تسجيل الدخول

التّعلِيق عَلى كتاب الدَّاء وَالدَّوَاء | المجلس الحادي والعشرون والأخير

إبراهيم رفيق الطويلالشيخ إبراهيم رفيق الطويل
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمده سبحانه حمد الذاكرين الشاكرين، وأصلي وأسلم على نبينا وحبيبنا وقرة أعيننا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً أن أوصلنا إلى هذا المجلس المبارك، مجلس التمام والختام بإذن الله، ونسأله سبحانه وتعالى أن يرزقنا حسن الختام في هذه الحياة الدنيا، وأن يعيننا على المواظبة والاستمرار والمواصلة على هذا الطريق، طريق العلم والتعلم، والوقوف على كلام علمائنا وأئمتنا في كافة الفنون والعلوم في سيرنا إلى الله سبحانه وتعالى. ونسأله أن تكون هذه الكلمات وهذه الهمسات التي سمعناها وقرأناها ووعيناها أن تجد أثراً ملموساً في حياتنا وواقعاً تغييرياً، ننتقل بها إلى الأفضل ونسمو بها نحو ما يرضي الله سبحانه وتعالى.

فإن المطلوب ليس هو مجرد الختام، وإنما المطلوب أن يحسن الإنسان العمل. وأما ختم المصنفات فما أسهل هذه العملية، ولكن الجهد الذي ينبغي على طالب العلم وعلى المسلم عموماً أن يركز عليه، وأن ينتبه عليه في مسيرته إلى الله، هو أن يركز على العمل وعلى إصلاح الخلل وعلى تدارك النفس وعلى يقظة القلب، وأن يبقى دائماً مستزيداً من الكلام من أجل أن يستزيد في يقظة قلبه. وليس المقصود كما قلنا هو مجرد القراءة وأن تطوى الصفحات، وإنما السير إلى الله سبحانه وتعالى. فالحمد لله أولاً وآخراً في هذا المجلس. نختم أيها الكرام بإذن الله ما ذكره ابن القيم في هذا الكتاب النافع الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي. هذا السفر المبارك الذي قلبنا صفحاته خلال الأشهر الماضية في عصر كل سبت، نقلب الأنظار في مسألة مهمة خطيرة لابد لكل إنسان أن يراعيها وأن ينظر فيها، وهي مسألة تمس حياتنا الأخروية والدنيوية، ألا وهي مسألة الذنوب والمعاصي.

حاول ابن القيم عليه رحمة الله بإبداعه المعروف أن يقدم علاجاً لهذه المسألة، وأن يقدم رؤيا من وحي الكتاب والسنة، يوقفك أيها المسلم على معالم الاجتناب وعلى طرق الابتعاد حتى تصل إلى الله سبحانه وتعالى بأمان. فتكلم عن آثار الذنوب والمعاصي وعن أخطارها، وتكلم عن العلاج الشرعي الأساس الذي ينبغي الاعتماد عليه بعد توفيق الله أولاً وآخراً، ألا وهو الاعتماد على القرآن الذي هو شفاء لما في القلوب والأرواح. وأخبرك ابن القيم كيف يدخل الشيطان إلى قلبك، وكيف يزل قدمك، وكيف يسحبك إلى الأماكن المحظورة وإلى المناطق المشبوهة، فحاول ابن القيم عليه رحمة الله أن يعطيك معالم هذا الطريق، وأنت بعد ذلك عليك أن تسير.

ثم ختم هذا السفر المبارك بالإجابة المباشرة عن سؤال السائل؛ فهذا الكتاب وإن كان في ثلاثمائة صفحة، لكنه إجابة لسؤال واحد لرجل عشق إنساناً، وهو يشعر أن استمراره في داء العشق سيفسد عليه دينه ودنياه. فأفرد ابن القيم الصفحات الخمسين الأخيرة ليعالج إجابة هذا السائل، وهي إجابة يحتاجها كل مسلم وقع في هذا الداء أو لم يقع فيه؛ فإن الإنسان يحتاج إلى الوقاية قبل الوقوع في المرض. فيعطيك ابن القيم كيف توطن قلبك على محبة الله سبحانه وتعالى، وكيف أن هذه الدنيا بكل ما فيها من الملذات والشهوات لا تستحق أن تخسر دينك ودنياك من أجلها. هذه الدنيا أيها الكرام فانية منتقلة، وإن الإنسان مقبل على الله سبحانه وتعالى، فوطن قلبك على محبة الجلال والكمال الذي هو في الذات الإلهية سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، وحاول أن تقلل النظر ولا تمدن عينيك، وحاول أن تشغل همتك بما هو أسمى وأعلى، وأن تتحمل الآلام وتتجرع مرارة الطريق، لكنك في النهاية إنما تعمل لجنة عرضها السماوات والأرض. ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة. ومن أراد الجنة فإنه لن ينالها بسهولة السير، وإنما يحتاج إلى المواظبة والصبر والتعب حتى يمن الله عز وجل عليه بالسلامة.

فإن كثيراً من الناس يظن أنه يريد جنة بدون صبر، ويريد جنة بدون تعب، ويريد ذاك الأجر العظيم والثواب الكبير، تلك القصور المشيدة والحور العين ويريد الأنهار ويريد اللذات والراحة والنعيم، وهو لم يبذل. للنعيم والراحة لا تنال بالراحة، والنعيم لا ينال مع مقارعة الشهوات ومقارفتها. لكل شيء ثمن، وعليك أن تدفع ثمن الجنة. هذه عقيدة وهذا إيمان، هذه قصة الحياة باختصار؛ هناك ثمن، وَلَنَبْلُوَنَّكُم لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا. ما يسطره العلماء هي مقاربات من فهمهم للكتاب والسنة يسعون من خلالها أن يقدموا العلاجات النافعة، لكن بعد ذلك أنت من سيبذل، وأنت من سيصبر، وأنت من سيغض طرفه، وأنت من سيجتهد، وأنت من سيستغفر. لن يستغفر عنك ابن القيم، ولن يتوب عنك ابن القيم، وإنما ابن القيم وضعك على الطريق وقال لك اسلك، والنبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك والقرآن قبل ذلك خطوا لك الطريق إلى الله سبحانه وتعالى. فاسأل الله عز وجل البصيرة في الدين، اسأل الله الثبات، اسأل الله التوفيق، ونستعيذ به من الخذلان، هو ولينا، نعم المولى ونعم النصير.

بسم الله، بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين، ونجي المستضعفين من المسلمين. قال المصنف رحمه الله تعالى: مقامات العاشق، والعاشق له ثلاث مقامات: مقام ابتداء، ومقام توسط، ومقام انتهاء. هنا بدأ المصنف عليه رحمة الله يتكلم أن الإنسان إذا تعلق بإنسان، إذا تعلق قلبك بغير الله سبحانه وتعالى، فهذا العشق، هذا العشق له مقامات ومراتب. جزاك الله خيراً، هذا العشق له مقامات ومراتب، كيف يبدأ بالإنسان سهلاً خفيفاً، لكن إذا لم يراقب يتوسط وينتقل، ثم إذا لم تراقب وعثا في قلبك أصبح سرطاناً فاشياً يغزو قلبك وينهك إيمانك. فالعشق له ثلاث مقامات: المرحلة الأولى خفيف بدايات التعلق بتلك المعشوقة، المرحلة الثانية يبدأ يتوسط وتبدأ تشعر بالألم، المرحلة الثالثة هي مرحلة الهلاك، أسأل الله ألا يوصلنا إلى الأولى ولا إلى الثانية ولا إلى الثالثة، وأن يكون قلبنا متعلقاً به. سيشرح هذه المقامات ونعلق عليها باختصار.

قال رحمه الله تعالى: فأما مقام ابتدائه فالواجب عليه فيه مدافعته بكل ما يقدر عليه، إذا كان الوصول إلى معشوقه متعذراً قدراً أو شرعاً. قال: فأما في مقام الابتداء، إذا بدأ قلبك يتعلق بفتاة فماذا عليك أن تفعل؟ قال: فالواجب عليه مدافعة هذه الخطرات، وألا يستسلم لهذا العشق بكل ما يقدر عليه، خاصة إذا كان الوصول إلى هذه المعشوقة متعذراً شرعاً وقدراً. يعني واضح أن الظروف القدرية لا تسمح بالوصول إليها، والظروف الشرعية لا تسمح بالوصول إليها. كيف تكون الظروف الشرعية لا تسمح بالوصول إليها؟ إيه، أحسنت، بأن تكون متزوجة، يعني أنت عشقت امرأة وهي متزوجة، تستطيع أن... لا تستطيع أنك تتزوجها ما دامت على عصمة رجل آخر. فيقول لك: إذا كانت الظروف القدرية والشرعية لا تسمح بالوصول إليها، فإياك أن تنهك قلبك ومشاعرك بالتعلق بها.

قال رحمه الله: فإن عجز عن ذلك وأبى قلبه إلا السفر إلى محبوبه، وهذا مقام التوسط والانتهاء. قال: إذا بعد ذلك، إذا أنت استسلمت لهذه الخواطر وبدأت تفكر بهذه المعشوقة أكثر وأكثر، وغلب عشقها على قلبك، فهنا بدأ قلبك بالسفر إليها، هذا معنى قوله بدأ قلبك بالسفر إليها، فهنا دخلت في المرحلة المتوسطة، ورويداً رويداً ستصل إلى الانتهاء. لذلك قال: وهذا مقام التوسط والانتهاء؛ لأن ذكرنا العشق ثلاث مراتب: ابتداء، توسط، انتهاء. إذا لم تدافع الخطرات من البداية، سينتقل عشقك إلى المرحلة الثانية، ويمكن مع الوقت ينتقل إلى المرحلة الثالثة، وهي مرحلة الهلاك في المعشوق والعياذ بالله.

قال رحمه الله: فعليه كتمان ذلك وألا يفشيه إلى الخلق، ولا يشبب بمحبوبه ويهتكه بين الناس. جيد، هنا حقيقة ابن القيم قدم معالجات اجتماعية ونفسية مهمة جداً لمن ابتلي بعشق إنسان. يقول ابن القيم: إذا ابتلاك الله بعشق معشوقة، أو ابتلاك الله بعشق رجل، ما هي القضية متبادلة، قد يكون الرجل وقع في عشق امرأة أو امرأة وقعت في عشق رجل، فيقول لك: إياك ثم إياك أن تبوح بهذا العشق وأن تتكلم أمام الناس أنك تعشق فلاناً. نعم قد تكون ابتليت والأمر خرج عن سيطرتك، لكن أرجوك لا تتكلم أمام الناس أنك تعشقها. لماذا؟ قال: لأنك ستهتك سترها وستر عائلتها، وستكون سبباً في ابتذالها وافتضاحها بين الناس مع أنها المسكينة عفيفة طاهرة، قد لا تكون مبادلة لهذا الشعور، أو قد تكون تبادلك هذا الشعور لكنها كتمت في نفسها، فإياك ثم إياك أن تفضحها؛ فإن الناس لا يجدون إلا سالفة يتكلم بها، فإذا أنت قلت أو بحت لشخص أو إنسان بحبك لهذه الفتاة، هنا بدأت تعرضها للخطر. وكذلك المرأة إذا عشقت شاباً أو تعلقت به، حاولي قدر المستطاع إذا ابتلاك الله بهذا المرض ألا تبوحي بما في قلبك حتى لا تفسدي هذا الشاب وتفسدي عليه وعلى أهله صيانته وحرمته، ولو عرفت أن ذاك الشاب قد يكون يهواك، هذه قلوب، لكن المطلوب الآن الستر حتى لا تهتك الحرمات.

رأيتم ماذا فعل بامرأة العزيز، مجرد ما وقف في المنزل ماذا حصل، وقال نسوة في المدينة امرأة العزيز، انتشر الخبر انتشار النار في الهشيم في المدينة. الناس أفضل وأجمل الأخبار التي يتناقلونها لفراغهم وبطالتهم هم بالنسبة لهم هذه الأخبار، يعني إذا عرفوا أن فلاناً يحب فلانة، يصبح هكذا بينهم، يتكلمون، إيه والله شفت فلانة ترى تحب فلاناً، ترى تفعل كذا، ترى ويبدأ الأمر يخرج عن السيطرة. وكذلك الشباب إذا عرفوا أن أخاهم ابتلي بالعشق، فيبدأ حديث المجالس ترى فلاناً كذا، ويهتك ستره وستر الناس. فلذلك ماذا يقول؟ يقول: فعليك كتمان ذلك، إذا ابتلاك الله بالعشق فعليك كتمان ذلك، وإياك ثم إياك أن تفشيه لأحد من الخلق.

قال رحمه الله: فيجمع بين الشرك والظلم، فإن قال: وإياك أن تشبب بالمحبوب ولا تهتك ستره. هذه طبعاً حالة من الرذيلة أكثر وأكثر، أن الإنسان يعشق فتاة فيبدأ على وسائل التواصل الاجتماعي ينشئ قصائد في محبتها وفي التغزل بها، فهذا معنى التشبيب، ولا يشبب بمحبوبته، يعني لا يتغزل بها في قصائد لأنك فضحتها وفضحت أهلها وهتكت أستارهم، وهذا قال من الظلم. قال: فيجمع بين ماذا؟ الظلم والشرك. الظلم أنك ظلمت هذه الفتاة لما شببت بها وفضحت علاقتك معها وقد تكون هي أصلاً لا تريد ذلك، يعني أنت ابتليت بعشقها وهي المسكينة عفيفة طاهرة، ليس لها علاقة بهذا الموضوع أو ليست يعني متجاوبة لك، فتكون ظلمتها. والشرك هو أنك أشركت محبتك لها بمحبتك بالله سبحانه؛ فإن هذا الذي غلب على قلبك من العشق والتعلق هو شكل من أشكال الشرك، قد يبدأ شركاً أصغر لكنه يتطور ويمكن يصبح شركاً أكبر كما قلنا في المجلس السابق.

قال رحمه الله: فإن الظلم في هذا الباب من أعظم أنواع الظلم، وربما كان أعظم ضرراً على المعشوق وأهله من ظلمه في ماله. نعم، يعني أنت لو بعض الناس بيقول لك: أظلمني في مالي ولا تظلمني في عرضي. صح، يعني أنت ضررت هذه الفتاة المعشوقة أكثر من لو سرقت مالها، يعني لو سرقت مالها ومال أبيها، الضرر في ذلك أهون عليهم نفسياً من ماذا؟ من أن تشبب بها؛ لأنك هنا تظلمها أين؟ في عرضها، تظلمها في عرضها، لذلك قال: وربما كان أعظم ضرراً على المعشوق من أن تظلمه في ماله؛ لأنه هذا العرض، والعرض صعب على الإنسان كريم وشريف.

قال رحمه الله: فإنه يعرض المعشوق بهتكه في عشقه إلى وقوع الناس فيه وانقسامهم إلى مصدق ومكذب. إذا خرجت الرائحة أن فلاناً يعشق فلانة وهو شببها بها، يصبح الناس يعني ما بين مصدق ومكذب، ليه؟ معقول فلان يحب فلانة؟ لا أنا مصدق، يقول لك: لا صدق ترى حصل هذا وكذا، ويبدأ الناس يعني يتبادلون أطراف الحديث، واحد مصدق أنه عاشق والآخر غير مصدق، وعاد أصبح حديث الجمهور والمجتمع.

قال رحمه الله: وأكثر الناس يصدق في هذا الباب بأدنى شبهة. نعم، أقول لك والتجربة الاجتماعية تقول إن أغلب الناس يصدقون بأدنى شبهة، فقط تخرج رائحة خفيفة ولو لم يتوثق يبدؤون ينسجون قصص الخيال والأحلام والسيناريوهات، وأنه يحبها، لا أنا واثق، ولو هو لم يتأكد. إن الناس من بطالتها لا تجد شيئاً تتحدث به فتشغل بما لا يفيد. قال: وإذا قيل فلان فعل بفلان أو بفلانة، كذبه واحد وصدقه تسعمائة وتسعة وتسعون. قال: وخبر العاشق المتهتك عند الناس في هذا الباب يفيد القطع اليقيني، بل إذا أخبرهم المفعول به عن نفسه.

وخبر العاشق المتهتك عند الناس يفيد القطع واليقين، يعني مجرد ما أنه عاشق يتكلم أمام الناس أنه يعشق فلانة، يبدأ الناس بالنسبة لهم هذا خبر يقين جازم، فيبدؤون نسج قصص الخيال عن علاقته بها. عاد هي المسكينة قد لا تكن لا رأته ولا تحبه ولا ترغب به، وقد تكون تحبه لكنها لم تفعل خطأ، لكن هكذا طبيعة المجتمع. القيم هنا يتكلم عن معالجة اجتماعية مهمة علينا أن نفهمها. قال رحمه الله: بل إذا أخبرهم المفعول به عن نفسه كذباً وافتراءً على غيره جزموا بصدقه جزماً لا يحتمل النقيض. نعم، لو جاء إنسان، المفعول به هنا ليس الفاعل، يعني لو أن فتاة فعل بها وقالت: ترى فلاناً جاء وفعل بي وكذا، ترى الناس تصدق سريعاً، وتبدأ ترمي ذاك الشخص، وقد يكون ذاك الشخص لم يفعل هذا، وإنما هو افتري عليه أنه فعل بفلانة، وهذا يحدث لأن قصص الأعراض في.

العادة تلاك على الألسن سريعا، قصص الأعراض، سواء الفاعل أو المفعول به، متى ما خرجت الرائحة؛ يعني نشب الحريق. جيد. قال رحمه الله: بل لو جمعهما مكان واحد اتفاقا لجزموا أن ذلك عن وعد واتفاق بينهما. نعم، يعني يصبح الناس مجرد ما شافوا فلانة ماشية في هالشارع، ومن نسب أنه يعشقها في هذا الشارع، قد يكون اتفاقا، يعني قدرا، يعني فعليا أمر قدري ما في اتفاق بينهما مسبق، لكن هذه أجت في هذا الشارع ووقفت هنا من أجل أن تراه ولا يكون الأمر كذلك، لكن هكذا يعني هكذا المجتمعات للأسف تفسد في هذه الأمور.

قال: وجزمهم في هذا الباب على الظنون والتخيل والشبه والأوهام والأخبار الكاذبة كجزمهم بالحسيات المشاهدة. يعني الآن الأمور المحسوسة في علم الفلسفة والمنطق يقولون هي ضرورية، يعني قطعية، أليس كذلك؟ الناس في أخبار العشق مع أنها مبنية على الخيال والوهم والظنون يعاملونها معاملة القطعيات. كان هكذا ابن القيم يقول، الناس في قصص العاشقين، وأن فلانا يحب فلانة، ينسجونها من أوهامهم ومن خيالهم ثم تصبح قطعية ومستقرة، مع أن القصة من أصلها قد تكون مكذوبة.

نعم، قال رحمه الله تعالى: وبذلك وقع أهل الإفك في الطيبة المطيبة حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم المبرأة من فوق سبع سماوات، بشبهة مجيء صفوان بن المعطل بها وحده خلف العسكر حتى هلك من هلك. يعني يعطيك ابن القيم شاهدا لما يقوله، يقول: تخيل عائشة الطاهرة العفيفة التي صانها الله سبحانه وتعالى، زوج النبي الأعظم صلوات ربي وسلامه عليه، يبدأ المنافقون بنسج قصص خيال وكذب وافتراء على عرضها الشريف بمجرد أن صفوان بن معطل رآها وحدها وقد غادرها الجيش كما تعرفون في القصة، فوضعها على الجمل حتى يأخذها إلى الجيش. وعندما رأى المنافقون مجرد الصورة، مجرد أن صفوان يقود جملا عليه عائشة، دخل في عرضها من دخل وهلك من هلك. وأكثر الرافضة اليوم كفروا بالله العظيم لدخولهم في عرض عائشة، تخيل هذا بسبب ماذا؟ مشهد واحد، مشهد واحد إلى الآن بعض الناس يكفر بسببه ويطعن في عائشة في عرضها، حتى تعرف ضعف الناس في مسائل الأعراض وسرعة تهوكها في هذه الأبواب.

نعم، قال رحمه الله: ولولا أن تولى الله سبحانه وتعالى براءتها والذب عنها وتكذيب قاذفها، لكان أمرا آخر. تمام، يعني لبقي الحديث وبقيت علامات الاستفهام على هذا الموقف، لولا أن الله هو الذي ذب عن عرض عائشة بذاته في قرآنه: إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ، لكان الحديث متداولا حتى بين أوساط الصحابة، وهناك من وضع علامات استفهام، فالله هو الذي رعاها برعايته وتكفلها بكفالته.

نعم، قال رحمه الله: والمقصود أن في إظهار المبتلى عشق من لا يحل له الاتصال به من ظلمه وإيذائه هو عدوان عليه وعلى أهله، وتعريض لتصديق كثير من الناس ظنونهم فيه، فإن استعان عليه بمن يستميله إليه، إما برغبة أو رهبة، تعدى الظلم وانتشر. قال: فإذا استعان عليه، الآن انتقل لمرحلة ثانية، هذا العاشق المجرم حتى يصل إلى معشوقته أصبح يستعين ببعض الناس والوسطاء، وسطاء السوء، يقول: يا فلان، اذهب لفلانة وقل لها ترى أنني أريد مقابلتك أو أنني عاشق بك أو ما شابه ذلك. قال هنا يزداد الشر ويكبر ويكبر، وبعض الناس قد يستعمل الترغيب أنه يؤمل معشوقته بالوصول مثلا إلى وظيفة أو مال أو شيء، وقد يستعمل الترهيب أن يقول لها: إذا لم توافقي وتلتقي بي سأفضحك، وهذا يحصل في مجتمعنا، ليس كذلك؟ يستفزها بشيء معين أنني سأقتلك، سأفعل كذا، سأحرم والدك، خاصة إذا كان مسؤولا وله مكانة، عفوا، يستغل مكان مسؤوليته أكثر وأكثر في التسلط على هذه الفتاة، هذا معنى قوله: إما برغبة أو برهبة، المهم أنه يريد الوصول إلى معشوقته المسكينة التي قد لا تكن لها علاقة بهذا الموضوع بتاتا.

نعم، قال: وصار ذلك الواسطة ديوثا ظالما. إذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد لعن الرائش وهو الواسطة بين الراشي والمرتشي في إيصال الرشوة، فما ظنك بالديوث الواسطة بين العاشق والمعشوق في الوصلة المحرمة؟ نعم، فإن بعض الناس يحسب أنه يفعل خيرا عندما يربط بين المعشوقين في لقاءات محرمة، الآن يا أيها الواسطة، إذا كنت تريد الزواج بينهما بالحلال يعني جزاك الله خيرا هذا ملف جيد إذا كان يصلح، لكن أن تحاول ترتب بينهما مواعيد بالحرام، وخاصة هذا يكثر في جنس النساء، أنها تعرف أن صديقتها أو كذا وقعت في عشق شاب وهي تحاول تقول: والله مسكينة صديقتي بدي أساعدها، فتبدأ تحاول توصل لهذا الشاب أن والله فلانة ترى ترغب أو كذا، لا، لو أنك نظرت إليها، لو كلمتها، اتقوا الله أيها الرجال واتقوا الله أيتها النساء، فالأمر شديد كما قال ابن القيم.

