بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما بعد: فهذا هو الدرس السادس عشر من دروس شرح كتاب قطر الندى وبل الصدى للإمام ابن هشام الأنصاري المصري رحمه الله تعالى عليه. ولطول الدرس هذه الليلة، أبدأ إن شاء الله تبارك وتعالى دون مقدمة.
قال المصنف رحمه الله تعالى: وقد يتقدم، نحو: في الدار زيد، وأين زيد. الكلام ما زال موصولًا في المبتدأ والخبر، هو يتكلم عن المبتدأ والخبر. قال في آخر شيء في الدرس الماضي: وقد يتعدد الخبر. قد يكون الخبر متعددًا: هناك مبتدأ واحد وله خبر واحد، خبران، ثلاثة أخبار، خبر واحد لا إشكال فيه، هل يتعدد؟ هذا آخر شيء: نعم، يتعدد على الصحيح. قال: وقد يتقدم، أي: وقد يتقدم الخبر على المبتدأ. قال: نحو: في الدار زيد، وأين زيد.
ثم قال في الشرح: قد يتقدم الخبر على المبتدأ جوازًا أو وجوبًا، فالأول نحو: في الدار زيد. هذا قدم فيه الخبر على المبتدأ جوازًا. أولًا أين المبتدأ؟ المبتدأ هو زيد: زيد في الدار، هنا جاء الكلام: في الدار زيد. وأين الخبر؟ في الدار. وكما تعلمون ودرستم في الدرس الماضي، في الدار جار ومجرور، وفيه قولان إجمالًا، وثلاثة أقوال تفصيلًا. إجمالًا: قيل الجار والمجرور هو الخبر، وقيل: بل ليس الخبر، بل هو متعلق بالخبر. تفصيلًا، هذه ثلاثة أقوال: الجار والمجرور هو الخبر، الثاني: الجار والمجرور متعلق بالخبر المحذوف وجوبًا الذي تقديره مستقر، الثالث: الجار والمجرور متعلق بالخبر المحذوف وجوبًا الذي تقديره استقر. فالأول بتقدير مفرد، والثاني بتقدير جملة؛ استقر جملة فعلية من فعل وفاعل، يعني: زيد مستقر في الدار، أو زيد استقر في الدار. فهنا تقدم الخبر على المبتدأ وجوبًا أم جوازًا؟ جوازًا.
يعني يجوز لك أن تقول: في الدار زيد، ويجوز لك أن تقول: زيد في الدار. قال الله تبارك وتعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، الْحَمْدُ لِلَّهِ: الحمد مبتدأ، والجار والمجرور هو الخبر أو المتعلق بالخبر. يبقى ضابط المسألة: إذا كان المبتدأ معرفة كان الخبر شبه جملة: الْحَمْدُ لِلَّهِ، تقدم المبتدأ على الخبر، وقال في آية أخرى: فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، في آخر الجزء. تقدم الخبر على المبتدأ، فَلِلَّهِ الْحَمْدُ، تقدم الخبر على المبتدأ، فهذا يؤكد أن هذا للجواز.
من الصور الأخرى أيضًا أن يكون المبتدأ نكرة لكن لها مسوغ، بأن تكون مثلًا نكرة موصوفة، وأن يكون الخبر شبه جملة، حينئذ أيضًا يجوز التقدم والتأخر. قال تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَىٰ أَجَلًا ۖ وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ، وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ فيه عدة إعرابات، من أشهرها: وَأَجَلٌ مُّسَمًّى هذه جملة تامة؛ أجل مبتدأ، مسمى نعت، وعنده هذا ظرف، والظرف كالجار والمجرور كلاهما شبه جملة، فهو الخبر أو هو المتعلق بالخبر. على كل، هو في حيز الخبر: وَأَجَلٌ مُّسَمًّى، فتقدم المبتدأ على الخبر. وفي آية أخرى: وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ؛ عنده وعندنا هذا ظرف وهذا ظرف، لكن هذا أضيف إلى ضمير وهذا أضيف إلى ضمير آخر. كِتَابٌ حَفِيظٌ: كتاب مبتدأ مؤخر، حفيظ نعت. ما صلة الشبه بين هذه الآية والآية التي قبلها، أو بين هذا المثال والمثال الذي قبله؟ في الآيتين: أَجَلٌ مُّسَمًّى المبتدأ نكرة موصوفة، كِتَابٌ حَفِيظٌ المبتدأ نكرة موصوفة، وفي كليهما أو في كلتيهما، في كلا المثالين أو في كلتا الآيتين -هذا صحيح وهذا صحيح- جاء الخبر شبه جملة، وهو عندنا في آية، وعنده في آية أخرى، فهو هنا ظرف وهنا ظرف. إذًا فهذه أمثلة لتقدم الخبر على المبتدأ جوازًا؛ يجوز أن تقدمه ويجوز أن تؤخره.
قال: وقوله تعالى، يعني نحو قوله تعالى: سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ، وَآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ. سَلَامٌ هِيَ مبتدأ وخبر على الأصل أم خبر ومبتدأ؟ سلام مبتدأ وهي خبر، أم سلام خبر مقدم وهي مبتدأ مؤخر؟ بكل قيل، قيل هذا وقيل هذا. لكن المصنف يقول: المبتدأ هو المؤخر في هذه الآية، لماذا؟ قال: لأدائه إلى الإخبار عن النكرة بالمعرفة، لأدائه إلى الإخبار عن النكرة بالمعرفة. بمعنى أنك لو قلت سلام مبتدأ وهي خبر، ستكون قد جعلت النكرة مبتدأ وأخبرت عنها بالخبر الذي هو معرفة، فعكست الأمر، مع أن هذا سائغ إذا كانت النكرة مما يجوز الابتداء به، وهنا يجوز الابتداء بها لأنها بمعنى الدعاء: هي سالمة، فيجوز الابتداء بها. لكن هو يختار أن تقول: هي مبتدأ مؤخر، وسلام خبر مقدم، لماذا؟ حتى تكون قد أخبرت بنكرة عن معرفة، فجئت بمبتدأ معرفة وأخبرت عنه بنكرة ولم تعكس.
وكذلك: وَآيَةٌ لَّهُمُ اللَّيْلُ، وهذا واضح: آية نكرة، والليل معرفة. فيجوز لك أن تقول: آية مبتدأ، وهي عاملة في الجار والمجرور هذا مسوغ لها، والليل خبر. لكن المصنف يختار أن الليل مبتدأ مؤخر، الليل مبتدأ مؤخر، وآية لهم هذا خبر مقدم؛ حتى تكون قد جعلت المعرفة مبتدأ والخبر نكرة. وأمثلة هذا كثيرة.
قال: والثاني -ما يريد بالثاني؟ يريد تقدم الخبر على المبتدأ وجوبًا- كقولك: في الدار رجل، وأين زيد؟ وقولهم: على التمرة مثلها زبدًا. وإنما وجب في ذلك تقديمه؛ لأن تأخيره في المثال الأول يقتضي التباس الخبر بالصفة، فإن طلب النكرة الوصف لتختص به طلب حثيث.
ماذا يريد من هذا الكلام؟ هو الآن يتكلم على المثال الأول: في الدار رجل. ما الفرق بين هذا المثال وبين في الدار زيد؟ في الدار زيد المبتدأ معرفة والخبر شبه جملة، في الدار رجل المبتدأ نكرة والخبر شبه جملة. قالوا: فإذا كان المبتدأ نكرة لا مسوغ لها وكان الخبر شبه جملة، فحينئذ يجب تقديم الخبر على المبتدأ، وهذا الذي يريده المصنف؛ فهنا تقديم الخبر على المبتدأ واجب. لماذا؟ لأن الخبر شبه جملة ولأن المبتدأ نكرة ليس لها مسوغ، ليس معرفة وليس نكرة لها مسوغ، إنما هي نكرة ليس لها مسوغ: في الدار رجل، فرجل مبتدأ مؤخر وجوبًا، وفي الدار -على ما درستم- هو الخبر المقدم وجوبًا، أو هو متعلق بالخبر المقدم وجوبًا.
من شواهده في كتاب الله تبارك وتعالى قول الله سبحانه: لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ، لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ: لكل أجل جار ومجرور، كتاب هذه نكرة ليس لها مسوغ، بخلاف: وَعِندَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ، هناك نُعتت هذه النكرة، هنا لم تنعت. وقال تعالى: فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ، فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ: مرض مبتدأ مؤخر، نكرة ليس لها مسوغ للابتداء بها، فسوغ الابتداء بها التأخير، لأجل ذلك أُخرت، فهو مبتدأ مؤخر، وفي قلوبهم جار ومجرور. ومثله: وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ، عَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ، إلى آخره، هذه الأمثلة.
فقال: وإنما وجب تقديمه لأن تأخيره في المثال الأول يقتضي التباس الخبر بالصفة؛ لأنك لو قلت: رجل في الدار، رجل في الدار، فأي أحد يسمعك سيقول: في الدار الجار والمجرور هنا بعد النكرة فهو وصف لهذه النكرة، أين الخبر؟ لم تأتني بالخبر، سيحتاج إلى خبر؛ لأن طلب النكرة الوصف لتختص به طلب حثيث، هي تحتاج إلى شيء كهذا الوصف الذي هو جار ومجرور لكي تختص به، طلبها لذلك طلب حثيث سريع قوي كما هو معلوم. قال: فالتُزم تقديمه دفعًا لهذا الوهم. تقديمه، يعني أن تقديم الخبر هنا واجب.
قال: وفي الثاني إخراج ما له صدر الكلام وهو الاستفهام عن صدريته، وفي الثاني إخراجًا، لماذا نصب إخراجًا؟ لأنه يقول: وفي الثاني يقتضي إخراج ما له صدر الكلام، لأجل هذا نصبت كلمة إخراجًا، عندي في النسخة منصوبة، ومن عنده هي منصوبة فهذا صحيح، ومن عنده مرفوعة فأيضًا هذا صحيح، يعني من عنده هذه الكلمة مرفوعة فالرفع له وجه صحيح على الاستئناف؛ لأنه قال في الأول: لأن تأخيره في المثال الأول يقتضي التباس الخبر بالصفة، وفي الثاني يقتضي إخراج ما له صدر، والرفع على أنه بدأ كلامًا جديدًا قال: وفي الثاني إخراج إلى آخره.
