تسجيل الدخول

الدرس 1

حسين عبد الرازقالشيخ حسين عبد الرازق
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ.

وبعد، فإن أصدق الحديث كلام الله، وأحسن الهدي هدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة. وبعد، ففي يوم الجمعة الموافق الخامس عشر من شهر ربيع الأول من عام أربعين وأربعمائة والف من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم، نبدأ مستعينين بالله تبارك وتعالى الدورات الخاصة باستقراء تراث الأئمة المحققين في علوم الشريعة.

وهذه هي المحاضرة الأولى والتي هي بمثابة كشاف ودليل للطالب، يعرف من خلالها الجواب على هذه الأسئلة الرئيسة: ما عنوان هذه الدورات؟ ولماذا هذه الدورات؟ ما أهدافها وما برنامجها وما مراحلها؟ وماذا يرجى منها أن تضيف للمشارك فيها من أخلاق ومهارات ومعارف؟ وما هي طرائق المدارسة فيها؟ وما صفة الطالب المستهدف من هذه الدورات؟

آآ كذلك آآ اه لماذا هذا النوع آآ من الدورات، ولماذا آآ من هو يعني الطالب الذي يعني نستهدفه من هذه الدورات؟ ولماذا اخترنا آآ تراث الأئمة المحققين؟ وما قيمته في تكوين طالب العلم؟ وكيف يقيم الطالب نفسه ليععرف قدر الإفادة آآ من هذه الدراسة؟

كذلك من هم الأئمة المحققون؟ وما تراثهم آآ وما قيمته في تكوين طالب العلم؟ وكيف نبدأ في استقراء تراثهم؟ وما هي طرائق الانتفاع آآ من تراثهم؟ ولماذا كانت البداية مع الإامم ابن تيمية رحمه الله؟ ثم لماذا أيضا كانت البداية مع تراثه في أبواب تزكية النفس والاستقامة وإخلاص العبادة ونحو ذلك؟

ولماذا جعلنا في الخطة أن نقرأ كل تراثه في هذه الأبواب على نسق واحد؟ يعني لماذا لا نأخذ مثلا كتابا في هذا الباب، ثم نأخذ كتابا في باب الإيمان، ثم نأخذ كتابا في باب الأسماء والصفات، ثم كتابا في القدر، ثم كتابا في النبوات؟ يعني لماذا اخترنا أن ندرس التراث كاملا في أبواب العبادة وتزكية النفس؟

أيضا من الأسئلة المهمة: ما هي الكتب المختارة في المرحلة الأولى؟ وأوقات المحاضرات وزمنها؟ وكيف تدار المحاضرة؟ وما هو تكليف الطالب المشارك في هذه الدورات قبل وأثناء وبعد المحاضرة؟ هكذا أيها الطلاب الكرام، يحتاج الإنسان قبل أن يقدم على أمر سيأخذ منه جهدا ووقتا وتركيزا آآ يحتاج أن يكون بصيرا به وبتفاصيله وبقيمته وماذا سيضيف إليه من معارف وأخلاق اه معلومات؛ فذلك أدعى أن يحرص عليه وأن يصبر في سبيله وأن يعطيه من وقته وجهده، بل يجعله قيمة مركزية في يومه.

فأقول وبالله التوفيق: أولا عنوان هذه الدورات وموضوعها: استقراء تراث الأئمة المحققين في مختلف علوم الشريعة وسبل الانتفاع منه في تكوين طالب العلم خلقيا ومهاريا ومعرفيا. يعني هذه الدورات يا شباب آآ تعنى باستقراء تراث الأئمة المحققين في أبواب الشريعة المختلفة، في الإيمان وفي العقيدة وفي أصول الفقه وفي آآ اللغة، لكننا بلا شك سننتقي من هؤلاء الأئمة آآ يعني أئمة آآ محققين، وآآ ننتقي لهم كتبا محققة في أبوابها، تكون كتبا مركزية أو تكون مرجعا لهذا الباب الذي جاءت فيه.

ثانيا لماذا هذه الدورات؟ أو لماذا هذا النوع من الدورات؟ آآ هي دورات أرجو أن تكون نوعية، تضيف إلى طالب العلم قيما خلقية ومهارية آآ ومعرفية، آآ أرجو منها أن آآ يتعرف الطالب على آآ تراث الأئمة المحققين، وأن يتعرف على صفة الأئمة المحققين، وأن يتعرف على أهم الكتب في كل علم من العلوم، وآآ كذلك أن يعرف من هم الأئمة الذين يحرص على جمع تراثهم وكيف ينتفع من تراثهم، وأن يتعلم منهج الأئمة في الأخلاق والنظر والاستدلال والنقد والمناظرة وغير ذلك.

وأرجو أن يبث فيها قيم أخلاقية ومعرفية ومهارية يحتاجها الطالب، لماذا يا شباب؟ حتى يعطي طلب العلم ثمرته المرجوة، حتى يكون طلب العلم قربة إلى الله تعالى وعملا صالحا، ليس وسيلة لدنيا شهرة أو مال أو منزلة، حتى يكون طلب العلم قيمة مركزية في حياة الطالب ومشروع عمر ليس أمرا ثانويا يعطى فضول الأوقات، كذلك حتى يكون العلم وسيلة لإصلاح النفس وإصلاح المسلمين وليس مجرد جمع معلومات ومعارف.

حتى يكون طلب العلم منهجيا وليس عشوائيا، حتى يكون الطالب حتى يكون طالب العلم القوي الأمين في مجاله إذا أسند إليه مهمة أو بحث أو مناظرة أن يكون قويا أمينا فيها، كذلك ليتحول الدرس العلمي من عبء وملل إلى قرة عين ومتعة، كذلك نرجو أن يتحول الدرس العلمي من مجرد تحفيظ وتلقين إلى مدارسة وفهم ومشاركة وتفاعل، ويتحول الطالب من مجرد لمستمع مستهلك إلى مشارك فعال منتج ومبدع.

كذلك ليتحول التقييم في قياس آآ مدى يعني آآ استيعاب الطالب آآ بدلا من أن يكون قياس مجرد تذكر الطالب للمعلومة، يتحول هذا التقييم ليكون قياسا لخلقه وذكائه وقدرته على الفهم والتحليل والتطبيق والحفظ والبحث والاستدلال والتقرير والإلقاء والعرض والنقد والمحاورة والنقاش والكتابة والإبداع.

هذه مهارات كثير من الطلاب يغفل عنها في تحصيله العلمي، فيرى نفسه بعد زمن طويل من الطلب يفتقد هذه المهارات، وإنما غاية ما وصل إليه هو مجرد آآ تحفيظ آآ وتلقين، يعني يعتمد فقط على مدى تذكر الطالب. كذلك نرجو أن تكون هذه الدورات سببا ليؤدي طالب العلم دورا فعالا في الإصلاح؛ فأرجو أن تتحقل تتحقق له هذه الثلاثية التي كثيرا ما أتحدث عنها في آآ محاضرات أو في منشورات، وهي القلب السليم والعقل الذكي والمعرفة الصحيحة.

فالإنسان بمعرفة صحيحة وإن كانت قليلة، مع قلب سليم وعقل ذكي، ينفعه الله تبارك وتعالى بعلمه وينفع به الناس. أما عن الحاجة لمثل هذه الدورات النوعية فاقول أيها الطلاب الكرام: لماذا يحتاج طلاب العلم في هذه الأيام إلى مثل هذه الدورات النوعية التي تتحدث عن أخلاق طالب العلم وعن مهارات طالب العلم وعن الانتفاع بتراث الأئمة المحققين؟

أقول أيها الطلاب الكرام، لا يستطيع المرء إنكار حب كثير من المسلمين للعلم وشعورهم بقيمته وفضله وأهميته، ورغبتهم الشديدة الشديدة في أن يكونوا من طلاب علم الشريعة ومن المشاركين في الدعوة والإصلاح، وشعورهم بالمسئولية، بل وشروع كثير منهم بالفعل في سلوك ذلك الطريق وتلمس الخطط وتلمس الخطط والبرامج والمناهج والتواصل مع من يثقون به من أهل العلم ليرسوا ليرسم لهم طريقا لتحصيل العلوم.

وبالفعل منذ زمن طويل وقد بدأ آآ كثير منهم في الدراسة، واقتنوا الكتب بأفضل النسخ النسخ واقتطعوا من مالهم ووقتهم للتحصيل، وانت ترى الآلاف بل مئات الآلاف من الطلاب يملئون الجامعات والمعاهد الشرعية، فضلا عمن يدرس على المشايخ في المساجد، ومن يمارسون التعلم الذاتي بأنفسهم قراءة ومطالعة وسماعا ومدارسة جماعية، يعني من الشباب الذين لم يتوفر لديهم مشايخ ونحو ذلك من سبل التحصيل وترك ذلك غرفا ومجموعات على فيسبوك وواتساب وتليجرام وغيرها من وسائل التواصل.

يقصدون من تواصلهم طلب العلم الشرعي، وترى جامعات ومعاهد وحلقات في كل بلدان العالم موضوعها تحصيل العلوم، وكذلك مواقع على الإنترنت في كل علوم الشريعة وأبوابها ومسائلها ودقائقها مليئة بالمواد المسموعة والمرئية والمقروءة. هذه الأدوات وهذه الإمكانيات آآ قد آآ يعني آآ ساهم فيها وشارك فيها داعمون أهل خير بذلوا من أموالهم ورصدوها لإعانة المعاهد والجامعات والحلقات وكفالة طلاب العلم ابتغاء إعداد طلاب علم ودعاة يبثون العلم بين الناس ويبصرونهم بدينهم ويفتونهم فيما يحتاجونه من أمر دينهم وما ينزل بهم من نوازل دينية وغير ذلك من المقومات التي هي جديرة باخراج اعداد كبيرة من النابغين في مختلف مجالات التعليم والدعوة والإصلاح وفي مختلف التخصصات، بحيث لا يبقى باب مما يحتاجه المسلمون إلا وجدوا فيه الكفاءات الكثيرة التي تسد الحاجة وتزيد.

هذا هو المفروض، يعني كل هذه الإمكانيات وكل هذه الأدوات المتوفرة وهؤلاء الداعمون وهذه المشروعات وهذه الجامعات وهؤلاء الطلاب هذه الإمكانيات كان ينبغي أن يكون مخرجها كبيرا من طلاب العلم النابغين في كل المجالات. لكن الواقع غير ذلك؛ فإن الذي يلفت النظر وينبغي أن يلفته أنه مع كثرة مقومات النجاح وقوتها وتنوعها لإخراج الكفاءات في المجال التعليمي والدعوي، فإن الواقع يشهد بخلاف ذلك.

الواقع يشهد بقلة بل بندرة الكفاءات في المجال العلمي في مختلف تخصصاته، سواء في ذلك علوم المقاصد كالتفسير وشرح السنة والعقيدة والفقه، أو في العلوم التي تسمى بعلوم الآلة كأصول التفسير وأصول الفقه وعلوم اللغة وعلم مصطلح الحديث وعلم المنطق، وأولى من ذلك في العلوم الإنسانية التي تتقاطع كثيرا مع أبواب العلم الشرعي كالفكر والفلسفة وتاريخ العلوم والأفكار والسياسة والاقتصاد والاجتماع وغيره.

