يا طالبا للعلم يرجو نفعه، اسمع نصيحة ناصح معواني. أخلص لربك في أمورك كلها، فالمخلصون هم أولو العرفان. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله الذي علم بالقلم، علم الإنسان ما لم يعلم. أحمد سبحانه وتعالى حمد الذاكرين الشاكرين.
وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين، ومحجة للسالكين؛ نبينا وحبيبنا ومعلمنا ومؤدبنا ومربينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً مباركاً إلى يوم الدين. حياكم الله أحبتي إلى مجلسنا الأخير لنعقده في شرح كتابنا المبارك؛ تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم، للإمام المربي الفاضل الجليل الإمام ابن جماعة الكناني الشافعي، رحمة الله تعالى عليه. هذا الكتاب أحبتي في أفيائه أياماً وشهوراً مر بنا ابن جماعة رحمة الله تعالى عليه على حياة طالب العلم، وعلى سلوكياته وآدابياته.
انتقل بنا ابن جماعة ومن شرف العلم وفضله إلى الحديث عن سلوكيات العالم والشيخ والأستاذ التي يجب أن ينتهجها مع تلاميذه وطلبته، في علاقة الأستاذ بربه، ثم في تعامل الأستاذ مع طلبته في الحلقة وكيف يوجههم وينصحهم ويربيهم، كيف يعلمهم وكيف يوصل الأفكار والمعلومات إليهم؟ تكلم ابن جماعة عن كل هذه التفاصيل بدقة وإحكام. ثم انتقل بنا للحديث عن آداب طالب العلم، فتكلم عن آداب طالب العلم مع ربه سبحانه، ثم آداب طالب العلم مع شيخه وقدوته، ثم تحدث عن القواعد التي يجب أن ينتهجها طالب العلم في حياته العلمية والتعليمية والسلوكية.
تحدث عن علاقة طالب العلم بالشيخ والأستاذ، وعن علاقة طالب العلم بالحلقة، وعن علاقة طالب العلم بكتابه. تكلم عن كل التفاصيل بأدق الأنظار. نعلم أيها الأحبة كيف نشأ علماؤنا وكيف نشأ السلف الصالح رحمة الله عليهم؟ كيف قادوا حركة التاريخ؟ وكيف كان هناك نهضة للأمة في كل فترة وحين على أيدي هؤلاء العلماء الأفاضل الذين تخرجوا من محاضن الأدب والسلوك. أحبتي، هذا الكتاب المبارك يطلعكم على المراتب العليا التي وصل إليها علم الأدب والتربية والسلوك عند الأوائل من هذه الأمة.
هذا الكتاب المبارك يجعلنا نفتخر بتراثنا ونفتخر بعلمائنا، ونزداد يقنياً أن النهضة لهذه الأمة لا يمكن أن تكون إلا على أيدي العلماء وطلبة العلم الذين تخرجوا بمثل هذه الآداب وتربوا على أيدي هؤلاء الأشياخ. ابن جماعة رحمة الله تعالى إنما دون هذه الأسطر بعد أن تربى على أيدي أساتذة كبار ومشايخ وعلماء من أهل السنة والجماعة، هؤلاء العلماء الذين ربوا ابن جماعة ليصبح عالماً ربانياً، ثم ليسطر لنا بعد ذلك هذه الأسطر في قواعد التربية والسلوك، لتبقى للأجيال من هذه الأمة نبراساً ونورا ينهلون من معينها ويتربون على ظلالها.
نعم، هكذا تربى العلماء، كل ما تعلمتموه من ابن جماعة هكذا هو الذي تربى عليه علماؤنا الكبار. هؤلاء العلماء الذين دونوا لنا المصنفات والمجلدات، وكتبوا لنا شروح السنن وكتب الاعتقاد وكتب السير وكتب التاريخ؛ كلهم تخرجوا من هذه المدرسة التي يتكلم عنها ابن جماعة، مدرسة الأدب والسلوك، مدرسة الأخلاق والتربية الحقة. وإذا اردنا لهذه الأمة نهضة حقيقية من جديد، فعلينا أن نتربى وننطلق من هنا، من هذه الخطوات، من هذه الهمسات التي سجلها ابن جماعة رحمة الله تعالى عليه في كتابه.
نعم، أكرر وأعيد، إذا أردنا أن نعيد حركة التاريخ من جديد أحبتي، إذا أردنا أن نبني صرحاً لهذه الأمة، إذا أردنا أن نبني واقعاً واعياً، واقعاً مغيراً حقيقة، علينا أن ننظر كيف عاش سلفنا الصالح؟ كيف صاروا؟ كيف تعاملوا؟ كيف خطوا الخطوات في هذه الحياة؟ ثم نسير على حذوهم، فلن يصلح آخر هذه الأمة إلا ما أصلح أولها. إذاً، ابن جماعة رحمة الله عليه يختم كتابه المبارك بالباب الخامس والأخير، هذا الباب عقده ابن جماعة في مسألة آداب سكنى المدارس، في آداب سكنى المدارس.
ولربما هذا الفصل الاخير خاص بمن رزقهم الله سبحانه وتعالى من طلبة العلم الارتحال والتغرب عن الأوطان ليسكنوا في المعاهد وفي الجامعات، فما هي الآدابيات التي عليهم أن يسلكوها في هذا السكن وفي هذه الأماكن؟ وهناك ترتيبات معينة ربما كثير من طلبة العلم اليوم لا يتعامل معها مباشرة بطبيعة أنه يذهب إلى المعهد أو الجامعة ويعود إلى منزله، وإذا كانت طالبة علم فإنها تذهب إلى المعهد أو الجامعة وتعود إلى منزلها، لكن ما ستقرءونه في هذا الفصل إنما يدل -إذا دل- على حرص علماء الأمة على كل التفاصيل الدقيقة في حياة طالب العلم.
بدءاً من اختياره لهذا الطريق، طريق العلم الشرعي، ثم إلى اختيار الشيخ والاستاذ، ثم إلى قواعد التعلم، ثم إلى آداب طالب العلم مع شيخه وزملائه وحلقة العلم، ثم مع كتابه، ثم أدب سكنى المدارس. عملية التعليم عملية محاطة عند علماء الأمة بالرعاية والاهتمام، والنظر إلى أدق التفاصيل، إلى كل خطوة، إلى كل همسة، إلى كل نظرة، إلى كل مجلس، إلى كل شيء في حياة طالب العلم. كل شيء له أدبه، له سلوكياته، له أخلاقياته، لا يوجد عندهم عبث، لا يوجد عندهم لهو، لا يوجد عندهم لعب في حياة طالب العلم، بل هي الجدية، المتابعة الحثيثة، المراقبة للتصرفات، هي التي ستخرج العالم فيما بعد ليقود هذه الأمة.
وأما من كان مستهترا بالعلم في بداية الطلب فلا يمكن أن يكون قائدا للامة في نهاية الطريق. الذين يقودون الأمم ويصنعون الحضارة ويحملون هم الجيل، والذين نأمل أن يعود مجد هذه الأمة على أيديهم، لا يمكن أن يتخرجوا إلا من خلال هذه المدارس، لا يمكن أن يصلحوا لقيادة الأمة إلا بعد أن تربوا على أدق التفاصيل السلوكية والأخلاقية وعانوا وكدوا من أجل تحصيلها. إذاً، رحلتنا الأخيرة مع ابن جماعة في هذا الباب الخامس تتعلق أحبتي بسكنى المدارس. لا اريد أن أطيل في المقدمة، دعونا ندخل في المضمون حتى نمر على هذا الباب سريعا ونأخذ كثيرا من التفاصيل.
سأقرؤها سريعا لأنها ربما تتعلق بزمن غابر، لكننا نريد أن نستخلص منها القواعد العامة والنظرة العامة لفقههم رحمة الله عليهم في هذه الأبواب. قال ابن جماعة عليه رحمة الله: الباب الخامس في آداب سكنى المدارس للمنتهي والطالب لأنها مساكنهم في الغالب، قال: وهو أحد عشر نوعا، هناك أحد عشر موضوعاً سيتكلم عنها ابن جماعة في آداب سكنى المدارس.
الأول، قال: أن ينتخب لنفسه من المدارس بقدر الإمكان ما كان واقفه أقرب إلى الورع وأبعد عن البدع، بحيث يغلب على ظنه أن المدرسة ووقفها من جهة حلال، وأن معلومها إن تناوله من طيب المال. أحبتي، قديماً في زمن السلف الصالح رحمة الله تعالى عليه، كان الأثرياء والتجار الكبار يعمدون إلى وقف أبنية معينة لطلبة العلم، تكون هذه الأبنية معاهد شرعية وفيها أماكن لسكنى طلبة العلم خاصة المغتربين منهم.
وهذا في الحقيقة ينبهنا إلى أهمية دعم أصحاب رؤوس الأموال والتجار والأثرياء للعملية التعليمية الصحيحة. اليوم أحبتي اصحاب رؤوس الأموال ممن عندهم الخير للاسف لا يعرفون أين يذهبون بأموالهم، أحسن حالهم أن يذهبوا ويبنوا مسجداً في بلاد كثرت فيها المساجد، مع افتقارها للعلم الشرعي الرصين. نعم، بناء المسجد خير وفيه أجر وثواب، لكن علينا أن نعرف ما هي حاجة الأمة الآن؟ أين ضرورة الأمة؟ ضرورة الأمة في إنشاء المعاهد الشرعية الرصينة التي تدرس العلم الرصين، حاجتها إلى إخراج طلبة إن اشتغلوا وتفرغوا وأعطوا زهرة الحياة لهذا العلم بحثاً ونظراً وتحليلاً وحفظاً ومراجعة وتفهيماً.