ما معنى هذا الكلام؟ وفي الثاني إخراج -أو إخراجًا على الوجهين- ما له صدر الكلام وهو الاستفهام عن صدريته. أين الثاني؟ هو قوله: أين زيد؟ كيف الإعراب أولًا؟ أين زيد؟ زيد أيضًا هذا مبتدأ مؤخر، طيب أين؟ لا يقال فيه خبر مقدم لأن الخبر مرفوع وهذا منصوب، وإن كان قد قيل ذلك، كما قلت لكم بعض العلماء يقول: الظرف والجار والمجرور هو الخبر، فالجمهور يقولون: لا، هو متعلق بالخبر المحذوف وجوبًا. فأين ظرف للمكان، عفوًا ظرف للمكان، أين ظرف للمكان مبني على الفتح في محل نصب، فكأنه قيل: زيد مستقر أين؟ كائن أين؟ حاصل أين؟ موجود أين؟ وهكذا. أين زيد؟ فزيد مبتدأ مؤخر مرفوع بضمة ظاهرة، وأين هذا ظرف متعلق بالخبر المقدم وجوبًا.
لماذا قدم الخبر هنا وجوبًا ولم يقل: زيد أين؟ كما نقول في عاميتنا: محمد فين؟ هكذا، فين هي أين، في أين، في أي مكان يعني، فين هي أين. فنحن في مثل هذا نقدم المبتدأ على الخبر في عاميتنا، لا، العرب في مثل هذا يؤخرون المبتدأ عن الخبر، لماذا؟ قالوا: لأن الاستفهام له الصدارة في الكلام، لأن الاستفهام له صدر الكلام، فإذا كان هناك أداة من أدوات الاستفهام فتتصدر في الكلام، تأتي قبل غيرها. طيب يا جماعة هي موضعها الخبر، والخبر يؤخر، هل نؤخرها لأجل أنها خبر أم نقدمها لأجل أنها استفهام؟ هنا تنازع الأمران، قالوا: لا، نقدمها لأنها استفهام، أما الخبر فيجوز تأخيره.
من أمثلة ذلك في كتاب الله تبارك وتعالى: فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَ، مَتَىٰ هُوَ: متى هذا اليوم؟ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا، مَتَىٰ هُوَ، فمتى هو: هو هذا ضمير منفصل مبني على الفتح في محل رفع لأنه مبتدأ مؤخر، وهو مؤخر وجوبًا. طيب متى؟ اسم استفهام، والمراد به الزمان فهو ظرف للزمان مبني على السكون في محل نصب، مَتَىٰ هُوَ: أي هذا اليوم واقع متى؟ حاصل متى؟ مستقر متى؟ موجود متى؟ كائن متى؟ كل هذا في معنى تقريب معنى الكلام. وكذلك: يَقُولُ الْإِنسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ، أَيْنَ الْمَفَرُّ: المفر مبتدأ مؤخر، وأين ظرف مكان متعلق بالخبر المقدم وجوبًا، وذلك لأنه استفهام، فأين للاستفهام ومتى للاستفهام، كل هذا له الصدارة في الكلام.
قال: وفي الثالث عود الضمير على متأخر لفظًا ورتبة، وفي الثالث عود الضمير، يعني يقتضي عود الضمير، ويصح الرفع كما قلت: عود الضمير على متأخر لفظًا ورتبة. ما الثالث؟ الثالث هو قوله: على التمرة مثلها زبدًا. على التمرة: التمرة معروفة، مثلها: أي مثل التمرة، زبدًا: وزبدًا هنا الزبدة، السمن المعروف يعني، فكأنه سمن التمر من حلاوتها أو شيء يوضع عليها، وزبدًا إعرابها هنا تمييز.
طيب، لماذا قدم الخبر هنا على المبتدأ وجوبًا؟ قال: وفي الثالث عود الضمير على متأخر لفظًا ورتبة. قالوا: لأنك لو أخرته لعاد الضمير على متأخر لفظًا ورتبة؛ لو أخرته لقلت: مثلها على التمرة زبدًا، مثلها على التمرة زبدًا، مثلها على التمرة: مثلها، هذه الهاء والألف، هذا الضمير على أي شيء يعود؟ يعود على قولك التمرة. طيب، الضمير هنا تقدم على التمرة أم لا؟ تقدم عليها، هو متقدم عليها في اللفظ، لو قلت مثلها أولًا قلت: مثلها على التمرة، فقدمت هذه الكلمة، فالضمير هنا تقدم لفظًا. طيب، مثلها مبتدأ أم خبر؟ مبتدأ، يبقى إذًا الضمير هنا أيضًا تقدم رتبة لأن رتبة المبتدأ متقدمة على رتبة الخبر. قالوا: وعود الضمير على متأخر لفظًا ورتبة لا يسوغ إلا في بعض المواضع، لكن الأصل أنه لا يسوغ، لا يجوز. فلما كان في تقديم المبتدأ على الخبر عود الضمير على متأخر لفظًا ورتبة، حينئذ وجب أن يتأخر المبتدأ ويتقدم الخبر. فإذا قلت: على التمرة مثلها زبدًا، مثلها: هذه الهاء، هذا الضمير يعود على التمرة، فهو عائد على شيء متقدم في اللفظ وإن كان متأخرًا في الرتبة؛ فالضمير إما أن يعود على شيء تقدمه لفظًا ورتبة، وإما أن يعود على شيء تقدمه لفظًا فقط، وإما أن يعود على شيء تقدمه رتبة فقط، المهم أن يعود على شيء تقدم.
طيب، هل لذلك من مثال في كتاب الله تعالى؟ لا أعرف في ذلك إلا شاهدًا واحدًا، الذي يحضرني شاهد واحد وهو قول الله تبارك وتعالى: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا، أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا: أقفالها، هذه الهاء على أي شيء تعود؟ تعود على قلوب، أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا. هل يسوغ في غير القرآن يقال: أم أقفالها على قلوب؟ لو قلت: أقفالها على قلوب، أقفالها مبتدأ، على قلوب جار ومجرور هو الخبر، لو قلت هذا لعاد هذا الضمير الذي هو في أقفالها، لعاد هذا الضمير على قولك قلوب، فسيعود حينئذ الضمير على متأخر لفظًا ورتبة، فحينئذ وجب في العربية أن يتقدم الخبر على المبتدأ: أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا.
المسألة الثانية من المسائل التي في المبتدأ والخبر: قال: وقد يُحذف كل من المبتدأ والخبر، نحو: سلام قوم منكرون، أي: عليكم أنتم. ثم قال في الشرح: وقد يحذف كل من المبتدأ والخبر لدليل يدل عليه. يعني أحيانًا يجوز لك في الكلام أن تحذف المبتدأ، يجوز، لا يتكلم على الوجوب، الوجوب له موضع آخر، الكلام هنا في الجواز. يجوز أن يحذف المبتدأ إذا دل على ذلك دليل، يجوز أن يحذف الخبر إذا دل على ذلك دليل. أما بغير دليل فلا يجوز حذف المبتدأ أو الخبر؛ لا يجوز لك أن تقول: زيد، وتسكت، بمعنى أنك تريد: زيد عالم، زيد قائم، هذا لا يجوز. لا يجوز لك أن تقول في الكلام بغير ابتداء من أي أحد، هكذا تبتدئ في الكلام تقول: مجتهد، بمعنى أنك تقول: زيد مجتهد، هذا لا يجوز. إنما إذا دل على ذلك دليل جاز حذف المبتدأ أو حذف الخبر، أو حذفهما طبعًا، لكن هو يتكلم عن حذف أحدهما من جملة والآخر من جملة أخرى.
قال: فالأول نحو قوله تعالى: قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكُمُ ۗ النَّارُ، قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكُمُ ۗ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ، على وجه شهير في الإعراب: النار أي هي النار، قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَٰلِكُمُ، ما هذا الشر؟ هي النار، فحذف المبتدأ. وقوله تعالى، نحو قوله تعالى: سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا، يعني: هذه سورة أنزلناها. ومثله: بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدتُّكُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ، أي: هذه براءة. ومثله في أواخر سورة الأحقاف: بَلَاغٌ ۚ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ، يعني: هذا بلاغ، كما في سورة إبراهيم: هَٰذَا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ، في سورة الأحقاف: بَلَاغٌ يعني هذا بلاغ. ففي كل هذا حذف المبتدأ لأنه دل عليه دليل، هذا كلام واضح: براءة أي هذه براءة، سورة هذه سورة، بلاغ هذا بلاغ، النار أي هي النار، هذا واضح في الكلام فدل عليه دليل. ثم إن هذا الحذف واجب أم جائز؟ لا، جائز، الحذف في كل هذا جائز، يسوغ لك في غير القرآن إذا جئت بمثل هذا الكلام أن تذكر المبتدأ وأن تحذفه، الحذف هنا جائز لا واجب.
قال: والثاني -الثاني المراد به حذف الخبر- كقوله تعالى: أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا، مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ ۖ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ۖ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا، أُكُلُهَا دَائِمٌ مبتدأ وخبر، وَظِلُّهَا: وظلها ما؟ وظلها دائم. فهنا حذف الخبر، هكذا بغير دليل؟ لا، هناك دليل واضح: أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا دائم، أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا أي دائم، هذا حذف جائز. وقوله تعالى: قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ، أَأَنتُمْ أَعْلَمُ: أنتم مبتدأ، أعلم خبر، أَمِ اللَّهُ يعني: أم الله أعلم، هذا وجه ذكره المصنف. من ذلك أيضًا قول الله تبارك وتعالى: وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِن نِّسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ، يعني: واللائي لم يحضن كذلك، أو: واللائي لم يحضن فعدتهن ثلاثة أشهر.
قال: وقد اجتمع حذف كل منهما وبقاء الآخر في قوله تعالى: سلام قوم منكرون، إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا ۖ قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ، هنا حذف المبتدأ من جملة والخبر من جملة أخرى: قَالُوا سَلَامًا ۖ قَالَ سَلَامٌ، أي: سلام عليكم؛ سلام مبتدأ والجار والمجرور خبر محذوف: سلام عليكم. قَوْمٌ مُّنكَرُونَ، يعني: أنتم قوم منكرون؛ قوم خبر ومبتدؤه محذوف. فحذف الخبر من الجملة الأولى والمبتدأ من الجملة الثانية، ففي مثل هذا حذف المبتدأ من جملة والخبر من جملة. قال: فسلام مبتدأ حذف خبره، أي: سلام عليكم، وقوم خبر حذف مبتدؤه، أي: أنتم قوم. نعم.