قال رحمه الله: فيتساعد العاشق والديوث على ظلم المعشوق وظلم غيره ممن يتوقف حصول غرضه على ظلمه في نفس أو مال أو عرض، فإن كثيرا ما يتوقف المطلوب فيه على قتل نفس تكون حياتها مانعة من غرضه. نعم، هذه أمور تكثر في المجتمع، يعني أحيانا كيف يتفشى الظلم بسبب قصة عشق؟ هذه يتأذى بسببها زوج المعشوقة أو خاطبها أو ما شابه ذلك، يكون فلان يعشق فتاة ويعرف أنها مخطوبة فيقوم بقتل الخاطب، يقوم بقتل زوجها، المهم أنه يريد الوصول إليها بأي شكل، وهذا الظلم تخيلوا أن وصل إلى قتل أرحام وأصهار وما شابه ذلك، فموضوع العشق حقيقة إذا أفسد عقل الإنسان موضوع خطير عموما.

نعم، قال رحمه الله: وكم من قتيل طل دمه بهذا السبب من زوج وسيد وقريب. قال: كم من قتيل طل دمه، يعني أهدر دمه بسبب قصة عشق. نعم، قال: وكم خببت امرأة على بعلها، وجارية وعبد على سيدهما. وقد لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم من فعل ذلك وتبرأ منه، وهو من أكبر الكبائر، وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد نهى أن يخطب الرجل على خطبة أخيه، أو أن يستام على سوم أخيه، فكيف بمن يسعى في التفريق بين رجل وبين امرأته وأمته حتى يتصل بهما؟ طبعا قضية الأمة أظنكم فاهمينها، أنا ما بدي أعلق عليها كثيرا، لأنه الأمة قديما هي بالنسبة لسيدها كالزوجة بالنسبة للزوج، هي نفس الفكرة فقط حتى لا أكثر التعليق عليها.

نعم، قال رحمه الله تعالى: وعشاق الصور ومساعدوهم من الديوثة لا يرون ذلك ذنبا، فإن طلب ذلك العاشق وصل معشوقه ومشاركة الزوج والسيد، ففي ذلك من إثم ظلم الغير ما لعله لا يقصر عن إثم الفاحشة إن لم يرب عليها. قال: ولا يسقط حق الغير بالتوبة من الفاحشة، فإن التوبة وإن أسقطت حق الله فحق العبد باق له، باق له المطالبة به يوم القيامة. يعني إذا هذا العاشق فعل بامرأة متزوجة، لو أن العاشق والعياذ بالله فعل بامرأة متزوجة، فإن هذا يوم القيامة ليس فقط جريمة زنا، فيها أيضا جريمة ظلم، هو ماذا؟ أنك أفسدت على الرجل المتزوج فراشه، وبالتالي يوم القيامة لن ينفعك فقط أنك تبت من الزنا، هناك مسؤولية ظلم الآخرين، أنك أفسدت على رجل بيته وزوجته وفراشه، وظلم الآخرين يحتاج إلى أن تستسمح منهم، ومن الذي سيسامحك إذا أفسدت عرضه؟

نعم، قال رحمه الله: فإن ظلم الوالد بإفساد ولده وفلذة كبده وهو أعز عليه من نفسه، فظلم الزوج بإفساد حبيبه والجناية على فراشه أعظم من ظلمه بأخذ ماله كله. تمام، ركزوا في هذا النص، ظلم الوالد بإفساد ولده، أيها الشاب في الجامعة إذا أنت عملت علاقة محرمة مع فتاة غير متزوجة ما زالت في سنك، أنت حقيقة تظلم والدها، تظلم أمها، تظلم إخوانها، لماذا؟ لأنك تفسد عليهم ابنتهم، خاصة يعني شوف بعض الرجال للأسف هو سبب في إفساد ابنته، يخرجها متبرجة بكامل زينتها للجامعة ويوصلها ويقول لها السلام عليكم، هذا في الحقيقة هو سبب في إفساد ابنته فلا يستحق الاحترام أصلا، لكنني أتكلم عن رجل مصون عفيف عنده فتاة عفيفة، ابنته يلبسها الحجاب والجلباب المطلوب ويذهب بها إلى الجامعة، أنت أيها الذئب البشري عندما تحاول الوصول إلى هذه الفتاة وتحادثها وهي لضعف قلبها وقعت فريسة بين يديك، وأنت ماذا فعلت؟ أنت أفسدتها على أبيها وأفسدت تربيتها وأفسدتها على إخوانها، هذا ظلم. فبالنسبه للأب يقول لك: يا أخي، خذ مالي، اسرق مالي ولا تسرق ابنتي، اسرق مالي ولا تسرق مني عرضي وشرفي وابنتي، فهذه قضية خطيرة، كذلك ظلم الزوج كما قلنا بإفساد زوجته عليه.

نعم، قال رحمه الله تعالى: ولهذا يؤذيه ذلك أعظم مما يؤذيه أخذ ماله، ولا يعدل ذلك عنده إلا سفق دمه. نعم، يعني الرجل بيقول لك اسفك دمي ولا تأخذ عرضي، مش هيك الناس؟ مستعد يسفك دمه ولا يصاب عرضه بكلمة. قال رحمه الله: فيا له من ظلم أعظم إثما من فعل الفاحشة، فإن كان ذلك حقا لغاز في سبيل الله، وقف له الجاني يوم القيامة وقيل له: خذ من حسناته ما شئت، كما مر مع حديث من يزني بزوجات المجاهدين والعياذ بالله، أن هذا إثمه أعظم وأعظم، مر معنا في كتاب الكبائر للذهبي إذا تذكرون، أن الذي يزني بامرأة المجاهد الذي خرج وترك زوجته للدفاع عن المسلمين، يوقف المجاهد يوم القيامة ويقال له: خذ من حسنات من فعل في زوجتك ما شئت، فيبقى يأخذ من حسناته حتى ينهيها، ويستحق هذا المجرم الجاني هذه العقوبة.

نعم، قال رحمه الله كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فما ظنكم؟ أي فما تظنون يبقي له من حسناته؟ يعني المجاهد لن يبقي أي شيء من حسنات ذاك الذي اعتدى على عرضه ويستحق. نعم، قال: فإن انضاف إلى ذلك أن يكون المظلوم جارا له أو ذا رحم محرم، تعدد الظلم فصار ظلما مؤكدا لقطيعة الرحم وأذى للجار، ولا يدخل الجنة قاطع رحم ولا من لا يأمن جاره بوائقه. يعني وأحيانا قد يستطير ظلم العشق أن يعشق الرجل مثلا زوجة جاره، فهنا نشوف الظلم، أنك دخلت في عشق امرأة مصونة وهي أيضا جارة، أو تكون تعشق مثلا من أرحامك من ابنة العمة وكذا، فتؤدي إلى إفساد العلاقة مع أعمامك وأخوالك، هنا يزداد الأمر سوء والظلم والمشاكل، وستسأل أمام الله عن كل هذا الظلم الذي كانت سببه النظرة المحرمة التي أنت من البداية مش قادر تضبطها، فقط نظرة محرمة أحدثت في قلبك هذه البلابل.

نعم، قال رحمه الله: فإن استعان العاشق على وصال معشوقه بشياطين من الجن، إما بسحر أو استخدام أو نحو ذلك، ضم إلى الشرك والظلم كفر السحر، فإن لم يفعله وهو رضي به، كان راضيا بالكفر غير كاره لحصول مقصده به، وهذا ليس ببعيد من الكفر. يعني يقول لك الذي بعض الناس والعياذ بالله يصل به الأمر أنه يريد ماذا، يفعل السحر من أجل أن يحبب الفتاة إليه أو أن الفتاة تعشقه أو يفسد بين الفتاة وبين زوجها حتى يطلقها زوجها وهو يتزوجها، قال فإذا هو فعل السحر بنفسه فقد كفر، وإذا هو استعان بساحر وهذا الساحر سيستعمل الكفر فانت رضيت بسحره وأقررته، فلست بعيدا عن الكفر، هذا معنى كلامه.

نعم، قال رحمه الله: والمقصود أن التعاون في هذا الباب تعاون على الإثم والعدوان، وأما ما يقترن بحصول غرض العاشق من الظلم المنتشر المتعدي ضرره فامر لا يخفى، فإنه إذا حصل له مقصوده من المعشوق فللمعشوق أغراض أخر يريد من العاشق إعانته عليها. نعم، إذا كان العشق بين شخصين وكلاهما مطاوع للآخر فكل شخص منهما يحاول أن يستفيد ويستغل الطرف الآخر، فالرجل العاشق يستغل الفتاة المعشوقة ويطلب منها الوصال المحرم، وهي لما عرفت أنه يريدها وكانت خبيثة الطباع، هي أصبحت ماذا في بعض الأحيان تستغله، بتقول له: طيب ماشي، باجي إياك نتواعد، لكن أريدك مثلا أن تعين لي ابني في كذا وكذا، أو توظفني في كذا، وهذا كثير كثير ما يحدث للأسف في مؤسسات وأماكن كثيرة، ونحن نعرف هذا، أنه يطلب شيئا مقابل شيء، هي تبذل مقابل أن تحصل، فهمتم كيف يصبح كل شخص يريد أن يستغل الآخر من أجل تحصيل مطلوبه.

نعم، قال رحمه الله: فلا يجد من إعانته بدا، فبقي هو يقول لك: خلص، أنا بعينك أو بعطيك مال مقابل أنه مثلا تعطيني وتبادليني ما أريد والعياذ بالله.

نعم، قال رحمه الله: فبقي كل منهما يعين الآخر على الظلم والعدوان، فالمعشوق يعين العاشق.

على ظلم من يتصل به من أهله وأقاربه وسيده وزوجه، والعاشق يعين المعشوق. هذا طبعاً إذا كان المعشوق فاسد الطباع، نحن قبل شوي كنا نتكلم بشكل عام ممكن يكون المعشوق بريئاً، لكن هنا ابن القيم انتقل إلى حالة أخرى، وهو أن يكون المعشوق فاسداً ويريد أن يستغل العاشق، فهو يرضى أن العاشق يفسد. يعني المرء بعض النساء المتزوجات هي تدخل في علاقة محرمة مع رجال فتفسد بيتها وأبناءها وزوجها، فهنا المعشوق أعان العاشق على تحصيل البغي والظلم والعدوان لسمعة المرأة وسمعة أهلها وشرفهم والعياذ بالله. نعم.

قال رحمه الله: والعاشق يعين المعشوق على ظلم من يكون غرض المعشوق متوقفاً على ظلمه، فكل منهما يعين الآخر على أغراضه التي فيها ظلم الناس، فيحصل العدوان والظلم للناس بسبب اشتراكهما في القبح لتعاونهما بذلك على الظلم، كما جرت به العادة بين العشاق والمعشوقين من إعانة العاشق لمعشوقه على ما فيه ظلم وعدوان وبغي. حتى ممكن العاشق يقول لمعشوقه: خلاص، أنا مثلاً المعشوق يريد مثلاً أنه يتخلص من شخص أو يريد أذية شخص، فتقول الفتاة لعاشقها: والله اقتل لي فلاناً وأنا أصلك، والله افعل تلك الجريمة وأنا أفعل، اسرق لي مالاً. فهذا كله يحدث عندما يجتمع عاشقان فاسدان كل يستمتع بالآخر، وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ، نعم.

قال رحمه الله: حتى ربما يسعى له في منصب لا يليق به ولا يصلح لمثله. هذا كثير ما يحصل حتى في حياتنا، العاشق يسعى للمعشوق أن يصل لمنصب في مؤسسة معينة في كذا، وهذا المعشوق لا يستحق هذا المنصب، بس خلاص حط سكرت نوعين ماشي. قال رحمه الله: وفي تحصيل مال من غير حله، وفي استطالته على غيره. فإذا اختصم معشوقه وغيره أو تشاكيا لم يكن إلا في جانب المعشوق. فإذا كان مثلاً العاشق قاضياً، فرضاً، وكان معشوقه أحد أطراف القضية، مع مَن سيميل القاضي؟ مع معشوقه، وهنا يحصل الفساد. يعني هو بيعطيك آثار العشق في المجتمع وفي حياة الناس وواقع الأمة. نعم.

قال: ظالماً كان أو مظلوماً. هذا إلى ما ينضم إلى ذلك من ظلم العاشق للناس بالتحيل على أخذ أموالهم والتوصل بها إلى المعشوق بسرقة أو غصب أو خيانة. إذا كانت المرأة تستفز الرجل مالياً، تقول له: أنا لا أعطيك حتى تعطيني مثلاً شهرياً ألف دينار أو كذا، وهذا الرجل العاشق طفران ما عنده مال، سيصبح يظلم الناس، يستولي على أموالهم بالسرقة أو بالغصب أو الخيانة، المهم أن يلبي طلبات المعشوقة حتى يستطيع الوصال بها. نعم.

قال: أو يمين كاذبة أو قطع طريق أو نحو ذلك. وربما أدى ذلك إلى قتل النفس التي حرم الله ليأخذ ماله ليتوصل به إلى معشوقه. باختصار، العشق مثل المخدرات إخواني، تعرف المخدرات لما الشخص ما يأخذ الجرعة كيف يمكن يقتل أبوه وأمه وأهل بيته من أجل يحصل المال، مال ليشتري جرعة المخدرات؟ هذا هو العشق، العشق حالة من الهيمان تفقدك السيطرة على نفسك، تريد فقط الوصول إلى المعشوق، فمهما طلب المعشوق أنت مستعد تحقق له كل الطلبات، ولو أمرك والعياذ بالله بالكفر بالله العظيم لفعلت مقابل أن يعطيك تلك اللذة التي هي خمس دقائق. هذا العشق هو ضريبة ماذا أيها الشباب؟ هي ضريبة نظرة أحدثت في قلبك البلابل. برجع بنقول يعني هذا العشق لا نتكلم عن كائن فضائي لا يمكن واحد فينا يصاب به، أو أن طلاب العلم والإخوة والأخوات المتدينين؛ هذا والله واقع مرير، وبعد قليل ستسمعون من القصص العجب العجاب لبعض الفقهاء الكبار وقعوا في العشق، اسمع.

قال رحمه الله تعالى: وكل هذه الآفات وأضعافها وأضعاف أضعافها تنشأ من عشق الصور، وتحمل على الكفر الصريح، وقد تنصر جماعة ممن نشأوا في الإسلام بسبب العشق، كما جرى لبعض المؤذنين حين أبصر امرأة جميلة على سطح ففتن بها، فنزل ودخل عليها وسألها نفسها. هذا المؤذن تعرف قديماً الأذان وين كان يكون؟ على المنارات، يطلع على أعلى المنارة يؤذن، فهو خرج يؤذن فوجد امرأة في البيت، يعرفوا لأنها المنارة عالية فتتكشف أحياناً للأسف ايش؟ بعض النوافذ والبيوت. فهذا المؤذن وقع في حب امرأة هو خارج يؤذن، تخيل خرج يؤذن فوقعت عينه على امرأة في البيت فعشقها. فما الوصول؟ فما هو الحل؟ دخل عليها، فإذا هي امرأة نصرانية، فقالت: أنا لا أعطيك نفسي حتى تتنصر، فتنصر. يعني هذا طالب علم الأصل، يعني هذا مؤذن ومن أهل الخير والصلاح ودائماً في الصفوف الأولى وفي المسجد، وما شاء الله عليه رجل محترم، لكن نظرة أعطاها لنفسه زيادة أحدثت في قلبه البلابل، فما في واحد فينا باختصار معصوم عن هذا المرض الدوي كما يقولون. نعم.

قال رحمه الله تعالى: وسألها نفسها فقالت، هي نصرانية، سألها نفسها يعني أريد منك أن أصل إليك أو الزواج يعني ممكن نعم، إن دخلت في ديني تزوجت بك، ففعل، فرقي في ذلك يعني كفر والعياذ بالله نعم، فرقي في ذلك اليوم على درج عندهم فسقط منها فمات. مسكين، شوف الختام، ما تهنى بها في هذا اليوم، فقط كأنه صاعد على الدرج أو على الطابق الثاني يوم العرس يعني بيشتري شيء أو يحضر شيء المهم فوقع عن الدرج فمات، فلا هو وصل إليها وكفر بالله العظيم، نعوذ بالله، يعني لا دنيا ولا آخرة. نعم.

قال: ذكر هذا عبد الحق في كتابه العاقبة له. وإذا أراد النصارى أن ينصروا الأسير أروهم امرأة جميلة وأمروها أن تطمعه في نفسها حتى إذا تمكن حبها من قلبه بذلت له نفسها إن دخل في دينها، فهنالك يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ. من أكثر الأسلحة التي تستعملها الماسونية والصهيونية العالمية اليوم في تعيين الجواسيس لها ما هو؟ إسقاطهم في العلاقات المحرمة من خلال النساء الفاتنات وتصوير أفلام لهم، وهذا للأسف منتشر جداً في تجنيد الصهيونية والماسونية العالمية لكثير من المسؤولين، توقعوا في علاقة محرمة؛ يأتون بامرأة جميلة في مطعم أو كذا ويوقع وتوقع هذا الرجل في الرذيلة، ثم مقطع ويوضع على الرف، يا إنك بتمشي كما نريد يا إما يخرج هذا المقطع لك، وهذا تعرفونه. نعم.

قال رحمه الله: وفي العشق من ظلم كل واحد من العاشق والمعشوق لصاحبه بمعاونته له على الفاحشة وظلمه لنفسه ما فيه، وكل منهما ظالم لنفسه وصاحبه، وظلمهما متعد إلى الغير كما تقدم، وأعظم من ذلك ظلمهما بالشرك، فقد تضمن العشق أنواع الظلم كلها. طبعاً العشق شرك، هو يقصد شرك لأن التعلق بغير الله بهذه الصورة هو شكل من أشكال الشرك، يبدأ بشرك الأصغر وينتهي والعياذ بالله إلى الشرك الأكبر، لأن هذه المرتبة تنازع المحبة والعبودية التي لا ينبغي أن تصرف إلا لله سبحانه وتعالى، فتعلق القلب لا يكون إلا بالله والعشق يعارض ذلك فهو شرك. نعم.

قال رحمه الله: والمعشوق إذا لم يتق الله فإنه يعرض العاشق للتلف، وذلك ظلم منه بأن يطمعه في نفسه ويتزين له ويستميله بكل طريق حتى يستخرج منه ماله ونفعه ولا يمكنه من نفسه. بعض المعشوقين، خاصة في جنس النساء، قد تستغل غباء العاشق أو الحالة التي هو فيها، بعض المعشوقات قد من سوئها هي تستغل غباء العاشق، فماذا تفعل؟ هي تتزين له وتصور نفسها له وتظهر مفاتنها له، ثم بعد ذلك تقول له: إذا كنت تريد الوصال أحضر لي كذا وكذا من المال، كما قلنا قبل قليل، والمسكين يلهث ويلهث وقد يقتل وقد يفعل الجرائم من أجل إيصال المال وهي لا تعطيه، تقول: لسه ما أعطيتني ما أريد، فتبقى تتدرج به وتسحبه كما تفعل المومسات، وقد لا تعطيه ما يريد أصلاً والمسكين يلهث، شهوة فارغة قال: فلا، أي ماذا قال؟ وتتزين له وتستميله بكل طريق، أيوه، قال: حتى يستخرج منه ماله ونفعه ولا يمكنه من نفسه. شايف؟ ولا تمكنه، لا تعطيه لماذا؟ قال: لئلا يزول غرضه بقضاء وطره. ايش يعني؟ إذا هي مكنته وهو أصابها خلص خلص منها وشبع، فقد يتركها، فهي لأنها قذرة تريد أن يبقى معلقاً في يدها يعني كالخاتم في أصبعها، فتبقى تمنيه غداً بعد غد بعد غد، ولا تريد أن يحصل حتى يبقى مستعبداً لها ولشهوته منها. نعم.

قال: فهذا يسومه سوء العذاب، والعاشق ربما قتل معشوقه ليشفي نفسه منه. آه، يعني في مرحلة معينة ممكن العاشق يفقد السيطرة لما يشعر أن هذا المعشوق لا يعطيه، قد يفقد السيطرة ويقتل المعشوق لأنه يتعذب به، أصبحت صورة عذاب، أنهك تماماً. نعم.

قال: ولا سيما إن جاد بالوصال لغيره. لا سيما إن خانته، يعني بعد رحلة طويلة من الدفع والحسابات وكذا والهدايا تعطي قلبها لغيره، يمكن يقتلها، وهذا وقع كثيراً حتى في بلادنا في الجامعات وكذا، وقع كثير من صور القتل سببها أن الفتاة جادت بقلبها لرجل آخر. نعم.

قال رحمه الله: فكم للعشق من قتيل من الجانبين، وكم أزال من نعمة، وأفقر من غنى، وأسقط من مرتبة، وشتت من شمل، وكم أفسد أهلاً للرجل وولده، فإن المرأة إذا رأت بعلها عاشقاً لغيرها اتخذت هي معشوقاً لنفسها، فيصير الرجل متردداً بين خراب بيته بالطلاق وبين القيادة - القيادة اللي هي الدياثة والعياذ بالله - يعني يقول لك من أيضاً من سلبيات العشق أن المرأة المتزوجة إذا وجدت زوجها عاشقاً لفتاة، إذا وجدت زوجها عاشقاً لفتاة ومنصرفاً بقلبه عنها وضعف دينها، ماذا ستفعل؟ هي أيضاً ستتخذ معشوقاً لها. يعني يقول لك هذه نتيجة أنت ستدفعها، إذا أنت أيها الشاب المتزوج تعلقت بفتاة أخرى، فإن زوجتك إذا رأت إدبار قلبك عنها لضعف دينها قد تتعلق بغيرك، لأن هي تريد أيضاً من يحصنها ومن يشبعها عاطفياً، فأنت لا تشبعها فلا تلمها - يعني لا تقول لا تلمها - لكن هي في النهاية شيء طبيعي نقول أنها ستتعلق بغيرك. طيب إذا أنت اكتشفت أنها تعلقت بغيرك وأنها تتكلم مع رجل، فقال هو بين أمرين إما أن يطلقها إذا اكتشف ذلك وإما أن يبقيها عنده وهي دياثة. يقول لك أنه إذا أنت تعرف أن زوجتك تتكلم مع رجال أجانب وأنت خلاص ما عندك مشكلة، تغض الطرف عن ذلك مثلاً حتى لا تفضحك هي، فأنت تمارس شكلاً من أشكال ماذا؟ الدياثة، تعلم زوجتك تواعد رجال وأنت راضٍ بهذا مقابل أنه لا تفضحني أنا، في المقابل شوف كل هذه المأساة هي سببها ماذا؟ إطلاق البصر أيها الشباب، كل هذه المأساة والتفككات والعلاقات والدمار والقتل سببه نظرة لم تناظر كما قال ابن الجوزي. نعم.