وهؤلاء الطلبة لا يمكن أن ينتجوا ولا يمكن أن يخرجوا إلا بعد أن يتولى شأنهم ورعايتهم أصحاب رؤوس الأموال والأثرياء والتجار. نعم، الأمة قديماً كان هناك تكافل بين العلماء وبين التجار وأصحاب رؤوس الأموال، صاحب المال يبذل ماله من أجل العلم لأنه يعلم أحقية هذا العلم وشرف هذا العلم ودور هذا العلم في حياة الأمة، والعالم يبذل جهده ووقته وزهرة عمره في التعليم والتدريس، فتكامل هذين الجناحين كان ينتج العلماء كثرة وينتج طلبة العلم بوفرة.
وأما اليوم أحبتي فهذا نفقده، وهذا نفقده، نفقد صاحب رأس المال الذكي الفطن الذي يعرف أين يبذل ماله في أشرف الأعمال والقربات في هذا الزمن.
نفقد العالم الرباني الذي يبذل ثمرة حياته وزهرة الحياة من أجل طلبة علم يكونون غداً مشاعل يقودون هذه الأمة إلى درب الصلاح والفلاح والنجاح. نعم، نحن نفقد كلا النوعين إلا ما رحم ربي ممن رزقهم الله سبحانه وتعالى التوفيق، لكن في السواد الأعظم وفي أغلب نفقد هذين الجناحين. وقديماً تكامل هذين الجناحين كان الإنتاج لهذه الأمة، منبع للإنتاج، إخراج تلك الكنوز التي أخرجت لنا المصنفات والكتب والمؤلفات العظيمة وقادة الأمة في جميع ميادين الحياة.
فانتبهوا على دور العالم وعلى دور أصحاب رؤوس الأموال في صناعة العملية التعليمية. إذاً يقول ابن جماعة في هذا الموضوع: على طالب العلم إذا أراد أن يلتحق بمعهد من هذه المعاهد أن يختار أفضل هذه المعاهد. أفضلية المعهد تكون من جانبين: الجانب الأول أن يكون هذا المعهد المراد منه نشر العلم على قواعد أهل السنة والجماعة. لأن للاسف بعض المعاهد اليوم إنما أنشئت وأقيمت لنشر البدع والشبهات ونشر العقائد المنحرفة عن طريق أهل السنة والجماعة.
فهذا أحد الأوقات أحذر طالب العلم من أن يلتحق بمثل هذه المعاهد لدورها في تشويش ذهنه وإثارة البدع. لا يكفر المسلم سواد أهل البدع والظلم والجور. المسلم لا يكفر سواد أهل البدع والظلم والجور، فاحذر طالب العلم من أمثال هذه المعاهد التي مقصدها أن تنشر البدع والمخالفات والشبهات المخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة. الشرط الثاني في أن يكون هذا المعهد بني من المال الحلال.
يكون المعهد بني من المال الحلال لأن أي معهد أو أي جامعة أو أي وقف قام بالمال الحرام فإنه بركته ممحوقة. وطالب العلم يحاول ويتحرى الأماكن التي بنيت من المال الحلال ليجد فيها؛ فكما أنك يا طالب العلم تتحرى الحلال في مأكلك وفي مشربك وفي ملبسك، عليك أن تتحرى الحلال في المعهد الذي تلتحق به، وفي الدار التي تسكنها إن كنت ستسكن في دار تتبع لهذه المعاهد.
لذلك ماذا يقول ابن جماعة؟ قال: أن ينتخب لنفسه من المدارس بقدر الإمكان ما كان واقفه أقرب إلى الورع وأبعد عن البدع. إذاً الشرط الأول أن يكون المعهد وواقف هذا المعهد أراد نشر العقيدة الصحيحة ورفع شعار هذا الدين، وليس المقصد من إنشاء المعهد هو نشر العقائد الباطلة وتنفيذ أجندات خاصة، فهذا انتبهوا إليه. قال: بحيث يغلب على ظنه أن المدرسة ووقفها من جهة حلال، أي دفعت من مال حلال.
أحبتي، كفار قريش وهم كفار عندما أرادوا أن يبنوا الكعبة تحروا أن يكون البناء من مالهم الخالص من مالهم الحلال الخالص. ورفضوا أن يبنوا بيت الله سبحانه وتعالى من المال الحرام، لذلك قصر عليهم المال الحلال فلم يبنوا الكعبة على كامل قواعد إبراهيم. ومع ذلك وهم كفار تحروا أن يكون هذا البيت الذي بني لله من المال الخالص الحلال، فكيف أنت أيها المسلم تطلب العلم ثم تقصد الأماكن التي لم تبنَ من ذاك المال الحلال؟ هذا لا يمكن أن يقبل، لا يمكن أن يقبل من طالب العلم.
فإذاً نوجه أحبتنا من طلبة العلم إلى أن المعهد أو الجامعة أو المكان الذي تقصده لطلب العلم، عليك أن تتحرى فيه أمرين: الأمر الأول أن يكون القصد منه إعلاء شعار هذا الدين، أن يكون القصد منه إعلاء شعار هذا الدين هذا أولاً. ثانياً، نشر العلم الصحيح على قواعد أهل السنة والجماعة، إذاً ويكون مبنياً من المال الحلال الخالص، ويكون مبنياً من المال الحلال الخالص وليس من أموال الظلمة ومن الأموال الخبيثة التي أتت من الربا وما شابه ذلك.
لذلك قال: وأن معلومه أن يتناوله من طيب المال، يحرص أن يكون المعلوم الذي يتناوله. ما هو المعلوم؟ المعلوم أحبتي هو الراتب بالشهر الذي يقبضه الطالب من هذه المدرسة. قديماً كانت هذه المدارس الوقفية تعطي الطلبة الذين يسكنون فيها رواتب شهرية، تسمى هذه الرواتب معلومة، هكذا تسمى عندهم، تسمى معلوم. فيحرص أن يكون المعلوم الذي يتناوله لأن الراتب الشهري الذي يقبضه من هذه المدرسة الوقفية من طيب المال.
قال: لأن الحاجة إلى الاحتياط في المسكن كالحاجة إليه في المأكل والملبس وغيره. كما أنك تحتاج أن تحتاط في مأكلك ومشربك وملبسك أن يكون حلالاً، وكذلك المسكن الذي تسكن فيه ينبغي أن يكون حلالاً. قال: ومهما أمكنه التنزه عما أنشأه الملوك الذين لم يعلم حالهم في بنائها ووقفها فهو أولى. يعني يقول ابن جماعة: إذا كانت هذه المدرسة من المدارس التي أنشأها السلاطين الذين لم يعرف حالهم، يعني مجهولون الحال من حيث الفسق والعدالة.
لا نعلم هل هم ممن يأخذون الرشوات ويأكلون أموال الناس بالباطل وعندهم مال خبيث أو ليسوا كذلك؟ فاذا كان السلطان مجهولاً، غير معلوم العدالة والفسق، فالأولى أن تجتنب المدرسة التي بناها من ماله. فما بالك إذا كان الحاكم وهو سلطان معروف الفسق ومعروف بأخذ الرشوة؟ فمن باب أولى أنك لا تدرس في مدارسه ولا تتقدم إلى معاهده. هذا ما يريد ابن جماعة أن يقوله.
أما إذا كان معروف العدالة والتقوى، وهذا قل بشكل عام في السلاطين والأمراء حتى في الحقب الإسلامية؛ في الخلافة الأموية ثم العباسية ثم الملوكية وفي عهد الدول السلجوقية وغيرها من الممالك والامارات الإسلامية التي ظهرت العثمانية وغيرها، فللأسف قل أن تجد حاكماً سار على السنة في جميع أموره. تجد أكثرهم خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، عنده إيجابيات وخير وعنده سلبيات في حياته.
ثم هناك نماذج مشرفة وهي محدودة من هؤلاء، وهناك نماذج كانت سيئة جداً جداً جداً، وأيضاً هذه لم تكن بالكثرة. وأكثرهم والسواد الأعظم ممن خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً، هذا عبر عصور الأمة الإسلامية في الخلافات الإسلامية. واما بعد سقوط الخلافات الإسلامية فحدث ولا حرج، نسأل الله السلامة والعافية.
قال: وما أمكنه التنزه عما أنشأه الملوك الذين لم يعلم حالهم في بنائها ووقفها فهو أولى، التنزه أولى. وأما من علم حاله فالإنسان على بينة من أمره؛ إذا علمت حال هذا السلطان إذا كان على فجور وتعلم من حاله أنه يأخذ الرشا ولا يأخذ ويأكل أموال الناس بالباطل فهذا إياك أن تقتحم مدارسه. وإن كنت تعلم من حاله التقوى والصلاح وعدالة وأنه لا يأكل أموال الناس بالباطل ويتحرى الحلال فلا بأس إذاً أن تلتحق بمعاهده ومدارسه.
لكن ابن جماعة يقول: حتى هذا الذي عرف بالعدالة والتقوى لو أنشأ مدرسة فلأولى أن تجتنبها. لماذا؟ قال: لأنه إذا كان هو بنفسه عدلاً فإن حاشيته لا بد وأن يكون فيهم الجور والظلم، فاذا خلص الحاكم من الظلم فإن حاشيته قل أن تخرج من ظلم الناس. فيقول لك: اجتنب بشكل عام هذه المعاهد التي تتبع الجهات الحاكمة. وهذا يقوله ابن جماعة في زمنه، يعني هذا الظلم والتعسف والجور في زمنه، في زمن الخلافة الإسلامية القائمة، وجود الحاكم الذي يخشى الله عموماً مع وجود جور في شيء من الظلم والفسق في حياته.