وأما في المجال الدعوي بمختلف صوره فانت ترى قصورا كبيرا جدا في دروس الوعظ وخطب الجمعة ودروس المساجد وتوعية الناس فقه المواسم كالصيام والحج والعيدين وعرفة وعاشوراء ونحوها، وترك ذلك تقصيرا كبيرا في تقصير الناس عند الفتن وتثبيتهم، وغير ذلك من المهام التي يقوم بها الداعي وطالب العلم.

آآ ندرة الكفاءات في كل هذه المجالات بالنسبة للمال والجهد المبذول فيها، وبالنسبة لحاجة الناس، أمر واضح لا أحسب أحدا يخالف فيه إلا من لا يعي معنى الكفاءة والتخصص حق الوعي، أو من يغتر بالصور وبالألقاب وبالشهادات، دوما يغتر بكثرة الجامعات والمعاهد وطلاب العلم فيظن أن هذا العدد وهذه الكثرة وهذه الشهادات تدل على آآ أن الواقع العلمي بخير وأننا عندنا متخصصون كثيرون.

ايها الإخوة الكرام، نحن أمام ظاهرة ينبغي أن نقف عندها وأن نتصورها وأن نحللها وأن نبحث عن أسبابها، وأن نحاول في لماذا مع كل هذه الإمكانيات يقل طلبة العلم النابغون؟ لماذا لماذا أنت مثلا إذا نظرت مع نفسك إذا آآ يعني نظرت إلى المتخصصين حولك في أبواب الفقه أو علوم الحديث أو العقيدة أو المنطق أو آآ أو العلوم الإنسانية أو غير ذلك من العلوم، أنت إذا أردت أن تستفتي أحدا انظر إلى قدر الصعوبة التي آآ بها إلى رجل تثق في علمه ودينه وورعه.

نحن أمام مشكلة ينبغي أن نبحث عن أسبابها، من الخطأ هنا يا شباب وعند عند حل أي مشكلة أن نرجع سبب الإخفاق أو القصور إلى عامل واحد، بعض الناس مثلا إذا جاء آآ في مشكلة معينة واجهته مشكلة في أي باب من أبواب الحياة فانه يرجع ذلك إلى آآ سبب واحد، اه والصحيح أن منظومة طلب العلم أو منظومة تكوين الطالب آآ يعني تتحمل آآ جميعا آآ طرفا من هذه المشكلة.

وهذا ظهر لي بعد ممارسة طويلة واختلاط بمئات الطلاب مدارسة وتدريسا وزمالة وصداقة، سواء منهم من يتعلمون في جامعات أو معاهد أو مع المشايخ أو يمارسون التعلم الذاتي أو الاطلاع، وكذلك مع عملي آآ أو بعملي مع كثير من المعلمين وفي كثير من المعاهد وتعاملي مع كثير من الداعمين لهذه المشاريع في بلدان مختلفة.

تقول إن هذا الإخفاق وهذه النتائج القاصرة وهذه النتائج القاصرة يشترك فيها جميع أفراد المنظومة، كل منهم له نصيب، وهم جميعا جزء من هذه المشكلة آآ الطالب والمعلم ومنهج التدريس وبرنامج الدراسة والإدارة والداعم ومنهج التقييم ومعيار النجاح وغير ذلك من مفردات المنظومة. لا يبرئ الإنسان نفسه من التقصير بلا شك، والإنسان لا يزال بخير ما جعل الحق والخير مقصوده واجتهد في طلبه.

يعني يمكن للإنسان أن يجرب ويخطئ آآ ما دام يريد الحق وما وما دام يطمح إلى آآ الأفضل وما دام يطور نفسه وما دام آآ في الطلب ولا يستنكف من النصح والتصحيح آآ ما دام يحب الناصحين فإنه بخير. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: إني والله إن شاء الله لا أحلف على يمين ثم أرى غيرها خيرا منها إلا كفرفت عن يميني وأتيت الذي هو خير، والله سبحانه وتعالى لا يضيع أجر المحسنين، وهو في عون العبد ما خطا في طريق التصحيح خطوات.

قال الله تعالى: وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ. ذكرت لكم أيها الكرام أن منظومة التعليم آآ في البلدان المختلفة، سواء في العالم العربي الإسلامي أو حتى من طلاب العلم المقيمين في أوروبا أو أمريكا أو في أي بلد، هذه المنظومة آآ مكونة من الطالب ومن الشيخ المعلم أو الدكتور المحاضر، اه مكونة من إدارة الجامعة أو المعهد أو إدارة المركز مركز اعداد الدعاة، مكونة كذلك من آآ من المنهج والبرنامج ومعيار التقييم، كيف ما هو معيار نجاح الطالب وما هو آآ معيار عدم نجاحه؟

كل هذه المنظومة هي منظومة التعليم، لكنني هنا بالتحديد سأركز على أهم عنصر في العملية التعليمية، وهو الطالب، أحاول أن أذكر هنا آآ أسباب القصور والتقصير عند طلاب العلم التي تحول بينهم وبين النبوغ العلمي، يعني لماذا مع بذل الطالب ومع اجتهاده ومع الخطط الدراسية المبذولة ومع الكتب المتوفرة ومع المواد المقروءة والمسموعة ومع المكتبات الكبيرة ومع توفر المشايخ لماذا يقل طلبة العلم النابغون؟

أنا هنا آآ حينما آآ أتكلم عن النبوغ لا أعني بالنبوغ مجرد قدر ما قرأ من الكتب أو حفظ من المتون أو جمع من المعلومات، إنما هنا أتحدث عن منظومة متكاملة هي محصلة الطلب طلب العلم حقا، وهي معيار التقييم وميزانه الدقيق من ترقي الطالب وظهور أثر ذلك في تزكية نفسه وسلامة قلبه واجتهاده في العبادات فرائضها ونوافلها. وكم من معلومات التي حصلها وكم المهارات التي يحسنها من حسن قراءة ونظر واستدلال ومنطق وعرض وتقرير ومناقشة ونقد وكتابة وتدقيق وإبداع علمي وإضافة، هذه منظومة، ومن ذلك أثر الانتفاع بعلمه من شرحه وتعليمه ودعوته وإصلاحه وغير ذلك من مقاصد العلم، هذه هي مخرجات طلب العلم.

هذه هي آثار العلم؛ العلم الذي يعلم به صاحبه الحق فيؤمن به فيخبت له قلبه، العلم الذي يخر صاحبه لله تعالى ساجداً يبكي ويزيده خشوعاً، العلم الذي يبصر به صاحبه الفتنة وهي مقبلة فيعلم ويعلم الناس أن ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحاً.

وإذا رقّ علماء السوء دنياهم بدينهم، فهو ثابت مستمسك لا يجعل نفسه وعلمه سلعة تشترى، هذا هو العلم، العلم الذي يغني صاحبه عما في أيدي الناس فلا يمد عينيه إلى ما متعوا به، ويعلم أن رزق ربه خير وأبقى.

العلم الذي يجعله يحب الخير لإخوانه، تشجعهم ويفرح بتميزهم ويشهد لهم ويتعلم منهم ويعلمهم ويطلب نصحهم ويقبل ويقدمهم، ويعلم أن إخوانه سنده، كما قال موسى عن أخيه: هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا، وكالذين يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا.

يا إخوانهم، العلم الذي يزيد أو يزداد به العبد رحمة بالخلق، كذلك هو العلم الذي يصير صاحبه من خير أمة يدعو إلى الله تعالى وإلى دينه، لا يدعو إلى نفسه ولا إلى جماعته وطائفته.

العلم الذي لا يجعل صاحبه يموت إلا وقد جاهد في سبيل الله، أو حدثته نفسه بالجهاد في سبيل الله ونصرة المستضعفين، العلم الذي لا يفارق صاحبه فلا يزال يحدث لصاحبه حسنات وأجراً وهو ميت في قبره، ذلك أيها الأخوة الكرام هو العلم الذي.

يخشى به الله، يخشى به الله تبارك وتعالى، العلم الذي يسلك بصاحبه خطوات هو العلم الذي سأل أمر الله تبارك وتعالى نبيه أن يسأل الزيادة منه: وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا.

هذه المخرجات التي ذكرتها أيها الشباب، لماذا حينما يطلب كثير من الشباب العلم لماذا لا يحصل لهم هذه الثمرات؟ لماذا يرون قصوراً كبيراً في الأدوات في المهارات في حسن القراءة في المطالعة مهارة العرض والتحليل والنظر؟

آآ كثير منهم عنده المعلومة، لكنه لا يحسن أن يعرضها، أو لا يحسن أن يستدل لها، أو لا يحسن أن يناقش، كذلك لا يرى أثر المعلومة على نفسي في خلقه وعقله ومعاملته مع الناس أو معاملته مع الله.

هناك عوائق أيها الأخوة الكرام تحول بين طالب العلم وبين الشروع في الطلب، أو تحول بينه وبين الوصول إلى ثمرة العلم خلقياً ومعرفياً، آآ أو انتفاعاً من هذا. أنا أيها الشباب الكرام من خلال يعني مخالطة آآ لكثير من طلاب العلم في بلدان مختلفة.

وزمالتي معهم، وقد عشت مع كثير منهم في آآ بيت واحد، وآآ عشت معهم زمناً طويلاً، حاولت أن استخلص يعني مجموعة من أشهر العوائق التي تعيق الطالب، إما تحجزه عن الشروع في طلب العلم، أو تمنعه من الاستمرار عليه، أو حتى لو.

استمر عليها فإنها تحول بينه وبين أن يحقق ثمرته من النبوغ العلمي، أذكر هنا آآ يعني أشهر هذه المعوقات، وأحاول أن يعني أبين علاجها بشيء مختصر، أول عائق يعيق طالب العلم أو كثيراً من طلاب العلم عن البدء، أو.

يعيق كثيراً من الأشخاص عموماً عن أن يبدأ في طلب العلم، أن يكون مقصراً في القيام بالعمل الصالح، أن يكون مبتلى بذنوب آآ يعني آآ ربما آآ يداوم على شيء منها.

لا يمكنه التخلص التخلص منها، فانه يستحي والحالة هذه أن يطلب العلم، يقول: كيف أطلب العلم وأنا مقصر في حق الله؟ ولا يكون ذلك الوسواس الذي يحجزه عن عمل صالح كبير الأجر كطلب العلم إلا من الشيطان.

وطلب الفقه في الدين عمل صالح يحب الله يحبه الله، وهو حسنة تدفع تدفع بها السيئات، ولا يمنعك تقصيرك من أن يكون لك نصيب من أجر طلب العلم، وأن تتفقه في دينك، وأن تعبد ربك على بصيرة.

اطلب العلم، ومع ذلك فجاهد نفسك على القيام بحق الله وحقوق العباد، والله سبحانه وتعالى في عونك ما قصدت الخير والهدى. إذاً المعوق الأول يأتي إما للإنسان حينما يريد أن يبدأ، أو يعيق استمرار الإنسان، وهو أن يرى نفسه مقصراً.