قال رحمه الله: فمن الناس من يؤثر هذا ومنهم من يؤثر هذا، فعلى العاقل ألا يحكم على نفسه عشق الصور لئلا يؤديه ذلك إلى هذه المفاسد أو أكثرها أو بعضها، فمن فعل ذلك فهو المفرط بنفسه المغرور بها، فإذا هلكت فهو الذي أهلكها. فلولا تكراره النظر إلى وجه معشوقه وطمعه في وصاله لم يتمكن عشقه من قلبه. آه، شايفين؟ هذه هي القاعدة هنا، هي الحجة. فلولا تكراره النظر إلى وجه معشوقه وطمعه في وصاله لم يتمكن العشق من قلبه، أنت مين اللي أوصلك إلى هذه المرحلة؟ إدامة النظر إلى وجه المعشوقة، فبقيت كل يوم تقلب الصفحات وتنظر إليها وتتمنى وصالها. إدامة النظر هي التي قتلت قلبك وأنت من أوصلته إلى هذه المهارك. نعم.

قال رحمه الله: فإن أول أسباب العشق الاستحسان، سواء تولد عن نظر أو سماع، فإن لم يقارنه طمع في.. استحسان الرجل للفتاة يتولد عن ماذا أيها الكرام؟ شوفوا أغلب تعلقات الرجال بالنساء تتولد عن النظر، وأغلب تعلقات النساء بالرجال تنبني على السماع، يعني الرجل عادة ما يجذبه في الفتاة وجهها وشكلها، والسماع يمكن يعني كعامل مساعد دعونا نقول، أما الفتاة بالعكس، الفتاة في كثير من الأحيان قد تعجب بشاب يعني وضعه يعني ليس جيداً، ايش أقول؟ يعني معالمه ليس ذاك الرجل النفيس، لكن ما الذي أعجبها فيه؟ أنه يسمعها الكلام الطيب، والفتاة غرام الكلام الطيب، "وأنني أحبك" و"سأجلب لك" و"سأحضر لك"، عادت بتضيع الفتاة. فإذاً مبدأ الاستحسان أما نظر أو سماع هكذا. نعم.

قال: فإن لم يقارنه طمع في الوصال وقارنه الإياس من ذلك لم يحدث له العشق. نعم، ايش يعني هذا؟ هذا النظر أو السماع ماشي، ممكن جعلك تستحسن هذه الفتاة، فإذا أنت من البداية قطعت الوصول إليها، قلت لنفسك: هذه فتاة لن أصل إليها مهما كان، ارتحت ومنعت تمكن العشق من قلبك. حاول دائماً تيأس نفسك من الفتاة، إذا بدأت تحبها تقول: والله لا أظن أني سأتزوجها، يئس، أحبط نفسك بدل الوصول إليها، لأنك إذا بقيت تمني نفسك بالوصول سيبقى القلب ينبض، فأنت ماذا عليك أن تفعل؟ حاول أن تيأس القلب، قل هذه ليست لي، هذه يعني الله أعلم الله أعلم أنني لن أحصلها، وحتى ولو كان في مجال لتحصيله يئس. نعم.

قال رحمه الله: فإن اقترن به الطمع فصرفه عن فكره ولم يشغل قلبه به لم يحدث له ذلك. نعم، فإذا اقترن طبعاً بالوصول إليها فهو صرف هذا الطمع عن فكره ولم يشغل قلبه أيضاً لم يحدث العشق. فان قال: فإن أطال مع ذلك الفكر في محاسن المعشوق وقارنه خوف ما هو أكبر عنده من لذة وصاله، أما خوف ديني كدخول النار وغضب الجبار واحتقاب الأوزار، وغلب هذا الخوف على ذلك الطمع والفكر لم يحدث له ذلك العشق. طيب هو الآن بيعطيك وسائل لصرف العشق، ابن القيم يقول لك: لو أنك يا سيدي بدي أعتبر أنك فكرت بهذه المعشوقة وأطلت التفكير.

واطلته، وغلب عشقها على قلبك، لكن لو أنك ذكي فانتبهت إلى ما هو أعظم، ونظرت في العواقب، وإلى لقاء الله، وإلى جهنم، لربما هذه الأفكار الدينية كما قال تساعدك على ماذا؟ على طرد فكرة العشق ومعالجته سريعاً قبل أن يستحكم أيضاً.

نعم، قال رحمه الله: فإن فاته هذا الخوف فقارنه خوف دنيوي، كخوف إتلاف نفسه أو ماله أو ذهاب جاهه وسقوط مرتبته عند الناس وسقوطه من عين من يعز عليه، وغلب هذا الخوف لداعي العشق دفعه.

نعم، وقد يكون أحياناً من الأمور التي تعينك على دفع العشق، ربما بعض الناس لا ينفع معه الوازع الديني، بعض الناس قد ينفع معه الوازع الإيش الدنيوي، بقول لك: أنا يا أخي ما بدي أعشق، تمام، أنا أحببت هذه الفتاة وتعلقت بها، لكنني عندما نظرت في عواقب هذا العشق في الدنيا، فأظنه سيذهب جاهي ويقلل من مكانتي، وسيزري بي، ولعلني لا أعرف قد أقوم بمشاريعي الحياتية، فيترك هذا العشق ليس من باب ديني، من باب ماذا؟ دنيوي يا سيدي، مش مشكلة، يعني حتى لو من باب دنيوي، فلعل الدنيا تقودك إلى الدين في يوم من الأيام.

نعم، قال رحمه الله: وذلك إذا خاف من فوات محبوب هو أحب إليه وأنفع له من ذلك المعشوق، وقدم محبته على محبة ذلك المعشوق اندفع عنه العشق. لذلك كما قال ابن الجوزي: كلما كانت همتك تسمو إلى طموح عالٍ، الإنسان الذي يضع لنفسه مشروعاً في هذه الحياة أن يكون كذا وكذا في أي ميدان من الميادين، ثم طرأ له في مسيره إلى مشروعه طرأ له داعي العشق، أي حقيقة يستطيع أن يدفعه بسهولة أكثر من غيره، يعني الشاب الفارغ الذي ما عنده مشاريع العشق يستحكم من قلبه بشكل سريع، ليه؟ لأنه ما عنده مشروع هو يسعى إليه، والفراغ والبطالة تحكم حياته، فالعشق سريعاً ما يملك قلبه ولا يشعر بأي مشكلة في وجود العشق، لكن الشاب الذي عنده مشروع كبير علمي، عملي، إلكتروني، في أي مجال من المجالات، لأنه يشتغل لرؤية كبيرة ولا يريد أن تتحطم، وهذه الرؤية أعز عليه ربما من كل الدنيا، فإذا جاء طارئ العشق يسعى أن يطرده، ليه؟ لأنه يشعر أن هذا العشق عم بيشغلني عن مشروعي، عم يمنعني من الوصول إلى غايتي. فمن الأمور الجيدة أن تكون صاحب هم وصاحب همة، أن تكون صاحب هم للأمة وصاحب همة، هذا من أكثر ما يعينك على طرد وساوس العشق يا رعاك الله.

نعم، قال رحمه الله: فإن انتفى ذلك كله وغلبت محبة المعشوق لذلك انجذب إليه القلب بكليته ومالت إليه النفس كل الميل، والتالي الله يسهل على قلبك ذا نفعل نعم. فإن قيل قد ذكرتم آفات العشق ومضاره ومفاسده، فهلا ذكرتم منافعه وفوائده التي هي من جملتها رقة. يعني الآن بدأ ابن القيم يحاول بطريقة معينة أنه يعطيك رؤية الطرف الآخر الذي يحترم العشق، تعرف اليوم في ناس فلسفتها في الحب أنه الحب يا عمي له فوائد، وأنتم يعني تشددون على قلوب الشباب، فبإمكانك أن تعطي فوائد للعشق بدل من أن تبقى تسمعنا المدار والمفاسد والمهالك، أليس العشق له فوائد على القلوب والأرواح ويرق الطباع ويحسنها؟ فالآن ابن القيم على سبيل التنزل سيعرض وجهة الطرف الآخر.

نعم، قال: وفوائده التي من جملتها رقة الطبع وترويح النفس وخفتها وزوال ثقلها ورياضتها وحملها على مكارم الأخلاق من الشجاعة والكرم والمروءة ورقة الحاشية. طبعاً ليش العشق بخلي شجاعة؟ أنك بتصير أنت لأنك فاقد دماغك من أجل هذه المعشوقة تفعل البطولات، وتذهب إلى جبال الهملايا وتأتي لها بالورد، وتفعل وتخوض المعارك كما فعل عنترة، المهم أنك يعني تظهر أنك شجاع بطل.

نعم، قال رحمه الله: وقد قيل ليحيى بن معاذ الرازي أن ابنك قد عشق فلانة، فقال: الحمد لله الذي صيره إلى طبع الآدمي. الآن راح يقرأ أشياء أنا ما راح أعلق عليها، لأنه هو نفسه ابن القيم مش مقتنع فيها، بس خلاص يعني كل شيء بدنا نعلق عليه سيطول المجلس، أكمل. وقال بعضهم: العشق داء أفئدة الكرام، وقال غيره: العشق الذي لا يصلح إلا لذي مروءة ظاهرة وخليقة طاهرة، أو لذي لسان فاضل وإحسان كامل، أو لذي أدب بارع وحسب ناصع.

وقال آخر: العشق يشجع جنان الجبان، ويصفي ذهن الغبي، ويسخي كف البخيل، ويذل عزة الملوك، ويسكن نوافر الأخلاق، وهو أنيس من لا أنيس له، وجليس من لا جليس له. وقال آخر: العشق يزيل الأثقال ويلطف الروح. صحيح هو جليس من لا جليس له، الفارغ لا يجلس إلا مع العشق، طيب. وقال آخر: العشق يزيل الأثقال ويلطف الروح ويصفي كدر القلب ويوجب الارتياح لأفعال الكرام، كما قال الشاعر: سيهلك في الدنيا شفيق عليكم إذا غاله من جانب الحب غائله كريم يميت السر حتى كأنه إذا استفهموه عن حديثك جاهله يود بأن يمسي سقيماً لعلها إذا سمعت عنه بشكوى تراسله ويهتز للمعروف في طلب العلا لتحمد يوماً عند ليلى شمائله

شايف إيش قال: ويهتز للمعروف في طلب العلا لتحمد يوماً عند ليلى شمائله، يعني يصبح سخياً كريماً صاحب الأخلاق ويصلي في الصف الأول في المسجد، كما كل بدك إياه بصير، المهم أن تحمد عند ليلى شمائله ويذكر أمام معشوقته بالخير.

نعم، قال: فالعشق يحمل على مكارم الأخلاق، وقال بعض الحكماء: لكن هذه أخلاق مصطنعة صح، العشق لو حمل على مكارم الأخلاق لكنها أخلاق ماذا؟ بحيث لو زال المعشوق زالت كل هذه الأخلاق، هل هذه أخلاق حقيقية؟ نعم، قال: العشق يروض النفس ويهذب الأخلاق، إظهاره طبيعي وإضماره تكلفي. وقال آخر: يعني الطبيعة أنك تظهره، التكلف أنك تمنع نفسك من إظهاره، هذا متكلف طبعاً مش صحيح هذا الكلام.

نعم، وقال آخر: من لم تبتهج نفسه بالصوت الشجي والوجه البهي فهو فاسد المزاج محتاج إلى علاج. وأنشد في ذلك: إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى فما لك في طيب الحياة نصيب وقال آخر: إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى فأنت وعير في الفلاة سواء وقال آخر: إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى فكن حجراً من جانب الصخر جلمداً وقال آخر: إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى فقم فاعتلفت تبناً فأنت حمار وقال بعض العشاق: خلاص يعني أكثر من هيك شو يسوي لك يعني طيب، ماشي.

وقال بعض العشاق: أولو العفة والصيانة عشقوا فتشرفوا وعشقوا فتظرفوا. وقيل لبعض العشاق: ما كنت تصنع لو ظفرت بمن تهوى؟ فقال: كنت أمتع طرفي بوجهه، وأروح قلبي بذكره وحديثه، وأستر منه ما لا يحب كشفه، ولا أصير بقابيح الفعل إلى ما ينقص عهده، ثم أنشد: أخلو به فأعف عنه تكرماً خوف الديانة لست من عشاقه كالماء في يد صائم يتلظى ظمأً فيصبر عن لذيذ مذاقه

نعم، وقال إسحاق بن إبراهيم: أرواح العشاق عطرة لطيفة، وأبدانهم رقيقة خفيفة، نزهتهم المؤانسة، وكلامهم يحيي موات القلوب ويزيد في العقول، ولولا العشق والهوى لبطل نعيم الدنيا. طبعاً هذا كله كلام غير صحيح لأن ابن القيم طبعاً هو ينقل حتى ينقض بعد قليل بطريقتهم معه. نعم قال آخر: العشق للأرواح بمنزلة الغذاء للأبدان، إن تركته ضرك، وإن أكثرت منه قتلك، وفي ذلك قيل: خليلي إن الحب فيه لذاذة وفيه شقاء دائم وكروب على ذاك ما عيش يطيب بغيره ولا عيش إلا بالحبيب يطيب ولا خير في الدنيا بغير صبابة ولا في نعيم ليس فيه حبيب هذا كلام يعني خطير حقيقة يعني، لكن بدنا نمشي.

قال وذكر الخرائطي عن أبي غسان قال: مر أبو بكر الصديق رضي الله عنه بجارية وهي تقول: وهويته من قبل قطع تمائمي متمايلاً مثل القضيب الناعم من قبل قطع تمائمي يعني وأنا صغيرة يعني عشقت هذا وأنا في صغيرة، ما زالت التمائم علي. نعم قال: متمايلاً مثل القضيب الناعم، فسألها: أحرة أنت أم مملوكة؟ قالت: بل مملوكة، فقال: لمن هواك؟ فتلكأت، فأقسم عليها فقالت: وأنا التي لعب الهوى بفؤادها قتلت بحب محمد بن القاسم كانت تحب محمد بن القاسم. نعم قال: فاشتراها من مولاها وبعث بها إلى محمد بن القاسم بن جعفر بن أبي طالب، فقال: هؤلاء فتن الرجال، وكم والله قد مات بهن كريم، وعطب بهن سليم. نعم والله أفسدنا من الكرام وأصحاب المحاسن، التعلق بالنساء مذبحة.

نعم، وجاءت جارية إلى عثمان بن عفان رضي الله عنه تستعدي على رجل من الأنصار، فقال لها عثمان: ما قصتك؟ فقالت: تستعدي يعني تطلب من عثمان أن ينصرها على رجل من الأنصار آذاها، فعثمان بن عفان قال لها: ما قصتك؟ يعني هو لماذا آذاك مثلاً أو تم مشكلة معك، خلينا نقول، فقالت: كلفت يا أمير المؤمنين بابن أخيه. قالت: يا أمير المؤمنين كلفت يعني أنا عشقت ابن أخيه لهذا الأنصاري، أنا بحب ابن أخو هذا الأنصاري. طيب قال: فما أنفك أراعيه، فقال له عثمان فما أنفك أراعيه يعني أحب أن أتكلم مع ابن أخيه وأساوره، فواضح أنه هذا العم يعني هو عمه سيكون يعني هجمه يعني زجرها وآذاها وقال لها إياك أن تتكلمي مع ابن أخيه.

نعم فقال له عثمان: إما أن تهبها لابن أخيك أو أعطيك ثمنها من مالي، فقال: أشهدك يا أمير المؤمنين أنها له. يعني هو خلاص يعني كما يقولون دواء العاشقين إن استطعت أن تصل بينهما فصله، العاشقين أو العاشقان خلينا نقول على المبتدأ، إذا كان يمكن الوصل بينهما بالحلال وإنهاء عذاب القلب بينهما، فكثير من العلماء يقولون: نعم، أوصلوا بينهما، لكن المشكلة أن يبقى العشق بدون زواج، هذا هو الكارثة، لأنه بعد ما يتزوجها إن شاء الله بيعرف الحقيقة، الفيلم أكله، لكن الفكرة أن العاشقين متى أمكن تأليف قلوبهما بالزواج الشرعي هذا أفضل من استمرار هذه الحالة من الكلام والضجيج وحديث الناس، لا يا عمي خليهم يتزوجوا والله يسهل، فهذا الذي فعله عثمان، قال له يا عمي أعطيني هذه الجارية ما هي جارية أمة هذه، قال أعطيني هذه الجارية أهبها لابن أخيك وتصير له بالحلال، وهم عاد خلص يعني تصير الأمور طيبة، فالرجل قالوا خلص أنا نهبها له.

نعم، قال: ونحن لا ننكر فساد العشق الذي متعلقه فعل الفاحشة بالمعشوق، وإنما الكلام في العشق العفيف من الرجل ال... نتكلم ابن القيم عن أناس يصورون الأمر بهذه الطريقة، أنه بعض الناس ماذا يقول لك: يا أخي العشق الذي يوصل للفاحشة نحن لا نريده، نحن نريد العشق العفيف، الحب الصافي هكذا، الذي لا يكون فيه فعل فاحشة، وإنما الحب النظيف، هكذا أن فتاة تحب شاباً وشاباً يحب فتاة بدون أن يكون بينهما لقاءات أو خلوات أو وصول للزنا والفواحش، لا هو مجرد الحب الصادق، هذه فكرة الحب الصادق التي ممكن بعض المشايخ أو الدعاة يطرحها، هل هي فعلاً فكرة صحيحة؟ هل هناك شيء يسمى أنه الشاب يحب فتاة حباً صادقاً أو هي تحبه حباً صادقاً؟ حقيقة المسألة فيها توازن، أنا لست مع القضية، لا إنه لا ودير بالك يا شيخ، حبه حبه هي الفكرة أنه قد يقع بنظرة فجأة الشاب في حب فتاة، مجرد وقوع الحب في قلبك بدون أن ينبني عليه عمل محرم من نظر إليها أو كلام معها أو هذا متوقع ويحصل، حتى كثير من الشباب إنما كانت زواجه من فتاة أنها وقعت في نفسه، فمحاولة إلغاء الجانب الإنساني في الرجل أو في المرأة أظنه تكلف.

لكن هي القضية ماذا يتبع؟ إن وقر في قلبك حباً، إذا أصبح يشغل ذهنك وخاطرك ويمنعك من الأفعال المفيدة وغلب على أمور حياتك، نعم هنا نقول ما عاد الحب بمعناه الشرعي الأصيل المقبول خلينا نقول، وإنما أصبح حراماً لأنه أصبح يحول بينك وبين فعل مراد الله سبحانه وتعالى. وأما إذا كما قلنا بقي هكذا في نفسه أن يتزوج هذه الفتاة بنظرة فجأة سقطت عليه ولم يبح بذلك ولم ينبني حرام أو ما شابه ذلك، نعم هنا في جانب إنساني لا يستطيع الإنسان إغفاله، أحياناً الشيء يكون غلب على قلبك ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها. فابن القيم سيقدم مقاربة في هذا الأمر أنه حاول قدر المستطاع أن تشغل قلبك بمحبة الله بالأمور النافعة به، لكن أحياناً إذا وقع قلبك في حب فتاة هكذا عرضاً، حاول أن تصل إليها بالحلال، وأن تبني علاقة معها بما يرضي الله، فإن عجزت عن ذلك فنصيحة ابن القيم أن تدفع هذا الحب ما دمت تعرف أنه قدراً وشرعاً لن تصل إليها، فحاول أنه ماذا تفعل؟ تدفعه حتى لا يشغلك عما هو أولى.

لكن هنا الآن المعالجة ابتداءً هي لنظرية الحب العفيف الذي واحد، لا هو أصلاً عايش في قصة حب رومانسية بينه وبين فتاة بدون أن يكون هناك محرمات ظاهرة، هي كفكرة عامة هل هي مشروعة، صحيحة، غير صحيحة، دعونا ننظر ماذا قال رحمه الله: وإنما الكلام في العشق العفيف من الرجل الظريف الذي يأبى له دينه وعفته ومروءته أن يفسد ما بينه وبين الله، اه مركزين يعني شاب طالب علم ملتزم، دينه ومروءته تأبى أن يفسد ما بينه وبين الله، بقول أنا مستحيل أزني، أنا مستحيل أخلو معها، أنا مستحيل ألتقي معها بدون إذن أهلها، لكن والله أحببتها، أنتم فاهمين شو المسألة الآن حتى نعرف عمن يتكلم، أحببتها لكن لا يمكن أفعل شيئاً لا يرضي الله معها.

نعم، قال: وما بينه وبين معشوقه بالحرام، وهذا كعشق السلف الكرام والأئمة الأعلام، فهذا عبيد الله بن عبد... نعم يعطيك قصصاً لبعض السلف والأئمة وقعوا في العشق. نعم.

قال فهذا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أحد الفقهاء السبعة، عشق حتى اشتهر أمره ولم ينكر عليه؛ وعد ظالماً الملامة. ومن شعره: كتمت الهوى حتى أضر بك الكتم. ومن شعره: نعم كتمت الهوى حتى أضر بك الكتم، ولامك أقوام ولومهم ظلم، فنم عليك الكاشحون وقبلهم، عليك الهوى قد نم، لو ينفع لو ينفع، نم أي أخبر عنك، نعم، قال لو ينفع الكتم فاصبحت كالهندي إذ مات حصره، على أثر هند أو كمن شفه سقم، فتحسب إتيان الحبيب تأثماً، ألا إن هجران الحبيب هو الإثم، فذق هجرها قد كنت تزعم أنه رشاد، ألا يا ربما كذب الزعم.

يعني كنت تعتقد أن رشدها أن هجرها رشاد، بل الوصل هو الرشاد. المهم طبعاً هذه القصة لما تحكي عبيد الله بن عبد الله بتتكلم عن أحد أعمدة المدينة السبعة في الفتوى، أحد بسموه الفقهاء السبعة، أحد أعمدة المدينة في الفتوى. الآن ما مدى صحة هذه القصة عن حقيقة هذا؟ أضع عليه علامات استفهام عموماً. يعني هذه قصص تروى في كتب مثل يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر وغيرها من هذه الكتب التي من شأنها تناقل هذه الأخبار، لكن هل هي قصة حقيقية؟ هل الشعر يعني هذا ثابت عنه أم مما يروى في الأخبار بدون أسانيد؟ فإن كثيراً من أمور التاريخ تروى بدون أسانيد، لكن الله أعلم، ممكن نعم.

قال رحمه الله، لكن هذه القصة الثانية صحيحة، قصة عمر بن عبد العزيز صحيحة نعم. قال رحمه الله تعالى، وهذا عمر بن عبد العزيز وعشقه مشهور لجارية فاطمة بنت عبد الملك امرأته، وكانت جارية طبعاً عمر بن عبد العزيز زوجته فاطمة بنت عبد الملك كان عندها جارية أملها طبعاً، جارية زوجتك لا تحل لك في الشريعة، جارية زوجتك لا تحل لك شرعاً. عمر بن عبد العزيز كان يعشق هذه الجارية لكن شوفوا عفته وكمال أخلاقه كيف يعني ظهر في هذا الموضوع.

نعم، قال وكانت جارية بارعة الجمال وكان معجباً بها، وكان يطلبها من امرأته ويحرص على أن تهبها له فتأبى. فتأبى طبعاً امرأته ليش تأبى؟ غيرة، بتقول له والله ما بعطيك إياها يا عمر، يعني بدك تشتغل فيها وتتركنا نعم. قال ولم تزل الجارية في نفس عمر، فلما استخلف أمرت فاطمة بالجارية، ما استخلف أي أصبح خليفة على المسلمين نعم. قال أمرت فاطمة بالجارية فأصلحت وكانت مثلاً في حسنها، أصلحت يعني خلص فاطمة أرادت تهدي زوجها هدية لما أصبح خليفة فعرفت أنه أغلى شيء عند زوجها هذه الجارية فأصلحت يعني زينوها ورتبوها ولبسوها نعم.