فما بالكم أحبتي في زماننا؟ الأمر يحتاج إلى شيء من الوعي والانتباه. لكن أحياناً الإنسان فعلاً يعني يكون قد تطرق الحياة إلى الأمور الصعبة المرّة. قد تضطرك الحياة إلى الأمور الصعبة المرّة حينما لا تجد ناصراً ولا معيناً ولا معهداً شرعياً ولا شيئاً تلتحق به، فتضطر أن تدخل إلى معاهد مشبوهة من أجل أن تحصل الشهادة التي يعني تستعين بها على قضاء أمور الحياة. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيد لهذه الأمة مجداً، وأن يرفع شعار أهل السنة والجماعة، وأن يعيد للعلم رونقه محاضن التعليم وأجواءها العلمية الرصينة الصحيحة التي القائمة على قواعد السلف الصالح رحمة الله عليهم.
الثاني يقول ابن جماعة رحمة الله عليه، الأدب الثاني: أن يكون المدرس بها ذا رياسة وفضل وديانة وعقل ومهابة وجلالة وناموس. ناموس يعني قانون؛ لأنه قانون ومنهج يسير عليه وليس إنساناً فوضوياً، وعدالة ومحبة في الفضلاء وعطف على الضعفاء، يقرب المحصلين ويرغب المجتهدين، أي بالعلم، ويبعد اللعابين، وينصف الباحثين، حريصاً على النفع، مواظباً على الإفادة. وقد تقدم سائر أدابه في أبواب العالم. هنا يتكلم ابن جماعة كيف يختار العالم والمدرس الذي يدرس في هذا المعهد؟ هل يختار العالم والمدرس والأستاذ كما
اليوم في كثير من المحاضن التعليم واسطة، يرفعها فلان إلى فلان ليعين في هذا المعهد أو في هذه الجامعة، ويجب اختيار العالم والمدرس العلوم الشرعية على قواعد علمية صحيحة.
نعم أحبتي، هكذا اه كانت المعاهد تقوم. اختيار المدرس لا يتم بالواسطة ولا يتم اه بالمجاملات، وإنما ينظر في العالم الذي يمتلك هذه الصفات: أن يكون ذا فضل وديانة وعقل ومهابة وجلالة وناموس، ما هو منهجية يسير عليها إنسان صاحب اه محبة في الفضلاء وعطف على الضعفاء، إنسان يشتغل بتعليم الطلبة ويواظب على نصحهم وإرشادهم وتوجيههم، لا يغيب كثيرا ولا يتلاعب كثيرا.
اه إنسان جاد، عالم جاد، العالم حريص على طلبته، عالم محترق على العلم، عالم يريد أن ينتج، يريد أن يخرج الأمة علماء وليس مدرس يريد أن يعطي المحاضرة ويغلق ثم يعود إلى منزله، ليس إنسان لا ما عنده أي دافعية لإنتاج عالم أو طالب علم متقدم. لا يكون المدرس إنسان خمول، أضعف من الطالب في همته؛ فإذا المدرس هو الذي يشعل همة الطلبة، هو الذي يربيهم يوجههم وينصحهم.
فإذا كان العلماء قديما يهتمون بهذه الجزئية يقولون: حينما يختار المدرس أو العالم الذي يدرس في هذه المعاهد علينا أن نختاره بدقة؛ لأن هذا العالم هو الذي سيخرج العلماء، هذا المدرس هو الذي سيوجه الطلبة وينصحهم. إذا كان المدرس فارغا بطالا كسولا نائما تائها سيخرج طلبه كذلك، أما إذا كان عالما نحريرا مربيا فاضلا ناصحا سيخرج طلبه كذلك، فاذا ابتداء أعطانا معايير اختيار المدرس في هذه المدارس.
ثم الآن سيعطي معايير اختيار المعيد. المعيد أحبتي هو شخص وظيفته أن يساعد، وظيفة أولا أن يرتب له الأوراق وأن اه يوصل اه معلومات الطلبة إلى هذا المدرس ليقوم المدرس باتخاذ الإجراءات اللازمة، وظيفته أيضا يعيد الدروس التي يلقي المدرس على الطلبة الضعاف، ولذلك أصلا سمي معيدا، لماذا سمي معيد؟ المعين سمي معيدا كما سيذكر ابن جماعة؛ لأن وظيفته إعادة الدروس على الطلبة الضعاف الذين لم يفهموا من المدرس في أثناء الدرس.
فلنعيد هو مساعد للمدرس، مساعد للعالم، هذا اللقب أظنه موجود اليوم في جامعاتنا؛ يعني الطالب إذا أنهى درجة البكالوريوس وأصبح في درجة الماجستير في بعض الجامعات يسمى معيدا، يعطونه أحقية اه اه تدريس بعض الطلبة الذين في مراحل البداية، في المراحل المبتدئة، وأيضا يقوم بمساعدة المدرس أو المحاضر على إعداد الدروس وتصليح الأسئلة وما شابه ذلك.
فهذا المعيد موجود أيضا في المدارس أو المعاهد الشرعية القديمة، فيقول لك ابن جماعة: كيف نختار اطلب المعيد؟ أيضا المعيد هناك شروط في اختياره، قال: فإن كان له معيد، يعني إذا كان لهذا المدرس معيد يساعده، قال: فليكن من صلحاء الفضلاء وفضلاء الصلحاء. هذا الأسلوب صرحاء الفضلاء وفضلاء الصلحاء مر معنا في شرحنا على مئات المعاني والبيان في البلاغة أنه يسمى آآ عند آآ علماء البديع عكسه والعكس من المحسنات البديعية المعنوية، العكس أن تقدم شيئا في الابتداء ثم تؤخره في في نهاية الجملة، فأول قال صلحاء الفضلاء ثم عكس فقال وفضلاء الصلحاء، وهذا من المحسنات البديعية التي يجمل بها الكلام والمعنى.
قال: إذا فليكن هذا المعيد الذي يختار من جنحاء الفضلاء، من الفضلاء الصالحين، ومن فضلاء الصلحاء ومن الصالحين الأفاضل، هذا الذي يريد أن يقوله. قال: صبورا على أخلاق الطلبة، حريصا على فائدتهم وانتفاعهم به، قائما بوظيفة أشغالهم، إنسان صادق جاد يريد أن يتقدم بإخوانه من طلبة العلم، أن يرتقي بهم، وليس إنسان لعابا.
قال: وينبغي للمدرس الآن عرض الكلام عن المدرس، قال: وينبغي للمدرس الساكن بالمدرسة ألا يكثر البروز والخروج من غير حاجة؛ فإن كثرة ذلك يسقط حرمته من العيون، آآ إذا ابن جماعة يقول للمدرس عموما: عليك ألا تكثر الاختلاط بالطلبة وبعوام الناس، أن هذا يسقط حرمتك من العيون، وهذا أمر مجرب أحبتي. العالم الذي يكثر الاختلاط مع الناس في مجالسهم يمزح كثيرا ويضحك كثيرا، وتجده في كل المجالس العامة، هذا تذهب حرمته من العيون؛ لأن كثرة وقوع العين عليه واختلاط الناس به يجعل هذه الهيبة له في قلوب الناس تبدأ تطمح له رويدا رويدا، ونحن نريد أن نبقي هذه الحرمة، هذه المهابة، هذه الجلالة على العالم.
اليوم بعض الأطروحات لبعض الدعاة يقولون: عليكم أن تدخلوا في العوام، وأن تظهروا لهم اه كل شيء من الضحك والمزح واللعب، وتدخلوا معهم في حياتهم العامة لعبة ولهوا حتى تشعروا تحببوهم بالدين. وفي الحقيقة هذه الإطلاقات المطاطة الواسعة فيها شيء من المجازفات، آآ لربما الداعي أمرا يختلف عن العالم. العالم أحبتي ينبغي أن تبقى حرمته وهيبته وإجلاله وتعظيمه قائما آآ في قلوب العوام؛ لأن العامة متى كثر أخذهم على العالم لهوا ولعبا ومزاحا وذهابا وعودة، كلما قلت هيبة العالم في قلوبهم، وبالتالي تصبح الأحكام التي يصدرها والأوامر التي يمنعها آآ لا عبرة لها ولا قيمة لها في قلوب العوام.
لكن إذا كان العالم محافظا على جلال العلم وهيبته، له الناس إذا رأوه هابته، وشعرت بجلال العلم وبوقاره، فإن كلمته مسموعة آآ لا يمكن أن تتخطى، فنحن نقول لهذا العالم: إياك من البروز كثيرا ومن مخالطة الناس كثيرا، ليس تكبرا وترجحا ولكن حفاظا على حرمة العلم حتى لا يبتذل عند العامة.
قال: ويواظب على الصلاة في الجماعة فيها، أي في المدرسة، ليقتدي به أهلها ويتعودوا ذلك. بالتأكيد إذا كان العالم هو يتخلى عن الصلوات وعن صلاة الفجر وعن الصف الأول، ودائما يكون في أواخر الصفوف، والعالم لا يحضر صلوات الجماعية بعضها ويغيب بعضها، كيف سيكون كونوا قدوة لطلبته ماذا؟ أو كيف ستكون نظرة الطلبة لهذا الشيخ ولهذا الأستاذ؟ الأستاذ والشيخ هو قدوة لطلبته، قدوة في التبكير الصلوات، قدوة في المحافظة على الصلوات، فيجب أن تبقى هذه القدوة قائمة في نفوس الطلبة ولا تتحطم بتكاسل هذا الشيخ وهذا الأستاذ وتشاغله بدنياه.