قال: ويجب حذف الخبر، هذه مسألة ثالثة وهي آخر المسائل الثلاث التي بقيت في المبتدأ والخبر، حتى يبدأ درس جديد في كان وأخواتها إن شاء الله تعالى. وأسأل الله أن يتم هذا الدرس علينا هذه الليلة، وهو درس طويل إن شاء الله، حتى يتم الكتاب في ثلاثين درسًا أو إحدى وثلاثين درسًا كما كان مقدرًا له بإذن الله تعالى. قال: ويجب حذف الخبر قبل جواب لولا، وقسم صريح، والحال الممتنع كونها خبرًا، وبعد واو المصاحبة الصريحة، نحو: لولا أنتم لكنا مؤمنين، ولعمرك لأفعلن، وضربي زيدًا قائمًا، وكل رجل وضيعته.
هنا قال في الشرح: يجب حذف الخبر في أربع مسائل. سبق الكلام عن حذف المبتدأ جوازًا وعن حذف الخبر جوازًا، وتكلم هنا عن حذف الخبر وجوبًا. طيب، أين حذف المبتدأ وجوبًا؟ لم يذكره، حذف المبتدأ وجوبًا لم يذكره. هو تابع في هذا الإمام ابن مالك في ألفيته؛ إنه أيضًا ذكر مثل هذه المسائل وذكر حذف الخبر، انطلق من جواز حذف المبتدأ والخبر إلى وجوب حذف الخبر دون التعريج على المسائل التي يجب فيها حذف المبتدأ. وأغلب المسائل التي أوجبوا فيها حذف المبتدأ فيها نزاع كبير، فلعل ذلك لعدم اقتناع من ذكر هذا بوجوب حذف المبتدأ في بعض الأحيان.
وقال: يجب حذف الخبر في أربع مسائل؛ إحداها: قبل جواب لولا، نحو قوله تعالى: لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ. الصواب في مثل هذا أن تذكر الآية كما قال الله تبارك وتعالى: وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ. يمكن أن تبدأ الآية من هنا، يمكن أن تقول الكلام من أول: يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ. لكن يقبح أن يتكلم متكلم بمثل هذا، ويقبح في السماع يعني أن أسمع من غيري هذا، يعني لا أستسيغه، أقول: قال تعالى: لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ، فقد سبق مثل هذا الاعتراض على المصنف كثيرًا، يعني حتى لا أطيل في كل مرة: يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ.
لَوْلَا أَنتُمْ: لولا هذه تسمى حرف امتناع لوجود؛ عندنا حرف وجود لوجود، وحرف امتناع لامتناع، وحرف امتناع لوجود. حرف وجود لوجود: لما، كما سبق: فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ، هذا حرف وجود، حرف عند من قال إنه حرف، واسم عند من قال إنه اسم، هذا حرف وجود لوجود. حرف امتناع لامتناع: لو، وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَىٰ، امتناع لامتناع: لم يجمعهم الله على الهدى لأنه لم يشأ ذلك، فامتنع الاجتماع لامتناع المشيئة. في الأول: فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ، يعني ما دلهم إلا، فوجدت الدلالة، أو في المثال الذي بعده: فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ، هذا أسرع لعدم وجود النفي: فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ، تبينت الجن لما خر سليمان عليه السلام، فهذا وجود لوجود؛ وجد التبين لما وجد الخرور الذي هو الوقوع والسقوط.
في هذا لولا، اسمه حرف امتناع لوجود، حرف امتناع لوجود: يمتنع شيء لوجود شيء آخر: لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ. قال: أي: لولا أنتم صددتمونا عن الهدى، لولا أنتم صددتمونا عن الهدى، بدليل أن بعده: أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُم عَنِ الْهُدَىٰ بَعْدَ إِذْ جَاءَكُم ۖ بَلْ كُنتُم مُّجْرِمِينَ، لولا أنتم صددتمونا عن الهدى. أين الامتناع وأين الوجود؟ لولا أنتم صددتمونا عن الهدى، يعني لولا وجود هذا الصد منكم لكنا مؤمنين، يبقى امتنع إيماننا لوجود الصد؛ كأنهم يقولون هذا: امتنع إيماننا لوجود الصد، فيقولون: هذا حرف امتناع لوجود. ما سبب امتناع الإيمان؟ وجود الصد من هؤلاء المجرمين. طبعًا وهذا غير صحيح منهم، فهم يجتمعون في النار، ووصفهم الله عز وجل جميعًا بالظالمين: وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ، ودار حوار معروف، لكن هم يقولون كذلك، هذه حجة ليست مقبولة، حجة داحضة.
في النحو، في الإعراب: كيف الإعراب؟ لولا أنتم: الذي يأتي بعد لولا إذا كان ضميرًا هكذا أو كان اسمًا ظاهرًا يكون مرفوعًا على الابتداء، لَوْلَا أَنتُمْ فأنتم مبتدأ مبني على السكون في محل رفع، أو قل هو ضمير مبني على السكون في محل رفع لأنه مبتدأ، هذا أو هذا. أين خبره؟ خبره محذوف وجوبًا، هذا الذي يريد أن يصل إليه المصنف، يعني: لولا أنتم صددتمونا عن الهدى، لولا أنتم صددتمونا عن الهدى. وبعضهم يفسره بكون عام، يعني: لولا أنتم موجودون، لولا أنتم موجودون. فمثل هذا يفسر أحيانًا بكون عام وأحيانًا بكون خاص، كقول النبي عليه الصلاة والسلام لما سئل عن عمه أبي طالب، قال: هو في ضحضاح من النار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار. ولولا أنا: أنا مبتدأ، أين خبره؟ على الوجهين: قيل هو كون عام، يعني لولا أنا موجود، والأقرب من هذا أنه كون خاص، يعني: لولا أنا شفعت له لكان في الدرك الأسفل منها، ومثل هذا كثير.
قال الله تبارك وتعالى: وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ، لولا دفع الله الناس حاصل، موجود، واقع، لولا ذلك لفسدت الأرض. وكذلك في قول قوم شعيب له: وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ ۖ وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ، يعني: لولا رهطك موجودون لرجمناك، أو: لولا رهطك أعزة علينا لرجمناك، أما أنت فلست علينا بعزيز؛ على الأول: موجودون هو كون عام، وعلى الثاني فهو كون خاص. هذه المسألة الأولى وأمثلتها في كتاب الله كثيرة.
الثانية: قبل جواب القسم الصريح، قبل جواب القسم الصريح، نحو قوله تعالى: لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ. لَعَمْرُكَ هذا قسم بحياة نبي من أنبياء الله الكرام، اختلف فيه على وجهين: قيل هو قسم بحياة نبينا صلى الله عليه وسلم وعمره، هذا قول كثيرين، وقيل: هو قسم بحياة نبي الله لوط عليه السلام؛ لأن الآية في سياق الكلام عن لوط في سورة الحجر: قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ * قَالَ هَٰؤُلَاءِ بَنَاتِي إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ * لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ * فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ * فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا، السياق كله ومن قبل ذلك بعدة آيات في ذكر بلاء لوط عليه السلام مع قومه الذين كانوا يأتون الفاحشة ما سبقهم بها من أحد من العالمين.
فلعمرك هذا قسم، ولم يأت مثله في كتاب الله تعالى -فيما أعلم لا يأتي مثله في كتاب الله تعالى- إلا في هذه الآية: لَعَمْرُكَ. والعَمر بالفتح، بفتح العين، هو الحياة، هو العُمر المعروف، لكن في القسم لا يؤتى به إلا بفتح العين: لعَمْرك. كيف يعرب العلماء الكلمة التي هي لعمرك؟ اللام هي لام الابتداء، والكاف التي بعد ذلك مضاف إليه، أما الكلمة التي بمعنى العمر فهي هنا مبتدأ عندهم. أين خبر هذا المبتدأ؟ قالوا: خبرها محذوف: لعمرك قسمي، أو حلفي، أو يميني، يعني: حياتك هذه يميني على أي شيء؟ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ. فهل يمكن في الكلام أن يقال: لعمرك قسمي أو يميني؟ قالوا: لا يمكن، فالخبر هنا محذوف وجوبًا. أين موضعه؟ قبل جواب القسم الصريح، قبل: إنهم، لعمرك قسمي أو يميني أو حلفي أو ما أشبه.
قال: أي: لعمرك يميني أو قسمي، واحترزت بالصريح -هنا قال: في جواب القسم الصريح- واحترزت بالصريح عن نحو: عهد الله، فإنه يستعمل قسمًا وغيره. أما كلمة: لعمرك، لعمري، لعمر الله، فهذه لا تستعمل إلا للقسم، أما عهد الله فتستعمل للقسم وغيره؛ تقول في القسم: عهد الله لأفعلن، وفي غيره: عهد الله يجب الوفاء به، هذا ليس بقسم، الثاني ليس بقسم، فلذلك يجوز ذكره؛ تقول: علي عهد الله. يبقى: عهد الله لأفعلن، عهد الله هنا مبتدأ، خبره محذوف وجوبًا أم جوازًا؟ جوازًا، مع أنه هنا للقسم لكنه ليس صريحًا في القسم.
وفي مثل هذا، ومثل هذا يأتي في الشعر كما قال القائل: لعمرك ما أدري وإني لأوجل ... على أينا تعدو المنية أول ويأتي كثيرًا في كلام السلف: لعمري كذا وكذا، فيذكرون لعمري. واختلف العلماء في تخريجها لأنها للقسم؛ فكيف يقسم الإنسان بعمره وحياته؟ فقال بعضهم -كما خرّجوا بعض الأحاديث الأخرى- إن هذا مما يندرج على اللسان ولا يراد حقيقته، وهناك تخريجات أخرى.
قال: الثالثة -هذه المسألة الثالثة التي يجب فيها حذف الخبر- قبل الحال التي يمتنع كونها خبرًا عن المبتدأ. وهذه مسألة لا أعلم لها شاهدًا في كتاب الله تعالى، أما الشاهد من كلامهم الذي ذكروه: قال: كقولهم: ضربي زيدًا قائمًا. أولًا الحال: الأصل في الحال أنها يجوز أن تكون خبرًا عن المبتدأ؛ لو قلت: جاء زيد، زيد ضاحكًا، زيد ضاحك. عندما مثلًا في قول الله تبارك وتعالى: وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا، غضبان حال، أسفًا حال، يجوز في غير ذلك أن تقول: موسى عليه السلام غضبان، أو كان في هذه الحال غضبان. فالأصل في الحال أنه يجوز أن يكون خبرًا عن المبتدأ، أحيانًا يمتنع كون الحال خبرًا، حينئذ الخبر يكون قبل هذه الحال التي يمتنع كونها خبرًا، الخبر يكون محذوفًا وجوبًا، في نحو قولهم: ضربي زيدًا قائمًا.