بحق الله، ولا يكون هذا إلا من الشيطان، فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، وابدأ في تعلم دينك والتفقه في دينك، ومع ذلك جاهد نفسك على العمل بذلك، والله سبحانه وتعالى في عونك.

الامر الثاني، وهو من العوائق، عدم شعور كثير من الناس بقيمة طلب العلم وفقه في الدين، هنا ينبغي أن يتذكر الإنسان أن الله تبارك وتعالى أمر نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم أن يسأل ربه الزيادة من العلم.

وأن يتذكر أنه مَن يُرِدِ اللَّهُ بِه خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وأن يتذكر أن من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة، يجب يا شباب أن تعلم قيمة ما تفعل.

ومن عرف شرف ما يطلب هان عليه ما يبذل، فكثير من الناس لا يدرك قيمة فضل طلب العلم، سواء من الناحية المعرفية أو الناحية الخلقية أو الناحية السلوكية، فلذلك لا يصبر عليه.

أيضاً من المعوقات التشتت والتذبذب في تحديد الهدف الذي يقضي فيه عمره ويدخره قربة لله تعالى، هناك أشخاص كثيرون يحبون الخير ويحرصون عليه، اه يريدون أن يتقربوا إلى الله تبارك وتعالى بأعمال مختلفة، منهم مثلاً من يريد أن يتعلم القرآن ليعلمه، ومنهم من يريد.

أن يتعلم لغة أجنبية ليدعو إلى الله تبارك وتعالى بها، ومنهم من يريد أن يكون طبيباً آآ متقياً لله آآ يعني يخدم الناس فيما، ومنهم من يريد أن يكون كاتباً آآ يعني يدافع عن حقوق المستضعفين، ومنهم من يريد أن يكون مجاهداً، ومنهم من يريد أن يكون طالب علم، ومنهم من.

نريد أن يكون طالباً جامعياً يحصل على شهادات يتمكن بها أن يصل إلى مواضع يمكنه بها خدمة آآ الإسلام، كذلك منهم من يريد أن يكون غنياً آآ يعني ينفق على مشروعات خيرية.

المشكلة تأتي من أين يا شباب؟ أن يكون الإنسان مشتتاً مذبذباً في اختيار الهدف، فإن هذا التذبذب وهذا التشتت يشتت عليه شمله، لا يجعله يركز في باب واحد فلا يحسن باباً من هذه الأبواب، يعني يتقطع بين هذه الأمور. نعم، يمكن أن يكون للإنسان أكثر من هدف، لكن.

ينبغي أن يكون له هدف كبير هو القيمة المركزية في حياته، وفي ذلك يقول الإمام ابن تيمية رحمه الله: ومعلوم أن من اجتمع همّه على شيء واحد كان أبلغ فيه ممن تفرق همّه في أعمال متنوعة.

إذاً ما هو العائق؟ التشتت، لا تحدد طريقك الكبير لخدمة هذا الدين، أو طريقك الكبير الذي تتقرب به إلى الله، وما هو الحل؟ أن تختار من الأعمال ما يناسب مواهبك.

وألا تكون نسخة من أحد، وأن تحاول قدر الإمكان أن تنتقي من شعب الإيمان وأبواب الخير ما يناسبك وما يناسب مواهبك وما ترى من نفسك أنك تحبه وتصبر عليه. أيضاً من العوائق يا شباب وهذه كثيرة جداً.

الربط بين الاستمرار في طلب العلم أو حفظ القرآن أو أي خير برؤية النتائج وظهور الثمرة، كثير من طلاب العلم في بلدان مختلفة مختلفة قضوا عمراً طويلاً جداً في الطلب، وبذلوا من أموالهم وقوتهم وأوقاتهم.

وكذلك اشتروا أفضل الكتب وأفضل النسخ النسخ، وعندهم مكتبة ضخمة، حدثوني أنهم تركوا طلب العلم، وما السبب في ذلك؟ السبب أنهم بعد هذا العمر الطويل لم يصلوا إلى حيث أرادوا.

ليس لهم مؤلفات آآ، ليس لهم دروس، لا لا يلتمس العلم عندهم، ليسوا معروفين، فأقول يا شباب اهادي والله أقولها بصدق، خلال سنوات آآ طويلة قصدت فيها طلب علوم الشريعة، مررت كثيراً بمحن وابتلاءات مادية ومعنوية شديدة.

وحديث نفس قوي بأني لا أصلح له، أو بأنه يعني بأن سني قد قد كبرت فقد بدأت متأخراً، يعني تقريباً وأنا عندي اثنين وعشرين عاماً، بدأت فيه أن أنا أتعلم.

وحدثتني نفسي بأني لن استدرك ما ضاع من عمري، وأن الدعاة والعلماء وطلاب العلم كثيرون، يعني الدنيا مش واقفة عليك يعني، هناك كثر، لماذا تطلب؟ وكان لي أصدقاء يزاهدونني في هذا الطريق، وبعضهم يسخر.

وغير ذلك مما يصد عن إكمال هذا الطريق، ويدعو لتركه، ويزهد في الاستمرار عليه، ويصرفني عنه بقوة، أو يجعلني أقنع بالقدر اليسير الذي حصلته، وكذلك وجدت أمامي آآ فرص عمل في مجالات مختلفة بمرتبات مغرية جداً.

تلك الخطوب أيها الشباب والله كانت كفيلة لولا فضل ربي تبارك وتعالى، كانت كفيلة أن أترك الاستمرار وأن أقنع بالقدر اليسير الذي حصلته، والله لم يصبرني على الاستمرار بعد فضل ربي تبارك وتعالى إلا معنى واحد.

وضعت أمام عيني، لم يفلح غيره في تثبيته، هذا المعنى هو: طلب الفقه في الدين عمل صالح يحبه الله ويقرب من الجنة، وأمر الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم أن يسأل.

ربه الزيادة منه: وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا، فمهما رأى الطالب ضعف فهمه وقلة تحصيله أو قلة الثمرة، مهما رأى من يزاهده أو يسخر منه أو يقلل من أهمية طلبه، مهما رأى طلاب.

كعلم كثيرين متميزين غيره، مهما رأى سبق الطلاب له وتأخره عنهم أو غير ذلك، فلا يربط الاستمرار والجدية في الطلب بشيء من ذلك، لماذا الشباب؟ ذلك أن نفس طلب العلم هو العبادة.

طلب العلم هو العبادة، عبادة وفقط، فأنت رابح على كل حال، تجارتك عند الله لن تبور، وأي شخص يربط استمراره على طلب العلم على أي معنى آخر، فانه معرض للانقطاع، وقد رأيت بعيني كثيراً من.

بعدما قضوا عمراً طويلاً جداً في الطلب تركوه لأنهم ربطوه بغير هذا المعنى، ستختلف نظرتك إلى طلب العلم كبيراً ومؤثراً إذا نظرت إليه على أنه قربة وعبادة ووسيلة لتزكية النفس وطريق لرحمة الناس.

ودعوتهم وتعليمهم، وليس مجرد طريق لتحصيل المعرفة، ليس مقصوداً لتبدو عالماً إذا تحدثت، ليس طريقاً لصرف أنظار الناس إليك أو لكسب المال، وكذلك سيختلف تقييمك آآ لنفسك بحيث إذا رأيت نفسك تزداد معلومات ومعارف ولم تشعر بزيادة خير في خلقك.

وعبادتك فستعلم أنك بحاجة إلى المراجعة، تلك النيات الصالحة يا شباب في طلب العلم تأتي شيئاً فشيئاً، ومن عظيم ما قاله الإمام المفسر المحدث الفقيه مجاهد رحمه الله قال: طلبنا هذا العلم وما لنا فيه كبير نية.

ثم رزق الله فيه بعض النية، يعني يقول: لما بدأنا نطلب العلم لم يكن عندنا هذه النيات العظيمة، لكنها جاءت شيئاً فشيئاً. كذلك من المعوقات يا شباب التي تصرف كثيراً من الطلاب عن الشروع في طلب العلم، وهذه يعني كثير منكم يراها على مواقع التواصل الاجتماعي.

وهي الشروط الوهمية التي يعلق الشخص على توفرها طلبه للعلم، كان ينتظر آآ الخطة الذهبية لطلب العلم، يريد خطة اللولبية آآ يعني لا خطأ فيها، ينتظر توفر آآ أفضل المشايخ.

مكابر المشايخ أو طلاب العلم الذين يتبنونه علمياً ومادياً ومعنوياً، ينتظر الوقت والتفرغ الكامل، وينتظر البال ضيق والجو الصافي وانتهاء المشاكل، ينتظر المكتبة الكاملة، ينتظر الكفالة والخضرة والماء والوجه الحسن.

هذا النوع من الناس في كل المجالات لن يبرح مكانه أبداً، سيبقى هكذا يمني نفسه، ومثل هؤلاء وإن توفر لهم كل الشروط لن يتحركوا، ببساطة يا شباب هؤلاء مشكلتهم ليست في الأدوات وإنما في الإرادة.

الشخص الذي يجتهد بحسب الأدوات المتاحة ويحسن استثمارها هو نفسه وحده، إذا توفرت له أدوات أكثر سيجتهد أكثر وسيبدع أكثر، والشخص القاعد الذي يشترط اكتمال الأدوات ليبدأ، لو توفرت له كل الأدوات فلن يبدأ؛ لأن مشكلته ليست في نقص الأدوات ولكن.

في العزم والإرادة. هذا عام في كل مجالات الشباب بالمناسبة، في كل مجالات الحياة، في كل مجالات الخير، في طلب العلم وتعلم القرآن وممارسة الرياضة والوظيفة وتعلم لغة، بل حتى في الفرح والمتعة والتنزه، الإنسان الذي يحسن أن يستمتع بالمتاح.

هو الإنسان الذي لو توفر له يعني فرص أكبر، فانه آآ يمكنه أن يستمتع أكثر، كذلك الإنسان اللي بيمارس الرياضة البيت بالمتاح يلعب ضغط وبطن وهذه الأشياء المتاحة هو الذي لو توفر له صالة مليئة بالأجهزة فانه سيبدع أكثر، والقاعدة العامة.

المحكمة في ذلك قول الله تعالى: وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً، وَإِذاً لَآتَيْناهُمْ مِنْ لَدُنّا أَجْراً عَظِيماً، وَلَهَدَيْناهُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً. أيضاً يا شباب من المعوقات معوقات الاستمرار في الطلب.

أن يضع الطالب لنفسه خطة أو برنامجاً لا يناسب ظروفه ولا قدراته ولا يستطيع أن يستمر عليه، كأن يضع مثلاً برنامجاً شاقاً يحتاج تفرغاً كاملاً وجهداً كبيراً بينما هو يعمل مثلاً عشر ساعات يومياً.

أو عنده ما يشغله، فانه والحالة هذه لن يستطيع المواظبة أو سيمل، يعني يمكن أن يبقى مدة وهذا رأيناه كثير من الطلاب يضع لنفسه خطة كبيرة جداً لا تناسب مواهبه ولا قدراته، ولا تناسب وقته وتفرغه ولا يصبر عليها.