قال: وينبغي أن يجلس كل يوم في وقت معين ليقابل معه الجماعة، الذين يطالعون دروسهم من كتبهم ويصححونها ويضبطون مشكلة ولغاتها واختلاف النسخ في بعض المواضع، وأولاها بالصحة ليكونوا في مطالعتها على يقين، فلا يضيع فكرهم ويتعب بالشك فيها سرهم. يقول ابن جماعة عن العالم والمدرس لهذه المدرسة باختصار آآ أن يعقد مجلسا اه هذا المجلس طبيعته مخصصة بأمر معين، وظيفة هذا المجلس أمر معين، ما هي؟ أن يقابل الطلبة ما نسخوه في صحفهم وكتبهم على نسخة الشيخ.
باختصار الآن أحبتي، الشيخ في العادة في الصباح الباكر يملي على الطلبة الدروس؛ درس في الحديث ودرس في النحو ودرس في الفقه، والطالبة يكتبون النسخ التي بين أيديهم، ثم ينبغي على المدرس أن يعقد درسا آخر في نهاية اليوم، مثلا بعد العصر، آآ هذا الدرس الذي بعد العصر وظيفته أن الطلبة يعرضون ما كتبوا على الشيخ، والشيخ يصحح لهم ما كتبوا. فيقول: يا فلان لا، هذه الكلمة خطأ، امحوها هذا فيها تصحيف، هذا فيه تحريف، هذه افتح، هذه ضمها، المهم يصحح للطلبة ما كتبوا حتى يقول الطالب طالب مطمئن من دقة المعلومة التي كتبها ولا يبقى شاكا بها.
فاذا آآ المدرس عليه كما أن هناك درس لإلقاء أحاديث وإملاء الفقه والقواعد والأصول، هناك درس للتصحيح وإعادة ضبط ما كتبه الطلبة، وهذا الدرس مهم جدا عند العلماء. قال: ليكون في مطالعتها على يقين، يجب أن يتأكد الطالب من دقة المعلومة التي كتبها، لانه ما الفائدة؟ إذا كان المدرس شملي على الطالب يكتب خطأ، هذا الطالب غدا سيتخرج ويملي خطأ، خاصة في زمنهم أحبتي الكتب اه الطباعة وطرق الكتابة فيها إشكالية، ما كان عندهم التقدم، فكثير ما يمكن أن يقع الخطأ في كتابات الطلاب، فيجب أن يعقد المعلم في زمنهم مجلسا خاصا بتصحيح ما كتبه الطلبة وإيقافهم على الوهم الذي وقع منهم حتى تخرج نسخ الطلبة التي بين أيديهم معدل منقحة لدرجة عالية، هذا ما يريد أن يقوله ابن جماعة.
ثم انتقل بعد ذلك للمعيد، فما وظيفة المعيد في المعهد؟ قال: وينبغي للمعيد بالمدرسة أن يقدم أشغال أهلها على غيرهم في الوقت المعتاد أو المشروط إن كان يتناول معلوم الإعادة.
معلوم الإعادة يعني الراتب الراتب الشهري. إذا كان عندنا معيد في هذا المعهد، وكان هذا المعيد يتقاضى راتبا شهريا مقابل العمل لساعات محددة، مثلا من الساعة التاسعة للساعة الثالثة. فيقول ابن جماعة على هذا المعيد الذي يأخذ راتبا شهريا أن يشتغل بهذا الوقت المحدد من التاسعة إلى الثالثة بالطلبة الملتحقين بهذه المدرسة أو بهذا المعهد. ولا يحق له أن يشتغل بطلبة من خارج المعهد، لأنك أنت أيها المعيد تأخذ راتبا شهريا وضعه لك الواقف من أجل أن تهتم بطلبة المعهد لمدة محددة مشروطة في العقد.
فالتقصير في هذا الجانب أو الانشغال بغير هؤلاء الطلبة، هذا أكل للمال الحرام باختصار، أكل للمال الحرام. أنت تأكل المال على غير الوجه المشروع، لأن هذا المال إنما دفع لك في أوقات لتقوم بالعمل في أوقات محددة. في هذه الأوقات لا تقم بعمل، تهرب أو في أحسن أحوالك تذهب لتعلم طلبة من خارج المعهد أو من خارج المدرسة، يعني يسموها تعليم بالإضافة اليوم حتى تأخذ راتبا زائدا وتكثر مالا، وهذا لا يصح ولا يجوز.
فإياك أن تدخل المال الحرام إلى جيبك أيها المعيد بإخلالك بالشروط التي تم التعاقد معك عليها. وهذا ما يريد أن يوصله ابن جماعة، قال: لأنه معين عليه ما دام معيدا. وأشغال غيرهم نفل أو فرض كفاية. أي الانشغال بهؤلاء الطلبة الملتحقين بهذا المعهد من الساعة التاسعة إلى الساعة الثالثة هو فرض عين عليك. لأنك تأخذ مالا مقابله، وأنت وافقت على أن تأخذ مالا مقابل أن تشتغل بهؤلاء الطلبة في هذه المدة.
إنشغالك بغيرهم، يعني الانشغال بغير هؤلاء الطلبة بطلبة من خارج المعهد، أن تفيدهم العلم بشكل عام، أن تفيدهم العلم، أما نفل وسنة وإما فرض كفاية هذا في أعلى أحواله، وما أنت فيه الآن في المعهد هذا فرض عين لأنك تأخذ مالا عليه وتم الاتفاق معك عليه. ففرض العين مقدم على النوافل وفروض الكفايات. يعني أنا أريد أن أفتراض أن هذا الطالب الذي من خارج المدرسة أنت تعلمه لوجه الله، فيكون تعليمك له سنة مستحبة أو فرض كفاية في أعلى الأحوال.
لكن تعليمك للطالب الملتحق بالمعهد والذي تأخذ أنت راتبا شهريا مقابله فهذا فرض عين، وإذا تعارض فرض العين مع النفل أو فرض العين مع فرض الكفاية فالمقدم هو فرض العين. هذا ما يريد أن يقوله ابن جماعة، أن المعيد عليه أن يتقي الله في هذا الراتب الشهري الذي يأخذه فيلتزم بشروط العقد.
قال: وأن يعلم المدرس أو الناظر بمن يرجى فلاحه ليزاد ما يستعين به ويشرح صدره. أيضا من وظائف المعيد أن يخبر المدرس ومسؤول الوقف عن الطلبة المميزين الذين يرجى لهم الفلاح حتى يتم الاهتمام لهؤلاء الطلبة أكثر وأكثر، أما أن يزاد راتبهم أو يكون لهم حصص إضافية أو ملازمة من الشيخ أكثر وانتباه لتحصيلهم العلمي أكثر. المهم هذه من وظائف المعيد أن يعلم المدرس وناظر الوقف بمن يرجى فلاحه من طلبة العلم.
الوظيفة الثالثة قال: وأن يطالبهم بعرض محفوظاتهم إن لم يعين لذلك غيره. إذا كان في شروط العقد مع هذا المعيد أيها من وظيفتك أن تسمع للطلبة المحفوظات في هذه الحالة على هذا المعيد أن يسمع للطلبة بناء على شروط العقد. أما إذا لم يكن هذا من شروط العقد ففي هذه الحالة لا يلزم هذا المعيد أن يسمع للطلبة، خاصة إذا تم تعيين شخص آخر مسؤول عن هذه الوظيفة. بعض المعاهد قد تعين شخصا وظيفته هو فقط التسميع وعرض محفوظات الطلبة عليه، وأما المعيد ليس هذا من عمله.
وبعض المعاهد لا تشترط على المعيد أن من شروط العمل، من ضمن عملك أن تسمع محفوظات الطلبة، في هذه الحالة على المعيد أن يلتزم بما تم التعاقد معه عليه. قال: ويعيد لهم ما توقف فهمه. لأن الوظيفة الرابعة أن يعيد لهم ما توقف فهمه عليهم من دروس المدرسة. قال: ولهذا يسمى معيدا. الوظيفة التي قلناها أساسا أن نعيد، لماذا سمي معيدا؟ لأن من أهم الوظائف أن يعيد الدروس التي يلقيها العالم والشيخ للطلبة الضعاف الذين توقف فهمهم، يعني ما استطاعوا أن يفهموا عند المدرس حين ألقى هذه المعلومة، فيأتون بالمعيد ويطالبونه بأن يشرح لهم الفكرة مرة أخرى، والمعيد وظيفته أن يعيد لهم.
قال: وإذا شرط الواقف استعراض المحفوظ كل شهر أو كل فصل على الجميع خفف قدر العرض على من له أهلية البحث والفكر والمطالعة والمناظرة. لأن الجمود على نفس المسطور يشغل عن الفكر الذي هو أم الأصل والتفقه. وأما المبتدعون والمنتهون من طلبة العلم فيطالب كل منهم على ما يليق بحاله وذهنه. وقد تقدم سائر آداب العالم مع الطلبة.
قال: إذا شرط الواقف، الآن إذا كان واقف هذه المدرسة كان عندهم شروط الوقف، أنظر كيف كان حتى الواقف عنده دراية بطلب العلم وأهمية الحفظ والمراجعة. الواقف إذا كان الواقف اشترط على الطلبة الذين يلتحقون بهذا المعهد أن يعرضوا المحفوظات والمتون التي يحفظونها في كل شهر أو في كل فصل، الآن وظيفة المعيد والمدرس أن يخففوا قدر ما يجب عرضه على الطالب النبيه الفطن الذي عنده قدرة وأهلية على البحث والفكر والمطالعة والمناظرة تحقيقا للمصلحة العليا.
الان بعد أن آتاهم الله سبحانه وتعالى عقلا راجحا يستطيع أن يحلل أن يقرأ أن يطالع أن يجمع أن يفك الإشكاليات في كلام أهل العلم، فهذا الطالب في الحقيقة يجب أن يفرغ أكثر وأكثر لعمليات التحليل والاستنباط والفهم. عليه أن يحفظ قولا واحدا قطعا، لكن لا نريد أن نرهقه كثيرا بالحفظ والمراجعة ونشغله تماما عن ماذا؟ عن الفهم والتحليل والمطالعة والتدقيق، لأنه في النهاية العملية التعليمية كما قلنا تنبني على الحفظ وعلى الفهم.