قال وكانت مثلاً في حسنها وجمالها، ثم دخلت على عمر وقالت يا أمير المؤمنين إنك كنت معجباً بجاريتي فلانة وسألتنيها فأبيت عليك، والآن فقد طابت نفسي لك بها. فلما قالت له ذلك استبان الفرح في وجهه وقال عجلي علي بها، فلما دخلت بها عليه ازداد بها عجباً وقال لها ألقي ثيابك، ففعلت، ثم قال لها على رسلك، أخبريني لمن كنت ومن أين؟ هنا بدأ شوف ورع عمر لما أصبح خليفة بتعرفوا يعني كان ورعه شديداً. قال على رسلك، اهدي شوي، أنت من وين جئت يعني كيف أصبحت لزوجتي؟ خشي يا عمر أن تكون هذه الفتاة أصبحت أمة لزوجته بطريقة غير شرعية بسبب مظالم الحجاج وعبد الملك بن مروان وغيره من الخلفاء الأمويين قبله نعم.

قال أخبريني لمن كنت ومن أين صرت لفاطمة؟ فقالت أغرم الحجاج عاملاً له بالكوفة مالاً وكنت في رقيق ذلك العامل، قالت فأخذني وبعث بي إلى عبد الملك ف.. أه إذا هي طلعت من مشاكل الحجاج، الحجاج مغرم أحد عماله مبلغاً من المال بغير وجه حق، وكان ظالماً فكانت هذه الجارية من ضمن المال، فأخذ الحجاج هذه الجارية من هذا الموظف وبعث بها إلى أمير المؤمنين بشكل غير شرعي نعم.

قال فأخذني وبعث بي إلى عبد الملك فوهبني لفاطمة، قال وما فعل ذلك العامل؟ قالت هلك، قال وهل ترك ولداً؟ قالت نعم، قال فما حالهم؟ قالت سيئة، فقال شدي عليك ثيابك واذهبي إلى مكانك. شوف هذا الورع، قال خلص ترجعي إلى أهلها، يعني أنت لست ملكاً لنا، أنت في الحقيقة ملك لأولاد هذا العامل، شوف الورع واللقمة كما يقول وصلت إلى الثم، يعني وصلت اللقمة إلى الثم ومع ذلك شوف ديانة عمر بن عبد العزيز أرجعها إلى الورثة المستحقين لها نعم.

قال ثم كتب إلى عامله على العراق أن ابعث إلي فلان بن فلان على البريد، فلما قدم قال له ارفع إلي جميع ما أغرمه الحجاج لأبيك، فلم يرفع إليه شيئاً إلا دفعه إليه، ثم أمر بالجارية فدفعت إليه، ثم قال له إياك وإياها فلعل أباك قد ألم بها، فقال الغلام هيا.. يعني يا غلام إياك أن تقع بهذه الجارية ليه؟ لأنه قد يكون الأب وطئ هذه الجارية، في الفقه الإسلامي إذا كانت هناك جارية للأب وطئها الأب ثم انتقلت بالورثة إلى الولد لا يجوز للولد أن يطأها نعم.

قال رحمه الله تعالى فقال الغلام هي لك يا أمير المؤمنين، قال لا حاجة لي بها، قال فابتعها من.. عمر بيقول لا حاجة لي بها مع أن عمر من الداخل محروق نعم. قال فابتعها مني، قال لست إذا، قال له الرجل يقول يا أمير المؤمنين أنا ببيعك إياها خذها خذ الجارية أنا ببيعك إياها ما عندي مشكلة نعم. قال لست إذا لست إذا ممن نهى النفس عن الهوى. أه إذا عمر كان يربي نفسه هنا في مقام التربية، عرف كم هو كلف بها عاشق لها فأراد أن يربي نفسه على ترك ما تهوى، الآن هي صار ستصير له بالحلال لأنه الرجل بيعرضها عليه بيع، يعني الآن لو عمر اشتراها منه بالمال ما أحد بقول له شيء صح حلال، لكن عمر يريد أن يربي نفسه على ترك ما تهواه وتطلبه، ولكن هذا خلق الرجال الكبار ما يعني ليس من السهل أن تصل لهذه الدرجة نعم.

قال فلما عزم الفتى على الانصراف بها قالت أين وجدك بي يا أمير المؤمنين؟ يعني الجارية وهي تنصرف التفتت إلى عمر وقالت له يعني يا عمر أنا أعرف أنك كنت تتعشقني، أين وجدك وحبك بي؟ فماذا قال عمر؟ قال على حاله ولقد زاد ولم يزل. قال أكون صادق معك، العشق ما زال على حاله بل قد زاد العشق بي نعم. قال ولم تزل الجارية في نفس عمر حتى مات رحمه الله تعالى. لكن هذا الإصرار هي العزيمة، أنه الإنسان يمنع نفسه من أجل الله سبحانه وتعالى عما يحب، فعمر ليس آثماً، وقعت في قلبه يعني لا أستطيع أن أمسك قلب عمر لا تهوى، هذا شيء خارج عن الطاقة لكنه رجل في ثباته وعدم اقترافه أو تتابعه مع هوى نفسه نعم.

قال رحمه الله، هذا أبو بكر محمد بن داوود الظاهري العالم المشهور في فنون العلم، اللي هو إمام الظاهرية ابن داوود الظاهري نعم. قال من الفقه والحديث والتفسير والأدب وله قول في الفقه وهو من أكابر العلماء، وعشقه مشهور. يقولون إمام المذهب الظاهري كان مشهوراً بالعشق سبحان الله نعم. قال نفطويه دخلت عليه في مرضه الذي مات فيه فقلت كيف تجدك؟ قال حب من تعلم، حب من تعلم أورثني ما ترى. قال العشق يعني أوصلني إلى المرض نعم. قال فقلت وما يمنعك من الاستمتاع به مع القدرة عليه؟ فقال الاستمتاع على وجهين، أحدهما النظر المباح والآخر اللذة المحظورة، فأما النظر المباح فهو الذي أورثني ما ترى، وأما اللذة المحظورة فيمنعني منها ما ح..

طبعاً هذا كلام يعني لا أريد أن أتكلم فيه بخوض لأن هو في مشكلة هنا، يعني لا أريد أنسب إلى هذا الإمام شيئاً مجرد في كتب التاريخ، نقل ما زلت أقول هذا إمام كبير، وهذا الشيء نقل في كتب التاريخ لكن الذي أتكلم عنه لأنه قال النظر المباح، ممكن واحد يقول إيش النظر المباح؟ هو حقيقة الذي يظهر من سياق القصة أنه لا يتكلم عن تعلق بامرأة للأسف وإنما يتعلق عن تعلق بأمرد، يعني حتى تفهم بس سياق القصة، لكنني أنا لا أقول هذه القصة ثابتة، أن هذا إمام جليل ولا ينبغي أن يخاض بمجرد قصة هكذا رويت في كتب التاريخ، فهو يقول فكانوا في المذهب الظاهري يبيحون النظر إلى المردان باعتبارهم ماذا ذكوراً وليسوا إناثاً على قول، لكن هو حقيقة لا ليس نظراً مباحاً، هو ما دام يورثك المهالك فالنظر إلى المردان يصبح ماذا حراماً، فقوله النظر المباح هذا على رأيه الفقهي أن النظر إلى المردان ما داموا ذكوراً فهو ماذا مباح، لكن هو حقيقة أنت أصلاً أورثك المهالك فكيف أكون مباحاً؟ فهذا الكلام عليه علامة استفهام نعم.

قال رحمه الله فأما النظر المباح فهو الذي أورثني ما ترى، وأما اللذة المحظورة فيمنعني منها ما حدثني أبي قال حدثنا سويد بن سعيد قال حدثنا علي بن مسهر قال عن أبي يحيى القتاتي عن مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما يرفعه: من عشق وكتم وعف وصبر غفر الله له وأدخله الجنة. طبعاً هذا الحديث لا غير صحيح بتاتاً هذا الحديث غير صحيح بتاتاً نعم.

قال طبعاً الحقيقة أحياناً يا إخواني قضية التحاسد، أحياناً بعض الناس الأئمة حسدوا كما قلنا في درس جامع بيان العلم وفضله، وقد يحمل الحديث الأقران، قد يحمل بعض الناس على أن ينسجوا ماذا يعني أعداؤك قد ينسجوا عليه قصة، أصلاً الشيخ الفلاني بيعشق الصبيان وبتنشأ قصة، وقد يكون هذا لم يقع بتاتاً، لكن الظلم لبعض المشايخ والأئمة يحمل أن خصومهم ينسجون عليهم بعض القصص، فلذلك دائماً أنت إذا سمعت مثل هذه الأمور ما دامت مش بأسانيد متصلة يعني دعك منها، تقرأ وتطوى نعم.

قال ثم أنشد: انظر إلى السحر يجري في لواحظه، وانظر إلى دعج في طرفه الساجي، وانظر إلى شعرات فوق عارضه، كأنهن نمال دب في عاجي. طبعاً الشعرات فوق العارض الشعرات في هذه المنطقة، ويدل يتكلم عن ذكر يعني لا يتكلم عن أنثى، ويتكلم عن شعرات فوق عارضه ويشبهها كأنهن نمال دب يعني كأنه نمل على عاج، بتعرفوا العاج تبع الفيل فالوجه أبيض وخرجت شعارات سوداء صغيرة عليه، طبعاً هذا كلام يعني..

قال ثم أنشد: ما لهم أنكروا سواداً بخديه، ولا ينكرون ورد الغصون، إن يك يكن عيب خده برد الشعر، فإن يكن عيب خده إن بدا شعر أي ظهر شعر فيه، فهل يعيب العيون شعر الجفون؟ أمشوا يا إخوان، أمشوا أمشوا طيب، فقلت له نفيت القياس في الفقه وأثبته في الشعر. فقال له يا إمام الظاهرية، أنتم بتعرف الظاهرية لا يقولون بالقياس في أصول الفقه، فقالوا نفيت القياس في الفقه وأثبته في الشعر، قست شعر العارض على جفون العين نعم. فقال غلبه الوجد وملكه النفس دعت إليه، ثم مات من.. قال يعني يجعل الإنسان يخربط الدنيا نعم.

قال وبسبب معشوقه صنف كتاب الزهرة، ومن كلامه فيه: من يئس ممن يهواه ولم يمت من وقته سلاه. إيش يعني هذا الكلام؟ يقول من يئس ممن يهواه ولم يمت من وقته سلاه، من يعطينا وأبو نبيل بعطيه جائزة، يلا يا جماعة الجائزة أبو نبيل، أه يا أسامة. طيب أعطني أصل قصة يعني الفكرة إيش ليه؟ أنت أنت قربت، أيوه، لا سلاه زي ما قال سلا يعني ناسيه، ليه هي الفكرة يا إخواني؟ بقول لك أنت إذا كنت تعشق إنساناً أو فتاة عشق شديد وهي الفتاة فجأة ماتت أو وصلك خبر أنها سافرت ما عادت في البلد ولم تصل إليها، اللحظة الأولى لوصول الخبر لحظة الصدمة إذا استطعت تستحملها فما بعدها أسهل وخلص رح تنسى، إذا في لحظة الصدمة مت في أرضك معناته أنت استويت، فهمتم شو الفكرة؟ هي فكرة أنه إذا الإنسان يئس من الوصول وجاءه خبر أن معشوقه ذهب خلص ما في مجال أنك تراه هذا الخبر ينزل كالصاعقة على قلب المعشوق، وهذا ليس مبالغة، هو حقيقة ينزل كالصاعقة، قال إذا استطاع قلبه يتحمل الصدمة معناتها شوي شوي رح يتحمل وخلص يوطن نفسه أن المحبوبة ذهبت والله يسهل وخليني أرجع لحياتي، إذا الصدمة الأولى ما استطعت تستوعبها أصلاً ستكون تالف وهالك لذلك ماذا قال؟ وذلك هو، الآن شرح ترى عندي، لو واحد فيكم ذكي كان قرأ السطرين اللي بعدين نعم.

قال وذلك أن أول روعات اليأس تأتي القلب وهو غير مستعد لها، يعني أول روعات النفس أو اليأس تأتي القلب وهو غير مش مستعد للخبر، يعني صدمة أن المعشوقة ذهبت نعم. قال فأما الثانية فتأتي القلب وقد وطأته لها الروعة الأولى، أه يعني أما الأخبار السيئة بعد ذلك خلص ما أنت بلعت أول واحدة يعني بصير الخبر الثاني والثالث أسهل عليك. طيب. والتقى هو وأبو العباس بن سريج في مجلس أبي الحسن علي بن عيسى الوزير، فتناظرا في مسألة من الإيلاء، فقال له ابن سريج: كنت بأن تقول من دامت لحظاته كثرت حسراته، أحذق منك بالكلام على الفقه. يعني ابن سريج عم بطخ على داوود الظاهري بقول له أنت لو غضيت بصرك والله أحسن من أنك تتكلم في كل الفقه، أنت ما تحكي في الفقه أنت عليك أن تغض بصرك، أنت ترى إطلاق البصر ماذا فعل بك؟ أنا برجع بقول أنا أشك في هذا الكلام أنا.

ما زلت أشك في هذا الكلام عن داوود الظاهر، فهو عالم كبير يعني لكن قد يكون من كلام الحساد من كلام المنافسين. نعم، قال فقال: لئن كان ذلك فإني أقول:

أنزه في روض المحاسن مقلتي وأمنع نفسي أن تنال محرما وأحمل من ثقل الهوى ما لو أنه يصب على الصخر الأصم تهدما وينطق طرفي عن مترجم خاطري فلولا اختلاي وده لتكلما رأيت الهوى دعوى من الناس كلهم فلست أرى ودا صحيحا مسلما

هو يقول إن أغلب الناس غير صادقين في عشقهم، إن أغلب الناس غير صادقين عشقهم. نعم، فقال له أبو العباس بن سريج: بما تفخر علي؟ ولو شئت لقلت:

ومطاعم كالشهد في نغماته قد بدت أمنعه لذيذ سناته بصبابة وبحسنه وحديثه وأنزه اللحظات في وجناته حتى إذا ما الصبح لاح عموده ولا بخاتم ربه وبراءاته

نعم، قال رحمه الله: فقال أبو بكر -يحفظ يحفظ أبو بكر اللي هو نفسه الظاهري أبو داوود الظاهري- قال: يحفظ عليه الوزير ما أقر به حتى يقيم شاهد دين على أنه ولي بخاتم ربه وبراءته. فقال ابن سريج: يلزمني في هذا ما يلزمك في قولك: أنزه في روض المحاسن مقلتي وأمنع نفسي أن تنال محرما. فضحك الوزير وقال: لقد جمعتما لطفا وظرفا. يعني ما شاء الله عليكم لطيفين المشايخ، بس يعني صراحة مش هذا اللطف اللي بدنا إياه.

طيب، قال وذكر ذلك أبو بكر الخطيب في تاريخه، وجاءته يوما فتي مضمونها: يا ابن داوود يا فقيه العراق، أفتنا في قواتل الأحداق، هل عليها -بما- أفتنا في العيون القاتلة يعني أحيانا بقول لك قواتل الأحداق الحدق هي العين، أفتنا في العيون القاتلة هل عليها قصاص؟ يعني امرأة فتنتني بعينها فمت بسببها هل أقتص منها؟ يقتص منها لأنها سبب في قتلي؟ نعم، قال هل عليها بما أتت من جناح أم حلال لها دم العشاق؟

فكتب الجواب بخطه تحت البيتين: عندي جواب مسائل العشاق فاسمعه من قلق الحشا مشتاق لما سمعت -من قلق الحشا- يعني أنا اللي بجاوب العشاق عن أسئلتهم فأنا قلق الحشا والباطن يعني من كثرة العشق: لما سألت عن الهوى هيجتني وأرقت دمعا لم يكن بمراق إن كان معشوقا يعذب عاشقا كان المعذب أنعم العشاق

إيش معنى هذا البيت خطير هنا ابن داوود واضح إيش يقول: إن كان معشوقا يعذب عاشقا كان المعذب أنعم العشاق. إيش معنى هذا الكلام؟ أحسنت يعني بقول لك يا أخي إذا كان اللي بيعذبني هو الذي أعشقه فأنا منعم، وأنا أنعم العشاق؛ يعني هذا من حالة الهلوسة اللي بتصير إنه صرت لأنه هو اللي بيعذبني وأنا أعشقه يصبح عذابه نعيما لي، وهذا يعني الله أعلم بصحته.

أيضا عنه قال صاحب كتاب، قال رحمه الله: قال صاحب كتاب منازل الأحباب شهاب الدين محمود بن سليمان بن فهد، صاحب كتاب الإنشاء: وقلت في جواب البيتين على قافيتهما مجيبا للسائل: قل لمن جاء سائلا، هذا رجل آخر أجاب نفس الفتوى السابقة فقال: قل لمن جاء سائلا عن لحاظ هن يلعبن في دم العشاق اللحاظ يعني نظرات وعيون، يلعبن في دم العشاق يثرن ما عندهم من العشق: ما على السيف في الورى من جناح إن ثنى الحد عن دم مهراق وسيوف اللحاظ أولى بأن تصفح عما جنت على العشاق إنما كل من قتلن شهيد ولهذا يفنى ظنا وهو باقي

وهذا نظير ذلك، موتاهن شهداء نعم. ونظير ذلك فتوى وردت على الشيخ أبي الخطاب محفوظ بن أحمد الكلوذاني، أبو الخطاب الكلوذاني أحد أئمة السادة الحنابلة رضوان الله، شيخ الحنابلة في وقته رحمه الله. قل للإمام أبي الخطاب مسألة جاءت إليك وما خلق سواك لها: ماذا على رجل رام الصلاة فمذ لاحت لخاطره ذات الجمال لها؟ لها يعني غفل يعني الإنسان أراد أن يقول الله أكبر فلما جاءت في خاطره المحبوبة نسي الصلاة ولهى عنها، لها يعني نسي الصلاة ماذا تقول؟

فأجابه أبو الخطاب الكلوذاني الفقيه فقال: قل للأديب الذي وافى بمسألة سرت فؤادي لما أن أصخت لها يعني قل لهذا الأديب الذي صاغ سؤاله الفقهي على صورة بيتين وسررت لما سمعت هذه الفتوى بهذا يعني البيت يعني أن بعض الناس يكون جيد في صياغة سؤاله: إن التي فتنته عن عبادته خريدة ذات حسن فانتناولها فانتناولها يعني هذه التي جعلتك تترك الصلاة، خريدة يعني فتاة جميلة بهية جعلتك تترك الصلاة لله وتلهى عنها طيب، قال: إن تاب ثم قضى عنه عبادته فرحمة الله تغشى من عصى ولهى يعني ربنا أنت توب وروح اقضي صلاتك هذه وربنا يرحمك إن شاء الله.

نعم، قال وقال عبد الله بن معمر القيسي: حججت سنة ثم دخلت ذات ليلة مسجد المدينة. شو هذه القصة الحزينة المؤلمة على هذا العاشق، قصة طويلة يعني لكن يعني فيها تفاصيل كثيرة، قال: حججت سنة ثم دخلت ذات ليلة مسجد المدينة لزيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبينما أنا جالس ليلة بين القبر والمنبر -منطقة الروضة اللي هي بين القبر والمنبر- نعم، قال إذ سمعت أنينا فأصغيت إليه فإذا هو يقول:

أشجاك نوح حمائم السدر فأهجنا منك بلابل الصدر أم عز نومك ذكر غانية أهدت إليك وساوس الفكر الغانية هي الفتاة المستغنية بجمالها فلا تحتاج إلى أن تتزين هي بذاتها جميلة، نعم، قال: يا ليلة طالت على دنف يشكو السهاد وقلة الصبر دنف يعني مريض، نعم. سهاد وعدم النوم والأرق نعم، قال: أسلمت من تهوى لحر جوى متوقدا كتوقد الجمر فالبدر يشهد أنني كلف مغرى بحب شبيهه البدر ما كنت أحسبني أهيم بها حتى بليت وكنت لا أدري

ثم انقطع صوته فلم أدر من أين جاء فإذا به قد أعاد البكاء والأنين، ثم أنشد: أشجاك من ريا خليل زائر والليل مسود الذوائب عاكر واعتاد مهجتك الهوى برسيسه واهتاج مقلتك الخيال الزائر ناديت ريا والظلام كأنه يم تلاطم فيه موج زاخر والبدر يسري في السماء كأنه ملك ترجل والنجوم عساكر وترى به الجوزاء ترقص في الدجى رقص الحبيب علاه سكر ظاهر يا ليل طالت على محب ما له إلا الصباح مساعد ومؤازر

فأجابني متحت فانفك وأعلما أن الهوى لهو الهوان الحاضر. قالت وكنت ذهبت عند ابتدائه بالأبيات فلم ينتبه إلا وأنا عنده. لما سمعت مرة ثانية يردد هذه الأبيات في الروضة الشريفة ذهبت عنده ووجدتني عنده جالس بجانبه. نعم، قال: فرأيت شابا مقتبلا شبابه -شابا يعني في ريعان الشباب- قد خرق الدمع في خده خرقين فسلمت عليه. فقال: خطان من الدموع في خده، نعم، فقال: اجلس من أنت؟ فقلت عبد الله بن معمر القيسي، قال ألك حاجة؟ قلت نعم، كنت جالسا في الروضة فما راعني إلا صوتك فبنفسي أفديك فما الذي تجد؟ يعني إيش مشكلتك؟ حابب أساعدك لماذا تتكلم بهذه الأبيات وهذه الحرقة؟ نعم، فقال: أنا عتبة بن الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري.

من هو الحباب بن المنذر؟ الصحابي الذي أشار على النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة بدر أن يترك المنطقة التي هو فيها ويذهب إلى المنطقة الأخرى، وهذا ابنه يعني من أبناء الصحابة. نعم، قال غدوت يوما إلى مسجد الأحزاب فصليت فيه ثم اعتزلت غير بعيد فإذا أنا بنسوة قد أقبلن -هذه قصة هذا الشاب هذه قصة عتبة بن الحباب، ذهب إلى مسجد الأحزاب المسجد الذي في منطقة الخندق وهذا مسجد يسن الذهاب أو الناس يقول يسن يفضل الذهاب إليه في كل أربعاء بعد الظهر، يقال إن الدعاء فيه مستجاب- نعم، قال فإذا أنا بنسوة قد أقبلن يتهادين مثل القطا -مثل القطا يعني وأنا في هالمسجد شفت فتيات شابات مثل الزغاليل القطا يعني زي العصافير- نعم، قال وإذا في وسطهن جارية بديعة الجمال كاملة الملاحة فوقفت علي فقالت يا عتبة ما تقول في وصل من تطلب وصلك؟ ثم تركتني وذهبت، فهذه الجارية ماذا فعلت في قلبه؟ أعطته كلمة واحدة قالت يا عتبة إنسان يريد يصلك ماذا تفعل به؟ وراحت. طبعاً هذا إيش أشعل قلب المسكين.