ضربي زيدًا قائمًا، ضربي قال: أصله: ضربي زيدًا حاصل إذا كان قائمًا. فضربُ هذا مبتدأ، ضرب مبتدأ، وياء المتكلم مضاف إليه، وزيدًا مفعول به لهذا المصدر الذي هو ضرب. وسيأتي إن شاء الله تبارك وتعالى كلام طويل في المصدر واسم المصدر واسم الفعل واسم الفاعل واسم المفعول واسم التفضيل إلى آخر الأشياء العشرة التي تعمل عمل الفعل، وقد ذكر المصنف منها هنا في هذا الكتاب سبعة. فزيدًا مفعول به للمصدر، قائمًا حال. طيب هل يصح في الكلام أن أقول: ضربي قائم؟ لا يصح في الكلام، الضرب نفسه لا يوصف بالقيام، إنما زيد هو الذي يوصف بالقيام أو القعود، يعني كأنه: ضربي زيدًا حال كونه قائمًا.
فهنا هذه الحال يمتنع كونها خبرًا. قال: وإذا ظرف للخبر مضاف إلى كان التامة، وفاعلها مستتر فيها، يعني: إذا كان هو، إذا حصل هو، قائمًا، حتى لا يقول: قائمًا خبر لكان، إنما قائمًا حال عائد على مفعول المصدر الذي هو زيد، وقائمًا حال منه، وهذه الحال لا يصح كونها خبرًا عن المبتدأ، فلا تقول: ضربي قائم؛ لأن الضرب لا يوصف بالقيام. وكذلك: أكثر شربي السويق ملتوتًا، وأخطب ما يكون الأمير قائمًا، تقديره: حاصل إذا كان ملتوتًا أو قائمًا، وعلى
ذلك بقولهم: أكثر شربي السويق ملتوتاً. السويق أكله معروفة، تكون من قمح أو شعير تُقلى في النار ثم تطحن، قريبة يعني خبز يوضع على النار ثم يطحن بعد ذلك. أحياناً يؤكل هكذا، وأحياناً يوضع عليه شيء يلت به من ماء أو سمن أو ما أشبه ذلك حتى يصير بعد أن كان يابساً فيصير طرياً فحينئذ يؤكل أو يشرب، كما قال هنا: أكثر شربي. ومنه هذا اللات، أتسميته اللات؟ كان كما هو معروف في كلام السلف وهو صحيح أنه كان رجلاً يلت السويق للحاج، حتى في رواية رويس عن يعقوب في القراءات العشر، في رواية من قراء القراءات العشر الصحيحة، أنه قرأ بتشديد التاء: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَّ وَالْعُزَّى، فهذه رواية رويس عن يعقوب، فكأنه ذهب به إلى هذا المعنى أنه كان رجلاً يلت السويق للحاج.
المهم أنه قال: أكثر شربي، أو لو قيل: السويق يؤكل، هذا وهذا. أكثر شربي السويق ملتوتاً، هل أكثر هو الذي يوصف بأنه ملتوت، أم السويق هو الذي يوصف بأنه ملتوت، أي مبسوس ما وضع عليه شيء من الماء بل به وبث به حتى صارت البسيسة أو ما أشبه ذلك؟ لا، السويق هو الذي يوصف بأنه ملتوت، أما أكثر فلا يمكن أن يوصف بأنه ملتوت.
قالوا: فإذاً هذه الحال يمتنع كونها خبراً عن المبتدأ: أخطب ما يكون الأمير قائماً. أخطب هو الذي يوصف بالقيام، أم الأمير هو الذي يوصف بالقيام؟ الأمير هو الذي يوصف بالقيام، فهذه الحال يمتنع كونها خبراً. وقد عقد الناظم هذا بقوله: وقبل حال لا يكون خبرا ... عن الذي خبره قد أضمرا كضربي العبد مسيئاً وأتم ... تبييني الحق منوطاً بالحكم ضربي العبد مسيئاً، ومسيئاً حال لأنه لا يجوز أن تكون هذه الحال خبراً عن الضرب، فالخبر محذوف وجوباً، وكذلك ما بعده.
وأكرر: هذه المسألة لا أعلم لها شاهداً في كتاب الله تعالى. المسألة الرابعة: بعد واو المصاحبة الصريحة، وهذه أيضاً لا أعلم لها شاهداً في كتاب الله تعالى. فالمسألة الثالثة والرابعة لا أعلم فيهما شاهداً في كتاب الله تعالى.
قال: كقولهم: كل رجل وضيعته، أي: كل رجل مع ضيعته مقرونان. والذي دل على الاقتران ما في الواو من معنى المعية: كل رجل وضيعته، كل رجل وضيعته. الضيعة لها معانٍ، منها الحرفة والصناعة والكسب والمعاش والمال والأرض والعقار، كل هذا يسمى ضيعة، الضياع. فهذه كلها ضيعة، هذه ضيعة وضيعة وضيعة. الأكثر فيها في مثل هذا الحرفة والصناعة: كل رجل وضيعته وصنعته التي يحسنها وحرفته التي يحسنها.
طيب، كل مبتدأ، رجل مضاف إليه، الواو عاطفة، ضيعته معطوف على المبتدأ. أين الخبر؟ الخبر محذوف وجوباً أو جوازاً؟ قالوا: محذوف وجوباً، كأنه قال: كل رجل مع ضيعته مقرونان، فالكلام هنا لا يحتاج إلى خبر، أو الخبر محذوف وجوباً.
ثم قال بعد ذلك: باب النواسخ لحكم المبتدأ والخبر ثلاثة أنواع: أحدها كان وأمسى وأصبح وأضحى وظل وبات وصار وليس وما زال وما فتئ وما انفك وما برح وما دام، فيرفعن المبتدأ اسماً لهن وينصبن الخبر خبراً لهن، نحو: وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا.
هنا بدأ في مسألة أخرى، وهي مسألة سيأتي الكلام فيها بإذن الله تبارك وتعالى في هذا الدرس وفي درسين بعده إن شاء الله تبارك وتعالى، أسأل الله أن يتم علينا هذا إن شاء الله. هذا هو الكلام في نواسخ المبتدأ والخبر، أو في نواسخ الابتداء.
فالمبتدأ مرفوع، والخبر كذلك مرفوع. هناك عدة أشياء تدخل على المبتدأ والخبر: إما أنها تغير حكم المبتدأ، وإما أن تغير حكم الخبر، وإما أن تغير حكم المبتدأ والخبر جميعاً. هنا المصنف قال: هي ثلاثة أشياء، نعم هي ثلاثة أشياء، أشياء ثلاثة أشياء إجمالاً، وهي سبعة تفصيلاً. لماذا هذا الخلاف الكبير بين الثلاثة والسبعة؟ يعني ثلاثة إجمالاً مثلاً، وأربعة أو خمسة تفصيلاً، ثلاثة إجمالاً وسبعة تفصيلاً؟
ثلاثة إجمالاً: كان وأخواتها ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، هناك ما الحجازية وأخواتها ترفع المبتدأ أيضاً وتنصب الخبر، هناك كاد وأخواتها وإن كان المصنف لا يتكلم عليها في هذا الكتاب، أيضاً ترفع المبتدأ وتنصب الخبر. فهذه ثلاثة أبواب العمل لها واحد. قد يقول قائل: لماذا إذاً يشقق النحاة هكذا، فليجعلوها كلها من باب واحد؟ لا، الباب الأول له شروط، الباب الثاني له شروط، الباب الثالث له شروط، كل باب له شروط تخصه، فكان لزاماً أن يفرد هذا ببحث، ويفرض هذا ببحث، ويفرض هذا ببحث.
هذه ثلاثة أبواب تعمل عملاً واحداً. بعد ذلك: إن وأخواتها تنصب المبتدأ وترفع الخبر، تعمل عكس هذا، هذا الباب الرابع. الباب الخامس: لا التي لنفي الجنس، هذه تنصب المبتدأ وترفع الخبر، أحياناً تنصبه ظاهراً وأحياناً يكون مبنياً في محل نصب، فإذاً هذان بابان يعملان العمل نفسه. لماذا أفردوا أحد البابين عن الآخر؟ أيضاً لأن لهذا شروطاً ليست لذاك.
فهذه خمسة أبواب. بعد ذلك: ظن وأخواتها تنصب المبتدأ والخبر جميعاً، تنصب المبتدأ وتنصب الخبر، هذا هو الباب السادس. يلتحق بذلك سبعة أفعال تنصب المبتدأ والخبر وشيئاً ثالثاً، هذه تنصب ثلاثة مفاعيل، الثاني والثالث منهما كان مبتدأ وخيراً في الأصل. فهذه سبعة أبواب تفصيلاً إجمالاً.
قال: النواسخ جمع ناسخ، وهو في اللغة من النسخ بمعنى الإزالة، يقال: نسخت الشمس الظل إذا أزالته. وفي الاصطلاح: ما يرفع حكم المبتدأ والخبر. نواسخ يعني تدخل على المبتدأ والخبر، المبتدأ مرفوع والخبر مرفوع: محمد قائم، تقول: كان محمد قائماً، نسخت غيرت. إن محمداً قائم، نسخت غيرت. ظننت محمداً قائماً، نسخت غيرت. الأولى رفعت المبتدأ ونصبت الخبر، الثانية نصبت المبتدأ ورفعت الخبر، الثالثة نصبت المبتدأ ونصبت الخبر. هذا هو المراد بالنسخ: الرفع، المحو، الإزالة، نسخت الشمس الظل: أزالت الشمس الظل.
وهو فيه قرب من المعنى الشرعي المعروف: مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا، فيه شبه من هذا المعنى، فهو في الاصطلاح: رفع حكم شرعي عملي جزئي باخر متأخر عنه، ففيه رفع، فيه إزالة، لأجل هذا سمي ناسخاً.
قال: وهو ثلاثة أنواع: ما يرفع المبتدأ وينصب الخبر وهو كان وأخواتها، وما ينصب المبتدأ ويرفع الخبر وهو إن وأخواتها، وما ينصبهما معا وهو ظن وأخواتها.