فإذا كان الطالب فقط يحفظ ويحفظ ثم يحفظ ولا يهتم بجانب التحليل والشرح المبسوط والوقوف على دقائق الأمور والغوص إلى حقائق المسائل، في النهاية سيبقى هذا الطالب فقط حافظا لكنه غير فاهم، لا يستطيع أن ينتج لهذه الأمة علما رصينا، لا يستطيع أن يتعامل مع النوازل مع المستجدات، لا يستطيع أن يحل الإشكاليات أن يتعامل مع الأحاديث النبوية التي ظاهرها التعارض. ونحن لا نريد أن ننتج فقط حفظة من دون وعي وفهم وعقل وتحليل، الحفظ وسيلة إلى الفهم، الحفظ ليس مقصدا بحد ذاته، الحفظ وسيلة للفهم وللتحليل.
فيقول ابن جماعة إذا كان الواقف لهذه المدرسة اشترط على الطلبة الذين يلتحقون أن يعرضوا المحفوظات والمصنفات التي استظهروها كل فصل أو كل شهر أو كل أسبوع، ففبي وظيفة المدرس والمعيد في الحقيقة أن ينظر في المصلحة العليا، فإذا وجد طالبا له أهلية البحث والتحليل والمطالعة فعليه أن يقلل من كمية العرض التي تلزمه والتي كانت مفروضة عليه ابتداء مقابل انشغال هذا الطالب بعملية البحث والتحليل والمطالعة والاستشراح لهذا المتن ولهذا المصنف، فإن هذا هو الأنفع والأصلح في النهاية، وهو الذي يحقق مقصود الواقف في الحقيقة.
أنت أيها الواقف إيش قصدك؟ أليس مقصودك أن تنتج عالما ربانيا؟ فبعض الشروط يشترطها بعض الواقفين ناتج عن عدم خبرتهم الكبيرة أحيانا، تكون ناتجة عن عدم خبرتهم الكبيرة من مسالك التعلم، ففي هذه الحالة المدرس والمعيد في هذه المدرسة هو الذي يقوم بتنفيذ الأصلح والأنفع والذي يحقق مقصود الواقف في النهاية من إنتاج العالم الرباني.
ولذلك وظيفة المعيد والمدرس أن يخففوا قدر العرض عرض المحفوظات أو الأوقات التي يجب فيها أن يعرض، على من طبعا؟ على من له أهلية البحث والفكر والمطالعة والمناظرة. لماذا؟ قال: لأن الجمود على نفس المستور يشغل عن الفكر الذي هو أم التحصيل والتفقه. أن تجمد فقط على حفظ المتون من دون سعي إلى التفقه فيها وتحليلها تحليلا دقيقا، هذا في الحقيقة يبعدك عن المقصد النهائي من عملية التعلم، وهي الوصول إلى التفقه في دين الله سبحانه.
وتعالى قال: وأما المبتدئون والمنتهون من طلبة العلم فيطالب كل منهم على ما يليق بحاله وذهنه. المطالبة بالعرض والتسميع تكون بما يليق بذهن الطالب وبحاله وقدراته التي أعطاها الله سبحانه وتعالى له. هناك من يستطيع أن يعرض صفحات كثيرة، وهناك من لا يستطيع أن يعرض إلا القليل. فبالتالي المعيد خصوصاً عليه أن ينظر في أحوال الطلبة ويضع لكل طالب البرنامج الذي يليق بحاله، وقد تقدم سائر آداب العالم مع الطلبة فيما مضى. تمام، دعونا ننتقل إلى الأدب الثالث، بسم الله.
يقول ابن جماعة، الأدب الثالث: أن يتعرف بشروطها ليقوم بحقوقها، ومهما أمكنه التنزه عن معلوم المدارس فهو أولى. يقول ابن جماعة في هذا الأدب الثالث: ينبغي على المدرس وعلى الطالب أيضاً أن يتعرف على شروط الالتحاق بهذا المعهد تعرفاً دقيقاً، لماذا؟ لأنه سيأخذ مالاً مقابل الاشتغال بهذا المعهد، المدرس سيأخذ مالاً مقابل التدريس، والطالب سيأخذ مالاً مقابل الإقامة في هذا المعهد. فإذا كان هذا المعهد له شروط محددة للإقامة بها، فينبغي أن يكون هذا المدرس الذي سيلتحق بالمعهد أو الطالب الذي سيلتحق به على دراية واضحة بهذه الشروط حتى يحلل راتبه، لأنك إذا أنت أخذت المال من هذا المعهد من دون أن تلتزم بالشروط التي وضعها الواقف فأنت تأخذ مالاً حراماً باختصار.
وهذه نصيحة نوجهها لكل الطلبة ولكل المدرسين الذين يلتحقون بالمعاهد وبالجامعات التي تعطي راتباً شهرياً. وعادة الراتب يعطى للمدرس مثلاً في جامعاتنا: أيها المدرس عليك أن تتقي الله سبحانه وتعالى، أنت إنما وضعت في هذا المكان وفي هذا الصرح حتى تكون ناصحاً أميناً موجهاً مربياً معلماً صادقاً، فعليك أن تحلل هذا المال الذي تأخذه وتضعه في جيبك، وليست الفكرة أن تأتي إلى المحاضرة تعطي معلومة من دون تحضير ثم تذهب تغلق الكتاب وتعود إلى منزلك. أنت مستأمن على هذا المال الذي تأخذه، إنما أخذته بحق الله لتؤدي وظيفة وهي وظيفة تربية الجيل وصناعة طالب العلم وصناعة العالم والمفكر، فإن لم تكن أهلاً لهذا المنصب ولهذا المكان فعليك أن تتركه لمن هو أهل، وإلا ستقف بين يدي الله وسيحاسبك الله سبحانه وتعالى عن كل درهم أخذته، فتقوى الله سبحانه وتعالى مهمة.
لذلك ابن جماعة يقول: إذا استطاع هذا العالم أن لا يأخذ شيئاً ومعلوماً من هذه المدارس والمعاهد فلا يأخذ، لأنه لا يدري قد لا يوفي بشروطها فيكون أدخل إلى جيبه مالاً حراماً. درس متطوعاً، درس متطوعاً وحاول أن تتنزه عن المال إن كان عندك، قال: لا سيما في المدارس التي ضيق في شروطها وشدد في وظائفها. بعض المدارس شروطها كثيرة، شروط الالتحاق بها كثيرة جداً وضيقة يخشى الإنسان فعلاً ألا يوفيها، في هذه الحالة لو التحق بهذه المدرسة حاول ألا تأخذ مالاً أيها المدرس وأيها الطالب حتى لا تدخل إلى جيبك مالاً مشوباً.
قال: كما قد ولي أكثر فقهاء الزمان به، نسأل الله الغنى عنه بمنه وكرمه في خير وعافية. وكأن ابن جماعة ممن ابتلي بهذه المدارس، نعم، كان هو أحد المدرسين في هذه المدارس الوقفية وكانوا يأخذون مالاً منها لأن وظيفته كانت التدريس في هذا المعهد، ولكنه يرجو من ربه سبحانه أن تغنيه عن هذا المعلوم في قابل الأيام حتى لا يقع في هذا المحظور. قال: فإن كان تحصيل البلغة يضيع زمانه ويعطله عن تمام الاشتغال أي بالعلم، أو لم يكن له حرفة أخرى تحصل بلغته وبلغة عياله، فلا بأس بالاستعانة بذلك بنية التفرغ لأجل العلم ونفع الناس به.
يعني بعض طلبة العلم يقول لي: طب يا شيخ، أنت لا تريد مني أن أخذ مالاً من هذا المعهد وتريد مني أن أحصل المال من جهة أخرى؟ إذا لم أستطع تحصيل المال من جهة أخرى وخرجت للعمل والاحتراف لن أجد وقتاً للتفرغ للعلم الشرعي، والعلم الشرعي فعلاً يحتاج إلى تفرغ ساعات طويلة. إذا كان الطالب سيعمل من الصباح إلى الساعة السادسة مساء من أجل أن يكسب قوت عياله، متى يطلب العلم؟ هنا ابن جماعة يعطيك حلًا، يقول: إذا كان طالب العلم ستشغله الحرفة والصنعة عن طلب العلم ففي هذه الحالة لا نقول له خذ هذا المال الذي تعتطيه المعاهد، وحاول أن تراقب نيتك وأن تراقب عملك وأن يكون قصدك من أخذ هذا المال ابتغاء وجه الله سبحانه وتعالى بتحصيل العلم الشرعي ونفع الناس، وتحرى أن توفي بالشروط ما استطعت، تحرى أن توفي بالشروط ما استطعت.
أما إذا كان عندك بلغة، مثلاً بعض الناس رزقه الله سبحانه وتعالى تجارات تكفيك، أو كان والده ثرياً جداً وهو يصرف عليه، في هذه الحالة هنا لا داعي لأن يأخذ هذا الطالب أو هذا المدرس من مال هذه المدرسة خشية ألا يوفي بشروطها كما ذكرنا. لذلك قالوا: ولكن يتحرى القيام بجميع شروطها، يعني تبذل جهدك إذا أخذت مالاً من المدرسة ولا بد عليك أن تتحرى القيام بجميع الشروط، شروط الالتحاق بهذا المعهد. قال: ويحاسب نفسه على ذلك ولا يجد في نفسه إذا طلب منه أو وبخ عليه، بل يعد ذلك نعمة من الله تعالى ويشكره عليه إذ وفق له من يكلفه القيام بما يخلصه من ربقة الحرام والإثم.