ولو أنه وضع خطة مناسبة له وداوم على القليل، لاجتمع القليل مع القليل فصار كثيراً على مر الزمن، فليس الاعتبار هنا آآ إلا على المواظبة، فالإنجاز والنجاح في كل عمل، في حفظ القرآن وتعلم اللغة وتعلم آآ علوم الشريعة وبناء الجسم وتربية الأبناء وتطوير النفس في مجال عملك.

كل هذا وغيره يحتاج خصلة أساسية وهي المواظبة، ولم أرى في حياتي مواظباً صابراً إلا ويفتح الله. والانسان المتعجل الذي يتعجل الثمرة سيكون سريع الملل، فانه لا يصبر ولا ينجح.

وكما قال آآ بعض الكتاب، هو يعني آآ يعني من من الكتاب آآ المتميزين، وهو أحمد خالد توفيق رحمه الله، قال: الناس لا ينقسمون إلى ناجح وفاشل، بل ينقسمون إلى مواظب وإلى سريع الملل، فالإنسان المواظب.

هو الذي آآ يعني يحصل الثمرة، والإنسان سريع الملل لا يحصل شيئاً، وآآ لابد أنه سينقطع، فلذلك اجعل الخير والتفوق عادة يومية تواظب عليها ولو بالقليل، ولا تفعله فقط لمجرد أن تحقق هدفا ثم تتركه، يعني حاول.

أن تواظب على القليل أيضا من المعوقات الكبيرة جدا التي تجعل الطالب لا ينجز شيئا أن يرى نفسه دائما مضطرا أن يبدأ من الصفر. ما معنى ذلك شباب؟ ما معنى أن تبدأ دائما من الصفر؟

آآ أرأيت مثلا من آآ يريد أن يشعل نارا فينفخ في الحطب؟ سيخرج من الحطب شرارة نار ثم يترك تلك الشرارة ولا يتعاهدها بالنفخ، ماذا سيحدث؟ ستخمد تلك النار ثم تنطفئ نهائيا، ويضيع عليه مجهود تلك النفخات.

ولا كأنه عمل أي شيء، ذلك بالضبط مثل من يسير خطوات في اتجاه معين ولا يتبع السير ولا يصبر؛ مثلا شخص حفظ سورة وتعب فيها وسمعها على شيخه ثم انصرف عنها ظنا منها أنها ثبتت في قلبه بعد يوم واحد أو أسبوع، وجد نفسه مضطرا لحفظها من جديد.

كذلك شخص آخر درس كتابا مع شيخ وفهمه، لكنه بعد انتهاء الكتاب وضعه على الرف ولم يراجعه فوجد نفسه بعد مدة يحتاج إلى أن يبدأ فيه من جديد.

وهذا شخص أخذ دورة دورة في اللغة أو في الكمبيوتر أو تدرب شهرا في صالة الألعاب ثم لم يتعاهد ذلك ولم يستمر، فوجد نفسه بعد مدة لا أثر لما أخذ، وقد ضاع تعبه وماله ويحتاج أن يبدأ أيضا من الصفر.

لماذا يحدث ذلك شباب؟ النفخ في الحطب يعطي شرارة مؤقتة، لكن يحتاج النافخ أن يتعاهدها مدة ولا، وإلا يتعجل بعد أن تصير نارا قوية، يمكنه بعد ذلك أن يتركها تشتعل وحدها.

واضح مع متابعة يسيرة من حين لآخر، هكذا إذا تعب الإنسان يرتاح، أما من قدم الراحة والعجلة فإنه سيستمر في التعب وسيكون دائما مضطرا أن يبدأ من الصفر. إذا، ما هو الحل؟ الحل أنك إذا بدأت طريقا أن تستمر عليه ولو بالقليل.

إذا أخذت كتابا اضبطه واحكمه ثم اتركه، إذا حفظت سورة أكثر من تكرارها من، من تكرارها ومن الصلاة بها، ثم تعاهدها يعني على الأقل كل شهر.

أيضا من المعوقات يا شباب التي تعيق طالب العلم ألا يكون متصورا للهدف، ليس عنده تصور لخارطة العلوم، وليس عنده تصور لخارطة المادة التي التي يريد أن يخصص فيها، هو مثلا لا يعرف من علوم الشريعة إلا مثلا الفقه والعقيدة، لا يعرف أن علوم الشريعة أوسع، فيها علوم الحديث وعلوم القرآن.

وفيها أصول التفسير وفيها المنطق وفيها آآ علوم لسان العرب وفيها وهكذا، لابد أن يتصور، وإذا دخل في مادة واحدة لابد أن يتصور كل أبواب هذه المادة، حتى يعرف ماذا عنده منها وماذا حصل منها وماذا ينقصه وكيف يحصله.

أيضا من معوقات النبوغ يا شباب، وهذه سأركز عليها وأطيل فيها، العجلة في التدريس والدعوة والتأليف والافتاء والمناظرات؛ أن يتعجل الطالب، يتعجل ليس عنده بضاعة قوية ويتعجل، يعني يصرف وقته في التدريس والتأليف والدعوة والافتاء والمناظرات.

وأقول إن معاهد إعداد الدعاة تتحمل جزءا كبيرا من هذه المشكلة، فإن أحد أهم الأخطاء المركزية في معاهد ودورات إعداد الدعاة، يعني إعداد الدعاة آآ التي رأيتها والتي تفرع عنها جملة من الأخطاء، هي فكرة، وهي فكرة الفصل والتمييز.

المبالغ فيه بين معنى الداعية وتكوينه ومعنى طالب العلم وتكوينه، يقولون مثلا إن الداعي، اللي هو خطيب الجمعة والرجل إمام المسجد الذي يعظ الناس، ليس طالب علم، فبالتالي لا يحتاج تأهيلا قويا ولا تأصيلا ولا دقة في المعرفة.

ولا يحتاج علوم الآلة مثل أصول الفقه وعلوم الحديث وأصول التفسير، حتى ما يدرسونه لهم من العقيدة والفقه والسيرة واللغة وغيرها سطحي جدا، لا يشتغلون فيه بتحقيق أو تفصيل، ولا بمعرفة صور.

المسائل ولا أسباب الخلاف ولا الأقوال ولا أدلتها ولا أصولها ولا وجه الاستدلال منها ولا شيء، لا ينشغلون في إعدادهم إلا بأسلوب الدعوة وطرق التأثير وجذب الانتباه مع مجموعة أشياء.

يعني قليلة جدا في الفقه والعقيدة والسيرة واللغة، لا يهتمون بمضمون ما سيدعو آآ آآ الداعية الناس إليه، لا يعتنون به حق العناية، بل لا يكادون يهتمون أصلا بالموضوعات التي ينبغي أن يبثها الداعية في في الناس.

كذلك مراحل الدراسة ومنهج التدريس هو تحفيظ وتلقين ثم تسميع، يعني لا يختبرون إلا مدى تذكر الطالب لذلك، الكتب المختارة آآ لا يختارون الكتب المركزية المهمة، كذلك المعلم ليس عندهم انتقاء للمدرسين وهذا أساسا لندرة المدرسين النابغين.

آآ وكذلك معيار التقييم، يعني ما هي الصفات التي يصير الطالب بها ناجحا؟ كل ذلك لا يعتنون به حق العناية، فضلا عن إهمال جوانب العلوم الإنسانية والفكرية وفروعها تماما، يعني أنا لا أرى في هذه المعاهد من يدرس العلوم الإنسانية التي يحتاجها آآ الطالب كداعية.

وكذلك وبناء على ما تقدم آآ يعني من ظنهم أنه آآ لا يحتاج آآ أكثر من ذلك، فإن كثيرا من الطلاب بعدما يتخرج يقف عن طلب العلم، لا يستمر، لا يطور نفسه.

ويعيش بعد ذلك في خطبه ودروسه على نوتف يلتقطها من هنا أو هناك؛ بيت شعر، جملة فصيحة، خطبة جمعة يأخذها من أي خطيب ثم يقدم فيها ويؤخر حتى لا، حتى يخفي تقليده، وبعضهم يكلم الناس منذ سنين طويلة في ثلاثة أو أربع أو أربعة موضوعات بنفس.

الشواهد وبنفس الأمثلة، لا يكرر ذلك لأن الناس يحتاجون إليه، فإن الناس قد ملت منه وحفظته، ولكن لأنه يكسل عن تحضير مواضيع جديدة يحتاجها الناس، وكثير من هؤلاء الذين يتخرجون من هذه المعاهد.

يستنكف من أن يحضر دروسا ليتعلموا ويكملوا نقصه ويكمل نقصه آآ، كذلك حتى على فرض الصحة المعلومات التي يطرحها، فكثير منهم ينقل منكرات، يعني يعني لو هذا على فرض أن المعلومات التي ينقلها صحيحة، لكن.

إن كثيرا منهم ينقل منكرات وبدعا ويستدل بأحاديث باطلة، مع وجود ما يغني عنها من الصحيح المشهور، ولا يعتني بذلك من أن ثبت من الأدلة ولا أن يراجع تفسيرا أو شرحا.

لا يشغله إلا كيف أجذب، أجذب الانتباه وسأرفع صوتي هنا وأخفضه هنا وأنظر يمينا وشمالا، وهذا والله رأيته من الطلاب، يعتنون بالدعاء يعني أو الخطباء أو الأئمة يعتنون، يعتني بشكله وبقميصه الذي سيلبسه في الخطبة أو في الدرس وبإشارة يده.

ومتى يرفع صوت، صوته ومتى يخفضه أكثر من مضمون الخطبة ومن إعداد الخطبة، ثم بعد ذلك يصدر نفسه بعد هذا الضعف في الاعداد يصدر نفسه للناس بكل جراءة وبكل بجاحة على أنه متخصص في الفقه وعلوم القرآن والعقيدة والفرق.

والمذاهب والسياسة والاقتصاد والإعجاز العلمي، ومتخصص في رد الشبهات ومجادلة أهل البدع والملل، آآ وكذلك ممكن تلاقيه بيفسر أحلام، وممكن تلاقيه بيحلل مباريات كرة قدم، بتاع كله يعني، وطبعا مفتي.

وبعضهم قاضي شرعي، والله بعضهم قاضي شرعي كلمته مسموعة ومطاعة في قومه، ويعني يأخذ من أموال هذا ويعطي لهذا بكلمة منه، ولا يترك خبرا إلا ويعلق عليه ويحكم ويقطع ويرسم خططا استراتيجية للخروج من الأزمات، يعني يصدر نفسه على أنه كذلك.

محلل سياسي يتكلم في مسجده عن النوازل الكبيرة التي لم ولن يعني آآ يكون أبدا بإعداده الضعيف هذا آآ لم يكن متمكنا أبدا من أن يعني يتصورها فضلا عن أن يضع لها حلولا.