قال: ويسمى الأول من معمولي باب كان اسماً وفاعلاً، والمشهور أنه اسم. ويسمى الثاني خبراً ومفعولاً، والمشهور أيضاً أنه خبر. لكن هذا يقال هذا وذاك، والمشهور أنه يقال: هذا اسم كان وهذا خبر كان. ويسمى الأول من معمولي باب إن اسماً والثاني خبراً. ويسمى الأول من معمولي باب ظن مفعولاً أول والثاني مفعولاً ثانياً. وبإذن الله سيأتي كل ذلك بتفصيل.
فالكلام الآن عن كان وأخواتها. قال: والكلام الآن في باب كان، أي في باب كان وأخواتها. وألفاظه ثلاثة عشر ذكرها في الأول، وهي: كان وأمسى وأصبح وأضحى وظل وبات وصار وليس وزال وفتئ وانفك وبرح ودام. هذه ثلاثة عشر لفظة أو ثلاثة عشر فعلاً، فكلها أفعال، كلها أفعال، وإنما هناك خلاف في ليس، والصحيح أنه فعل كما سبق.
والذي أعرفه قبل أن أبدأ ببقية الكلام وبذكر الشواهد إن شاء الله تبارك وتعالى، وسيصير الكلام سهلاً إن شاء الله تعالى، قبل أن أبدأ الذي أعرفه في هذا والعلم عند الله تبارك وتعالى أن هذا الباب جاء منه في كتاب الله تعالى تسعة أفعال، يعني هذه الثلاثة عشر فعلاً جاء منها عاملاً هذا العمل -لا بد من هذا القيد: جاء من هذا الباب عاملاً هذا العمل وهو رفع المبتدأ ونصب الخبر- تسعة أفعال، وهي: كان وأصبح وظل وبات وليس وزال وبرح وفتئ ودام.
وهناك بعض الأفعال لم تأتِ، يعني أقول مثلاً: جاء منها تاماً فعلان، نعم جاء منها تاماً فعلان: أمسى وصار. نعم أمسى جاء تاماً وصار جاء تاماً. وفعلان آخران لم يأتيا في القرآن أصلاً، آخران من هذا الباب لا أعرف لهما -حتى أكون يعني محقاً في كلامي- لا أعرف لهما شاهداً في كتاب الله تبارك وتعالى، وهما: انفك وأضحى، انفك وأضحى. قد يقول قائل: لا، هناك: وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى، ليس من هذا الباب، ليس من هذا الباب، فهذه إنما: وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى، يعني تضحى يعني لا تبرز للشمس، كما قال عمر بن أبي ربيعة: إما إذا الشمس على رضض فيضحى ... وإما بالعشي فيخصر فهذه التقسيمة باعتبار مجيء هذا الباب في كتاب الله تعالى.
قال بعد ذلك رحمه الله تعالى: وهي على ثلاثة أقسام: ما يرفع المبتدأ وينصب الخبر بلا شرط، يعني لا يحتاج إلى شرط حتى يفعل هذا الفعل، سبقه شيء أو لم يسبقه، هو يعمل هذا العمل. أولاً في الإعراب: هذه الأفعال يعرب كل فعل منها كذا، يقال: هذا فعل ماضٍ، وإذا جاء مضارعاً فيعرب يقال: فعل مضارع، وإذا جاء أمراً يقال: فعل أمر. يقال: هذا فعل ماضٍ أو مضارع أو أمر، ناقص ناسخ.
ناسخ كما عرفتم، ناسخ بمعنى أنه ينسخ حكم المبتدأ والخبر، أو على الأقل ينسخ اسم المبتدأ وينسخ اسم الخبر وحكمه، فينسخ اسم المبتدأ بمعنى أنه بعد أن كان مبتدأ يصير اسماً لكان أو لأمسى أو لليس أو لفتئ أو لانفك إلى آخره، وينسخ اسم الخبر وحكمه بعد أن كان خبراً للمبتدأ يصير خبراً لكان، وبعد أن كان مرفوعاً يصير منصوباً، هذا معنى كونه ناسخاً.
طيب، لماذا يسمى ناقصاً؟ يسمى ناقصاً لأنه لا يكتفي بمرفوعه، لأنه لا يكتفي بمرفوعه، أو لأنه يدل على الزمان خاصة دون الحدث، هذان قولان وسيأتي كلام للمصنف فيهما.
بعد ذلك يأتي اسمه مرفوعاً ويأتي خبره منصوباً. بأي شيء يرفع اسمه؟ كما سبق: إما أن يرفع بضمة ظاهرة، أو بضمة مقدرة، أو بالواو، أو بالألف بحسبه، وقد يكون مبنياً في محل رفع. ويأتي خبره منصوباً بفتحة ظاهرة، أو فتحة مقدرة، أو بالألف، أو بالكسرة، أو بالياء، وقد يكون مبنياً في محل نصب، وقد يكون جملة كما سيأتي، أو كما سبق في باب المبتدأ والخبر، فخبر المبتدأ كما سبق يأتي مفرداً ويأتي جملة ويأتي شبه جملة، فكذلك في هذا الباب، خبر كان وأخواتها يأتي مفرداً ويأتي جملة ويأتي شبه جملة. كل هذه تفصيلات قبل أن أتم كلام المصنف.
قال: ما يرفع المبتدأ وينصب الخبر بلا شرط وهي ثمانية. الثمانية الأولى وهي: كان وأمسى وأصبح وأضحى وظل وبات وصار وليس، هذه تعمل بلا شرط، يعني لم يذكر لها أمثلة، سيذكر أمثلة لما يأتي، فسأحاول أن أذكر أمثلة لما جاء منها في القرآن الكريم: كان: وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا، وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا، ربك اسم كان، بصيراً خبر كان، رب هذا اسمه كان مرفوع والكاف طبعاً مضاف إليه، بصيراً خبر كان منصوب. إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ، كانوا: كان وواو الجماعة ضمير مبني في محل رفع لأنه اسم كان، وجملة يسارعون في الخيرات تعربونها إعراباً كما عرفتم: يسارعون فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون، في الخيرات جار ومجرور متعلق بيسارعون، وهذه الجملة الفعلية من الفعل والفاعل -يسارعون فعل وواو الجماعة فاعل- هذه الجملة الفعلية في محل نصب لأنها خبر كان. يبقى هنا خبر كان جملة فعلية.
من أمثلة أصبح: فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا، فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ، فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ، كل هذا فيه أصبح اسمها وخبرها. فمثلاً فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ واو الجماعة اسم أصبح، ظاهرين خبره منصوب. طيب: وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ، أصبح الذين هذا اسم أصبح مبني في محل رفع، يقولون هذه الجملة التي ستأتي يقولون ويكأن الله... إلى آخره، هذه الجملة في محل نصب لأنها خبر أصبح.
ظل: قال تعالى: وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِالْأُنثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا، ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا. بات: قال تعالى: وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا. ذكرت لكم منذ قليل أنه قد يكون هذا الفعل ماضياً وقد يكون مضارعاً وقد يكون أمراً، يأتي هكذا وهكذا وهكذا: وَلَكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ، كُونُوا رَبَّانِيِّينَ هذا فعل أمر وربانيين خبره، واو الجماعة اسمه وربانيين خبره، فيأتي ماضياً ومضارعاً وأمراً. الَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ، يبيتون فعل مضارع مرفوع، واو الجماعة يبيتون واو الجماعة هنا اسم يبيت، وسجداً: وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا خبر يبيت وهو خبر منصوب، وقياماً معطوف عليه.
ليس: من أمثلتها: لَيْسُوا سَوَاءً، ليسوا واو الجماعة اسم ليس، سواءً خبر ليس. وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا، لست التاء اسم ليس ومؤمناً خبر ليس، إلى آخره هذه الأمثلة.
قال: وما يعمل هذا العمل بشرط أن يتقدم عليه نفي أو شبهه، وهو أربعة: زال وبرح وفتئ وانفك. نفي أو شبهه، قالوا: شبه النفي هو النهي والدعاء، النهي والدعاء. فإذا تقدم عليها نفي أو نهي أو دعاء فإنها تعمل هذا العمل، طيب إذا لم يتقدم لا تعمل هذا العمل: زال، برح، فتئ، انفك. يعني لا بد أن يكون الكلام: ما زال، لا يزال. ومثل هذا أحياناً يكون النفي مقدراً كما سيأتي بإذن الله تعالى التمثيل بآية سورة يوسف.
قال: فالنفي نحو قوله تعالى: وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، فهنا لا نافية، وكلمة يزال أو هذه الكلمات الأربع يقولون هي للنفي، ونفي النفي إثبات، نفي النفي إثبات. وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ يعني سيظلون مختلفين إلا من رحم ربك. وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، يزالون أين اسم يزالون أو اسم يزال؟ واو الجماعة والنون علامة رفع، وأين خبرها؟ مختلفين، هذا منصوب. قال تعالى: وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا، وَلَا يَزَالُونَ واو الجماعة اسم يزال، وأين الخبر؟ الخبر هو جملة يقاتلونكم، فالخبر يأتي مفرداً وجملة وشبه جملة.
قال: لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ، قالوا: لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى، قالوا: لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ. الفعل هو برح، مضارعه نبرح، فيأتي ماضياً ومضارعاً، مثل هذا هذه الأربعة يأتي منها الماضي والمضارع فقط، أما الأمر فلا يأتي من زال وبرح وفتئ وانفك ودام وليس، دام وليس ملازمان للمضي فقط، زال وبرح وفتئ وانفك يأتي منها ماضٍ ومضارع فقط، البقية يأتي منها ماضٍ ومضارع وأمر. لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ، عاكفين هذا خبر نبرح، أين اسمها؟ نبرح نحن، هذا ضمير مستتر وجوباً تقديره نحن.
وشبهه هو النفي والدعاء، هو -عفواً- هو النهي والدعاء، شبهه والنهي والدعاء. فالأول كقوله: صاح شمر ولا تزل ذاكر الموت ... فنسيانه ضلال مبين هذا بيت واضح عليه أنه يعني متأخر، يعني ليس في عصر الاحتجاج، واضح العلم عند الله تعالى، لكن على كلٍّ لو صح كان عربياً: ولا تزل ذاكر الموت، هنا ليست لا نافية إنما هي ناهية: ولا تزل ذاكر الموت، يعني كن ذاكر الموت، فلا هنا ناهية. لأجل هذا كان هذا الفعل مجزوماً: ولا تزل، بخلاف لا يزال، لا يزالون، لا يزال بنيانهم، وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، هذا مرفوع وهذا مرفوع لأن لا التي سبقته للنفي، أما هنا لا للنهي لأجل هذا جاء مجزوماً. ودرستم هذا قبل ذلك، عرفتم ما يجزم وما يرفع وما ينصب وما لا يجزم ولا ينصب، فالفعل المضارع يكون مرفوعاً إذا لم يسبقه ناصب ولا جازم. ولا تزل ذاكر الموت، أين اسم تزل؟ ضمير مستتر وجوباً تقديره أنت: ولا تزل أنت، ذاكر الموت هذا خبره منصوب.