يقول ابن جماعة: إذا أخذت المال من هذه المدرسة خلص ما عندك رزق آخر وتخشى أن يضيع وقتك في الاحتراف بدلاً من الاشتغال بالعلم فاضطررت أن تأخذ مالاً من المعهد، إذاً عليك أن تحاسب نفسك: هل وفيت بالشروط أو لم أوفي بها؟ في كل فترة تحاسب النفس في مدى التزامك بشروط المعهد. أيضاً عليك أن لا تغضب إذا جاء المعيد ووبخك وزجرك وقال لك: قم يا فلان راجع، قم يا فلان ادرس، قم يا فلان افعل، وكانوا يراقبونك، ألا يجب أن تغضب؟ أنت في النهاية رضيت الالتحاق بهذا المعهد وأنت تأخذ مالاً مقابل الالتحاق، فعليك أن تلتزم بالشروط، فاذا جاء المعيد ووبخك على تقصيرك عليك أن تححمد الله على هذه النعمة أن من يوبخك وينصحك ويزجرك حتى تلتزم بشروط المعهد، حتى لا يكون في النهاية المال الذي تأخذه حراماً ولا تستحقه. يعني هذا الشخص الذي يزجرك في النهاية هو يريد منك أن تحافظ على الشروط حتى يكون المال الذي تأخذه من هذا المعهد حلالاً، فإذا جاءك ونهرك وزجرك لا تغضب بل احمد الله سبحانه وتعالى أن يسر لك من ينصحك ويعاتبك من أجل تحليل مالك ودخلك.
قال: واللبيب من كان ذا همة عالية ونفس سامية. يعني اللبيب أصلاً لا يحتاج إلى من ينهره ولا ينتظر حتى يأتي المعيد ليزجره، بل اللبيب والإنسان الفطن وطالب العلم الذكي هو الذي يكون أصلاً صاحب همة عالية، هو يعمل، يعمل في العلم ينشغل بالطلب بالتحصيل، لا ينتظر أخذ مالاً ولم يأخذ مالاً، يقول: ذا همة عالية ونفس سامية.
ننتقل الآن إلى الموضوع الرابع من مواضيع هذا الفصل، يقول ابن جماعة: إذا حصر الواقف سكن المدرسة على المرتبين بها دون غيرهم لم يسكن فيها غيرهم، فإن فعل كان عاصياً ظالماً. بذلك الآن أحبتي، بعض المدارس الوقفية والمعاهد الشرعية يشترط واقفها أن من يسكن يجب أن يكون من الطلبة النظاميين، الطلبة المرتبين الذين لهم راتب، باختصار هم الطلبة النظاميون. فإذا حصر الواقف الواقف قال: لا يسكن هذه المدرسة إلا طالب نظامي، بالتالي لا يجوز لأي طالب غير نظامي أن يسكن في هذه المدرسة، وهذا من الإثم والظلم والتجاوز على شروط الوقف، فعلينا أن نراعي حدود الله سبحانه، الأمر ليس هيناً لأن بعض الناس يستهتر بهذه الأحكام وبهذه الحدود ويقول: يا شيخ ما في مشكلة في النهاية هذه غرف فارغة، ما في يعني ما في إشكال أن نسكن بها. لا، في النهاية هذا واقف له شروط معينة علينا أن نتقي الله سبحانه وتعالى في شروطه، هو يشترط ألا يسكن هذه المدرسة إلا الطلبة النظاميون، إذاً علينا أن نلتزم بهذا الشرط.
قال: وإن لم يحصر الواقف ذلك فلا بأس إذا كان الساكن أهلاً لها. إذا لم يحصر، يعني مثلاً الواقف لم يقل: لا يدرس أو لا يسكن في هذه المدرسة إلا ظالماً.
النظام فتح الأمر. وسع الأمر. قال: أي طالب يستطيع أن يسكن في هذه المدرسة. في هذه الحالة، إذا لم يحصل الواقف ذلك، قال: فلا بأس إذا يسكن بها أي طالب بشرط أن يكون أهلاً للسكنة، هذا الشرط. أما إنسان عامي أتى ليتفرج، أو يتفكى، أو يعبث في هذه المدرسة، فليس له أن يسكن في هذا الوقف.
نعم، يجوز للطالب غير النظامي أن يسكن، يجوز. لكن يكون هذا الطالب غير النظامي أتى للتعلم، للتعرف على العلماء، رؤية التعليم، ما في مشكلة. أما عامي أتى ويعبث ويلهو، لا، هذا ما فيه اه ما فيه تسامح، ينبغي أن يخرج مباشرة من هذا المعهد.
قالوا: إذا سكن في المدرسة غير مرتب بها، يعني إذا كان كما قلنا هذا الواقف فتح الأمر وقال: أي طالب يريد أن يسكن في هذه المسكنة فليسكن. فجاء هذا الطالب غير النظام وسكن. والآن هذه المدرسة فيها طلاب نظاميون وفيها طلاب غير نظاميين. بل أنا الطالب غير النظامي كيف يتصرف؟
انظروا الدقائق الأدبية التي يتحدث عنها ابن جماعة. كل شيء له أدبياته. كل شخص له سلوكيات. لا يوجد شيء عبثي، لا يوجد فوضى في حياتهم. كل شيء له أدب، له خلق، له سلوك، له طريقة في التصرف، على طالب العلم أن يلتزم بها.
إذا كنت يا طالب العلم غير نظامي في هذا المعهد كيف تتصرف؟ قال: فليكرم أهلها ويقدمهم على نفسه. عليك إذاً أولاً أن تكرم الطلبة النظاميين، تكرم المدرسين وتقدمهم على نفسك، لأنه هم أحق بسكنى هذه المدرسة منك. قال: ويقدمهم على نفسه فيما يحتاجون إليه منها.
وعليه قال ايش؟ قال: ويحضر درسها. عليه أن يحضر الدروس. يعني صحيح أنت طالب غير نظامي، لكن بالنهاية عليك أن تحضر الدروس؛ لأن هذا المعهد هو وقف العلوم الشرعية وليس مكاناً للتفرج والنزهة، فعليك أن تسعى لحضور الدروس.
قال: لأنه أعظم الشعائر المقصودة ببنائها ووقفها. يعني أعظم مقصد لهذا الوقف ايش هو؟ هل هذا الوقف هو فندق؟ ولا مكان لجلوس الناس لتبادل أطراف الحديث؟ وإن المقصد من إقامته هو تدريس العلوم شرعياً، المقصد هو تدريس العلوم الشرعية، فبالتالي عليك أن تحقق المقصد من إقامة هذا المعهد.
قال: لأنه أعظم الشعائر المقصودة ببنائها ووقفها؛ لما فيه من القراءة والدعاء للواقف والاجتماع على مجلس الذكر وتذاكر العلم، فبالتالي هذا هو المقصد الأعظم، على الطالب غير النظامي أن يحرص على حضور الدروس. قال: فإذا ترك الساكن فيها ذلك، فقد ترك المقصود ببناء مسكنه الذي هو فيه.
يعني أنت ساكن في هذه المدرسة لا تحضر الدروس، إذاً أنت تركت المقصود من بناء هذا المسكن الذي أنت فيه. هذا المسكن الذي أنت فيه إنما بناه الواقف من أجل إقامة مجالس العلم، ويريد أن يحصل بركة هذا العلم، فأنت ماذا تفعل فيها إذا لم تكن من أهل الدروس؟
إذا قالوا: وفي ذلك مخالفة لمقصود الواقف ظاهرة. واضح هذا الكلام. قال: فإن لم يحضر هذا الطالب غير النظامي للاسف مستهتر أيضاً في حضور الدروس. مستهتر في حضور الدروس، الآن نحن بشكل عام لا نلزمه ولا نجبره بالخروج مباشرة، لكن نقول وأنت قصرت بعدم حضورك للدروس، أنت مقصر.
لكن إن سكنت أيها الطالب غير النظام ولم تكن تحضر دروس الشيخ، تحضر مع زملائك إلى مجالس العلم، فالآن عليك أن تلتزم بآداب معينة في أقل الأحوال، أقل من ذلك لا يقبل. قال: فإن لم يحضر، غاب عنها وقت الدرس؛ بأن عدم مجالستهم مع حضوره من غير عذر ظاهر، إساءة أدب، وترفع عليهم، واستغناء عن فوائدهم، واستهتار بجماعتهم.
إذا كنت لا تريد حضور الدرس في هذه المدرسة أو في هذا المعهد، عليك إذا جاء وقت المحاضرة أو الدرس أن تغادر الغرفة أو مكان انعقاد الدرس، ولا يجوز لك أن تجلس في آخر الغرفة أو في آخر الحلقة وتعبث بجوالك، وتبدأ تنشغل هنا وهنا.
فإذا سئل يا فلان ماذا تفعل؟ تقول: والله أنا غير أنا لست طالباً نظامياً، فيحق لي أن أفعل ما أشاء. لا، لا يحق لك أن تفعل ما تشاء. إذا حضر موعد الدرس والطلبة اجتمعوا على شيخهم وأستاذهم فلا يحق لك أن تبقى في الحلقة. أما أن تحضر مع الطلبة والزملاء واما أن تغادر.
وأما ما يفعله بعض الطلبة أنه يدخل على بعض المحاضرات ولأنه طالب غير نظامي بها يجلس في آخر الحلقة ويبدأ يلعب ويعبث بجواله، ينظر من النافذة، ويعبث مع بعض الزملاء، هذا ليس هذا هذا حرام؛ لأنك أنت تشتت ذهن الطلبة وتستهتر بحرمتهم وحرمة هذا الدين وبحرمة هذا الشيخ وبحرمة مجالس العلم، لا يجوز ذلك لهذا الطالب.