نعم، قال ثم تركتني وذهبت فلم أسمع لها خبرا ولا قفوت لها أثرا وأنا حيران، أنتقل من مكان إلى آخر ثم صرخ وأكب مغشيا عليه ثم أفاق -هو بيحكي القصة أغشي عليه في مكانه- نعم، قال ثم أفاق كانما صبغت وجنتاه بورس وهو يقول -صبغت وجنتاه بورس يعني كان في نوع من الصفرة أو التعب والإرهاق-:

أراكم بقلبي من بلاد بعيدة فيا هل تروني بالفؤاد على بعدي فؤادي وطرفي يا سفاني عليكم وعندكم روحي وذكركم عندي ولست ألذ العيش حتى أراكم ولو كنت في الفردوس أو جنة الخلد

يعني هو يقول يعني أنا لا تكمل لذتي إلا برؤيتكم حتى ولو كنت في الجنة، نعم. فقلت يا ابن أخي -هذا العشق يجعل الإنسان يتكلم بأشياء غير شرعية وغير منطقية- نعم، فقلت يا ابن أخي تب إلى ربك واستغفره من ذنبك، فهو الآن بدأ يعظ هذا الشاب إنه يا أخي تب إلى الله استغفر يعني الأمر لا يستحق هذا. نعم، فبينك هول المطالب فقال: ما أنا بسال حتى يؤوب القارضان. القارضان هذا مثل عربي يقول لك أنا لن أترك هذا الشيء حتى يؤوب القارضان. القارضان في عند العرب رجلان خرجا يجنيان يعني هذا النبات القارض ولم يعودا خلص ذهبوا وقبيلتهم لا تعرف أين ذهبوا اختفوا تماما فأصبح مثل عند العرب يقولون إذا شخص سيبقى مصر على شيء ولن يتركه يقول لن أتركه حتى يؤوب القارضان، إيش يعني يعني لن أتركه أبدا خلاص نعم سأبقى أحبها.

نعم، قال رحمه الله ولم أزل معه إلى أن طلع الصبح فقلت قم بنا إلى مسجد الأحزاب، فلعل الله أن يكشف كربتك. فهو أراد أنه يعطيه معالجة، قالوا يا عمي أنت ما دام أمورك صعبة خلص بنطلع نحن وإياك على مسجد الأحزاب اللي شفت فيه هي الفتاة، لعلنا نراها مرة أخرى ونخطبها لك بالحلال حتى نعالج هذه المشكلة. نعم، فقال أرجو ذلك إن شاء الله ببركة طلعتك. فذهبنا حتى أتينا مسجد الأحزاب فسمعته يقول:

يا للرجال ليوم الأربعاء أما ينفك يحدث لي بعد النهى طربا ما إن يزال غزال منه يقتلني يأتي إلى مسجد الأحزاب منتقبا غزال ويقصد الفتاة، في غزال بيجي يوم الأربعاء على مسجد الأحزاب منتقب هذا ذابحنا الغزال، طيب، يخبر الناس أن الأجر همته وما أتى طالبا للخير محتسبا

بقول لك هذه الفتاة جاي يوم على مسجد الأحزاب تخبر الناس إني والله جاي لله محتسب الأجر، والله ما هي جاية لله وما هي جاية محتسبة الأجر هذه جاي بدياني نعم. قال: لو كان يبغي ثوابا ما أتى صلفا مضمخا بفتيت المسك مختضبا لو هي الفتاة جاية تصلي ما بتيجي كل المسك عليها وكأنها طالعة على حفلة وسهرة، قال: لو كان يبغي ثوابا ما أتى صلفا مضمخا بفتيت المسك يعني معبي حاله بالرائحة الجميلة وخضبت يديها هذا ما هو جاي واحد يصلي هي جاي تلعب.

نعم، قال ثم جلسنا حتى صلينا الظهر وإذا بنسوة قد أقبلن وليست الجارية فيهن. فعلا أجن النسوة على مسجد الأحزاب لكن الجارية مش موجودة معهم. نعم، قال فوقفنا عليه وقلنا يا عتبة ما ظنك بطالبة وصلك وكاسفة بالك؟ الآن طلع النسوة أسوأ منها أجن على عتبة قالوا يا عتبة ما ظنك بطالبة وصلك في فتاة كانت معنا بدها إياك وأنت كسفت بالها، والمسكين عاد شجت في نفسه شجة أخرى فقال: وما بالها؟ قلنا أخذها أبوها وارتحل بها إلى أرض السماوة. يعني انتقلوا من المدينة إلى منطقة أخرى من ضواحي المدينة. نعم، فسألتهن عن الجارية فقلنا هي ريا ابنة الغطريف السلمي. اسمها ريا مش قلنا اسمها ريا بنت رجل اسمه الغطريف السلمي. نعم، فرفع عتبة رأسه إليهن وقال:

خليلي ريا قد أجد بكورها وسارت إلى أرض السماوات عيرها خليلي إني قد عشيت من البكاء فهل عند غيري مقلة أستعيرها

في واحد يعطيني عيونه مسكين. فقلت له إني قد وردت بمال جزيل أريد به أهل الستر والله لأبذلنه أمامك حتى تبلغ رضاك، فماذا قال له القيسي؟ والله أنا جايب مال بدي أتصدق فيه على الفقراء والله بطلت أتصدق فيه على الفقراء بدي أعطيها حتى أزوجك ونخلص من هالموضوع طيب، قال حتى تبلغ رضاك وفوق رضاك فقم بنا إلى مسجد الأنصار، فقمنا وسرنا حتى أشرفنا على ملا منهم فسلمت فأحسنوا الرد، فقلت أيها الملا ما تقولون في عتبة وأبيه؟ قالوا أبيه ما حدا بيحكي عنه كلمة، أبوه الحباب بن المنذر صحابي جليل نعم، قالوا من سادات العرب، قلت فإنه قد رمي بداهية من الهوى وما أريد منكم إلا المساعدة إلى السماوة، فقالوا سمعا وطاعة، فركبنا وركب. السماوة اللي هي المنطقة اللي انتقلوا إليها الأحباب. نعم.

قال: فركبنا، وركب القوم معنا حتى أشرفنا على منازل بني سليم، فأعلم العطريف بنا، فخرج العطريف والد الفتاة، أخبر أنه ترى جايك وفد من الأنصار حابين يجلسوا معك ويسولفوك عشان البنت، يعني. نعم.

قال: فخرج مبادراً فاستقبلنا وقال: حييتم يا كرام، فقلنا: وأنت، فحياك الله لك أضياف، فقال: نزلتم أكرم منزل، ثم نادى: يا معشر العبيد، أنزل القوم، ففرشت الأنطاع والنمارق وذبحت الذبائح. فقلنا: لسنا بذائق طعامك حتى تقضي حاجتنا، قالوا: احنا والله ما احنا ماكلين شغلة يا أبو هذا حتى تعطينا البنية، بتعرفوا زي العشائر إيش بدكم يا جماعة الخير؟ قالوا: نعم.

فقال: وما حاجتكم؟ قلنا: نخطب عقيلتك الكريمة لعتبة بن الحباب. عقيلتك يعني ابنتك الكريمة بدنا نعطيها لهالشاب، نعم. فقال: إن التي تخطبونها أمرها إلى نفسها، وأنا أدخل وأخبرها، ثم دخل مغضباً على ابنته. الأب دخل مغضب على ابنته، عرف أنه هذا ورم من الدنيا جايين كلهم، معناته البنت إيش؟ في موضوع يعني في قصة بينك وبين عتبة يعني أكيد الموضوع ليس هكذا بريء، أنه الجماعة متكلفين كل هذا المشوار، نعم.

فقالت: يا أبتِ، ما لي أرى الغضب في وجهك؟ فقال: ورد الأنصار يخطبونك مني، فقال: سادات كرام، استغفر لهم النبي صلى الله عليه وسلم. البنت مش قليلة من أول يعني، تمام. فقالت: سادات الكرام، يعني أنت ليش زعلان يابا؟ الأمور سهلة يعني، استغفر لهم النبي صلى الله عليه وسلم. هو استغفار النبي عليه الصلاة والسلام طيب، ماشي.

فقالت: لمن الخطبة منهم؟ فقال: لعتبة بن الحباب، قالت: والله لقد سمعت عن عتبة هذا أنه يفي بما وعد، ويدرك إذا قصد. فقال: أقسمت لا زوجتك به أبداً، ولقد نمي إلي بعض حديثك معه. آه يعني كأنه واصلني غباش أنه أنتِ باقي تحبيه من أيام المدينة، نمي إلي وصل إلي أنه في بينك وبينه خطوط شابكة يعني، نعم.

فقالت: ما كان ذلك، ولكن إذا أقسمت فإن... ما كان ذلك طبعاً كذبت، كيف ما في؟ أنتِ اللي وديتِ إلى التائهة، طيب، ولكن إذا أقسمت فإن الأنصار لا يردون رداً قبيحاً، يعني شوف هي عارفة أنه الأمور ما رح تمشي، هي ذكية جداً، قالت له: طيب أنت خلص زي ما بدك يابا يعني، أنا ما رح أعارضك ما بدك تزوجني، ما بدك، لكن ردهم بلطف. ضحكت على أبوها فقالت له ماذا قال؟ أي، فقال: بأي شيء؟ كيف أوردهم باللطف؟ قال: ارفع لهم المهر، غلظ المهر، اطلب مهر عالي ما رح يوفوا، وهي عارفة أنهم رح يوفوا لأنه هو عتبة عاشق لها، فقالت له: اطلب مهر عالي ما رح يوف. طبعاً العرب إذا أعطوا كلمة ما بيقدر يتراجع، فهو طلب مهراً عالياً.

فقالت: أغلظ عليهم المهر فإنهم يرجعون. فقالت: أغلظ لهم المهر فإنهم لا يرجعون ولا يجيبون، فقال: ما أحسن ما قلت. ثم شط، قال: آه والله كلامك صحيح، ما أحسن ما قلت، نعم. ثم خرج مبادراً فقال: إن فتاة الحي قد أجابت، ولكني أريد لها مهراً مثلها. آه قال البنت موافقة هنا ورط نفسه، البنت موافقة لكن بدها مهر عالي، طيب، ولكني أريد لها مهر مثلها، فمن القائم به؟ ما من يتكفل به؟ مين القائم؟ مين اللي يدق على صدره؟ في إيه؟ فقال عبد الله بن معمر: أنا، فقل ما شئت. فقال: ألف مثقال من الذهب، وألف ثوب من الأبراج. ألف كيلو ذهب يعني تمام، يعني ماشي. قال: وخمسة أعنبر، فقال عبد الله: لك ذلك كله، فهل أجبت؟ فقال: أجل. قال: بشيله، يا صدم الرجل، قال له: أنا بشيل لك كل هذا بس خلينا نزوج، أيوه. فهل أجبت؟ فهل أجبت؟ قال: أجل. قال عبد الله: فانفذت... هل أجبت؟ قال: الآن هو ما قدر يحكي لا، لأنه كلمة العربي رصاصة يعني. قالوا: خلص بدك تشيل، شيل خذوا البنت إيش أسوي يعني. قال: فانفذت نفر من الأنصار إلى المدينة، فأتوا بجميع ما طلبت، ثم صنعت الوليمة، وأقمنا على ذلك أياماً، ثم قال: خذوا فتاتكم، وليمة العرس، ومشى أيام، ثم قال: أنت شوف نهاية القصة الحزينة، نحن قاعدين تضحكوا هسه شوف شو صار، طيب.

قال: خذوا فتاتكم وانصرفوا مصاحبين، ثم حملها في ودج، وجهزها بثلاث راحلة من المتاع والتحف، فودعناه وسرنا حتى إذا بقي بيننا وبين المدينة مرحلة واحدة، خرجت علينا خيل تريد الغارة، أحسبها من... هم رايحين على المدينة بهالفتاة طلع قطاع طرق وأغار، طيب. قال: فحمل عليها عتبة بن الحباب منهم رجالاً، وجتبة بده يدافع الآن عن البنت يعني بعد كل هالقصة، فحمل على قطاع الطرق، أيوه. قال: فقتل منهم رجالاً وجرح آخرين، ثم رجع وبه طعنة تفور دماً. مسكين طعن طعنة قاتلة، نعم. قال: فسقط إلى الأرض وانفنى بخده، فطردت عنا الخيل وقد قضى عتبة نحبه، فقلنا: وعتبتاه. عتبة بعد كل هذه القصة لم يستطع أن يصل إليها، أنتم متخيلين يعني المرحلة الأخيرة؟ طيب. قال: فقلنا وعتبتاه، فسمعتنا الجارية، فالجارية كانت وين في الهودج، فسمعتنا ونحن نصرخ: واعتبتاه، فألقت نفسها من البعير، وجعلت تصيح بحرقة وأنشدت تصبرت ولا أني صبرت وإنما أعلل الناس. تصبرت أني صبرت يعني أنا مش فقط صبرت، أنا تصبرت حتى هذه اللحظة التي وصلنا إليها، نعم.

قال: تصبرت لا أني صبرت وإنما أعلل نفسي أنها بك لاحقة. قالت: وإنما سيصبرني الآن أنني ماذا؟ الآن أنا أول واحدة رح يعني تزهق روحها تبعاً لك، خلص يعني هي انصدمت أيضاً لأنه في عشق واضح من الطرفين. قال: فلو أنصفت روحي لكانت إلى الردى أمامك من دون البرية سابقة، فما أحد بعدي وبعدك منصف خليلاً ولا نفس لنفس موافقة. ثم شهقت وقضت نحبها، فاحتفرنا لهما قبراً واحداً، ماتت هي في مكانها، هذه بتطلع فيلم قصة كاملة يعني، تقدروا تعملوا عليها دبلجة وتأخذوا بطولتها في الأوسكار، شيخ، طيب.

قال: ثم رجعت إلى المدينة فأقمت سبع سنين، ثم ذهبت إلى الحجاز ووردت المدينة، قول خلاص دخلناهما الاثنين ورحنا، بعد سبع سنين القيسي بيقول: رجعت للمدينة حابب أشوف هذين القبرين يعني هل حصل عندهما شيء من باب يعني الفضول خلينا نقول، مش من باب شد الرحال، يعني من باب الفضول، نعم. فقلت والله لآتين قبر عتبة أزوره، فأتيت القبر فإذا عليه شجرة عليها عصائب حمر وصفر، فقلت لأرباب المنزل: ما يقال لهذه الشجرة؟ قالوا: شجرة العروس. خلص سموها شجرة العروسين، ماتا معاً ودفنا معاً في قبرين متجاورين، قال: رحمة الله عليهما، يعني في النهاية ماذا نقول؟ نعم.

قال: رحمه الله، ولو لم يكن في العشق من الرخصة المخالفة للتجديد إلا الحديث الوارد بالحسن من الأسانيد، وهو حديث سويد بن سعيد عن علي بن مسر عن أبي يحيى القتاتي عن مجاهد عن ابن عباس يرفعه: من عشق وعف وكتم فمات فهو شهيد. رواه أيضاً، ورواه سويد أيضاً عن ابن مسر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعاً، ورواه الخطيب طيب عن الأزهري عن المعافى بن زكريا عن قطبة بن الفضل عن أحمد بن مسروق عنه، ورواه الزبير بن بكار عن عبد العزيز الماجشون عن عبد العزيز بن أبي حازم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس، وهذا سيد الأولين والآخرين ورسول رب العالمين صلى الله عليه وسلم نظر إلى زينب بنت جحش رضي الله عنها، فقال: سبحان مقلب القلوب. هذا خبر باطل، إياكم تقبلوه، يعني هو يسرد ابن القيم لأنه من كلام الخصم، لكن هذا خبر باطل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى زينب وهي غير متزوجة له يعني قبل أن يتزوجها، وقال: سبحان مقلب القلوب، يعني هذا كلام لا يجوز روايته أو سرده، نعم.

قال: وكانت تحت زيد بن حارثة مولاه، فلما هم بطلاقها قال له: اتق الله وأمسك عليك زوجك، فلما طلقها زوجها الله سبحانه من رسوله صلى الله عليه وسلم من فوق، يقول لك أنه حتى النبي عليه الصلاة والسلام وقع في حب زينب بنت جحش قبل أن يتزوجها وكانت في ذمة مين؟ زيد بن حارثة، فلماذا تمنعون العشق العفيف؟ هذه من حجج هؤلاء القوم، نعم.

قال: فلما طلقها زوجها الله سبحانه وتعالى من رسوله صلى الله عليه وسلم من فوق سبع سماوات، فكان هو وليها وولي تزويجها من رسوله صلى الله عليه وسلم، وعقد نكاحها فوق عرشه، وأنزل على رسوله. زينب كانت تفتخر على نساء المسلمين نساء المؤمنين أن الله زوجها من فوق سبع سماوات بذاته سبحانه. قال تعالى: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ.

وهذا داوود نبي الله عليه السلام لما كان تحته 99 امرأة ثم أحب تلك المرأة فتزوجها وكمل بها المئة وقال... طبعاً هذه قصة من الإسرائيليات لا تصدق ولا تكذب، نعم. قال وقال الزهري: أول حب كان في الإسلام حب النبي صلى الله عليه وسلم عائشة رضي الله عنها، وكان مسروق... نعم، لكنه حب نشأ وترعرع في ثنايا الزواج، هذا ما في مشكلة، الحب بين الزوجين في ثنايا بيت الزوجية هذا هو المطلوب أصلاً، نعم. قال وكان يسميها، وكان مسروق يسميها حبيب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال أبو قيس مولى عبد الله بن عمر: أرسلني عبد الله بن عمر إلى أم سلمة أسألها: أكان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل أهله وهو صائم؟ فقالت: لا، فقال: إن عائشة رضي الله عنها قالت: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم. فقالت أم سلمة رضي الله عنها: إن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رأى عائشة لا يتمالك عنها. وذكر سعيد بن إبراهيم عن عامر بن سعد عن أبيه قال: كان إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام يزور هاجر في كل يوم من الشام على البراق لشغفه بها وقلة صبره عنها. وذكر الخرائطي... ولكنها زوجته، يعني هذا لا يلام عليه الإنسان أنه يحب رؤية زوجته كل يوم، عشق حلال ضمن إطار الزوجية، نعم.

وذكر الخرائطي أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما اشترى جارية رومية... طبعاً هذا إن صح هذا الخبر، طبعاً هذا كله على لأن هذه كلها إسرائيليات، أنه كان يزورها كل يوم من البراق هذا من الإسرائيليات، نعم. فكان يحبها حباً شديداً، فوقعت ذات يوم عن بغلة له فجعل يمسح التراب عن وجهها ويقبلها، وكانت عبد الله بن عمر كانت عنده جارية رومية يحبها ويعشقها، وفي يوم من الأيام وقعت هذه الجارية على الأرض فهذا إيش؟ يمسح التراب عن وجهها ويقبلها، يعني من عشقه لها، نعم. قال وكانت تكثر أن تقول له: يا بطرون أنت قالون، تعني يا... يعني تقول: يا سيدي أنت رجل جيد، يعني أنت تحبني، ولكن شوف فيه... قال ثم إنها هربت منه، فجرب من بعد قالون أنت بطرون، هربت منه وتركته، فماذا قال ابن عمر؟ فقال: قد كنت أحسبني قالون، فانصرفت اليوم أعلم أني غير قالوني. كنت أفكر نفسي جيد، فانصرفت فاليوم عرفت أن بتضحك علي فاليوم أعرف أني غير قالون يعني جيد بالرومية، نعم.

وقال أبو محمد بن حزم: كنت وقد أحب من الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين كثير. وقال رجل لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين رأيت امرأة فعشقتها، فقال: ذلك ما لا تملك. طب طبعاً هذه الأفكار كلياتها عموماً من أكثر من كان يدافع عن فكرة الحب العفيف ابن حزم الظاهري، له كتاب طوق الحمامة وغيره من الكتب، ابن حزم الظاهري طبيعة شخصيته والحياة التي عاشها جعلته يعني يخرج ببعض الآراء الشخصية وينظر لها بتنظيرات طويلة، فهذا الذي ذكره ابن القيم هنا هو مختصر من كلام ابن حزم، مختصر من كلام ابن حزم في دفاعه عن نظرية إيش؟ الحب العفيف الذي لا يتم، لا يكون فيه نظر حرام أو وصال أو ما شابه ذلك، وإنما حب صاف. الآن ابن القيم سيرد على هذا وبه يكون ختام الكتاب، اقرأ.

قال رحمه الله تعالى: فالجواب، وبالله التوفيق. إذاً الجواب ابن القيم سيرد على كل الكلام السابق في نظرية العشق العفيف التي يطرحها ابن حزم الظاهري وبعض من يناصر في هذا الموضوع، نعم. قال: إن الكلام في هذا الباب لا بد فيه من التمييز بين الحرام والجائز والنافع والضار، ولا يحكم عليه بالذم والإنكار ولا بالمدح والقبول من حيث الجملة، وإنما يبين حكمه وينكشف أمره بذكر متعلقه، وإلا فالعشق من حيث هو لا يحمد ولا يذم، نحن نذكر النافع من الحب والضار والجائز والحرام. يعني ابن القيم حاول يتوازن، بقول لك أنا ما رح أقول لك إنه مجرد وقوع الحب في قلبك حرام، وإنما نحن ننظر إلى إيش؟ إلى الثمار التي نتجت عن الحب، ننظر إلى ماذا؟ الثمار التي ستنتج عن وقوعك في هذا الحب، نعم.

قال رحمه الله: اعلم أن أنفع المحبة على الإطلاق وأوجبها وأعلاها وأجلها محبة من جبلت القلوب على محبته، وفطرت الخليقة على تألهه، وبها قامت الأرض والسماوات، وعليها فطرت المخلوقات، وهي سر شهادة أن لا إله إلا الله، فإن الإله هو الذي تألهه القلوب بالمحبة والإجلال والتعظيم والذل له.

والخضوع والتعبد والعبادة لا تصلح إلا له وحده، والعبادة هي كمال الحب مع كمال الخضوع والذل. والشرك في هذه العبودية من أظلم الظلم الذي لا يغفره الله. والله تعالى يحب لذاته من جميع الوجوه، وما سواه فإنما يحب تبعاً لمحبته. وقد دل على وجوب محبته سبحانه جميع كتبه المنزلة، ودعوة جميع رسله، وفطرته التي فطر عباده عليها، وما ركب فيهم من العقول، وما أسبغ عليهم من النعم؛ فإن القلوب مفطورة مجبولة على محبة من أنعم عليها وأحسن إليها، فكيف بمن كل الإحسن منه وما بخلقه جميعهم من نعمة فمنه وحده لا شريك له، كما قال تعالى: وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْهَرُونَ.

وما تعرف به إلى عباده من أسمائه الحسنى وصفاته العلى، وما دلت عليه آثار مصنوعاته من كماله وبهائه وجلاله وعظمته. والمحبة لها داعيان: الجمال والجلال. يعني الباعث على محبة أي شيء إنما هو الجلال والجمال، من أجل ذلك تحب الأشياء، والله أتم شيء جلالاً وجمالاً نعم. قال: والرب له الكمال المطلق من ذلك، فانه جميل يحب الجمال بل الجمال كله له، والاجلال كله منه، فلا يستحق أن يحب لذاته من كل وجه سواه. قال الله تعالى: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ. وقال تعالى: يا أيها... كمل كمل شيخ.