والثاني هو الدعاء كقوله: ألا اسلمي يا دار مي على البلى ... ولا زال منهلاً بجرعائك القطر هكذا منهلاً بالتشديد، في بعض النسخ منهلاً، هي منهلاً بالتشديد من أنهَلَ، فهو منهَلٌّ: ولا زال منهلاً. هنا للنفي أم للنهي؟ لا، ليست للنفي ولا للنهي، إنما معناها الدعاء، كانت للنفي أو دخلت هنا بمعنى: لا زال، يعني كأنه يقول: أسأل الله أن يكون ذلك دائماً: ولا زال منهلاً بجرعائك القطر. هذه تكون دعائية، وهي قريبة من النافية، لكن معناها أو المراد بها الدعاء: ولا زال منهلاً بجرعائك القطر. أين اسمها وأين خبرها؟ منهلاً خبرها قدم، والقطر اسمها مؤخر: ولا زال منهلاً بجرعائك القطر، فالقطر اسمها مؤخر، ومنهلاً خبرها مقدم. وهذا يجرك إلى شيء: هل يجوز أن يتقدم الخبر على الاسم في هذا الباب؟ نعم، وهذه مسألة ستأتي بإذن الله تبارك وتعالى بعد سطر، لكن هذا كأنه فتح الباب لهذه المسألة.
قال: وما يعمل بشرط أن يتقدم عليه ما المصدرية الظرفية، هذا هو النوع الثالث. إذاً عندنا ثلاثة أنواع، هذا الباب ينقسم إلى ثلاثة أقسام: ما يعمل بغير شرط وهو الثمانية الأولى، ما يعمل بشرط أن يتقدمه نفي أو نهي أو دعاء وهو الأربعة التي بعدها: زال وبرح وفتئ وانفك، ما يعمل بشرط واحد بشرط آخر وهو أن يتقدم عليه ما المصدرية الظرفية وهو فعل واحد، قال: وهو دام كقوله تعالى -يعني في قول عيسى عليه السلام-: وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا. قال: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا، مَا دُمْتُ حَيًّا.
أولاً هذه ما يقال فيها: ما المصدرية الظرفية. ما معنى كونها مصدرية؟ سبق ودرستم هذا؛ ما مصدرية كما سبقت: يسر المرء ما ذهب الليالي، بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ، كل هذا سبق في ما المصدرية التي درستموها، تؤول مع ما بعدها بمصدر: بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ يعني بنسيانهم يوم الحساب، بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي يعني بمغفرة الله لي، وكذلك وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ يعني ودوا عنتكم، يسر المرء ما ذهب الليالي كما قال الشاعر أي ذهاب الليالي، كل هذا سبق قبل ذلك، فما مصدرية تؤول مع ما بعدها بمصدر: ما دمت يعني دوام، ما دمت المصدر هو الدوام. وظرفية بمعنى المدة، يعني مدة دوامي حياً، المعنى: أوصاني بالصلاة والزكاة مدة دوامي حياً، يعني مدة بقائي حياً مدة حياتي طول حياتي، فلا ينفك الإنسان عن صلاة وزكاة، والزكاة إما أن تكون بمعنى زكاة النفس فهذا لا ينفك الإنسان عنها، وإما تكون بمعنى زكاة المال فهذه تكون لمن تجب عليه. فقال: مدة دوامي حياً.
وسميت ما هذه مصدرية لأنها تقدر بالمصدر وهو الدوام، وظرفية لأنها تقدر بالظرف وهو المدة: مدة دوام حياتي. فهذه ما المصدرية الظرفية. ومن أمثلتها أيضاً قول عيسى عليه السلام أيضاً: وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ، ومنها أيضاً: قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا، ومنها: وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا، إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا. دمت التاء هي اسم دام، وقائماً خبر دام.
هذه خلاصة الكلام في هذه الأفعال على أقسام ثلاثة. سيتكلم بعد ذلك بعد هذه الخلاصة -التي فيها كلام طويل في أصل إعمال هذه الأفعال، في عملها وفي شروط هذا العمل: منها ما يعمل بغير شرط، ومنها ما يعمل بشرط أن يتقدم عليه نفي أو نهي أو دعاء، ومنها ما يعمل بشرط أن يتقدم عليه ما المصدرية- بعد ذلك سيتكلم عن مسائل تفريعية في هذا الباب.
قال: وقد يتوسط الخبر، نحو: فليس سواءً عالمٌ وجهولُ. قال: يجوز في هذا الباب أن يتوسط الخبر بين الاسم والفعل. عندنا كان واسمها وخبرها: وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا، مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ، كان ما كان، يعني وقلنا منفية ما وجاءت كان، محمد اسم كان، أبا خبره. كان يأتي اسمها ويأتي بعد ذلك خبرها: لَيْسُوا سَوَاءً، ليسوا واو الجماعة اسمها، سواءً خبرها. هل يجوز أن يتوسط، أن يأتي الخبر في الوسط بين هذا الفعل وبين اسمه؟ نعم، وسبقت الإشارة إلى هذا، وكان البيت السابق فيه مدخل لهذا: ولا زال منهلاً بجرعائك القطر، يعني لا زال القطر منهلاً بجرعائك، فقدم الخبر على المبتدأ أو على الاسم الذي كان اسم زال.
قال: يجوز في هذا الباب أن يتوسط الخبر بين الاسم والفعل، كما يجوز في باب الفاعل أن يتقدم المفعول على الفاعل. قال الله تعالى: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ، أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا، وقرأ حمزة وحفص: لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ بنصب البر. هذه أمثلة لهذا.
وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ، يعني: وكان نصرُ المؤمنين حقاً علينا. إذاً فتقدم هنا الخبر على المبتدأ، تقدم هنا الخبر على المبتدأ، طبعاً عند من يفسر هذا التفسير ويقرأ هذا هكذا. ولكن بعضهم يقف عند وكان حقاً ويصل بما قبله، ويقول: علينا نصر المؤمنين هذا كلام تام، لكن الأول أشهر: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ، يعني: كان نصرُ المؤمنين حقاً علينا. فالإعراب: كان هذا فعل ماضٍ ناقص ناسخ مبني على الفتح، حقاً خبر كان مقدم على اسمه، علينا طبعاً جار ومجرور متعلق بحقاً، حقاً علينا نصرُ المؤمنين، نصرُ اسم كان مؤخر، والمؤمنين مضاف إليه.
ومثله: أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا، أين الخبر في هذه؟ أين الخبر المقدم؟ عجباً، ليس للناس، لا عجباً. طيب أين اسم كان؟ ليس برضه للناس، إنما هو أن أوحينا. لماذا؟ أن هذه مصدرية كما درستم، تؤول مع ما بعدها بالمصدر، يعني: أكان وحينا عجباً للناس؟ لماذا تعجب الناس من الوحي؟ وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ، هذا هو المعنى. يعني أن أوحينا هذا المصدر هو اسم كان مؤخر، وعجباً هو الخبر المقدم.
وقرأ حمزة وحفص نعم: لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ. وقرأ الجمهور: لَّيْسَ الْبِرُّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ. على قراءة الجمهور: البرُّ اسم ليس، وأن تولوا هذا المصدر هو خبر ليس، والكلام أخذ اسمها وخبرها. وعلى قراءة حمزة ورواية حفص وهي المراد هنا: لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا، البرَّ خبر ليس مقدم، أن تولوا أن مصدرية وما بعدها تؤول مع ما بعدها بمصدر، وهذا المصدر اسم ليس مؤخر: ليس توليتكم وجوهكم قبل المشرق والمغرب البر، إنما البر كذا وكذا وكذا كما ذكر في الآية: وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ إلى آخره.
وقال الشاعر: سلي إن جهلت الناس عنا وعنهم ... فليس سواءً عالمٌ وجهولُ هذه من لاميّة السماوأل المعروفة، وهي لاميّة مشهورة، فيقول: فليس سواءً عالمٌ وجهولُ، يعني ليس عالمٌ وجهولٌ سواءً، عالمٌ اسم ليس وهو مؤخر، وسواءً خبرها مقدم.
وقال الآخر: لا طيب للعيش ما دامت منغصةً ... لذاته بادكار الموت والهرم هذا أيضاً بيت إن كان عربياً فهو شاهد، وإن لم يكن فمثال كما سبق، كأنك تقول: كان قائماً زيدٌ مثال. فالشاهد فيه لو صح: ما دامت منغصةً لذاته، لا طيب للعيش ما دامت منغصةً لذاته بادكار الموت والهرم، يعني كيف يطيب العيش للإنسان وهو دائماً يتذكر إما أنه يموت فيترك هذه الدنيا بما فيها، وإما أنه يهرم فحينئذ لا يعلم من بعد علم شيئاً ولا يكاد ينتفع بشيء. وطبعاً إذا تذكر الحياة الآخرة وما فيها من ثواب وعقاب كان هذا أدعى ألا تغره الدنيا: فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ. فالشاهد فيه: ما دامت منغصةً لذاته، يعني ما دامت لذاته منغصةً بادكار أي بتذكر الموت والهرم، الكبر، فتقدم الخبر على اسم كان أو على اسم دام.
قال: وعن ابن درستويه -هكذا يقال ويقال درستَوَيْهِ، وفيه أكثر من وجه في اسمه، وهو أبو محمد عبد الله بن جعفر الفارسي المتوفى سنة سبع وأربعين وثلاثمائة- جاء عنه أنه منع تقديم خبر ليس، قال: لا يجوز أن يتقدم خبر ليس على اسمها. طبعاً هنا لا بد من وقفة مهمة جداً: قد يقول قائل: كيف يمنع تقديم خبر ليس على اسمها وفي القرآن: لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، كيف يمنع شيئاً في القرآن؟ لا لا، انتظر، وحسبك بعض الشر أهون من بعض كما قيل، انتظر! غالباً طبعاً لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ هذه قراءة جمهور، فغالباً كان ابن درستويه عليه رحمة الله يقراً بقراءة الجمهور، وليس شرطاً في العالم أن يعلم بكل العلم، إنما تخفى عليه أشياء حتى في تخصصاتهم، لا إشكال في ذلك. فهو مثلاً رجل عالم لغوي فالمفروض أنه يعني يعرف القراءات القرآنية على الأقل التي يحتج بها في علمه، لكن أحياناً يخفى عليه شيء، فغالباً أنه كان يقراً بغير رواية حفص، بغير قراءة حمزة، كان يقراً بشيء من قراءة الجمهور، فكأنه لم يجد شيئاً في تقدم الخبر على الاسم فمنع ذلك، مع أنه موجود في القرآن.