فيقول لك ابن جماعة: إن لم يحضر مجلس العلم غاب عنها، يعني خرج من المجلس وقت الدرس؛ لأن عدم مجالسة الزملاء وعدم مشاركتهم في الدرس مع حضورك، هذه قلة أدب. أنت حاضر ولا تريد أن تشارك، ماذا يعني ذلك؟ يعني أنك تستعري، أنك تستهتر، أنك لا تلتفت للعلم، وهذا من أشد الأخلاق الرديئة التي يجب أن يجتنبها الطالب غير النظامي.
قال: وإن حضر فيها فلا يخرج في حال اجتماعهم من بيته. الآن مثلاً هم اجتمعوا على الدرس، هم اجتمعوا على الدرس وأنت حضرت هذا الدرس، فلا يخرج في حال الاجتماع من بيته إلا لضرورة، ولا يتردد إليه مع حضورهم، ولا يتردد إليه مع حضورهم، ولا يدعو إليه أحدا، أو يخرج منه أحدا، أو الذي يظهر من كلام ابن جماعة هنا أنه يريد أن يقول: إن كان هذا الطالب غير النظامي هذا الطالب غير النظامي، إن كان هذا الطالب غير مشارك في الدروس، لا يحضر الدروس في حال اجتماع الطلبة على الدرس، بهذه الحال وفي هذا الوقت، على هذا الطالب غير النظام ألا يخرج من غرفة نومه، أي من بيته المخصص له في المدرسة.
لماذا؟ لأن خروجه من البيت والمرور على حلقات التعليم والتدريس يلهي الطلبة الذين يدرسون على الأشياخ؛ لأنكم تنظرون وتعلمون أحبتي، الطلاب الذين يدرسون الأشياخ إذا مر إنسان غريب أو دخل إنسان من الخارج مباشرة تنصرف عيونهم إلى الداخل، يحاولون ينظروا من هو، حتى يغيروا الأجواء على أنفسهم، وفي هذا تشتيت لذهنهم.
وفي هذا تشتيت لذهنهم، فلذلك يقول ابن جماعة: هذا الرجل أو الطالب غير النظامي إذا لم يحضر درس العلم مع شيوخه لذلك الذي يظهر لي أن العبارة قال: وإن لم يحضر فيها وليس وإن حضر فيها، والله تعالى أعلم، هذا أقرب إلى سياق ابن جماعة.
يعني وإن لم يحضر فيها، يعني إذا لم يحضر في هذه الدروس أن قوله: وإن حضر فيها يوهم أنه حضر الدرس، لكن الكلام بالعكس، يعني إذا هو لم يحضر في هذه الدروس فما الذي يلزمه؟ إن لم يحضر هذا الدرس ففي حال إقامته واجتماع الطلبة على شيخهم هذا الطالب غير النظامي عليه أن يلتزم غرفته ويلزم بيته ولا يخرج حتى يفرغ الطلب من درسهم، إلا لضرورة، ربما يحتاج يخرج لدورات مياه لا يكلف الله نفساً إلا وسعها، لكن لغير الضرورة لا، حتى لا يشغل الطلبة.
قال: ولا يتردد إليه مع حضورهم، يعني ولا يتردد إلى مجلس العلم والطلبة حاضرون فيه يسمعون من الشيخ، لا تتردد على هذا المجلس كما قلنا حتى لا تشغل الطلبة بذهابك وعودتك. قالوا: ولا يدعو إليه أحداً، أو يخرج منه أحد.
بعض الناس يتصرف تصرفات فيها رعونة، يأتي يقول: يا شيخ تأذن لي بفلان فلان الفلاني يريد في موضوع، إياك أن تفعل هذا. أو: يا شيخ تسمح لي أن أجلس مع فلان أريد أن أكلمه في قضية، إياك أن تفعل هذا، أنت طالب غير نظامي، احترم وقر العلم، يعني جزاهم الله خيراً إن قبلوا بإسكانه في هذه المدرسة، فوق ذلك تتعدى على حرمة العلم وعلى حرمة زملائك، هذا من رعونات النفس.
قال أيضاً: ولا يتمشى في المدرسة أو يرفع صوته بقراءة أو تكرار، يعني تكرار لمثلاً متن أو ما شابه ذلك أو بحث رفعاً منكرياً أو
بابه، ويفتحه بصوت: أيها الطالب غير النظامي، أنت لا تريد حضور الدرس، لا يصلح أن نجدك في طرقات المدارس وفي طرقات المعاهد ترفع صوتك وتؤذي زملائك في الحصص الصفية وفي المحاضرات العلمية. لا يصلح مثل هذه التصرفات. أو يغلق الباب بصوت مرتفع ويفتحه بصوت مرتفع ونحو ذلك.
قال: لما في ذلك كله من إساءة الأدب، عدا الحاضرين والحمق عليهم. فعلا، هذه تصرفات فيها حمق وجهل، ورأيت بعض العلماء القضاة الأعيان الصلحاء يشددون النكير على إنسان فقيه مر في المدرسة وقت الدرس، مع أنه كان قيماً بمريض في المدرسة قريب للمدرس وكان في حاجة له.
يعني يقول ابن جماعة: أنا رأيت بنفسي العلماء في هذه المدرسة التي أدرس بها ينكرون على شخص فقيه دخل على هذه المدرسة في وقت الدروس، وكان دخوله اضطرارياً؛ لأنه كان قيماً، أي مسؤولاً عن شخص مريض في هذه المدرسة. وهذا الشخص المريض في هذه المدرسة والذي يطببه أو يشرف عليه هذا الفقيه، هذا المريض هو قريب لأحد الأساتذة.
ومع ذلك، ما سامحوه، قالوا لهذا الفقيه: كيف تدخل على المدرسة في وقت الدرس وتشغل الطلبة؟ حتى لو كان عندك وظيفة إشراف على مريض، عليك أن تتخيل الوقت الذي تدخل فيه يكون وقت مناسب، تبكر قبل أن يقوم الدرس وقبل أن تبدأ الدوام في هذا المعهد تأتي من أجل الإشراف على هذا المريض. أما أن تدخل أثناء الدرس فتقطع علينا حلقتنا فهذا لا يحق لك.
يعني أنظروا إلى التجديد وصل يعني ممكن شخص يقول: طب يا شيخ هذا إنسان معذور، هو مشرف على شخص مريض، لماذا ينكر عليه مع أنه محتاج أن يدخل للإشراف على المريض؟ في النهاية أنت لا تأخذ الموقف هذا بحرفيته، يعني لا تبدأ تحلل من الكائن المصيب ومن كان مخطئاً، لكن هي الفكرة أن تنظر إذا كانوا يشددون إلى هذه الدرجة ألا يقطع أحد مجلس العلم، فما بالك أحبتي بمن دخل للترف؟ وهذا أمر شائع، يعني فعلا أحياناً أستغرب من بعض طلبة العلم كيف يتصرفون.
تجد طالب العلم يطرق باب الغرفة التي فيها محاضرة، يفتح الباب: يا شيخ، تسمعني بفلان؟ شيخ، تأذن لي بفلان؟ أو تجده مثلاً يدخل ويخرج إلى الحلقة، أنه طالب غير نظامي، ليس له الحق أن يذهب ويخرج كثيراً إلى مجلس العلم ويشتت أنظار الزملاء. أحبتي، هذا علم في النهاية، عليك أن توقر العلم وأن تحترم هذه المجالس حتى ولو لم أحضرها، ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ.
إياك أن تقتحم مجالس العلم وتطلب من المدرس أن يعطيك زميلك، وأن يؤخر المجلس قليلاً، أو أن يسمح لك بالجلوس في آخر القاعة لدعوة بالجوال وتنظر من النافذة. عليك أن توقر شعائر الله، من توقير شعائر الله أن توقر مجالس العلم الشرعي. تمام.
ننتقل إذاً مع ابن جماعة إلى الأدب الخامس في هذا الباب، قال: ألا يشتغل فيها بالمعاشرة والصحبة، ويرضى من سكنها بالسكن والخطبة، بل يقبلوا على شأنه وتحصيله وما بنيت المدرسة له، ويقطع العشرة فيها جملةً؛ لأنها تفسد الحال وتضيع المال كما تقدم. يقول لك ابن جماعة: أيها الطالب الذي أتيت لطلب العلم في هذا المعهد وسكنت فيه -طبعا في أكثر الأحوال كما قلنا هذا الطالب الذي يسكن في المعهد عادة يكون من الطلبة المغتربين، هكذا المصطلح اليوم من الطلبة المغتربين- مثلاً عندما رزقنا الله الذهاب إلى المدينة النبوية كنا نسكن في المساكن المخصصة للجامعة الإسلامية، وكلنا مغتربون أتينا من دول خارجية من أجل أن نقيم في مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان هناك سكنات خاصة بالمغتربين يسكن فيها الطلبة.
الآن كثير من الطلبة كانوا ينشغلون بالعشرة والمصاحبة والمفاجأة في هذه المجالس، وهذا أنا شيء وقفت عليه بنفسي، للأسف طلاب أتوا من أصقاع الأرض واقتربوا عن الأهل والأوطان، وتركوا أزواجهم وأبناءهم، وهاجروا إلى مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليطلبوا العلم أصالة، وسكنوا في هذه المساكن، أشغلهم الشيطان بماذا؟ أشغلهم الشيطان بالقيل والقال والمجالس الفارغة. فلان عنده مجلس وفيه نصيب من الشاي والقهوة، وفلان عنده غداء، وفلان عنده عشاوة، يتفكهون ويتضاحكون إلى ساعات متأخرة من الليل فيذهب العمر.
