن يرتاح ثم يأتي قوياً نشيطاً فيستفيد بإذن الله تعالى.
في آخر هذا الدرس أنا سأوزع الإجازات للإخوة الذين حفظوا الآجرومية وأعطيتهم إجازة مسندة بذلك إلى المؤلف رحمه الله تعالى، والإخوة سياتون أيضاً بشهادات الحضور.
أ.د. سليمان العيوني