فالذي يمنع -وهذا تجدونه في علماء كبار- أحياناً يقول: هذا الشيء ليس موجوداً في القرآن، ومع التحري يوجد، ومن رجع بعض الكتب التي اختصت بهذا يعرف ذلك معرفة فهمه. أحياناً قد يقول: هذا ليس موجوداً، ويكون موجوداً. ففي مثل هذا يعلمك ويعرفك كيف تعذر أهل العلم، كيف تعذر -وهذه تعذِر أصح من تعذُر كما هي مشروحة عندنا تعذُر، تعذِر بالكسر أصح، هذه الثانية تعذُر بالضم قد تكون موجودة لا أعرفها في المعاجم- المهم هذا مما يجعلك تعذر أهل العلم وتعرف لهم حقهم حتى وإن أخطأوا، حتى وإن خالفوا، حتى وإن... فلا بد أن لهم عذراً تعرفه أو لا تعرفه، منه الجهل، منه التأويل، منه عدم الإلمام، منه السرعة، منه ما يعتري البشر أحياناً من المنازعات، كل هذه الأشياء تجعلك طيب الذكر لأهل العلم، عاذراً لهم، مقدماً للثناء عليهم على القدح فيهم.
قال: ومنع ابن معطٍ في ألفيته تقديم خبر دام. ابن معطٍ هو إمام مشهور اسمه يحيى بن عبد المعطي الزواوي، توفي سنة ثمان وعشرين وستمائة، وله ألفية في علم النحو، وهي سابقة على ألفية ابن مالك؛ متوفى سنة 628 هـ وابن مالك متوفى سنة 672 هـ، فهو قبله بـ... يعني عاصره ابن مالك، كان ابن مالك شاباً لما مات ابن معطٍ، كان ابن مالك يعني قبل عمله لما مات ابن معطٍ، هو معاصر إلى حدٍ ما. وابن معطٍ هذا في حياة ابن مالك، في شباب ابن مالك أو في طفولته ألف ألفية في النحو، ومع ذلك الإمام ابن مالك جاء بعده بسنين، يعني بعد ذلك بسنوات يعني ثلاثين أو أربعين سنة أو بأقل من ذلك، فنظم ألفية أخرى بعد الألفية التي سبقته منذ ثلاثين سنة أو أربعين سنة، فالعلم ليس حكراً على أحد، وكم ترك الآخر للأول! فألف ألفية أخرى وذكر فيها هذا الإمام وترحم عليه وقال في ألفيته: وتقتضي رضا بغير سخط ... فائقة ألفية ابن معطي وهو بسبق حائز تفضيلا ... مستوجب ثنائي الجميلا والله يقضي بهبات وافره ... لي وله في درجات الآخره مثل هذا يثلج الصدر ويُفرح المرء، تجد عالماً يذكر شيئاً، كتاباً آخر لعالم سبقه، ويثني عليه ويدعو لهذا العالم، خصوصاً أنه معاصر له، والمعاصرة حجاب، وإن عاصره شيئاً من الحياة لم يعاصره حياته كلها. لكن الحمد لله أن هذه النماذج موجودة، وهي بحمد الله أكثر من النماذج التي فيها يعني تشنيع العلماء بعضهم على بعض، أو تشنيع مثلاً بعض الدعاة على بعض، أو ما أشبه ذلك مما يعني يصم الآذان ويقبح بالمرء أن يكون من أهله، نعوذ بالله من ذلك ونسأل الله الثبات.
قال: وهما محجوجان بما ذكرنا من الشواهد وغيرها. هما -يعني ابن معطٍ وابن درستويه- محجوجان بما ذكرنا من الشواهد، يعني أن قولهما مرجوح لأن الشواهد بخلاف ما قالاه. قال: وقد...
يتقدم الخبر إلا خبر دام وليس، هذه مسألة أخرى. هنا مسألة في تقديم الخبر على الفعل وسيذكر المصنف. قال: للخبر ثلاثة أحوال: أحدها التأخير عن الفعل واسمه، وهو الأصل، كقوله تعالى: وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا، كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً، إلى آخره.
الثاني: التوسط بين الفعل واسمه، كقوله: وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ، لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا، كما سبق. فإذاً تأتي كان واسمها وخبرها، هذا هو المشهور، وفي بعض الأحيان تأتي كان وخبرها واسمها؛ كان ثم خبرها ثم اسمها، طبعا كان وأخواتها.
هل يمكن أن يأتي الخبر ثم كان ثم اسمها؟ الخبر ثم كان ثم اسمها، هذه صورة سائغة أم ليست سائغة؟ هذه فيها خلاف. قال: الثالث: التقدم على الفعل واسمه، كقولك: عالماً كان زيدٌ. عالماً كان زيدٌ؛ عالماً: خبر كان مقدم، وكان، وزيدٌ: اسمها.
هل هذه الصورة سائغة؟ هل لها شواهد؟ أنا لا أعلم شواهد، العلم عند الله تعالى، لكن استدلوا لها بشيء آخر؛ قال: والدليل على ذلك قوله تعالى: أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ، وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ.
قال: فإياكم مفعول يعبدون، وقد تقدم على كان، وتقدم المعمول يؤذن بجواز تقدم العامل. هذا هو الاستدلال. يبقى إذاً: عالماً كان زيدٌ، هذا ليس شاهداً، نتكلم على ما هو مثال؛ هل لهذا المثال من شاهد في كتاب الله، أو في سنة رسول الله، أو في شعر العرب، أو في كلامهم نثرهم المحتج به؟ لا أعلم، قد يكون، لكن العلم عند الله تعالى.
لكن ما الذي في الآية يسوغ ذلك؟ قالوا: قال الله تبارك وتعالى: ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ. أولاً: عندنا كانوا، خذها من كان، كلامه في كانوا: كان وواو الجماعة اسم كان. طب يعبدون؟ يعبدون هذه جملة فعلية؛ يعبدون: فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون، وواو الجماعة فاعل، والجملة الفعلية خبر كان. يبقى إذاً كانوا يعبدون: كان وواو الجماعة اسمها، ويعبدون خبر كان، الجملة كلها خبر كان.
طيب يعبدون، يعبدون هذه أين مفعولها؟ مفعولها إياكم: أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ، يعني هؤلاء كانوا يعبدونكم، لكن هنا انفصل الضمير، فُصل إياكم، كما سبق: إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، إياك: مفعول به لـنعبد، فهنا إياكم: مفعول به لـيعبدون. طب ما الدليل أيضاً في هذه الآية؟ قالوا: هو هنا لم يتقدم خبر كان عليها، وإنما تقدم معمول خبرها.
معمول خبرها يعني يعبدون فعل وفاعل، مفعوله معموله، يعني مفعوله هو معموله، هذا المفعول هو إياكم، فتقدم معمول الخبر. حينئذٍ إذا تقدم معمول الخبر فيجوز تقدم الخبر، هذا هو الذي يريد. أقول: فإياكم مفعول يعبدون، وقد تقدم على كان، وتقدم المعمول يؤذن بجواز تقدم العامل.
لكن هذا دليل من بعيد، والمسألة نفسها هذه القاعدة التي قعّدها فيها خلاف، ليس في كل موضع تقدم فيه المعمول يجوز تقدم العامل، بل هم ينصون على مواضع تقدم فيها المعمول ولا يسوغ أحد منهم أن يتقدم العامل. مثلاً: هم يقولون يجوز أن تقول: إن في الدار زيداً قاعدٌ. يجوز عندهم أن تقول هكذا: إن في الدار زيداً قاعدٌ. سيأتي إن شاء الله تعالى الكلام في إن؛ زيداً: هذا اسم إن، وقاعدٌ: خبرها، طب في الدار؟ هذا معمول الخبر، يعني: وقاعدٌ في الدار. قالوا: هنا تقدم معمول الخبر على اسم إن، ولا يجوز أحد منهم أن يتقدم خبر إن على اسمها.
إنما يتقدم خبر إن على اسمها إذا كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً، لكن إذا كان اسماً كـقاعدٌ هذه فإنه لا يجوز، لم يسوغ أحد ذلك، فهنا تقدم المعمول ومع ذلك لم يجوز أحد أن يتقدم العامل. إذاً فالاستدلال بالقاعدة استدلال بمحل النزاع، فهذا استدلال لا يصح، والعلم عند الله تعالى. بقي في هذه المسألة أن يوجد دليل على هذا، إذا لم يكن هناك دليل فتبقى مسألة كذلك.
قال: ويمتنع ذلك في خبر ليس ودام. يمتنع ذلك في خبر ليس ودام، طبعا الذي يقول ليس هناك دليل قد يكون ممتنعاً في الجميع، أو لا نعلم دليلاً على الجواز في الجميع. ثم استطرد المصنف في تعليل المنع، هذا استطراد طويل سنقرأ إن شاء الله سريعاً، نحاول أن نقرأه سريعاً، وإن فاتك منه شيء فلا تبتئس، فهذا استطراد للمنع في مسألة يعني ليس عليها كبير شواهد.
قال: فأما امتناعه في خبر دام فبالاتفاق. يعني لا يجوز أن يتقدم خبر دام عليها؛ لأنك إذا قلت: لا أصحابك ما دام زيدٌ صديقَك، ثم قدمت الخبر على ما دام، إذا قدمت الخبر ماذا تقول؟ تقول: لا أصحابك صديقَك ما دام زيدٌ، طبعا هذا كلام في نفسه هو واضح أنه خَلفٌ من الكلام لا يقال يعني. قال: لزم من ذلك تقديم معمول الصلة على الموصول؛ لأن ما هذه موصول حرفي يقدر بالمصدر كما قدمناه، وتقديم معمول الصلة على الموصول هذا ليس بسائغ.