كذلك بعضهم يبغي ويستعلي بعدد الحضور عنده في الجمعات والدروس العامة، ويعيش وهما كبيرا بهذا ويظن أن كثرة عدد من يحضرون إليه تدل على علمه وفضله، أيها الأخوة الكرام، هذه المعاهد رأيتها بعيني.

ووجدت عددا كبيرا منها منتشرا في بلدان المسلمين، هذه المعاهد التي تفكر بهذه الطريقة السطحية وتفرق بين طالب العلم والداعية هذا التفريق المبالغ فيه، ويسرعون في تخريج دفعات دفعات من الدعاة بحجة العمل على الأرض، هؤلاء والله يزرعون شوكا على الأرض.

هؤلاء يزرعون شوكا على الأرض، وأنا وجدت كثيرا من الطلاب الذين تخرجوا من هذه المعاهد ووجدت أثرهم السيئ على الناس، ليس فقط علميا، ولكن آآ أثرهم يعني آآ خلقيا ومعنويا على الناس، يعني يصدرون أنفسهم تصديرا كبيرا ويفتحون على أنفسهم أبوابا.

أبوابا لم يعدوا لها، فهذا عائق كبير يا شباب، وهو أن يتعجل الإنسان التصدر، أن يتعجل الإنسان التعليم والافتاء والتدريب الكنيسة والتأليف، ليس معنى ذلك أن يترك الإنسان هذه الابواب، ولكن يبقى الإنسان مستمرا في طلب العلم وفي تطوير نفسه، ويختار مما يحسنه ما.

ينفع الناس ويحكم إعداده، ويعني لا يكلف الله نفسا إلا وسعها، لا يصدر نفسه في شيء يعلم أنه لا يمكنه أن يسده، كذلك من المعوقات التي تأكل العمر وتضيع الجهد وتفسد القلب كثرة الجدل.

يعني أن تضيع قليل ما عندك، ما عندك بكثرة الجدل، ترى أشخاصا مثلا تعلم مسألة أو مسألتين، يمشي بين الناس لا يتكلم إلا في هذه المسائل، ويناقش ويصنف الناس بناء عليها.

ويجادل كثيرا فيها، يعني في ناس مثلا تلاقي على صفحات الفيسبوك أو في أي يعني مواقع من مواقع التواصل لا يتكلم إلا في مسألة ويجادل كل الناس فيها، ويريد أن يجيب عن كل، عن كل الشبهات، هؤلاء يحرقون أعمارهم.

ليس، لا يطلب العلم للجدال، يعني الإنسان يمكن أن يجادل ويمكن أن يناقش، لكن لا ينبغي أبدا أن يكون هذا هو أصل، فإن تعلم المحكمات ونشر المحكمات بين الناس هو الغذاء.

والجدل والإجابة عن الشبهات هو الدواء، فمن الخطأ أن تضع الدواء مكان الغذاء، أيضا يتفرع عن هذا المعوق معوق آخر وهو التقوقع حول مجموعة من المسائل آآ يبذل لها الجهد والوقت.

أن ترى مثلا شخصا عنده ثلاثة، آآ ثلاث أو مسائل يقضي فيها عمره ويصنف الناس بناء عليها.

العذر بالجهل، مسألة الخروج على الحاكم والمظاهرات، مسألة الصفات، مسألة الولاء والبراء، وهكذا لا يقرأ إلا فيها، لا يسمع إلا فيها، آآ يعني آآ لا يتكلم إلا فيها، يصنف الناس بناء عليها.

الله سبحانه وتعالى ذكر في الوحي أعمالا آآ كبيرة، آآ وذكر محكمات الشريعة وذكر ما يبنى عليه الإسلام، لم يذكر هذه الأمور إلا لتحتل موقعا كبيرا من طلبك للعلم ومن معرفتك ومن دعوتك، ذكر الله سبحانه وتعالى.

كبار الأعمال كالصلاة والزكاة والحج وبر الوالدين، وذكر الكبائر وذكر منها الشرك، ثم العقوق، قول الزور وقذف المحصنات والزنا، وذكر الصالحات أعظمها الإيمان، الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر.

كل هذه الأعمال لم تذكر معظمَة في الشريعة إلا لتكون معظمَة في نفوس المؤمنين وفي خطاب الدعاة، الداعية الموفق وطالب العلم الموفق هو الذي يتبع الوحي، يكون علمه وطلبه للعلم تبعا للوحي، ما عظمه الوحي يعظمه، وما أكثر من الحديث عنه يكثر الحديث عنه.

آه، لكن هناك آآ يا شباب مسائل أريد لها أن تحتل موقعا من الناس، أريد لها أن تفرق بين الناس، أريد لها أن تجعل ولاء وبراء وخصام، كثير من العلماء شغلوا أنفسهم وشغلوا الناس في الخطب والدروس بمسائل وعظموها وشددوا فيها وأعطوها من الوقت ما لا تستحق وجعلوها.

محنة يوالون ويعادون عليها، وأهملوا كثيرا من مباني الإسلام ومحكمات الدين، التي هي أولى بالبحث والعلم والدعوة والنشر، ويبقى من يسمعهم يسمعهم شهورا طويلة وهو منهمك ومشغول آآ في المخاصمة والولاء والبراء، وهو جاهل بفرائض ومباني الإسلام والإيمان.

شغلوا العامة بنزاعات وخلافات لا منفعة لهم بالانشغال بها، فلذلك يا شباب أقول إن أعظم دور يقوم به الداعي أن يتبع الوحي في علمه وعمله ودعوته، ينطلق منه ويصدر عنه.

فالشاهد من كل هذا قدر المسائل بقدرها من الشريعة، وأعط المسألة ما يناسبها من البحث والتعليم والدعوة وما يترتب عليها من الخلاف، يعني يا شباب لا تقف مع المسألة وتعيش حولها.

واحد يتعلم مسألة مثلا في الأسماء والصفات، لا، لا يتكلم إلا في أعمارا طويلة، عمرا طويلا لا، لا يدرس إلا إلا هي، لأن الدين مسائل كثيرة جدا، فلذلك قف مع المسألة إلى أن ترى نفسك يعني قد، يعني أحكمتها وتجاوزها إلى غيرها.

أيضا من المعوقات يا شباب التي يقع فيها كثير ممن توفر لهم مشايخ أو فرص للعلم هو تضييع الكفاءات، ألا تحسن الإفادة من الكفاءة التي توفرت لك، أضرب لكم مثلا يا شباب.

كان في طالب أراد أن يتعلم آآ التجويد، ذهب إلى شيخ متقن جدا ومعه أعلى الأسانيد، فطلب من الشيخ أن يختم عليه ختمة يضبط فيها القراءة، الشيخ أعطاه نصف ساعة.

يومية، طيب ماذا فعل الطالب؟ الطالب كان يذهب إلى الشيخ ليس متقنا للحفظ، فيبقى الشيخ النصف ساعة يرده في الحفظ، لم يتبق وقت لضبط التلاوة، فهل انتفع هذا الطالب من هذه الكفاءة؟ لا، لم ينتفع.

لماذا؟ لأن هذه الكفاءة خاصة في إتقان التلاوة، فلماذا هذا الشيخ يقضي النصف ساعة في تصليح أو في رد في الخطأ فانت لم تنتفع منه؟ كذلك شخص مثلا توفر لديه يعني آآ شيخ من أهل العلم المتمكنين، الشيخ أعطاه وقتا للمدارسة، فراح آآ ذلك.

الشخص يسأله عن أشياء سهلة جدا أو أسئلة يمكنه التعرف عليها أو أسئلة تافهة، أو يسأله عن طريقة لبسه وعن طريقة مشيه، فضاع الوقت، هل تحققت الفائدة؟ لم تحققت، واضح يا شباب؟

تماما مثل الشخص الذي يذهب إلى صالة الأثقال اللي هو الجيم، يعني مليء بالأجهزة، ويبقى ساعة فيه يلعب جري في المكان وضغط وبطن وإطالة، طيب، ما هذه التمرينات يمكنك أن تفعلها في البيت، هل تضيع هذه الأجهزة ولا تستثمرها؟

هكذا يا شباب، ينبغي إذا توفر لك معلم، أن يعني تختار أفضل ما يمكن أن تنتفع من ذلك المعلم آآ منه، يعني.

طيب، عندنا كذلك شباب من الأمور التي رأيتها تعيق آآ طالب العلم، ودي خاصة بالجماعة اللي هم أئمة المساجد والخطباء، مش عارف معانا حد من الشباب منهم ولا لأ.

دي قصة عشرات يا شباب بل مئات طلاب العلم. أعرف أنا تقريبا منهم يعني قل عشرين واحد، هي قصة لا زالت تتكرر بنفس الصورة. ما هذه القصة؟ ببساطة يا شباب، آآ كثير من الشباب لما أطلق لحيته وشرع في حفظ القرآن وصار يطلب العلم، ظن أهله وجيرانه وعائلته وأصدقاؤه أنه صار شيخا؛ فبالتالي جعلوه مرجعا لهم في كل ما يطرأ عليهم من الأسئلة الخاصة بالدين؛ في التفسير والفقه والحديث وتفسير الأحلام والنوازل السياسية والإقليمية والدولية. طبعا كتير مننا حصل منه هذا الأمر.

الأمر، ما هي المشكلة يا شباب؟ المشكلة الأكبر أن الأخ أحيانا يصدق ذلك بالفعل، وصار يحمل على عاتقه مسؤولية تقديم البحث عن الإجابات الشافية لكل ما يطرح من أسئلة واستفسارات في العائلة والحي والشارع والمجتمع والناس. يعني خلاص هو صدق فعلا أنه هو شيخ، وأصبح يعني آآ مكلفا بأن يجيب على كل الأسئلة، يستحي أن يقول في أي سؤال مهما كان صعبا أو مشكلا: لا أعلم، أو يستحي أن يقول: سلوا غيري. وماذا بعد؟

فلأجل أن يسد حاجاتهم المتنوعة، يعني كلهم عمالين يسألوه أسئلة مختلفة في كل الأبواب، فهو مضطر، هو هذا الشخص كان عنده خطة وعنده خطة تأسيسية تأصيلية للعلوم، ماشي بطريقة مرتبة. لكن حاجات الناس تتعارض مع هذه الطريقة؛ لأن هو لو مشي على الطريقة العلمية التي يسير عليها فربما سأله الناس عن سؤال فقال: لا أعلم، وهو يستحي أن يقول: لا أعلم. طيب ماذا يفعل؟

هذه الطريقة التأصيلية تأخذ وقتا طويلا، تجعله يتعمق ويبذل جهدا لتحصيل علوم ومسائل لا يحتاجها عامة الناس من حوله إلا قلیلا أو نادرا. يعني الناس هتسأله مثلا في اللغة أو في مصطلح الحديث أو في أصول الفقه أو في المنطق؟ لأ، وأحيانا لأنها لن تحقق له شهرة من حيث أنها ليست مطلوبة، فسيبقى عندهم لا فائدة منه. هو يطلب العلم، ولكن في كل ما يسأل عنه يقول لهم: لا أعلم، أنا لم آخذ هذه المسألة. هذا شباب، أه، مع أن كثير من الطلاب يعني ربما يعني يأخذون كفالة في طلب العلم. فهو يقول في نفسي: أنا أعطى، أنا معي كفالة، إنسان يكفلني، بأي حق آخذ هذه النفقة وأنا لا أغطي حاجات الناس؟

فماذا يفعل يا شباب؟ هنا بقى تحدث المشكلة، يقول: أنا أتفنن، يعني يتحول من الخطة التأصيلية إلى التفنن، يعني إيه؟ يعني يدرس كل شيء بسطحية شوية؛ تفسير على شوية حديث على كم قاعدة فقهية على كم مسألة نازلة على بعض أحداث تاريخية على جزء من السيرة وكتاب مبسط في اللغة، وكتاب في البيوت والحج والمواريس وآآ أحكام الطلاق والحيض والطهارة مع كتاب في العلمانية، كل ده في السريع وفي الإنجاز؛ ليه؟ لأنه يريد أن يكون موسوعة. طب ما هي النتيجة؟

النتيجة: أشوف مسجد أمسكه وسأتكلم في كل شيء وفي أي بحث وفي أي نازلة وسأفتي الناس، وربما أقول في آخر الفتوى: والله أعلم، وأكمل حياتي على هذا النمط. بهذا أكون قد رضيت الله وحللت الفلوس أو النفقة اللي أنا بأخذها وانتفع مني الجيران والمجتمع والناس. والله يا شباب، هذه قصة يعني تكررت كثيرا، أن الطالب يصرف عن خطته التي يعلم ثمرتها؛ أه، أما لكونه أه يريد شهرة، أو يريد أن يجيب الناس، أو يريد أن يحلل الكفالة التي يأخذها، أو أي شيء من هذه الوساوس.