قال رحمه الله تعالى: وَقَالَ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبَّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ. إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ. وَمَن يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ.

والولاية أصلها الحب، فلا ولاية إلا بحب كما أن العداوة أصلها البغض. يقول: ومن يتولى الله ورسوله، أصل الولاية هي الحب أصلاً نعم، كما أن العداوة أصلها البغض. وَاللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُمْ أَوْلِيَاؤُهُ، فهم يوالونه بمحبتهم له وهو يواليهم بمحبته لهم، فالله تعالى يوالي عبده بحسب محبته له. ولهذا أنكر سبحانه على من اتخذ من دونه أولياء، بخلاف من والى أولياءه فانه لم يتخذهم أولياء من دونه بل موالاتهم لهم من تمام موالاته.

وقد أنكر على من يسوي بينه وبين غيره في المحبة وأخبر أن من فعل ذلك فقد اتخذ من دونه أنداداً يحبونهم كحب الله، قال تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ. وأخبر عن من يسوي بينه وبين الأنداد في الحب أنهم يقولون في النار لمعبوديهم: تَاللَّهِ إِن كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ إِذ نُسَوِّيكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ. وبهذا التوحيد في الحب أرسل الله جميع رسله وأنزل جميع كتبه واطبقت عليه دعوة جميع الرسل من أولهم إلى آخره، ولاجله خلقت السماوات والأرض والجنة والنار، فجعل الجنة لأهله والنار للمشركين به.

وبالتالي أصل خلق بشري جمعاء هو أن يحقق توحيد الله في المحبة، يعني هذا لأنه هذا أصل العبودية ولبوها. مش احنا نقول لا إله إلا الله؟ يعني لا معبود إلا الله، أليس كذلك؟ ما هو قمة العبودية؟ أن توحد الله في الحب. المراد بالحب الحب الذي بمعنى التعلق، وأما حب الزوجه والابناء وما شابه ذلك فساشرحه الآن نعم.

قال رحمه الله: وقد أقسم النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا يؤمن عبد حتى يكون هو أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين. فكيف بمحبه الرب جل جلاله؟ وقال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا حتى أكون أحب إليك من نفسك. أي لا تؤمن حتى تصل محبتك إلى هذه الغاية. وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أولى بنا من أنفسنا في المحبة ولوازمها، أفليس الرب جل جلاله وتقدست أسماؤه وتبارك اسمه وتعالى جده ولا إله غيره أولى بمحبه عباده من أنفسهم؟

وكل ما منه إلى عبده المؤمن يدعوه إلى محبته، مما يحب العبد ويكره، فإعطاؤه ومنعه، ومعافاته وابتلاؤه، وقبضه وبسطه، وعدله وفضله، واماتته واحياؤه، ولطفه وبره، ورحمته واحسانه، وستره وعفوه، وحلمه وصبره على عبده، واجابته لدعائه، وكشف كربته، واغاثته لهفته وتفريج كربته، من غير حاجة منه إليه بل مع غناه التام عنه من جميع الوجوه. كل ذلك داع للقلوب إلى تالهه ومحبته، بل تمكينه عبده من معصيته وإعانته عليها وستره حتى يقضي وطره منها، وكلاءته وحراسته له وهو يقضي وطره من معصيته وهو يعينه ويستعين عليه بنعمه من أقوى الداعي إلى محبته. فلو أن مخلوقا فعل بمخلوق أدنى شيء... مجرد أن الله يسترك وأنت بتعمل المعاصي هذا أكبر داعي أن تحب الله، مع أنه قادر أنه يهلكك في تلك اللحظة لأنك تستعمل الأدوات التي منعك إياها في غير مرضاته. مجرد أن ربنا بيسترك وأنت بتعصي هذا من أكبر الداعي أن تحب الله نعم.

قال رحمه الله: فلو أن مخلوقا فعل بمخلوق أدنى شيء من ذلك لم يملك قلبه عن محبته، فكيف لا يحب العبد بكل قلبه وجوارحه من يحسن إليه على الدوام بعدد الانفاس مع إساءته؟ فخيره إليه نازل وشره إليه صاعد، يتحبب إليه بنعمه وهو غني عنه، والعبد يتبغض إليه بالمعاصي وهو فقير إليه، فلا إحسانه وبره وانعامه عليه يصده عن معصيته، ولا معصية العبد ولؤمه يقطع إحسان ربه عنه.

فالمؤمن... اللؤم تخلف القلوب عن محبة من هذا شأنه وتعلقها بمحبه، أكبر خيانة تفعلها في حياتك، أكبر خيانة أن تحب الله ولا تتعلق بالله وخيره إليك نازل وشرك إليه صاعد وهو يتعامل معك بالستر. أكبر خيانة، والمؤمن هكذا قال: الإنسان لئيم الذي لا يحب الله. فقط لو نظرت بهذه المعادلة الموجودة بين أيدينا نعم.

قال رحمه الله أيضا: فكل من تحبه من الخلق ويحبك إنما يريدك لنفسه وغرضه منك، والله تعالى يريدك لك كما في الأثر... نعم، كل الناس الذين يحبونك إنما يحبونك للذة لهم بك، للذة لهم بك فقط مش من أجلك أنت زيد وعبيد لأنهم ينتفعون... حتى زوجتك عندما تحبك لأنها تلتذ بهذه المحبة منك. وأما الله سبحانه هو الوحيد في هذا الكون الذي يعطيك من أجلك وليس من أجله، فإنه هو غني عنك نعم.

قال: كما في الأثر الإلهي: عبدي، كل يريدك لنفسه وأنا أريدك لك. فكيف لا يستحي العبد أن يكون ربه له بهذه المنزلة وهو معرض عنه مشغول بحب غيره قد استغرق قلبه بمحبه سواه؟ فلا تجي تقول لي يعني يا ابن حزم الحب العفيف الذي يشغل القلب عن المحبة التي ينبغي أن تكون لله سبحانه، هذا كلام مش دقيق من ابن حزم بهذه النظرة يعني نعم.

قال رحمه الله أيضا: فكل من تعامله من الخلق إن لم يربح عليك لم يعاملك، ولا بد له من نوع من أنواع الربح. والرب إنما يعاملك لتربح أنت عليه اعظم الربح وأعلاه؛ الدرهم بعشرة أمثاله إلى سبعمأة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والسيئة بواحده وهي أسرع شيء محوها.

وأيضاً فهو سبحانه خلقك لنفسه وخلق كل شيء لك في الدنيا والآخرة، فمن أولى منه باستفراغ الوسع في محبته وبذل الجهد في مرضاته؟ وأيضاً فمطالبك بل مطالب الخلق كلهم جميعاً لديه، وهو أجود الاجودين وأكرم الاكرمين، أعطى عبده قبل أن يسأله فوق ما يؤمله، يشكر القليل قليل من العمل وينميه، ويغفر الكثير من الزلل ويمحوه.

ويسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن، لا يشغله سمع عن سمع، ولا تغلطه كثرة المسائل، ولا يتبرم بإلحاح الملحين، بل يحب الملحين في الدعاء ويحب أن يسأل ويغضب إذا لم يسأل، يستحي من عبده حيث لا يستحي العبد منه، يستره حيث لا يستر نفسه، ويرحمه حيث لا يرحم نفسه، دعاه بنعمه وأحسانه وأياديه إلى كرامته ورضوانه فأبى، فأرسل رسله في طلبه وبعث إليهم معهم عهده، ثم نزل سبحانه بنفسه وقال: من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ كما قيل: أدعوك للوصل تأبي، أبعث رسل الطلب، أنزل إليك بنفسي ألقاك في النوام.

وكيف لا تحب القلوب من لا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يذهب بالسيئات إلا هو، ولا يجيب الدعوات، ويقيل العثرات، ويغفر الخطيئات، ويستر العورات، ويكشف الكربات، ويغيث اللهفات، وينيل الطلبات سواه؟ فهو أحق من ذكر، وأحق من شكر، وأحق من عبد، وأحق من حمد، وأبصر من ابتغي، وأراف من ملك، وأجود من سئل، وأوسع من أعطى، وأرحم من استرحم، وأكرم من قصد، وأعز من التجئ إليه، وأكفى من توكل العبد عليه، أرحم بعبده من الوالدة بولدها، وأشد فرحاً بتوبه التائب من الفاقد لراحلته التي عليها طعامه وشرابه في الأرض المهلكة إذا يأس من الحياة ثم وجدها.

وهو الملك لا شريك له، والفرد فلا ند له، كل شيء هالك إلا وجهه، لن يطاع إلا بإذنه ولن يعصى إلا بعلمه، يطاع فيشكر وببتوفيقه ونعمته أطيع، ويعصى فيغفر ويعفو وحقه أضيع. فهو أقرب شهيد، وأجل حفيظ، وأوفى بالعهد، وأعدل قائم بالقسط، حال دون النفوس، وأخذ بالنواصي، وكتب الآثار، ونسخ الآجال، فالقلوب له مفضية، والسر عنده علانية، والغيب لديه مكشوف، وكل أحد إليه ملهوف، وعنت الوجوه وجهه، وعجزت العقول عن إدراك كنهه، ودلت الفطر والأدلة كلها على امتناع مثله وشبهه.

وأشرت لنور وجهه الظلمات، واستنارت له الأرض والسماوات، وصلحت عليه جميع المخلوقات، لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، ويرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور ولو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه. ما اعتاض باذل حبه لسواه من عوض ولو ملك الوجود بأسره.

قال رحمه الله تعالى: فصل وها هنا أمر عظيم يجب على اللبيب الاعتناء به وهو أن كمال اللذه والفرح والسرور ونعيم القلب وابتهاج الروح تابع لأمرين. قال: أحدهما كمال المحبوب في نفسه وجماله وأنه أولى باثار المحبة من كل ما سواه. والامر الثاني كمال محبته واستفراغ الوسع في حبه واثار قربه.

والكمال إنما يكون بتحصيل هذين الركنين؛ أن يكون المحبوب في نفسه كاملاً، وأن تكون محبتك له كاملة. الكمال للإنسان في باب المحبة يكون بأمرين: كمال المحبوب المتعلق به وكمال المحبة. فأنت قد يكون محبوبك ليس شيئاً نفيساً وإن كنت تخلص له في المحبة، وقد يكون المحبوب شيئاً نفيساً وعظيماً ولكنك بالعكس محبتك له ضعيفة. فالكمال إنما يكون بكمال المحبوب وكمال المحبة، والله كامل في صفاته. يبقى العنصر الثاني الذي ينبغي أن يصدر منك وهو كمال المحبة له سبحانه نعم.

قال: والامر الثاني كمال محبته واستفراغ الوسع في حبه وإيثار قربه والوصول إليه على كل شيء. وكل عاقل يعلم أن اللذة بحصول المحبوب بحسب قوة محبته، فكلما كانت المحبة أقوى كانت لذة المحبة أكمل. فلذة من اشتد ظمأه بإدراك الماء الزلال، ومن اشتد جوعه بأكل الطعام الشهي، والنظائر ذلك على حسب شوقه وشده إرادته ومحبته.

وإذا عرف هذا فاللذة والسرور والفرح أمر مطلوب في نفسه، بل هو مقصود كل حي وعاقل. وإذا كانت اللذة مطلوبة لنفسها فهي تذم إذا أعقبت ألماً أعظم منها وأو منعت لذة خيراً منها وأجل، فكيف إذا أعقبت أعظم الحسرات وفوتت أعظم اللذات والمسرات؟ وتحمد إذا أعانت على لذة عظيمة دائمة مستقرة لا تنغيص فيها ولا نكد بوجه ما.

هنا هو يريد يناقش ابن حزم في قضية ماذا؟ إنه ماشي أنت يا ابن حزم تتكلم عن الحب العفيف ممتاز. هل الحب العفيف يورث خيراً وأملاً وشيئاً أجمل منه في القادم أم يورث حسرة وألماً في قادم الأيام؟ هي النظرة يقول لك: أنت إذا أحببت فتاة لكن مع الوقت أورثك هذا فوات ما هو أعظم وأجل، وهو محبة الله أو تقصير في محبة الله، فهذه المحبة لهذه المخلوقة هو نقصان بغض النظر الآن لا أصنف تحريم أو كراهية أو شيء، لكن هو نقصان لأنه حرمك من الوصول إلى المحبوب الأعظم، وحرمك من الانشغال بمن محبته أتم والاشتغال به أكمل.

نعم قال رحمه الله تعالى: وهي لذة الآخرة ونعيمها وطيب العيش فيها، قال الله تعالى: بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى. وقال السحرة لفرعون لما آمنوا: فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى.

والله سبحانه خلق الخلق لينهي لهم هذه اللذة الدائمة في دار الخلد، وأما هذه الدار فمنقطعة ولذاتها لا تصفو أبداً ولا تدوم، بخلاف الآخرة فإن لذاتها دائمة ونعيمها خالص من كل كدر وألم، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين مع الخلود أبداً. وَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِي لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ، بل فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

وهذا المعنى الذي قصده الناصح لقومه بقوله: قال سبحانه يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ. فأخبرهم أن الدنيا متاع يستمتع بها إلى غيرها وأن الآخرة هي المستقر. فهو إذا عرف أن لذات الدنيا ونعيمها متاع ووسيلة إلى لذات الآخرة ولذلك خلقت الدنيا ولذاتها، فكل لذة أعانت على لذة الآخرة وأوصلت إليها لم يذم تناولها. إذاً كل لذة أعانت على لذة الآخرة وأوصلت.

اليها ما عندنا مشكلة فيها من طعام من شراب من نكاح. أي لذة توصلك إلى لذة الآخرة ما عندنا مشكلة فيها. نعم، قال: بل يحمد بحسب إيصالها إلى لذة الآخرة. وإذا عرف هذا فأعظم نعيم الآخرة ولذاتها هو النظر إلى وجه الرب جل جلاله وسماع كلامه منه والقرب منه، كما ثبت في الصحيح من حديث الرؤية. فوالله ما أعطاهم الله شيئاً أحب إليهم من النظر إليه. وفي حديث آخر أنه إذا تجلى لهم رأوه نسوا ما هم فيه من النعيم.

وفي النسائي ومسند الإمام أحمد من حديث عمار بن ياسر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم في دعائه: وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم والشوق إلى لقائك. وفي كتاب السنة لعبد الله بن الإمام أحمد مرفوعاً: كأن الناس يوم القيامة لم يسمعوا القرآن إذا سمعوه من الرحمن، فكأنهم لم يسمعوه قبل ذلك. حديث فيه، نعم. قال رحمه الله: وإذا عرف هذا، فأعظم الأسباب التي تحصل هذه اللذة هو أعظم لذات الدنيا على الإطلاق، وهو، أعظم ما يوصلك إلى الدار الآخرة هي أعظم لذات الدنيا. أعظم لذة في الدنيا هي التي توصلك إلى الدار الآخرة وإلى كل هذا النعيم المخبأ.

نعم، وهو لذة معرفة الله سبحانه وتعالى ولذة محبته، فإن ذلك هو، ما هو اللذة الدنيوية التي توصلك إلى اللذة الأخروية؟ أعظم لذة دنيوية توصلك إلى اللذة الأخروية هي لذة أن تعرف الله في الدنيا ولذة أن تحب الله في الدنيا؛ لأنه إذا انشغلت بهذه اللذة في الدنيا أوصلتك إلى رؤية وجه الله وإلى التنعم بقرب الله وما شابه ذلك. فهذا الذي ينبغي أن يشغل فيه القلب، وليس أن يشغل بحب النساء والتعلق بهن، حتى ولو كان يقول لك: بدي أمشي أنه ما في لقاءات محرمة، ما في نظر، لكن قلبك مشغول. إذا انشغل قلب النساء الدنيا لن ينشغل تمام الشغل بمحبة الله والانصراف إليه بالكلية، فما الذي ينبغي أن يختاره العاقل؟ نعم.

قال رحمه الله: فإن ذلك هو جنة الدنيا ونعيمها العالي، ونسبة لذاتها الفانية إليه كتفلة في بحر، فإن الروح والقلب والبدن إنما خلق لذلك. فأطيب ما في الدنيا معرفته ومحبته، وألذ ما في الجنة رؤيته ومشاهدته، فمحبته ورؤيته قرة العيون ولذة الأرواح وبهجة القلوب ونعيم الدنيا وسرورها. بل لذات الدنيا القاطعة عن ذلك تنقلب آلاماً وعذاباً، ويبقى صاحبها في المعيشة الضنك، فليست الحياة الطيبة إلا بالله.

وكان بعض المحبين تمر به أوقات فيقول: إن كان أهل الجنة في مثل هذا إنهم لفي عيش طيب. وقد تقدم ذلك. وكان غيره يقول: لو علم الملوك أبناء الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف. وإذا كان صاحب المحبة الباطلة التي هي أعذب على قلب المحب يقول في حاله: وما الناس إلا العاشقون ذوو الهوى، فلا خير في من لا يحب ويعشق. ويقول: أفٍ لدنيا إذا لم يكن صاحب الدنيا محباً أو حبيباً.

وقال آخر: ولا خير في الدنيا ولا في نعيمها، وأنت وحيد مفرد غير عاشقي. وقال آخر: اسكن إلى سكن تلذ بحبه، ذهب الزمان وأنت منفرد. وقال: تشكو المحبون الصبابة ليتني، تحملت ما يلقون من بينهم وحدي، فكانت لقلبي لذة الحب كلها، فلم يلقاها قبلي محب ولا بعدي. فكيف بالمحبة التي هي حياة القلوب وغذاء الأرواح؟ وليس للقلب لذة ولا نعيم ولا فلاح ولا حياة إلا بها، وإذا فقدها القلب كان ألمه أعظم من ألم العين إذا فقدت نورها، والأذن إذا فقدت سمعها، والأنف إذا فقد شمه، واللسان إذا فقد نطقه. بل فساد القلب إذا خلا من محبة فاطره وبارئه وإلهه الحق أعظم من فساد البدن إذا خلا من الروح. وهذا الأمر لا يصدق به إلا من فيه حياة، وما لجرح بميت إيلام.

والمقصود أن أعظم لذات الدنيا هو السبب الموصل إلى أعظم لذة في الآخرة. ولذات الدنيا ثلاثة أنواع: فأعظمها وأكملها ما أوصل إلى لذة الآخرة، ويثاب الإنسان على هذه اللذة أتم ثواب. ولهذا كان المؤمن يثاب على ما يقصد به وجه الله من أكله وشربه ولباسه ونكاحه والشفاء غيظه بقهر عدو الله وعدوه. فكيف بلذة إيمانه ومعرفته بالله ومحبته له وشوقه إلى لقائه وطمعه في رؤية وجهه الكريم في جنات النعيم؟ يعني إذا كنت تثاب على أنك تطعم وتشرب وتنكح ابتغاء مرضاة الله، فما بالك بثوابك إذا كنت تحب الله وتتعلق بالله أصلاً؟ فهذا أعظم وأعظم. نعم.

قال رحمه الله: النوع الثاني، لذة تمنع لذات الآخرة وتعقب الآلام. أما لذات الدنيا التي تمنع لذات الآخرة فهذه مخيفة، ومنها التعلق والعشق المحرم. نعم، قال: كلذة الذين اتخذوا من دون الله أوثاناً مودة بينهم في الحياة الدنيا، يحبونهم كحب الله ويستمتعون بعضهم ببعض. كما يقول في الآخرة إذا لقوا ربهم، قال تعالى: رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ. وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ.

وكذلك لذة أصحاب الفواحش والظلم والبغي في الأرض والعلو بغير الحق. وهذه اللذات في الحقيقة إنما هي استدراج من الله لهم ليذيقهم بها أعظم الآلام ويحرمهم بها أكمل اللذات، بمنزلة من قدم لغيره طعاماً لذيذاً مسموماً يستدرجه به إلى هلاكه. قال الله تعالى: سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ، وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ. قال بعض السلف في تفسيرها: كلما أحدثوا ذنباً أحدثنا لهم نعمة. وهذا من الاستدراج إذا كان العبد كلما أحدث ذنباً أحدث الله له نعمة، هذا استدراج أحبابي في الجملة، ينتبه الإنسان. نعم.

قال تعالى: حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ، فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وقال تعالى في أصحاب هذه اللذة: أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ، نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ. وقال في حقهم: فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ. وهذه اللذة تنقلب آلاماً أعظم الآلام، كما قيل: مآرب كانت في الحياة لأهلها عذاباً، فصارت في المعاد عذاباً. كانت عذاباً في الدنيا جميلة، أصبحت يوم القيامة عذاباً. كثير من اللذات، نعم.

قال رحمه الله: النوع الثالث، لذة لا تعقب لذة في دار القرار ولا ألماً. هذه اللذات اللي وضعها المعتدل، يعني لا ينبني عليها حرمان من الدار الآخرة ولا مكسب؛ اللي هي لا هنا ولا هنا، لأنه قال ثلاثة: إما لذة ينبني عليها لذة في الآخرة فهذه مطلوبة، أو لذة في الدنيا ينبني عليها حرمان في الآخرة فهذه ممنوعة، أو لذة في الدنيا لا ينبني عليها في الآخرة لا حرمان ولا وصال، فهذه تبقى ضمن دائرة المباحة. نعم.

قال: لذة لا تعقب لذة في دار القرار ولا تألماً، ولا تمنع أصل لذة دار القرار وإن منعت كمالها. وهذه اللذة المباحة لا يستعان بها على لذة الآخرة، فهذه زمانها يسير، ليس لتمتع النفس بها قدر، ولا بد أن تشغل عما هو خير وأنفع منها. آه هذا هنا هذه المرحلة بدي أقول لك يا ابن حزم الظاهري، لو أنا فرضت أن الحب العفيف اللي بتتكلم عنه الذي لا يبوح فيه الإنسان جائز مشروع، فأحسن أحواله أن يكون ضمن هذه المباحة؛ لأنه لا يقودك إلى الدار الآخرة ولا ينفعك، فينبغي الانشغال به.

ولو كان مباحاً، إذا ابن القيم هو ما بيقول لك الحب النظرية الحزمية يعني هو حب خطأ إذا لم يتكلم به الإنسان ولم يترتب عليه عشق، لكن على الأقل ايش هو؟ يشغلك عن حب أكمل وعن حياة أكمل وعن راحة أكمل، فلذلك قال: فينبغي أن يكون زمنه يسيراً، لأن التمتع به في الدنيا لا ينبني عليه أي فائدة في الآخرة، على فرض أنه لم يؤثر آثاراً سلبية في الآخرة. نعم. قال: وهذا القسم هو الذي عناه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: كل لهو يلهو به الرجل فهو باطل، إلا رمي بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته امرأته، فإنهن من الحق. فما أعان على اللذة المطلوبة لذاتها فهو حق، وما لم يعنها فهو باطل. إذاً ابن القيم يقول النوع الثالث والثاني كلاهما من الباطل، ليس شرطاً أن يكون حراماً طبعاً، لكن كلاهما من الباطل لأنه لا يوصل إلى دار الحق ولا إلى لذة أكمل في الدار الآخرة. نعم.