قال: وإن قدمته على دام دون ما لزم الفصل بين الموصول الحرفي وصلته وذلك لا يجوز، لا تقول: عجبت مما زيد... يعني هو على كلٍّ لا يجوز. لا يجوز لك أن تقول: لا أصحابك صديقَك ما دام زيدٌ، ولا يجوز أن تقول: لا أصحابك ما صديقَك دام زيدٌ، هذا لا يصح وهذا لا يصح؛ لأنك لو قلت: ما صديقَك دام زيدٌ فرقت بين ما ودام، يعني الصلة والموصول، في مثلها موصول حرفي يعني، قالوا: هذا لا يسوغ.
ولو قلت في الأول: لا أصحابك صديقَك ما دام زيدٌ قدمت معمول الصلة على الموصول وهذا أيضاً لا يسوغ عنده. وإنما يجوز ذلك في الموصول الاسمي غير الألف واللام، تقول: جاء الذي زيداً ضرب، نعم هنا يسوغ أن تفصل بين الموصول وصلته في الذي والتي إلى آخره، ليس في الألف واللام. ولا يجوز ذلك في نحو: جاء الضاربُ زيداً أن تقدم زيداً على ضاربٍ؛ لأن أل صارت كأنها جزء من الكلمة، فلا يمكن أن تفرق بين أجزاء الكلمة.
فهذا استطراد في تعليل المنع في دام. استطراد آخر في تعليل المنع في ليس، أيضاً إذا فاتك منه شيء فلا تبتئس. قال: وأما امتناع ذلك في خبر ليس فهو اختيار الكوفيين والمبرَّد وابن السَّرَّاج -سبق تعريف هؤلاء الأئمة- قال: وهو الصحيح؛ لأنه لم يُسمَع مثل: ذاهباً لستُ، هذا استدل بعدم السماع، يعني استدل بعدم ورود الدليل، فالدليل عدم الدليل يعني. قال: لم يُسمَع ذاهباً لستُ، قائماً لستُ، إنما ليس ويأتي بعدها اسمها وخبرها، أو ليس ويأتي بعدها خبرها ثم اسمها، كما سبق: لَيْسُوا سَوَاءً، عالم وجهول، لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا.
قال: ولأنها فعل جامد فأشبهت عسى. عسى وليس فعلان جامدان كما سبق، وخبرها لا يتقدم باتفاق، خبر عسى لا يتقدم باتفاق. هذا سيأتي إن شاء الله تبارك وتعالى في أفعال المقاربة والرجاء والشروع... هو للأسف لن يأتي؛ لأن المصنف لم يذكر هذا الباب، مع أنه باب لصيق بهذا الباب يعمل، وهو أفعال المقاربة والرجاء والشروع، أو كاد وأخواتها، فعسى من أخوات كاد ومن أفعال الرجاء، ويجب في أفعال هذا الباب أن يكون في خبر هذا الباب أن يكون جملة فعلية فعلها مضارع، ولا يمكن أن تتقدم هذه الجملة الفعلية، إنما تأتي متأخرة.
فقالوا: إذاً أشبهت عسى، وخبرها لا يتقدم باتفاق، فهذه أيضاً لا يجوز أن يتقدم خبرها على الصحيح. قال: وذهب الفارسي وابن جني إلى الجواز، مستدلين بقوله تعالى: أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ. هو الاستدلال السابق بنفسه، هو الاستدلال السابق نفسه: أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ، وهنا: أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ. لماذا؟ قال: وذلك لأن يوم متعلق بـمصروفاً، ليس مَصْرُوفاً، ليس هو -ليس هذا اليوم، أو عفواً ليس هذا العذاب لو نتكلم على العذاب- ليس هو، أي العذاب، مَصْرُوفاً عنهم. اسم ليس ضمير مستتر تقديره هو يعود على العذاب، ومصروفاً خبر ليس. مَصْرُوفاً عنهم، ليس مَصْرُوفاً عنهم متى؟ متى لا يُصرف عنهم؟ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ، فـيوم معمول الخبر، إذا تقدم معمول الخبر، فالفارسي كأنه يقول وهو وابن جني: إذا تقدم المعمول أذِنَ ذلك بجواز تقدم العامل.
شوفوا، هو دليل المصنف الذي استدل به هنا سيرد الاستدلال به لكن من وجه آخر، قال: وذلك لأن يوم متعلق بـمصروفاً وقد تقدم على ليس، وتقدم المعمول يؤذن بجواز تقدم العامل. هذا الذي ذكره المصنف، لكن غفل المستدل بهذا عن هذه المسألة الآتية، قال: والجواب أنهم توسعوا في الظروف ما لم يتوسعوا في غيرها. ونُقل عن سيبويه القول بالجواز، والقول: توسعوا في الظروف ما لم يتوسعوا في غيرها. قالوا: في بعض الأحيان يكون الشيء غير جائز، ومع ذلك نتغاضى ونجوزه لأجل الظرف والجار والمجرور، كما في خبر إنّ وأخواتها إن شاء الله سيأتي بإذن الله تعالى في إنّ وأخواتها، قالوا: لا يجوز أبداً أن يتقدم خبر إنّ على اسمها، هذا الأصل، لكن جوزوا أن يتقدم خبر إنّ على اسمها إذا كان ظرفاً أو جاراً ومجروراً: إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً، إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا، هنا تقدم الخبر على الاسم لأجل أنه ظرف ولأجل أنه جار ومجرور.
قال: توسعوا في الظرف وفي الجار والمجرور ما لم يتوسعوا في غيره. هذا الدليل لا يُحتمل هنا، مع أنه استدل به قبل ذلك، لكن استدل به هناك في المفعول به، ليس في الظرف والجار والمجرور.
قال: وتختص الخمسة الأوَل بمرادفة صار. هذه معنى فقط يسير، يعني الخمسة الأولى هي كان وأمسى وأصبح وأضحى وظل، هذه الخمسة تُستعمَل أحياناً بمعنى صار، بمعنى التحول، يعني تخرج عن معناها الأصلي، الكينونة في المضي، وعن المساء والصباح ووقت الضحى، وإن كنا كذلك ظلت طوال النهار، تخرج عن هذا المعنى إلى معنى صار، معنى التحول من شيء إلى شيء آخر؛ كقوله تعالى: وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا * فَكَانَتْ هَبَاءً مُّنبَثًّا، يعني كنتم قبل ذلك... وَكَانَتْ هَبَاءً مُّنبَثًّا * وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً، قبل ذلك لا، فأصبحت صارت، تحولت الجبال إلى هباء منبث وتحولتم إلى أزواج ثلاثة، فَكَانَتْ هَبَاءً مُّنبَثًّا * وَكُنتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً أي صرتم.
وفَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا، فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا يعني في الصباح؟ يعني كنتم أعداء بالليل فأصبحتم في الصباح إخواناً؟ لا يمكن أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم مثلاً آخى بينهم في الصباح فأمسوا في هذا اليوم إخواناً ومع ذلك قال: فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا، المعنى أنه صرتم تحولتم من أعداء إلى إخوان، فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا.
ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا، الأصل في ظل أن تكون في وقت النهار، لكن ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا، حتى لو بُشِّر بذلك بالليل، بُشِّر بذلك في أول النهار في الصبح فلا يلزم أن يقال: أصبح وجهه مسوداً، لا، ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا، يعني صار، تحول وجهه إلى السواد وجاءت عليه غبرة لأجل أنه بُشِّر بأنثى.
وقال الشاعر: أمست خلاءً وأمسى أهْلُها احْتَمَلُوا ... أَخْنَى عليها الذي أَخْنَى على لُبَدِ أمست خلاءً، يعني أمست هذه الدار خلاءً، أمست يعني هو وجدها في وقت المساء خلاءً؟ لا، هو لو زارها في الصباح -يعني دار محبوبته- لوجدها أيضاً خلاءً، والمراد دار ميّة كما في أول الكلام، وهذه معلقة النابغة كما هو معلوم: يا دارَ مَيَّةَ بالعَلْياءِ فالسَّنَدِ، أمست هذه الدار خلاءً يعني صارت تحولت إلى خلاء بعد أن كانت عامرة بأحبته.
وقال الآخر: أَضْحَى يُمَزِّقُ أثْوَابِي ويَضْرِبُنِي ... أبَعْدَ شَيْبٍ يَبْغِي عِنْدِيَ الأدَبَا؟ نعوذ بالله، فهذا بيت مشهور في عقوق الوالدين، يُذكَر هكذا يعني، يذكر بعضهم في عقوق الوالدين إن صح أنه في هذا، يعني كان والداً يشكو أن ابنه يفعل به ذلك، هل معناه أنه أضحى يمزق أثوابي يعني يفعل ذلك وقت الضحى؟ لا، أضحى يعني تحول هذا الولد بعد أن كنت أربيه ولما كَبُر تحول وصار يفعل ذلك، سواء كان ذلك في وقت الضحى أو بالليل أو بالنهار أو في أي وقت، فهذا معنى، يعني هذه الأفعال تأتي بهذا المعنى.
بقية أشياء، ماشي إن شاء الله بإذن الله، آخذ هذه المسألة، مسألة التمام... لا، مسألة التمام سيطول الكلام فيها إن شاء الله، فأبدأ بها الدرس القادم إن شاء الله تعالى، أبدأ بها الدرس القادم. أنا كان عندي تصور للكتاب يعني، ووضعتُ له ترتيباً خصوصاً للدروس القادمة، فصارت الدروس في تصوري إن شاء الله، صارت الدروس أحداً وثلاثين درساً، حاولت أن أجعلها ثلاثين فلم نستطع، صارت الدروس أحداً وثلاثين درساً.
لكن على هذا يمكن أن تزيد درساً أو درسين، وإذا حاولت بإذن الله تعالى أن أسرع فبإذن الله تبارك وتعالى قد يعني قد تكون على ثلاثين درساً أو من ثلاثين، لكن إذا بقي هكذا وفي كل درس أُبقي بقية ربما زادت على ثلاثين درساً. فبإذن الله تبارك وتعالى أبدأ الدرس القادم من قول المصنف: وغيرُ ليسَ وفتِئَ وزالَ بجوازِ التمام، أي تختص هذه العشرة التي غير هذه بجواز التمام. هناك سيكون كلام عن التمام والنقصان، وبعد ذلك يأتي كلام على بقية النواسخ. هذا والله أعلم، وصَلِّ اللهم وسلم وبارك على محمد، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم.
الشيخ حسين عبد الرازق