وآآ سبحان الله، يخرج هذا الطالب نموذجا كالدعاة الذين أساسا بدأ في طلب العلم ناقما عليهم وأراد أن يكون نسخة مختلفة آآ عنه، فإذا به صار يعني أقل منهم. لذلك شباب، لا تترك لا تترك أبدا طريقة التأصيل العلمي لتصير مجرد موظف، واضح يا شباب؟ لأ، أبق على هذا الطريق، ومع ذلك حاول أن تنفع الناس بما تعلمت.

أيضا الشباب، من المعوقات أن ينتقل من سطحية إلى سطحية، يعني إنسان لا يريد أن يدخل في دقيق العلوم. وقد قال الشافعي: من تعلم علما فليدقق فيه لئلا يضيع دقيق العلم. يعني إنسان كلما أردت أن تتعمق معه في المسألة أو تتكلم عن صورتها أو الأقوال فيقول: لا، أنا عايز كتاب سريع، لا أريد كتابا يدخلني في إشكالات. طب هؤلاء لا يمكن أبدا أن يحصل لهم نبوغ علمي.

أيضا من مما يحرق العمر يا شباب أن تضيع الجهد والوقت آآ والمحصلة لا تستحق. وهذا شباب ساطيل فيه كثيرا؛ لماذا؟ لأن بعض الشباب يتقوقع حول مجموعة متون أو كتب مختصرة أو أبحاث معاصرة يعيش لها، وينتقل من شرح إلى شرح، ومن حاشية إلى حاشية، وهذا أحد أشهر أنواع تضييع الوقت عند طالب العلم. إذا قضى طالب العلم عاما أو عامين أو أكثر من حياته في دراسة مثل هذه الكتب؛ الأصول الثلاثة، وكتاب التوحيد، وكشف الشبهات، والقواعد الأربع، لمعة الاعتقاد ونحوها من المختصرات، يدرس يدرس كل لفظة بإعرابها ومعانيها وإشكالاتها، ويدرس الشروح المتنوعة فيها، فهو بين نوعين من الخطأ يا شباب، نوعين من الخطأ.

الأول: أنه أنفق وقتا كبيرا في أمر كان يمكن أن يحسله في أسبوع أو شهر على الأكثر. هذه كتب مختصرة يا شباب، آآ نفس المؤلفين الذين ألفوا هذه الكتب لم يريدوا أن تكون هذه الكتب مرجعا للناس، أرادوا فقط أن تكون تذكرة؛ فلا يصح أن تبقى معهم عمرا طويلا تدرس كتاب التوحيد في سنوات، ولمعة الاعتقاد في سنوات، هذه الكتب حقها أن يعني تفك ألفاظها، وأن يفهم آآ مقصد المصنف منها، وأن يستدل لها، وانتهى الأمر، واضح يا شباب؟

الخطأ الثاني الذي يقع فيه الطالب، أن كثيرا من هؤلاء آآ الذين بقوا مدة في آآ قراءة كتاب ككتاب التوحيد مثلا بعشر شروح، ظن أنه انهى العقيدة، وظن أنه صار متخصصا؛ هو يظن أنه لما قرأ عشر شروح لكتاب التوحيد يعني صار متخصصا، واضح يا شباب؟ وذالك الوهم الكبير سينكشف له بمجرد أن يطالع آآ كتبا محققة في العلم ككتب الإمام ابن تيمية مثلا، أو أو أن يدرك كم النقص الذي هو عليه، سواء في العلوم المهمة التي يجهلها أو حتى في العلوم التي درسها، بل في نفس المسائل التي درسها من تلك المختصرات وسيعرف آآ يعني جهله من جهتين.

الأول: أن نفس ما اطلع عليه مع كثرة شروحه ليس محققا في بابه. هذه الكتب المختصرة شباب لا يمكن أبدا أن تكون كتبا مركزية في في العلم أو في المادة أو في المسألة، هي مجرد متون، مجرد يعني فاتحة، وإن كانت مهمة كتوطئة، لكن لا يمكن أن تكون منتهى.

الأمر الثاني يا شباب: أن العلم الشرعي فنون كثيرة، فإذا حبس طالب العلم نفسه على هذه المختصرات، فانه ينفق عمرا كبيرا فيما ما حقه أن يقضى في عمر قصير، واضح يا شباب؟ وكما قلت لكم، إن نفس المؤلفين الذين ألفوا هذه الكتب لم يريدوا لها أبدا أن تكون مرجعا، فضلا عن أن ينفق فيها آآ يعني ذلك الوقت الكبير، أن يصير لها عشرات الشروح والحواشي والتعليقات. يدرس الطالب في المرحلة الأولى كتابا، وفي الثاني شرحا مختصرا عليه، وفي الثالث شرحا مطولا، وفي الرابع يدرس الشبهات والردود على ما قاله المؤلف، يمضي خمس سنوات وهو يدور في وحي كلام ذلك المؤلف الذي يبذل الشراح لفهم كلامه ثم لتفسيره وشرحه والجواب عن إشكالاته ما لم يبذله جزءا منه في فقه القرآن والحديث، ثم ما تلبس نتائج ذلك المؤلف أن تصبح محنة يوالى ويعادى عليها. يا شباب، مثل تلك المختصرات غايتها أن تقرأ وأن تفك عبارتها وانتهى الأمر، لا أن يقحم فيها الشارع ما لم يقصده المؤلف، ثم يتكلف بشرحه، ثم يتكلف بذكر ما يعارضه، ثم يتكلف في الجواب عن كذا وكذا. وللأسف إلى الآن لا تزال هذه الكتب يتكلف يعني كتابة شروح لها وحواشي.

بالتأكيد أنا لا أقصد التنبيهات والتعليقات المهمة الموجزة، لكني أقصد هنا الإطالة في كتاب والتقوقع حوله وترك يعني الكتب المركزية في العلم؛ فلابد للطالب يا شباب أن يعرف ما من العلوم وأبوابها ومسائلها ومراجعها ما يدرك معه أن آآ هذه المختصرات لا تستحق أبدا أن يبذل لها سنوات.

أيضا يا شباب من معوقات النبوغ في طلب العلم أن يدخل الطالب في الجزئيات والتفاصيل والشبهات دون إحكام القواعد والمحكمات والأسول. ترى يعني طلاب علم كثيرين يهتمون بتفاصيل وشبهات وإشكالات وهم لم يدرسوا القواعد المحكمة، لم يدرسوا أصول العلم. يريدوا مثلا أن يدرس حكم الأعذار بالجهل وهو لم يدرس باب الإيمان أصلا، يريد مثلا أن يدرس مسألة الخروج على الحاكم وهو لم يدرس أساسا باب السياسة الشرعية أو يدرس مثلا مال الحاكم من آآ ما عليه من حقوق وما له من واجبات، وهكذا، واضح يا شباب؟ هذه مشكلة كبيرة أن يدخل الطالب في الحديث عن جزئية أو شبهة دون أن يدرس القواعد الكلية المحكمة. تراه مثلا يريد أن يتكلم عن صفة الهرولة لله أو صفة مثلا آآ المجيء أو النزول دون أن يحكم باب الأسماء والصفات من أصله، فهذا عيب كبير يعني يضعف نبوغ الطالب.

أيضا يا شباب من المعوقات أن بعض من يطلب العلم لم يميز بين الشيخ الطيب الذي حببه في الاستقامة وبين الشيخ الذي يعني يعظه وبين المتخصص الذي يؤخذ عنه العلم. أنت يمكن مثلا أن تكون أحببت الاستقامة عن طريق شيخ، لكن لا يلزم أن يكون هذا الشيخ متأصلا في العلم، ممكن يعني تكتفي منه بهذا القدر، جزاه الله خيرا. يمكن أن يكون مثلا جارك يعني آآ شيخ أه يعني رجل فاضل يعظك موعظة، لكن ربما لا يكون مؤهلا لأن يعطيك علما معينا. إذا، لابد أن تفرق بين الشيخ الذي حببك في الاستقامة وبين الواعظ الذي يعظك وبين المتخصص الذي تأخذ عنه العلم الذي تريده.

أيضا من المعوقات يا شباب الأنفقة من الانتفاع من الزملاء والاقران المتميزين. بعض الناس يستنكف أن يحضر دروسا أو أن ينتفع من إخوانه وزملائه وأقرانه، وهذا والله يفوت عليه خيرا كثيرا. وانا بعيني رأيت شبابا كثيرين توفر لنا أخ طيب فاضل كان يعلمنا وانتفعنا منه كثيرا وكان كثير من الطلاب تركوا درسه بحجة أنهم سبقوه في طلب العلم يعني بدأوا قبله، وانه أصغر منهم سنا، فما أتفه هذا السبب! ووالله الذي لا إله إلا هو، انتفعت من صحبته كثيرا جدا ولا زلت أدعو له بأن يكرمه الله. والأنفة من الانتفاع تفوت الإنسان خيرا كثيرا.