قال رحمه الله تعالى: فصل فهذا الحب لا ينكر ولا يذم، بل هو أحمد أنواع الحب، وكذلك حب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإنما نعني المحبة الخاصة، وهي التي تشغل قلب المحب وفكره وذكره بما. وكذلك حب النبي صلى الله عليه وسلم، هذا عطف على ما سبق في قضية حب الله، أن الإنسان ينبغي أن يشغل نفسه بحب الله. فلما ذكر عن حب الله ولماذا يحب الإنسان الله، الآن سيعطف عليها أيضاً من الحب الذي ينبغي أن ينشغل به الإنسان ويوفر همته عليه، حب النبي صلى الله عليه وسلم.

قال: والمراد المحبة الخاصة، يعني مش أن كل الناس بتحكي أن أنا نحب النبي عليه الصلاه والسلام، لكن لا، هناك محبة خاصة، الذي هو التفكير المستدام بأحواله وأيامه وتقلباته. هذا: كل يدعي وصلاً بليلى، ولا تقر لهم بذاك. نعم. قال: وهي التي تشغل قلب المحب وفكره وذكره وبمحبوبه، وإلا فكل مسلم في قلبه محبة لله ورسوله، لا يدخل في الإسلام إلا بها. والناس متفاوتون في درجات هذه المحبة تفاوتاً لا يحصيه إلا الله، فبين محبة الخليلين ومحبة غيرهما ما بينهم.

فهذه المحبة هي التي تلطف وتخفف أثقال التكاليف، وتسخي البخيل، وتشجع الجبان، وتصفي الذهن، وتروض النفس، وتطيب الحياة على الحقيقة، لا محبة الصور المحرمة. هون بلش يطخ على ابن حزم؛ قال بيتكلموا عن المحبة التي تلطف الأخلاق وتورث الشجاعة وتكسب الأخلاق، هي المحبة الحقيقية لله ورسوله. لذلك المجاهدون في غزة وفي غيره، ما الذي يحملهم على هذه البطولات وهذه الأمور التي نحن نعجز أمامها ونرفع القبعة لها كما يقولون، إلا وجود المحبة الصادقة كما نحسبهم لهذا الدرب ولهذا الطريق وللتضحية؟ هنا تبرز الأخلاق، هنا يبرز الجهاد، هنا يبرز البذل، هنا يبرز العطاء. أما تقول لي عطاء من أجل عشق، ولا بذل من أجل عشق، ولا شجاعة من أجل عشق، هذه تفاهة وليست أخلاقاً حقيقية. نعم.

قال: لا محبة الصور المحرمة، وإذا بليت السرائر يوم اللقاء، كانت سريرة صاحبها من خير سرائر العباد، كما قيل: سيبقى لكم في مضمر القلب والحشى، سريرة حب يوم تبلى السرائر. وهذه المحبة هي التي تنور الوجه، وتشرح الصدر، وتحيي القلب. وكذلك محبة كلام الله، فإنها من علامة محبة الله. وإذا أردت أن تعلم ما عندك وعند غيرك من محبة الله، فانظر محبة القرآن من قلبك والتذاذك بسماعه، أعظم من التذاذ أصحاب الملاهي والغناء المطرب بسماعهم. فإن من المعلوم أن من أحب محبوباً كان كلامه وحديثه أحب شيء إليه، كما قيل: إن كنت تزعم حبي، فلم هجرت كتابي؟ أما تأملت ما فيه من لذيذ خطابي؟

وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: لو طهرت قلوبنا لما شبعت من كلام الله. وكيف يشبع المحب من كلام محبوبه وهو غاية مطلوبه؟ وقال النبي صلى الله عليه وسلم يوماً لعبد الله بن مسعود رضي الله عنه: اقرأ علي، فقال: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ فقال: إني أحب أن أسمعه من غيري. فاستفتح فقرأ سورة النساء، حتى إذا بلغ قوله تعالى: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا، قال: حسبك. فرفع رأسه فإذا عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم تذريان من البكاء.

وكان الصحابة رضي الله عنهم إذا اجتمعوا وفيهم أبو موسى يقولون: يا أبا موسى ذكرنا ربنا، فيقرأ وهم يستمعون. فلمحب القرآن من الوجد والذوق واللذة والحلاوة والسرور أضعاف ما لمحبي السماع الشيطاني. فإذا رأيت رجلاً ذوقه ووجده وطربه وتشوقه إلى سماع الأبيات دون سماع الآيات، وفي سماع الألحان دون سماع القرآن، وهو كما قيل: تقرأ عليك الختمة وأنت جامد كالحجر، وبيت من الشعر ينشد تميل كالنشوان، فهذه من أقوى الأدلة على فراغ قلبه من محبة الله وكلامه.

وحتى لو كانت الألحان أناشيد شرعية ما فيش فيها مثلاً معازف، إذا وجدت قلبك يطرب للأناشيد ولا يطرب للقران، فاعلم أنك تحتاج أن تراجع قلبك. الكلام الآن عموماً يعني ليس مجرد المعازف المحرمة. نعم. قال: وتعلقه بمحبة سماع الشيطان، والمغرور يعتقد أنه على شيء. ففي محبة الله وكلامه ورسوله صلى الله عليه وسلم أضعاف أضعاف ما ذكر السائل من فوائد العشق ومنافعه، بل لا حب على الحقيقة أنفع منه، وكل حب سوى ذلك باطل، وإن لم يعشق المحب ويشقى المحب إليه. كل حب لا يسوقك إلى الله فهو باطل. نعم.

قال رحمه الله تعالى: فصل وأما محبة الزوجات فلا لوم على المحب فيها، بل هي من كماله، وقد امتن سبحانه بها على عباده، فقال، أراد أن يبين أن محبة الزوجات والأبناء هذه محبة فطرية لا تتعارض مع محبة الله والتعلق به، هذا نوع وهذاك نوع آخر. نعم. فقال تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.

فجعل المرء سكناً للرجل يسكن قلبه إليها، وجعل بينهما خالص الحب وهو المودة المقرونة بالرحمة. وقد قال تعالى عقيب ذكره ما أحل لنا من النساء وما حرم منهن: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا. يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا.

ذكر سفيان الثوري في تفسيره عن ابن طاووس عن أبيه قال: كان إذا نظر إلى النساء لم يصبر. وفي الصحيح من حديث جابر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى امرأة فأتى زينب فقضى حاجته منها، وقال: إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان، فإذا رأى أحدكم امرأة فأعجبته فليأتِ أهله، فإن ذلك يرد ما في نفسه. ففي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم، لكنها لا تصلح إلا المتزوج، يعني وإذا كان الإنسان متزوجاً فنظر إلى امرأة في الشارع فوقعت في قلبه، فمن مسهلات ذهاب هذه الصورة أن يأتي زوجته بالحلال، لعل ذلك يذهب تعلقه بتلك المرأة، نعم.

قال رحمه الله: وفي الحديث عدة فوائد، منها الإرشاد إلى التسلي عن المطلوب بجنسه، كما يقول فوائد حديث هذا الحديث السابق أن الإنسان يتسلى عن الشيء الحرام بجنسه من الحلال، فتسلى عن النظر إلى الحرام بالنظر إلى زوجتك، وتسلى عن المعاشرة المحرمة بالمعاشرة المباحة، والزوجة مطلوب منها أن تعين الزوج على ذلك. إنه بعض الناس بقول لي يا شيخ والله زوجتي ما هي سائلة، لا تجمل ولا شيء، فهي آثمة طبعاً لذلك؛ شدد الإسلام في أمور قضية أن الزوجة تتجمل لزوجها لأن هو يريد أن يخفف عن نفسه من هياج، نعم. كما يقوم الطعام مقام الطعام، والثوب مقام الثوب. ومنها الأمر بمداواة الإعجاب بالمرأة المورث لشهوتها بأنفع الأدوية وهو قضاء وطره من أهله، وذلك ينقض شهوته لها، ينقص شهوته بها، نعم.

قال: وهكذا كما أرشد المتحابين إلى النكاح، كما في سنن ابن ماجه مرفوعاً: لم يُرَ للمتحابين مثل النكاح. نعم، وهذه ما قلت لكم قبل قليل، إذا كان رجل يعشق فتاة ولا يريد أن يصبح الملف كبير، خلص تزوجها حتى يذهب ما في قلبك من العشق، نعم. قال رحمه الله: فنكاح المعشوقة هو دواء العشق الذي جعله الله دواءه شرعاً وقدراً، وبه تداوى داود صلى الله عليه وسلم، ولم يرتكب نبي الله محرماً، وإنما تزوج المرأة وضمها إلى نسائه لمحبته لها، وكانت توبته بحسب منزلته عند الله وعلو مرتبته، ولا يليق بنا المزيد على هذا.

وأما قصة زينب بنت جحش رضي الله عنها، فزيد كان قد عزم على طلاقها ولم توافقه، وكان يستشير النبي صلى الله عليه وسلم في فراقها وهو يأمره بإمساكها. فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه يريد مفارقتها ولا بد، فأخفى في نفسه أن يتزوجها إذا فارقها زيد. فحاشاه صلى الله عليه وسلم أن يكون تكلم بكلمة أمام زينب هي التي دفعتها أن تكره زوجها على طلاقها، هكذا يعني ظاهر كلام السابق الذي استدل به المخالفون، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام لم يقل لزينب شيئاً، ولم يخببها على زيد كما يقول الطاعنون في جناب المقام النبوي صلوات ربي وسلامه عليه، نعم.

قال رحمه الله تعالى: وخشِيَ مقام مقالة الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج زوجة ابنه، فإنه كان قد تبنى زيداً قبل النبوة، والرب تعالى يريد أن يشرع شرعاً عاماً فيه مصالح عباده. فلما طلقها زيد وانقضت عدتها منه، أرسله إليها يخطبها لنفسه، فجاء زيد واستدبر الباب بظهره، وعظمت في صدره لما ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فناداها من وراء الباب: يا زينب، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطبك. فقالت: ما أنا بصانعة شيئاً حتى أؤامر ربي، وقامت إلى محرابها فصلت. فتولى الله عز وجل نكاحها من رسوله صلى الله عليه وسلم بنفسه، وعقد له النكاح فوق عرشه، وجاء الوحي بذلك: فَلَمَّا قَضَىٰ زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا. فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم لوقته فدخل عليها، فكانت تفخر على نساء النبي صلى الله عليه وسلم بذلك وتقول: أنتن زوجكن أهاليكن، وزوجني الله من فوق سبع سماوات. فهذه قصة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع زينب، يعني هذه القصة بكل تفاصيلها بدون إضافة أي بهارات عليها من قصص الموضوع التي لا تصح.

نعم، قال: ولا ريب أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد حبب إليه النساء، كما في الصحيح عن أنس عنه صلى الله عليه وسلم: حبب إلي من دنياكم النساء والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة. وهذا لفظ الحديث إلى ما يرويه بعضهم: حبب إلي من دنياكم ثلاث. زاد الإمام أحمد في كتاب زهده في هذا الحديث: أصبر عن الطعام والشراب ولا أصبر عنهن. وقد حسده أعداء الله اليهود على ذلك فقالوا: ما همه إلا النكاح، فرد الله سبحانه عن رسوله صلى الله عليه وسلم ونافح عنه، فقال تعالى: أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۖ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا. فمجرد وجود ميل أو طبيعة إنسانية أنه إنسان يحب النساء أو يحب هذا الجنس، هذا ليس شيء يذم عليه كما دائماً نقول، وإنما هو الآثار والتبعات، هذا الذي يذم عليه الإنسان في هذا الباب، نعم.

قال: وهذا خليل الله إبراهيم إمام الحنفاء صلى الله عليه وسلم كان عنده سارة أجمل نساء العالمين، وأحب هاجر وتسرى بها. وهذا داود عليه السلام كان عنده تسعة وتسعون امرأة، فأحب تلك المرأة وتزوجها فكمل المئة. وهذا سليمان ابنه عليه السلام كان يطوف في الليلة على تسعين امرأة. وقد سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أحب الناس إليه فقال: عائشة، فقال: عن خديجة إني رزقت حبها. فمحبة النساء من كمال الإنسان. قال ابن عباس: فمحبة النساء من كمال الإنسان، يعني بالعكس، الإنسان الذي لا يميل إلى الطرف الآخر هو اللي عنده مشكلة، الأصل أن الرجل خلق يميل إلى المرأة والمرأة تميل إلى الرجل، لكن المشكلة كيف تدير هذه الفطرة؟ كيف تديره بالشكل الصحيح وتوظفه للوصول إلى الله سبحانه؟ قال ابن عباس: خير هذه الأمة أكثرها نساء. وقد ذكر الإمام أحمد رضي الله عنه أن عبد الله بن عمر وقع في سهمه يوم جلولاء جارية كان عنقها إبريق فضة. كان عنقها إبريق فضة من اللمعان، دائماً يشبه العنق اللامع بإبريق الفضة عند العرب، نعم.

قال: عبد الله فما صبرت أن قبلتها والناس ينظرون. وبهذا احتج الإمام أحمد في جواز الاستمتاع من المسبية قبل الاستبراء بغير وطء، بخلاف الأمة المشتراة، والفرق بينهما أن انفساخ الملك لا يتوهم في المسبية، بخلاف المشتراة، فقد ينفسخ فيها الملك، فيكون مستمتعاً بأمة غيره. وقد شفع النبي صلى الله عليه وسلم لعاشق أن تواصله معشوقته بأن تتزوج به فابت، وذلك هي قصة بريرة مع مغيث، نعم، بريرة لا تريده ومغيث كان يمشي وراءها يبكي في طرقات المدينة.

قال: وذلك في قصة مغيث وبريرة فإنه رآه يمشي خلفها بعد فراقها ودموعه تجري على خديه، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: لو راجعتيه. فقالت: أتأمرني يا رسول الله؟ فقال: لا، إنما أشفع. فقالت: لا حاجة لي به. فقال لعمه يا عباس: ألا تعجب من حب مغيث بريرة ومن بغضها له؟ ولم ينكر عليه. يعني شوف يعني بريرة تركت مغيث يعني أصلاً غير حلال له ومغيث كان يمشي وراءها، الأحاديث لم تقل إن النبي قال لمغيث: عيب يا مغيث وراء بريرة أو كذا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رحم ضعفه، عارف أنه مبتلى وأن هي كانت زوجته وتركته وأصبحت خلص ليست حلالاً له، لكنه مش قادر يملك قلبه، فلم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم عاتبه وكان يراه ويحاول أن يسترضيها، يعني من باب أنه سعي منه صلى الله عليه وسلم لرأب الصدع، نعم.

قال: ولم ينكر عليه حبها وإن كانت قد، أي ولم ينكر عليه حب زوجته، كانت يعني بدك تنكر عليه أنه يحبها؟ صح الآن أجنبية لكنه يحبها، نعم. قال: وإن كانت قد بانت منه، فإن هذا ما لا يملكه، ما لا يملكه، نعم. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يسوي بين نسائه في القسم ويقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك، يعني في الحب. وقد قال تعالى: وَلَن تَسْتَطِيعُوا أَن تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ، يعني في الحب والجميع. ولم يزل الخلفاء الراشدون والرحماء من الناس يشفعون للعشاق إلى معشوقهم الجائز وصلهن، كما تقدم من فعل أبي بكر وعثمان، وكذلك فعل أمير المؤمنين علي. فقد أتي بغلام من العرب، وجد في دار قوم بالليل، فقال لهم: ما قصتك؟ قال: لست بسارق ولكني أصدقك، تعلقت في دار الرياح خودةً، يُذل لها من حسن منظرها البدر، لها في بنات الروم حسن ومنظر، إذا افتخرت بالحسن خافها الفخر، فلما طرقت الدار من حر مهجتي، أبيت وفيها من توقدها الجمر، تبادر أهل الدار بي ثم صيحوا: هو اللص محتوماً له القتل والأسر. فلما سمع علي بن أبي طالب رضي الله عنه شعره رق له، وقال للمهلب بن رباح: اسمح له بها. فقال: يا أمير المؤمنين، سله من هو؟ فقال: النهاس بن عيينة. فقال: خذها فهي لك.

واشترى معاوية جارية فأعجب بها إعجاباً شديداً، فسمعها يوماً تنشد أبياتاً منها: وفارقته كالغصن يهتز في الثرى، طريراً وسيماً بعدما طر شاربه، فسألها فأخبرته أنها تحب سيدها، فردها إليه وفي قلبه منها، وذكر الزمخشري في ربيعة أن زبيدة قرأت في طريق مكة على حائط: أمن عباد الله أو في إمائه، كريم يجلي الهم من ذاهب العقل، له مقلة، أم له له مقلة، أما المآقي فقريحة، وأما الحشا فالنار منه على وجل. فنذرت أن تحتال لقائلهما إن عرفته حتى تجمع بينه وبين من يحبه، فبينما هي بالمزدلفة إذ سمعت من ينشد البيتان فطلبته، فزعم أنه قالهما في بنت عم له، نذر أهلها ألا يزوجوها منه، فوجهت إلى الحي فما زالت تبذل لهم المال حتى زوجوها منه، وإذا المرأة أعشق له منها لها، فكانت تعده من أعظم حسناتها وتقول: ما أنا بشيء أسر مني من جمعي بين ذلك الفتى والفتاة.

وقال الخرائطي: وكان لسليمان بن عبد الملك غلام وجارية يتحابان، فكتب الغلام إلى الجارية يوماً: ولقد رأيتك في المنام كأنما عاطيتني من ريق فيك البارد، وكان كفك في يدي وكأننا بتنا جميعاً في فراش واحد، فطفقت يوماً كله متراقداً لأراك في نومي ولست براقدي. فأجابته الجارية تقول: خيراً رأيت وكل ما أبصرته ستناله مني برغم الحاسد، إني لأرجو أن تكون معانقي، فتبيت مني فوق ثدي الناهد، وأراك بين خلاخلي ودمالجي، وأراك فوق ترائبي ومحاشدي. فبلغ سليمان ذلك فأنكحها الغلام وأحسن حالهما على فرط غيرته، يعني ما كان عنده غيرة سليمان، لكن قال: هذول واصل بينهم، المواصلة الله يسهل عليهم.

وقال جامع ابن مرحبة سألت سعيد بن المسيب مفتي المدينة: هل في حب دهمنة من وزر؟ فقال سعيد: إنما تلام على ما تستطيع من الأمر، والله ما سألني أحد عن هذا، ولو سألني لما كنت أجيبه إلا به. فعشق الناس النساء، عشق النساء ثلاثة أقسام: فعشق النساء ثلاثة أقسام، عشق هو قربة وطاعة وهو عشق الرجل امرأته وجاريته، هذا العشق عشق نافع فإنه أدعى إلى المقاصد التي شرع الله لها النكاح، إن النكاح لا يدوم إلا بحب الرجل لزوجته، فحبك لزوجتك مطلوب ومقصود، نعم. قال: وأكف للبصر والقلب عن التطلع إلى غير أهله، ولهذا يحمد هذا العاشق عند الله وعند الناس.

وعشق هو مقت من الله وبعد من رحمته، وهو أضر شيء على العبد في دينه ودنياه، وهو عشق المردان، فما ابتلي به إلا من سقط من عين الله فطرد عن بابه وأبعد قلبه عنه، وهو من أعظم الحجب القاطعة عن الله، كما قال بعض السلف: إذا سقط العبد من عين الله ابتلاه بمحبة المردان. وهذه المحبة هي التي جلبت على قوم لوط ما جلبت، فما أوتوا، فما أوتوا إلا من هذا العشق، فما أوتوا إلا من هذا العشق. قال تعالى: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ. وهذا دواء هذا الداء، ودواء هذا الداء الاستغاثة بمقلب القلوب وصدق اللجأ إليه، والاشتغال بذكره والتعوض بحبه وقربه، والتفكر في الألم الذي يعقبه هذا العشق، واللذة التي تفوت به، فيترتب عليه فوات أعظم محبوب، وحصول أعظم مكروه، وهذا وإذا أقدمت نفسه على هذا وآثرته فليكبر عليها تكبير الجنازة، وليعلم أن البلاء قد أحاط بها.

قال رحمه الله: والقسم الثالث من العشق، عشق مباح لا يملك، كعشق من وصفت له امرأة جميلة أو رآها فجاءه من غير قصد، لقلنا لنظرة الفجأة التي تورث حباً، فأورثه ذلك عشقاً ولم يحدث له ذلك العشق معصية، فهذا لا يملك ولا أعاقبك عليه شيء فوق طاقتك، لأنه نظرة فجأة مش نظرة فجأتين، فجأة واحدة، ها، والأنفع له مدافعتها والاشتغال بما هو أنفع له منه. ابن القيم بينصحك أنه الأفضل أن تدافعه قدر المستطاع.

حتى لا يعني يتطور الأمر، والواجب على هذا أن يكتم ويعف ويصبر على بلواه، فيثبته الله عز وجل ويعوضه على صبره لله وعفته وترك طاعته هواه وإيثاره مرضاة مولاه سبحانه وتعالى. بقي صفحتان نكملها بعد صلاة المغرب بإذن الله، ونختم بالدعاء إن شاء الله.

بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله. بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللسامعين، ونجِ المستضعفين من المسلمين. قال المصنف رحمه الله تعالى: فصل: والعشاق ثلاثة أقسام: منهم من يعشق الجمال المطلق، ومنهم من يعشق الجمال المقيد سواء طمع في وصاله أو لا، ومنهم من لا يعشق إلا من يطمع في الوصول إليه، وبين هذه الأنواع الثلاثة تفاوت في القوة والضعف.

نعم، إذاً منهم من يعشق الجمال المطلق، يعني منهم من يعشق أي جمال بدون أي قيد، وهذا يعني أوسعهم قلباً؛ أي شيء جميل يهواه، ما عنده -سامحوني- ذوق معين، لا، كل شيء جميل هو يقع في حبه. النوع الثاني منهم من يعشق الجمال المقيد، عنده مواصفات تمام، يعني لا أعشق أي شيء، أنا عندي مواصفات للجمال إذا وجدت أعشق، سواء أستطيع الوصول إليه أو لا. النوع الثالث من لا يعشق إلا ماذا؟ جمالاً مقيداً بشرط أن يستطيع الوصول إليه، وهذا حقيقة أنفعهم، يعني جمال مقيد وأنت لا تستطيع الوصول إليه في فائدة منه؟ فهذا النوع الثالث منهم من لا يعشق إلا جمالاً مقيداً بشرط أن يستطيع الوصول إليه، فإن لم يستطع الوصول إليه زهد فيه. نعم.

فعاشق الجمال المطلق يهيم قلبه في كل وادٍ، وله في كل صورة جميلة مراد، فيوماً بحسبها، ويوماً بالعقيق وبالعذيب يوماً، ويوماً بالخل، ويوماً بالخليصاء، وتارة ينتحي نجداً، وأوله شعب العقيق، وطوراً قصرتي ماء. هذا تجدونه في الجامعة كل يوم ماشي مع بنت، يا أخي أنت ماكش صافي، ما لك كبير، يعني هذا معناه ما عنده شيء في الجمال؛ إذا رأيتم الشخص كل يوم مع فتاة في الجامعة اعلموا أنه ليس له ذوق في الجمال، هو فقط يعني أي شيء اسمه هكذا جمال فتاة معه، فهذا أضعفهم عقلاً وقلباً. نعم.