كذلك من المعوقات يا شباب ضعف تصور المهارات التي يحتاجها الطالب. طالب العلم يا شباب يحتاج مهارات أكثر من المعلومة، المعلومة آخر ما يحتاجه الطالب، طالب العلم يحتاج إلى مهارة القراءة والنظر والتصور التحليل والتوظيف، يحتاج مهارة النقد والاستدلال، والعرض كيف يعرض ما يعرفه من النتائج؟ كيف يستدل عليه؟ كيف يناقش؟ آآ كيف يناظر؟ وهكذا، كيف يدعو؟

أيضا من المعوقات الشباب هو أن يكون أن يريد الشخص أن يكون نسخة من أحد. بعض الناس مثلا يعجبه طالب علم في أنه يناظر مثلا، رأى شيخا أو رجلا من الأزهر يناظر الناس ويفحمهم فيقول: أنا أكون مثله. لأ، لابد أن تختار من كل نسخة متميزة ما يناسبك، رأيت مثلا رجلا مهتما بالفلسفة والمنطق، ورأيت رجلا مهتما بالوعظ ورجلا مهتما بالشعر ورجل مهتما باللغة ورجل مهتم بالمناظرات، خذ من كل نسخة ما يناسبك ويناسب مشروعك وأهدافك، ولا تكن نسخة من أحد.

كذلك من المعوقات يا شباب حبس النفس على شيخ أو طالب علم لا تسمع إلا له. وده بيحصل كثير جدا آآ بسبب الانبهار، تنبهر بشخص معين فتترك كل المشايخ ولا تعتني بهم آآ، فقط تحبس نفسك على شيخ واحد، الذي يحبس نفسه على شيخ لن يكون إلا نسخة باهتة منه. لذلك لما سئل الإمام أحمد: هل نستمع إليك فقط؟ فقال: لا، بل اسمعوا من هذا وهذا، خذ العلم من هنا ومن هنا ومن هناك، وهكذا. ومعروف جدا أن الإنسان لن ينبل في العلم إلا إذا تعدد مشايخه وأحسن انتقاءهم.

أيضا من المعوقات يا شباب الاعتماد على وسيلة واحدة في التحصيل. إنسان لا يفعل إلا القراءة. لأ، هناك وسائل من التحصيل منها القراءة، ومنها آآ جرد المطولات الكتب الطويلة، ومنها المدارسة الجماعية ومنها حضور دورات ومنها حضور المحاضرات ومنها الدروس المرئية ومنها كتابة البحث ومنها اختصار الكتب ومنها تلخيص المسائل. هذه وسائل إذا اجتمعت في آآ في طالب العلم فإنها تكون فيه المهارات المختلفة.

أيضا من أسباب يعني ضعف تحصيل طلاب العلم تضييع الأوقات القصيرة. مثلا آآ طالب علم يقول: أنا لا أذاكر لما يكون خمس ساعات متوفرين لدي. لأ، الربع ساعة، الخمس دقائق، الدقيقة الواحدة يمكن أن تنتفع منها، والله يعني كثير من الكتب أعرف أشخاصا انهوها كاملة بهذا الأوقات، الربع ساعة والنصف ساعة آآ وهو مسافر مثلا خمس ساعات أو ساعة أو ساعتين يسمع فيها آآ شرحا، أو يسمع فيها محاضرة، أو يسمع فيها فيلما وثائقيا يحكي واقعة تاريخية، وهكذا. لابد من استثمار الوقت القصير.

وطبعا من الأمور التي تضيع العمر هي وسائل التواصل؛ فهي تحرق العمر إذا يعني آآ أدخل الإنسان نفسه فيها دون أن يحكم نفسه، فإنه يرى عمره يعني آآ تطير أيامه وسنينه وشهوره دون أن يدري.

أيضا من من الأخطاء في طلب العلم ترك اغتنام المواسم والإجازات والعطل. إيه يعني يا شباب؟ يعني في واحد مثلا شغال طول الأسبوع بس عنده يوم السبت والأحد، طيب، هو لو طول الأسبوع يذاكر مثلا ساعتين جيد، لكن مثلا في العطلات

حاول أن تستغل العطلة في أن تنجز شيئاً كبيراً، أن تخلص كتاباً كبيراً، أو أن تكتب بحثاً، أو أن تقرأ مقالاً وهكذا. فلا بد أن الإجازات والعطل أيضاً من الأمور التي يضيع فيها عمر الإنسان أن يتحير بين الأهداف المرتبطة بالزمن. يعني وهذا حصل معي كثيراً مثلاً، أقول هذا العام أنا أريد أن أهتم باللغة الإنجليزية، لأ أنا أريد في هذا العام أن أهتم بدراسة كتاب معين، يبقى الإنسان متردداً حتى يضيع هذا العام وهو في ذلك التردد.

أيضاً يا شباب من معوقات النبوغ في طلب العلم والاستمرار عليه ألا تشعر من حولك بقيمة ما تفعل. يعني الإنسان مثلاً يعيش مع أسرته أو مع زوجته أو مع عائلته، مع أبيه وأمه وإخوته، لا يشعرهم بقيمة ما يفعل. إذا لم تشعر أنت من حولك بقيمة ما تفعل سيكونون عائقاً في طريقك، ودائماً يلومونك على إضاعة الوقت وشرائك للكتب. إذاً أشعر كل من حولك بقيمة ما تفعل، أخبرهم بهدفك وبطموحك وبثمرة عملك عند الله، أخبرهم بنياتك من هذا العمل. يبقى الإنسان مع زوجته عشرين عاماً يتعلم ولم يشعرها ولم يجلس معها مرة واحدة يشعرها بقيمة ما يفعل، لماذا يشتري الكتب؟ لماذا يجلس عشر ساعات على الدراسة أو عشرين ساعة يحضر درساً؟ لا بد أن تشعر من حولك بقيمة ما تفعل، ولا بد كذلك أن تصحبهم معك في الخير وأن تكلفهم بأعمال خير مناسبة.

أيضاً يا شباب من الأمور التي تعيق طالب العلم عن الاستمرار هو أن ينشغل دوماً بأن يعرف الناس جهده وتعبه ومستواه. والله هذا وجدته في كثير من الشباب، ليس حتى في طلب العلم فقط، كثير من الناس مشغول قوي بأن الناس تعرف، يبقى يقول: يااه أنا تعبت البارحة في المسائل دي، أنا بقالي مثلاً عشر ساعات على الكتاب، أنا مستواي وصل للمرحلة الفلانية، لأ. لا تنشغل بأن يعرف عنك أو يعلم عنك الخير إلا من يملك لك الضر والنفع، فقط الله سبحانه وتعالى هو الذي يملك الضر والنفع، ولن تخاف معه ظلماً ولا هضماً. يعني أرح نفسك ولا تعذب نفسك، لا تعذب نفسك بأن ترسم صورة لنفسك عند الناس، الله سبحانه وتعالى هو المصور، والله سبحانه وتعالى بكل شيء عليم.

أيضاً يا شباب من المعوقات الوقوف عند حد وترك تطوير النفس. ده بيحصل كتير جداً للمتصدرين، طالب علم مثلاً يعطي دروساً، أو إمام، أو خطيب في مسجد، أو رجل كاتب في صحيفة مثلاً، أو رجل حوله تلاميذ؛ هو يرى أن التلاميذ لا يحتاجون أن يتوسع فبالتالي هو يقف عند مرحلة معينة ولا يستزيد. وكثيراً ما يكون السبب أن من حوله عقلهم بسيط أو يحتاجون علماً قليلاً، وهذا خطأ. لماذا يا شباب؟ لأن الزيادة من العلم لا ينبغي أن ترتبط بالمتلقي، الإنسان يجب أن يستزيد من العلم وأن يكثر منه وألا يكتفي بشيء منه أبداً، واضح؟ ثانياً دور الداعية هو أن يرفع الناس لا أن ينزل إليهم، يعني حتى إذا كان الناس من حولك لا يحتاجون دقيق العلم، أنت ستوجد فيهم من يحتاج دقيق العلم، ومن يجبرك على قوة التحضير، ومن يناقشك، ومن يكون شريكاً لك، واضح؟ لا تقف عند حد.

أيضاً يا شباب من أعظم الأمور التي أنبه عنها في نهاية هذه الجلسة هو تضييع أعظم غاية للطلب وهي إصلاح النفس. كثير من الناس والله يا شباب يتوه وينسى بعد زمن طويل هو لماذا أصلاً يدرس؟ يعني تراه يهتم بقدر المعلومات ودقائق العلوم لكنه يكسل أن يحافظ على صلاة الجماعة، يكسل على ركعة الوتر، يكسل على أن يتوضأ، يعني إذا خرج من دورة المياه هذا مشكلة كبيرة يا شباب، أساساً قيمة العلم ما هي؟ أعظم قيمة للعلم أن تكون سبباً في صلاح نفسك، هذا هو الأصل. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ من علم لا ينفع، فإذا رأى طالب العلم أنه يزداد معلومات ولا يؤثر ذلك على خلقه وسلوكه وعبادته فإنه يجب أن يقف مع نفسه وقفة كبيرة. وقد قال عبد الله بن المبارك: أعظم مصيبة للعبد أن يرى تقصيراً من نفسه ولا يبالي. واضح؟ وقد تكلم السبكي وغيره من العلماء على كثير من الطلاب الذين حتى إذا دخلوا في الصلاة لا يفكرون إلا في دقائق المسائل، ولا يخشعون ولا يحرصون حتى على قيام الليل، ولا المحافظة على الوضوء، ولا صلة الأرحام ولا غير ذلك. إذاً يا شباب أعظم قيمة لطلب العلم أن تزكي نفسك، فإذا لم يحصل لك من كل العلم إلا هذه الثمرة فوالله تكفيك، واضح؟ أما أن تضيع هذه الثمرة وتضيع العبادات بحجة النفع المتعدي فأنت والله تغش نفسك.

وأخيراً يا شباب من المعوقات، وهذا هو يمكن أن نكتفي عنده، وإن كنت أنا أريد أن أبقى معكم والله عشر ساعات لكن لا أحب أن أثقل على الشباب، وإن شاء الله ستستمر معنا هذه المحاضرات تقريباً بمثابة عشر ساعات أسبوعياً، يعني خمسة أيام إن شاء الله تقريباً، في كل يوم ساعتين. يمكن أن يكون آخر ما أذكره وهو الذي سأدخل منه إن شاء الله في درسي في المحاضرات القادمة، هو حصر الجهد والوقت في الأبحاث المعاصرة والمختصرات وتضييع تراث الأئمة المحققين. كثير من الطلاب، شباب كثير من الطلاب، يبقى عمراً طويلاً في مختصرات وأبحاث يدور حولها ولا يدرس كلام الأئمة المحققين؛ لا يدرس كلام الشافعي، لا يدرس كلام مالك، أبي حنيفة، محمد بن حسن الشيباني، لا يدرس كلام ابن تيمية، ابن كثير، ابن حجر، الشاطبي، الذهبي، إنما يتقوقع حول مجموعة أبحاث معاصرة لأنها تعطيه معلومة سريعة. هذه الأبحاث المعاصرة يا شباب، وإن كانت تسهل العلم وإن كانت مدخلاً، لكنها أبداً لا يمكن أن تكون الطالب، لا يمكن أن تنمي مهارات الطالب، لا يمكن أن تجعل منك طالب علم متميزاً ولا باحثاً متميزاً، لا بد من دراسة تراث الأئمة المحققين. واضح يا شباب؟ إحنا تقريباً أخذنا كم ساعة دلوقتي؟ بسم الله، طيب ده إحنا ممكن نكمل شوية.