فهذا عشقه أوسع ولكنه غير ثابت، طبعاً هذا لا يمكن للفتاة أن تأمنه، وللأسف ما أكثر ما تُخدع الفتيات في الجامعة بهذا النوع من الشباب اللي هو حقيقة ما عنده أي شروط أو ضوابط، هو عفواً إنسان يريد وطراً وينتهي، فهذا يتقلب عليك، فإياك أن تُخدعي أختي الكريمة بأمثال هؤلاء. نعم.

قال: يهيم بهذا ثم يعشق غيره، ويسلاهم من وقته حين يصبحون. وبينسى الاثنتين بس يجي الصبح، الصبح له ناسيهم الاثنتين، واليوم الثاني على اثنتين أخرتين. نعم.

قال: وعاشق الجمال المقيد أثبت على معشوقه وأدوم محبة له، ومحبته أقوى من محبة الأول لاجتماعهما في واحد، ولكن يضعفهما عدم الطمع في الوصال. وعاشق الجمال الذي يطمع في وصاله أعقل العشاق وأعرفهم. هذا الفاهم صح، يعني ما معنى العشق؟ له معايير ولازم يكون في فائدة، أستطيع أتزوجها، إذا كنت لا أستطيع أن أتزوجها فأنا فقط أعذب قلبي بها. نعم.

قال: وحبه أقوى لأن الطمع معه يمده ويقويه. قال رحمه الله: فصل: وأما حديث "من عشق فعف"، فهذا يرويه سويد بن سعيد، وقد أنكره حفاظ الإسلام عليه. قال ابن عدي في كامله: هذا الحديث أحد ما أُنكر على سويد، وكذا ذكر البيهقي وابن طاهر في الذخيرة والتذكرة، وأبو الفرج ابن الجوزي وعدّه في الموضوعات، وأنكره أبو عبد الله الحاكم على تساهله وقال: أنا أتعجب منه. قلت: يعني الحاكم مع أنه يتساهل في التصحيح ومع ذلك أنكر حديث "من عف فمات"، فما أحد يقول إن الحديث صحيح، وأنا قلت لكم سابقاً إن إسناده في تمام الهلاك. نعم.

قلت: والصواب في الحديث أنه من كلام ابن عباس موقوفاً عليه، فغلط سويد في رفعه، وقال محمد بن خلف بن المرزبان: حدثنا أبو بكر الأزرق عن سويد به، فعاتبه على ذلك فأسقط ذكر النبي صلى الله عليه وسلم، وكان بعد ذلك يُسأل عنه فلا يرفعه. ولا يشبه هذا كلام النبوة. وأما رواية الخطيب له عن الزهري، قال: حدثنا المعافى بن زكريا، قال حدثنا قطبة بن الفضل، قال حدثنا أحمد بن محمد بن مسروق، قال حدثنا سويد بن مسن عن هشام عروة عن أبيه عن عائشة مرفوعاً، فمن أبين الخطأ، ولا يحمل هشام عن أبيه عن عائشة مثل هذا عند من شم أدنى رائحة من الحديث، ونحن نشهد الله أن عائشة ما حدثت بهذا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قط، ولا حدث به عروة عنها، ولا حدث به عنه هشام قط. وأما حديث ابن الماجشون عن عبد العزيز بن أبي حازم عن ابن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس مرفوعاً، فكذب على ابن الماجشون، فإنه لم يحدث بهذا، ولا حدث به عن ابن الزبير، ولا حدث به عن الزبير بنكار، وإنما هذا من تركيب بعض الوضاعين، ويا سبحان الله كيف يحتمل الإنسان وكيف يحتمل هذا الإسناد مثل هذا المتن؟ فقبح الله الوضاعين.

وقد ذكره أبو الفرج بن الجوزي من حديث محمد بن جعفر، يعني هو يقول كيف يحتمل هذا الإسناد مثل هذا المتن، يعني هذا إسناد مهيب عالي، لما تقول ابن الماجشون عن عبد الله بن حازم عن ابن أبي نجيح فهذا كذب على ابن الماجشون، فإنه لم يحدث بهذا ولم يحدث عنه الزبير بنكار، يعني هذا إسناد رفيع، عيب أن يُركب عليه مثل هذا الحديث، فهمتم كيف يُعطى هذا الإسناد الشريف مثل هذا الحديث الركيك؟ نعم.

قال: وقد ذكره أبو الفرج بن الجوزي من حديث محمد بن جعفر بن سهل، قال حدثنا يعقوب بن عيسى من ولد عبد الرحمن بن عوف عن ابن أبي نجيح عن مجاهد مرفوعاً، وهذا غلط قبيح، فإن محمد بن جعفر هذا هو الخرائطي، ووفاته سنة 327، فمحال أن يدرك شيخه يعقوب وابن أبي نجيح، لا سيما وقد رواه في كتاب الاعتلال عن يعقوب هذا عن الزبير عن عبد الملك بن عبد العزيز بن أبي نجيح، والخرائطي هذا مشهور بالضعف في الرواية. ذكره أبو الفرج في كتاب، للأسف أن أكثر القصص التي ذكرها ابن حزم في عشق العلماء هي من كلام الخرائطي، ولذلك قلت لكم لا تثقوا كثيراً بقصص أن داوود الظاهري عشق أو وقع، أغلبه من كلام الخرائطي، وانظر هنا ماذا قال عنه الخرائطي، وقال: والخرائطي هذا مشهور بالضعف في الرواية. ولا تأتي تقول أحد الفقهاء السبعة عشق، أنتم أحياناً بعض الطلاب مستعجل في القراءة فيأخذ الفكرة منها، يقول لك: هي بعض السلف، لا مو أنت، وين وين القصة؟ من الذي أوردها قبل ما تقول إن السلف عشقوا؟ أوردها الخرائطي وغيره، هؤلاء ليسوا يعني إلا قصاصاً وليسوا من أئمة الثبت والإسناد. نعم.

قال رحمه الله: وكلام حفاظ الإسلام في إنكار هذا الحديث هو الميزان، وإليهم يرجع في هذا الشأن، وما صححه ولا حسنه أحد يُعوّل في علم الحديث عليه، ويرجع في علم التصحيح إليه، ولا من عادته التسامح والتساهل، فإنه لم يصفِّ نفسه له، ويكفي أن ابن طاهر الذي يتساهل في أحاديث التصوف ويروي منها الغث والسمين والمنخنقة والموقوذة قد أنكره وشهد ببطلانه. يعني ابن طاهر بيروي كل شيء في الضعيف حتى هذا الحديث قال لك يا عمي مش قادر أرويه، وهو يعني مشهور برواية الضعيف. نعم.

نعم، ابن عباس غير مستنكر ذلك عنه، يعني لا يبعد أن يكون من كلام ابن عباس، يعني اجتهاد من ابن عباس أن "من عشق فصبر فمات" كُتب بمنزلة، هذه اجتهاد منه جزاه الله خيراً، لكن لا يُنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بحال. نعم.

قال: وقد ذكر أبو محمد بن حزم عنه أنه سئل عن الميت عشقا، فقال: قتيل الهوى لا عقل له ولا قود. والقود اللي هو إيش؟ مر معنا، العقل يعني الدية، والقود قصاص، ما في له لا قصاص ولا في له ماذا دية، العقل هو الدية والقود هو القصاص.

قال: ورفع إليه بعرفات شاب قد صار كالفرخ، فقال: ما شأنه؟ قالوا: العشق، فجعل عامة يومه يستعيذ من العشق، صار كالفرخ يعني ذبل ذبل ذبل وصار زي الفروخ من شدة العشق. نعم.

فقالوا: فجعل عامة يومه يستعيذ من العشق. فهذا نفس من قال: من عشق وعف وكتم ومات فهو شهيد. ومما يوضح ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم عند الشهداء في الصحيفة ذكر المقتول، فهذا تفسير من قال "من عشق"، يعني الإنسان العاشق الذي يصبر ولا يرتكب الحرام، ويصبر على الهوى ويرفض أي شيء معصية، نعم نسأل الله أن يغفر له، بسبب ماذا؟ هذا الصبر، لأنه حقيقة ليس سهلاً أن تصبر على العشق ولا تقارب حراماً، جهاد في سبيل الله. نعم.

قال: ومما يوضح ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم عد الشهداء في الصحيح، فذكر المقتول في الجهاد والمبطون والحرق والنفساء يقتلها ولدها والغرق وصاحب ذات الجنب، ولم يذكر منهم من يقتله. صاحب ذات الجنب هذا مرض يعني تسميه العرب ذات الجنب، كأنه يخرج في الأمعاء أو المعدة أو شيء من ذلك. نعم.

قال: ولم يذكر منهم من يقتله العشق، وحسب قتيل العشق أن يصح له هذا الأثر عن ابن عباس، على أنه لا يدخل تحته حتى يصبر لله ويعف لله ويكتم لله، وهذا لا يكون إلا مع قدرته على معشوقه وإيثار محبة الله وخوفه ورضاه، وهذا من أحق من دخل تحت قوله تعالى: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ. نعم، الإنسان قد يُمنع من الفعل الحرام مع معشوقه وهو يريد ذلك الذي يمنعه كما قلنا، أنه المعشوق في مرتبة عالية لا يمكن الوصول إليه، فإذا كان الإنسان يعشق فتاة لا يمكنه الوصول إليها وهو يريد وهو يريد الحرام، لكن تحول أمور الدنيا دون الوصول إليها، فهذا لو مات من العشق لا يعتبر شهيداً، يقول لذلك قال: وهذا لا يكون إلا مع قدرته على معشوقه، أنا متى أعتبر شهيد العشق؟ هذا الذي يتكلم عنه إنما هو الذي يستطيع الوصول إليها وممارسة الحرام معها، لكنه إنه اختار مراد الله، آه هذا الذي ضابط، أما شخص أصلاً لا يستطيع الوصول ولو وصل لفعل هذا، ولو أنه مات بسبب العشق لا لم يفعل شيئاً كبيراً، هو أصلاً لا يستطيع الوصول للحرام. نعم.

قال: وهذا من أحق من دخل تحت قوله تعالى: وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَىٰ * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَىٰ. وتحت قوله تعالى: وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ. فنسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يجعلنا ممن آثر حبه على هواه، وابتغى بذلك قربه ورضاه. أمين أمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

إلى هنا انتهت قصة هذا الكتاب، عشنا معه ربما سنة أو أقل من سنة، لكنه كتاب كما ترون نافع. انتهت قصته في هذا المجلس لكن لا تنتهي قصته في حياة طالب العلم، كلما شعر بالضعف أو انهيار النفس أمام الشهوات والفتن فهذا الكتاب ينبغي أن يكون أنيساً بعد طبعاً كتاب الله سبحانه وتعالى وبعد سنة النبي صلى الله عليه وسلم. بعض الكتب في حياة المسلم تكون كتباً مفتاحية ناجحة يستطيع أن يقوي إيمانه من خلالها لأنها كتبت كما نحسبهم والله حسيبهم على أيدي العلماء الصادقين، وعلى أيدي الأئمة الربانيين، فنحن نجد بركتها في الهمسات واللحظات، ونجد التوفيق فيما كتبه هؤلاء العلماء البررة، تجد أن الكلمة التي صيغت وصبغت بمعدن الكتاب والسنة كلمة لها أثر ولها لها وقع، ولو أنها صيغت من ميادين أخرى لما وجدت لها هذا الجمال والطرب. فجزى الله العلامة ابن القيم عنا خير الجزاء، جزا الله عنا خيراً على كل كلمة كتبها وأراد أن يوصلها للأجيال اللاحقة. وهنا يأتي دورك الآن يا طالب العلم، يأتي دورك في أن تنقل هذه المعاني وهذه الأفكار إلى أبنائك، إلى طلابك في المراكز، في المدارس، الأساتذة، المعلمين، المعلمات، الأصل مثل هذه الكلمات تصاغ بعبارة سهلة موجزة يفهمها هذا الجيل، وتبث إليهم بعبارة لائقة نافعة حتى لا يبقى العلم حبيس للكتب. جزى الله ابن القيم عنا وبارك فيه، والحمد لله على نعمة الختام والتمام، وأن هدانا إلى هذا المقام وأوصلنا إلى مجلس الختام. وخير ما يُختم به هذه المجالس، المجالس التي تنزل فيها البركات وتحل فيها المسرات، منازل ختم المصنفات التي على هدي السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم، فنختم مجلسنا بالتضرع والابتهال إلى الله سبحانه وتعالى ببركة.

ختم هذا المجلس، والإنسان كما قلنا يتوسل إلى الله بالأعمال الصالحة، ونرجو أن تكون قراءتنا وختمنا لهذا الكتاب وانشغالنا به ومحاولتنا لفهمه من الأعمال الصالحة التي تكون سبباً في إجابة دعائنا.

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين. الرحمن الرحيم. مالك يوم الدين. إياك نعبد وإياك نستعين. اهدنا الصراط المستقيم. صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. آمين. لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم.

الحمد لله على التمام. الحمد لله على الختام. الحمد لله على تمام الطاعات. الحمد لله على التوفيق. الحمد لله على الهمة. الحمد لله على العزيمة. الحمد لله على الخير كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك ربنا من الشر كله عاجله وآجله ما علمنا منه وما لم نعلم.

اللهم إنا نتوسل بمقامك العظيم في هذه الساعة المباركة وفي هذه الختمة الطيبة، نسألك يا ربنا أن تقينا جميعاً الذنوب والمعاصي والخطايا والزلات. اللهم إنا نسألك أن تغفر لنا ذنوبنا كلها دقها وجلها، علانيتها وسرها ما علمنا منه وما لم نعلم. اللهم اغفر لنا الذنوب التي تبيد النعم وتجلب النقم وتحجب الدعاء. اللهم اغفر لنا الخطايا والزلات، اغفر لنا ما فعلنا في الخلوات، واغفر لنا ما فعلنا في الجلوات. اللهم اغفر لنا كل معصية فعلناها لم نراع فيها مقامك ولم نستح فيها منك. اللهم اغفر لنا الذنوب التي هتكنا بها الأستار، ولم نراع بها مقامك وجلالك ونظرك إلينا.

اللهم إنا قرأنا هذا الكتاب نرجو بقراءته أن تمنح قلوبنا إيماناً جديداً. اللهم جدد ما بلي من إيماننا. اللهم اغسل ذنوبنا وخطايانا بالماء والثلج والبرد. اللهم ارزقنا العزيمة على ترك الذنوب. اللهم من كان من عبادك مبتلى بمعصية أدمنها فإنا نسألك له الفرج القريب، لنا وله ولجميع المبتلين بالذنوب والخطايا والتقصير. إننا نشهدك أننا ما عصيناك جرأة عليك، ولكنها النفوس الأمارة، ولكنها النفوس الضعيفة، ولكنه الهوى الغلاب. اللهم غرنا سترك، فأسبغ علينا سترك وعاملنا بفضلك وإحسانك، ولا تعاملنا بعدلك فنحن نعرف تقصيرنا في مقامك. إلهنا اغفر لنا ذنوبنا وعوراتنا.

اللهم إننا نعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجاءة نقمتك وجميع سخطك. اللهم اغفر لنا جدنا وهزلنا وخطئنا وعمدنا وكل ذلك عندنا. اللهم اغفر لنا الذنوب كلها، اللهم اغفر لنا الزلات، اغفر لنا خائنة الأعين وما تخفي الصدور. اللهم اغفر لنا المعاصي التي بذلنا فيها الأعين وبذلنا فيها الآذان وبذلنا فيها الألسن وبذلنا فيها الأيادي والأقدام. اللهم إنك منحتنا أدوات نستعين بها على طاعتك فاستعملناها في معصيتك، وسترت علينا بحلمك وصبرت علينا بجودك وكرمك، فنسألك اللهم ألا تهتك سترنا، نسألك اللهم ألا تهتك الأستار، نسألك اللهم أن تسبغ علينا وافر العفو والمغفرة. اللهم إن الخلق لو عرفوا ذنوبنا لما جلسوا لنا، ولكنه يا ربنا الستر من عندك، فنعوذ بك اللهم أن تنكشف العورات وتظهر المخازي والفضائح. اللهم يا ربنا جملنا بالستر، جملنا بالعافية، جملنا اللهم بالمغفرة، وإذا وقفنا بين يديك يوم القيامة فنسألك اللهم أن تسبغ سترك ولا تفضحنا ولا تخزنا يوم القيامة.

ربنا إننا سمعنا منادياً ينادي للإيمان أن آمنوا بربكم فآمنا، ربنا فاغفر لنا ذنوبنا وكفر عنا سيئاتنا وتوفنا مع الأبرار. ربنا وآتنا ما وعدتنا على رسلك ولا تخزنا يوم القيامة، ولا تخزنا يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد. اللهم لا تجعلنا ممن استدرجتهم بالنعم، أيقظ قلوبنا قبل الفوات، أيقظ قلوبنا قبل الحسرات، أيقظ قلوبنا قبل الندامات، ووفقنا اللهم إلى ميادين الطاعة، خذ بأيدينا إليها أخذاً، سُق قلوبنا إليها سوقاً، حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان.

اللهم إننا في مقام اعتراف، ولا يخيب من انكسر بين يديك، ولا يخيب من افتقر إليك، لا يخيب من رجاك، لا يخيب من اعترف، نحن المعترفون، نحن المذنبون، أتينا اللهم في هذه الساعة نجر خطايا السنين، أتينا اللهم نجر خطايا أثقلت قلوبنا ودقت كاهلنا، أتينا اللهم نرجو منك المغفرة والصفح قبل أن تأتي ساعة الأجل، قبل أن تغرغر أرواحنا ويفارقنا أهلنا وأصحابنا. أتينا اللهم نطلب منك الستر والصفح، أتينا اللهم ونحن نستعتب رضاك، أتينا اللهم ونحن نرجو رحمتك يا جميل الصفح، يا غافر الذنب، يا ساتر العيب، يا عظيم الرجاء، يا غياث المكروبين، يا مفزع الخائفين، يا إله المستغيثين، أنخنا حوائجنا ببابك، وآتينا نفتقر إليك فلا تردنا خائبين ولا عن بابك مطرودين. اللهم لا تردنا خائبين ولا عن بابك مطرودين، إلى من نلجأ إذا لم نلجأ إلى بابك؟ وعند من ننكسر إذا لم ننكسر عند مقاعد عزك؟ اللهم يا ربنا إذا لم نلتجئ إليك فإلى من؟ نكاد ننعى، نعوذ بنور وجهك أن نطرد، نعوذ بنور وجهك أن نبعد، نعوذ بنور وجهك أن نكون أشقى الناس، نعوذ بنور وجهك أن نكون من التعساء. اللهم إننا نقصد أبواب السعادة ونطلبها ونرجوها وإن كانت نفوسنا تقع في شرك الشيطان، ولكننا يا رب نحسن الظن بك، نحسن الظن برحمتك التي وسعت كل شيء، فنرجوك ألا تضيق عنا يا من وسعت رحمته كل شيء، نعوذ بك أن تضيق الرحمة عنا يا من شملت رحمته السماوات والأراضين والدواب والسباع والبهائم والنبات.

اللهم إننا خلق من خلقك، ليس بنا غنى عن رحمتك، فأغثنا بغوثك، أغثنا بسترك، أغثنا برحمتك، ولا تكلنا، اللهم لا تمقتنا إن رأيتنا على المعاصي، فنحن والله نريدك ونقصدك ونوحدك، لا إله إلا أنت سبحانك إنا كنا من الظالمين، إنا كنا من الخطائين، إنا أسرفنا على أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين، لنكونن من الخاسرين. اللهم إننا اجتمعنا في هذا المقام رغبة في التوبة، فلا يقال إنك عذبت من طلبك، لا يقال إنك عذبت من قصدك، لا يقال إن عبيدك الذين سعوا إليك طردوا.

اللهم جملنا بالعافية، اللهم جملنا بالستر، اللهم اغفر لنا ولآبائنا وأمهاتنا ومشايخنا وأصحاب الحقوق علينا، اللهم اغفر لنا ولعامة المسلمين، اللهم اغفر لزوجاتنا وذرارينا وعلمائنا وأهلنا وأحبابنا ولعامة المسلمين، اشملنا اللهم جميعاً بالعافية. اللهم أبرم لهذه الأمة أمر رشد يعز فيه أهل طاعتك ويذل فيه أهل معصيتك، ويؤمر فيه بالمعروف وينهى فيه عن المنكر، ويحكم فيه بكتابك، وتنصر به شريعتك.

اللهم إنا نسألك في هذه الساعة المباركة ببركة هذه الختمة أن تهيئ لإخواننا في أراضي الجهاد والرباط، أن تهيئ لهم نصراً وفرجاً وعزاً. اللهم نسألك لأهل غزة أن تهيئ لهم فرجاً وعزاً ونصراً، اللهم إنا نسألك أن تفرج الهموم عنهم، نسألك أن ترفع عنهم اللأواء وما نزل بهم من البلاء. اللهم أعج مجاهديهم، صوب رأيهم، وسدد رميهم، ألف بين قلوبهم، مكنهم من رقاب عدوهم. اللهم إنا نسألك أن تلقي الرعب في قلوب اليهود ومن عاونهم، اللهم عليك باليهود، دمر طائراتهم وأغرق بوارجهم ومزق جمعهم وشتت شملهم وألق الخصومة بينهم. اللهم يا ربنا كل غزة وأهلها أرضها وسمائها شيبها وشبابها نسائها وأطفالها، كل أطفال أيتام، كل أطفال رضع، كل شيوخ ضعاف ركع، كل النساء الأرامل، اللهم إنا نسألك أن تنزل عليهم من بركات السماء، وأن تخرج لهم من ثمار الأرض، آمنهم من خوف وأطعمهم من جوع. اللهم يا ربنا النصر نصرك والتمكين تمكينك، ففرج عن إخواننا في الشام الحبيبة، فرج عن إخواننا في السودان، فرج عن إخواننا في اليمن، فرج عن إخواننا المصابين في شتى البقاع أينما كانوا من أهل التوحيد. اللهم يا ربنا كلمة حبيبك المصطفى صلى الله عليه وسلم مغيثاً وناصراً، اللهم استعملنا ولا تستبدلنا، آونا ولا تطردنا، أعنا اللهم على طلب العلم وتحصيله والانشغال به وتعلمه وتعليمه، اجعلنا اللهم فرسانه وثبتنا في مجالسه وقراءة كتبه، وارزقنا الجلد والهمة وارزقنا الثبات حتى نلقاك، أنت مولانا ونعم النصير. ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

يا رب جزاكم الله خيراً ونفع بكم وبارك فيكم. إن شاء الله الآن نعطي الإجازات للإخوة الذين شاركونا بالشرط الذي قدمناه في هذه المجالس طوال هذا العام، بارك الله فيك، ونلتقي إن شاء الله في مجلس آخر، وخذوا ضيافتكم من الشيخ عمار والشباب الكرام في الخلف، رضي الله عنكم. غراس العلم، طبعاً نحو علم شرعي بالنسبة للأخوات في الأعلى.