طيب، ندخل في العنصر الذي بعد ذلك يا شباب، من هو الطالب المستهدف من هذه الدورات؟ الطالب المستهدف من هذه الدورات يا شباب يمكن أن يكون الطالب المبتدئ، لكن هذه الدورات يا شباب تكون أكثر خصوصية بطالب العلم الذي درس عمراً طويلاً لكنه رأى نفسه متشتتاً، وجد أنه بعد عمر طويل لم يحكم العلوم، ولم يستطع أن يشرح، ولم يستطع أن يعلم، لم يستطع أن يعرض أو يدرس أو يفصل في المسائل. كثير من الشباب في بلدان مختلفة يراسلونني من زمن طويل يقولون: نحن بقينا عمراً طويلاً ندرس ونقرأ ونكتب ونلخص لكننا إلى الآن لم نحكم المواد، لم نحكم المسائل، لا نحسن عرض ما نعلم، لا نحسن التدريس، لا نحسن المناقشة، لا نحسن الكتابة والتأليف. هم يا شباب يقولون: نحن نريد أن ننتقل من السطحية إلى التأصيل، واضح يا شباب؟ عندهم تشتت كبير جداً، فلذلك هؤلاء الشباب بالتحديد هم الذين أخصهم بهذه الدورات، وقد نصحتهم هنا نصيحة مركزة وهي أن يركزوا جهدهم وقوتهم وطاقتهم في باب من أبواب العلم، يعني لا يجعلون الوقت المتاح لهم للمذاكرة أو للدراسة يتفرق بين مثلاً خمسة علوم، لا، حاول أن تختار علماً وأن تبقى فيه مدة من الزمن، هذا العلم تحتاج فيه أن تعرف أبوابه، وتحتاج أن تعرف مسائله وفصوله وأهم الكتب فيه، وطريقة مدارستك له بين القراءة على الشيخ وحضور المحاضرات والدورات والاستماع إلى الدروس المرئية والمسموعة وهكذا. واضح يا شباب؟ يعني أنت إذا أردت أن تتخلص من التشتت عندك فلابد أن تجمع همك على علم واحد، هذا العلم تعرف فيه كل الأبواب وتعرف فيه كذلك الكتب الرئيسة في هذا العلم.

واضح يا شباب؟ يعني أضرب مثلاً، أنت إذا أردت أن تتخصص في علوم الحديث أو أن تتأصل فيه، تحتاج أن تعرف كل أبواب العلم، وأن تعرف ما هي الكتب الرئيسة في هذا العلم، وتحتاج أن تنوع طريقة التعلم فيه؛ تقرأ وتطالع وتختصر وتستمع إلى الدورات وتناقش أصدقاءك في مدارسة جماعية وتكتب بحثاً فيه وأن تدرس دراسة تطبيقية، وهكذا. كذلك علم أصول الفقه وعلم العقيدة وعلم اللغة العربية وهكذا. أما يا شباب أن تفرق وقتك المتاح، ربع في العقيدة وعشر دقائق في السيرة وخمس دقائق في كتاب في الفكر، فهذا والله يا شباب لن يخرجك من السطحية، لأ، لا بد أن تعرف أن الإنسان إذا اجتمع همه في باب واحد لمدة معينة فإنه خليق بأن يحكم هذا الباب إن شاء الله. فلذلك إن شاء الله سيكون لنا محاضرة خاصة عن التخصص، كيف ينتقل طالب العلم من السطحية إلى التخصص؟ لكني فقط هنا أعطيت من هو الطالب الذي أخصه في هذه الدورات، وهو الطالب الذي عنده أرضية أو عنده معلومات عامة لكنه يحتاج أن ترتب المعلومات، يحتاج أن يتعلم المهارات؛ مهارة القراءة، كيف نقرأ لنستخلص الفوائد؟ كيف نفهم؟ كيف نستوعب؟ كيف نحلل؟ كيف نستدل؟ كيف نفهم الإشكال؟ كيف نرد الإشكال؟ وهكذا. فهذه الأمور يا شباب وهذه المهارات يحتاج الطالب أن يعرفها حتى يعرف ماذا عنده منها وماذا حصل وماذا ينقصه.

يمكن أن أختم هذه الفكرة بكلام للمفسر الكبير ابن عطية رحمه الله. قال الإمام ابن عطية، وهو أحد كبار المفسرين، بعدما ذكر مقدمة تفسيره ذكر أن العلوم فنون، وأن على من تشوق للتحصيل أن يأخذ من كل علم بطرف، يعني الفكرة عنده يا شباب أن يكون عندك أرضية بكل العلوم. ثم قال، ركز معي جداً في هذه المقالة، قال ابن عطية رحمه الله: ثم رأيت أن من الواجب على من احتبى وتخير من العلوم واجتبى أن يعتمد على علم من علوم الشرع يستنفذ فيه غاية الوسع، يجوب آفاقه ويتتبع أعماقه، ويضبط أصوله ويحكم فصوله، ويلخص ما هو منه أو يؤول إليه، ويفي بدفع الاعتراضات عليه، حتى يكون لأهل ذلك العلم كالحصن المشيد والذخر العتيد، يستندون إلى أقواله ويحتذون على مثاله.

هذه بالضبط يا شباب مختصر الفكرة؛ ما هو مختصر الفكرة؟ أن يكون عندك أرضية بكل العلوم المنتسبة إلى الشريعة، يعني أن تدرس دراسة أفقية في الحديث وأصول الفقه وعلوم القرآن والفقه والتفسير والمنطق والفلسفة والعلوم الإنسانية، هذه دراسة أفقية، ثم تعطي وقتاً من حياتك لكل علم من هذه العلوم، تركز في هذا العلم على الأقل ستة أشهر، ثم بعد ذلك تختار باباً كبيراً من هذه العلوم، هذا الباب تحاول أن تعرف عنه كل شيء قدر الإمكان، أن تعرف أبوابه ومسائله وأهم كتبه وأهم العلماء الذين يرجع إليهم فيها، وأن تعرف أصول وقواعد هذا العلم، وأن تعرف فنون هذا العلم وما يدخل تحته من الأبواب. كل هذا يا شباب جدير بأن تحقق المرجو في هذا العلم. يمكن أن نكون هنا اقتربنا من ساعة ونصف إن شاء الله، يعني كل مرة نزيد نصف ساعة حتى لا نشق عليكم، كنت أنوي أن نأخذ ثلاث ساعات اليوم لكني أظن أن هذا سيكون صعباً، فأنا أحاول أن نقتدي بالأضعف حتى لا يمل الناس إن شاء الله. موعدنا غداً في درس الحديث، نحن نسير في خطين في التأصيل في علوم الحديث، والخط الآخر هو دراسة تراث الأئمة المحققين، واخترنا أن نبدأ بالإمام ابن تيمية رحمه الله؛ سيكون إن شاء الله يوماً لعلوم الحديث ويوماً لتراث الأئمة المحققين.

إن شاء الله في المحاضرة القادمة الخاصة بهذا العلم ستكون يوم الأحد إن شاء الله، سنتكلم فيها عن تراث الأئمة المحققين، ما صفتهم وما تراثهم وما قيمته في تكوين طالب العلم؟ ونتكلم عن الإمام ابن تيمية، ونتكلم عن تراثه في تزكية النفس، ثم ندخل في الكتاب الأول وهو كتاب العبودية. وإحنا عندنا إن شاء الله واحد وسبعون كتاباً في المرحلة الأولى، هذه الكتب إن شاء الله لا تتخض من أنها واحد وسبعون كتاباً فتظن أن هي، لأ، نحن إن شاء الله سنقرأ فيها قراءة سريعة، وكل ما يمكن الطالب فهمه فلن نشرحه، سنقف فقط مع المشكل، لأننا اخترنا أن نقرأ كل تراث الإمام في كل باب، يعني كل تراث الإمام في باب التزكية والعبادة، كل تراث الإمام في باب الأسماء والصفات وباب القدر وباب النبوات وهكذا. بهذه الصورة سنمر إن شاء الله على كل تراث الإمام ابن تيمية رحمه الله، وهذا أحسن وأقوى ما يمكن أن تبدأ به استقراءك لتراث الأئمة، فهذا التراث إن شاء الله سيسهل عليك كل كتب الأئمة بإذن الله، لأننا سنحاول أن ننمي مهارة: كيف تفهم كلام الإمام؟ كيف تقسم كلامه إلى فقرات؟ كيف تفرق بين الفائدة والقاعدة؟ كيف توظف الفائدة في بابها؟ كيف تعرف استدلال الإمام وجمعه للنصوص وتحريره للأقوال؟ وهكذا. يعني سنهتم جداً بسؤال كيف أكثر من سؤالي ماذا، فنسأل الله سبحانه وتعالى العلم النافع والعمل الصالح.

وأنا شايف كثير من الشباب ما شاء الله بيقول إن هو مستمتع وده من فضل الله سبحانه وتعالى. واحنا إن شاء الله سنجتمع إن شاء الله على الخير، وسنتم بإذن الله فهي هذه الكتب إن شاء الله. وهذه الكتب ستنتهي سريعا يعني آآ ما تشعرش إن هي كتب طويلة جدا لأ؛ يعني أنا أحب دائما آآ إنجاز كل معلومة تدخر إلى موضعها. وكل معلومة أشعر إن الطالب لا يحتاج أن تحرر له أو أن يعني تشرح له سأكتفي ببيانها من القراءة، ونركز فقط على ما يصعب على الطالب، ونسأل الله سبحانه وتعالى العلم النافع والعمل الصالح.

موعدنا غدا إن شاء الله مع آآ دروس الحديث، في آآ أخ عبد الرحمن رزق بيقول ما اسم هذه السلسلة؟ هي دراسة تراث الأئمة المحققين والانتفاع بهم. نبدأ آآ كتب الإمام ابن تيمية رحمه الله في آآ باب إخلاص العبادة لله وتزكية النفس والاستقامة، وآآ الحديث عن الفرق المخالفة في هذه الأبواب. آآ جزاكم الله خيرا يا شباب، وآآ أنا والله سعيد جدا بهذه الدورات، وأشعر إن شاء الله أنها ستستمر بإذن الله، وأشعر إن الله سبحانه وتعالى يفتح لنا أبواب خير كثيرة جدا.

هو يعني أنا كنت أود أن نكون جميعا آآ يعني نكون مجتمعين يعني ندرس على السبورة، لكن الحمد لله يعني جعل الله خيرا في هذه وسائل التواصل. أريد منكم ألا تحرقوا أعماركم في وسائل التواصل الاجتماعي، ولا تدخلوا عليها إلا وأنتم تعرفون ماذا تريدون منها بالتحديد. واغتنموا أوقاتكم، واحرصوا على سلامة قلوبكم، واحرصوا على تزكية أنفسكم، واحرصوا على طلب العلم النافع، وأخلصوا النيات إلى الله تبارك وتعالى، فإن الله سبحانه وتعالى إذا علم في قلب العبد خيرا فإنه يعطيه خيرا. وجزاكم الله خيرا وبارك الله فيكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.