وتضيع سنوات الجامعة، ثم إلى هذه الجامعة تودعهم بعد انتهاء مدة الدراسة إلى أوطانهم وقد عادوا فارغين بطالين، لم يعودوا بالعلم، تلقاهم الناس في أوطانهم: أين العلم الذي حصلتموه؟ قالوا: لا ندري، أو هذه الجامعة لا تعلم أو لم نجد علماء. بدأوا يعتذرون، لكن في الحقيقة لا عذر لهم، لأنهم لو طلبوا لوجدوا، لو طلبوا لوجدوا، لو طلبوا لوجدوا. لكنهم كانوا منشغلين بالقيل والقال، كانوا منشغلين بالفرجة والخروج والتنزه مع بعضهم.
خاصة اليوم أحبتي تجي مثلاً الشباب يحبون الفرجة والذهاب والعودة، فتجد للأسف بعض الطلبة يغتربون أصالة للعلم، فإذا المقصد ينحرف في هذه المساكن، يصبح المقصد هو اللعب واللعب والعبث والخروج للفرجة والتنزه والتسكع والجلسات الفارغة التي تقصي القلب وتبعد الطالب عن المقصد الذي خرج من أجله ابتداء. فهنا نصيحة ثمينة من ابن جماعة: أيها الطالب الذي خرجت وهاجرت لطلب العلم وسكنت في المعاهد الشرعية، اتق الله سبحانه، أهلك ينتظرون أن تعود عالماً، وطنك ينتظرك أن تعود عالماً لتنفع الناس وتنشر العلم وتحقق لهذا الدين صرحاً عظيماً، فاياك أن تخون هذه الأمانة التي أوكلتها الأمة إليك.
فلا تشتغل بالمعاشرة والصحبة، بل اقبل على الشأن الذي خرجت من أجله وهو طلب العلم، فإن العشرة تفسد أحوالك بل تضيع مالك في التنزه والتفرج والمأكل والمشرب من غير حاجة ترجى. قال: واللبيب المحصل يجعل المدرسة منزلاً يقضي وتره منه ثم يرتحل عنه. يعني الإنسان طالب العلم الذكي أحبتي يعلم أن هذا المعهد الذي التحق به إنما هو منزل من منازل الحياة، من منازل سفره في طلب العلم، فهذا المنزل إنما نزلته لتأخذ منه الوتر وقريباً سترتحل منه.
فإياك أن تنزل في منزل على طريق العلم لا تستفيد منه شيئاً، بل على هامشه تلعب وتعبث ثم تغادر هذا المنزل من دون أن تحصل بغيتك منه، هذا من السفه أحبتي، فعلا هذا من السفه ومن إبليس على كثير ممن يحب طلب العلم، أنه ينزله هذا المنزل فبدلاً من أن يحقق المقصد وهو الاشتغال بالعلم يبدأ الطالب الأعمار والازمان والأوقات. قال: فإن صاحب من يعينه على تحصيل مقصده، ويساعده على تكميل فوائده، وينشطه على زيادة الطلب، ويخفض عنه ما يجد من الضجل والنصب، ممن يوثق دينه وأمانته ومكارم أخلاقه في مصاحبته، فلا بأس بذلك، بل هو أحسن أي من العزلة، إذا كان ناصحاً له في الله غير لاعب ولا.
في الحقيقة الإنسان في النهاية يعني يقول يا شيخ إذا تريدني أن أذهب إلى بلد الغربة وأبقى وحدي لا أجالس أحداً؟ أقول: لا، ليس هذا المقصد، المقصد ألا تصاحب إلا إنساناً لبيباً ذكياً ناصحاً طالباً للعلم مثلك يحرص على وقته ويحرص على وقته، يحرص على نفعه ويحرص على نفعه، ليس منشغلاً بالقيل والقال، ليس منشغلاً بالتفكر والتفرج والتنزه، بل طالب علم يرفع همتك ويؤازرك في رحلتك في طلب العلم.
نعم، هذا الشخص إن وجدته فعض عليه بالنواجذ؛ لأنه بإذن الله من أسباب رفع الهمة أن تجد شخصاً يشاطرك الطريق ويشاطرك الهدف ويشاطرك الجدية والبحث. وفي الحقيقة قل الوقوف على هؤلاء في هذا الزمان، لكنهم موجودون بحمد الله، فالإنسان لا ييأس من اللي بحكي عنهم، لكنه في النهاية عليه أن يعلم أنه إن لم يجد هذا النوع من طلبة العلم الجادين ليصاحبه عليه أن يسير وحده، وإلا فإن وحشة هذا الطريق وإلا فإنه سيسقط.
ما في مجال إذا اخترت الرجوع إلى البطالين لتصاحبهم بحجة عدم وجود طالب علم متقن تصاحبه، فاعلم أنك خسرت السباق وخسرت الرهان، نعم طريق طلب العلم الطريق يحتاج إلى مؤنس لأنه طريق طويل.
لكن إذا لم تجد هذا المؤنس، عليك أن تتوكل على الله وأن تجعل أنيسك ذكر الله والكتب، وأن تجعلها أصدقاء لك في أوقات العزلة وفي أوقات الخلوة. فعلا تجد هذه الكتب هي الصديق؛ تقرأ في التاريخ وتقرأ في الأدب وتقرأ في الفقه وتقرأ في الاعتقاد، وتقرأ في النحو وتقرأ في اللغة وتنوع الآداب. هؤلاء هم الأصدقاء الذين يؤنسون الإنسان في رحلة العلم.
هذه المصنفات، هذه الكتب كتب التراث، تبدأ تلقح فهمك بفهم الأوائل، وتجلس يوماً مع ابن جماعة وغداً مع ابن مالك وبعده مع ابن تيمية وبعده مع الغزالي، وتجلس مع أحمد بن حنبل والشافعي ومالك وأحمد، تنظر في علومهم وأفكارهم وأنت تلقح فهمك بفهومهم. هؤلاء هم الأصدقاء إن لم تجد صديقاً يسير معك في رحلة هذه الحياة، فاستغن بصحبتهم عن صحبة البطالين.
قال: وليكن له أنفة. انظر إلى هذه القاعدة الجميلة، قال: وليكن له أنفة من عدم ظهور الفضيلة مع طول المقام في المدارس ومصاحبة الفضلاء من أهلها وتكرر السماع فيها وتقدم غيره عليه بكثرة التحصيل.
في الحقيقة أحبتي، أستغرب فعلا من بعض طلبة العلم أنه لا يوجد عنده هم التميز، لا يوجد عنده هم الإنجاز. يقول لك ابن جماعة: لتكن عندك أنفة وعزة نفس أن تجلس في هذا المعهد وفي هذه المدرسة سنوات ولا يظهر لك فضيلة في علم من علوم الشريعة. ألا تستحي من طلبتك ومن مشايخك أن درجاتك التحصيلية دائماً في الحضيض؟ ألا تستحي دائماً أن تظهر في مظهر طالب العلم الفاشل الذي لا يحفظ ولا يفهم ولا يراجع ولا يكرر؟ تستحي من ظهورك بمظهر طالب العلم البطال الذي أتى ليأكل ويشرب ولا توجد له أي فضيلة علمية ولم ينجز أي إنجاز.
فعلا بعض طلبة العلم وكأنه فقد الحياء تماماً، لا يوجد عنده أي تحرك قلبي للانجاز والتمزي ولإظهار الفضيلة وأنه منتج. صدقني يا طالب العلم، إذا دخلت هذه المعاهد وعرفت بين الطلبة وبين الأساتذة بدرجاتك السيئة، ستبقى هذه وصمة عار في حياتك العلمية في المستقبل. ستبقى تذكر بين الزملاء وبين المشايخ على أنك طالب علم غير مميز، طالب علم ضعيف، أينما ذهبت ستبقى هذه الوصمة تلاحقك.
أما إذا كنت حريصاً على إظهار التميز، على إظهار التقدم -هذا ليس من قبيل الرياء، يعني عليك أن تفرق بين الرياء وحب إظهار النفس وبين السعي إلى التميز والإنجاز وإظهار الفضيلة، هذه من مكارم النفس ومن مروءاتها التي لا ينبغي أن يقصر فيها الإنسان- لا ينبغي يعني ليس من الإخلاص أن تظهر أمام الناس بمظهر الطالب الكسول، ليس من الإخلاص أن تبدي للناس أنك غير منشغل بالعلم وأنك بطال، هذا جهل وحمق وليس إخلاصاً. الإخلاص أن يكون هدفك في طلب العلم أن ترفع شعار هذا الدين وأن أُعلي مناره، لكن أن تظهر الفضيلة والتميز وأن تظهر بمظهر الإنسان الجاد الباحث عن المعرفة، هذه فضيلة نفس ومروءة لا يتركها إلا الجهلاء ولا يقصر عنها إلا من قلت مروءته وضعف تمييزه وعقله وذهنه، لذلك ابن جماعة يحث الطالب أن تكون عندك أنفة وعزة نفس أن تظهر بمظهر الجاهل.
قال: بل يطالب نفسه كل يوم باستفادة علم جديد، ويحاسبها على ما ما حصلته فيه ليأكل مقرره فيها حلالاً. عاد إلى قضية تحليل الراتب كما نسميها، عليك أن تحاسب نفسك، هل اليوم حصلت فائدة؟ أنا اليوم استفدت علم؟ آه الحمد لله حصلت فوائد كثيرة، إذا الراتب الذي أخذه راتب حلال. لا والله هذا اليوم جلست بطالاً، أنظر في السماء وفي الأرض وفي اللحى وفي الفرش، إذاً هناك مشكلة، أنت تأخذ مالاً مقابل هذا اليوم وبالتالي أنا لا أستحق المال لهذا اليوم لأني كنت بطالاً فيه.
قال: فإن المدارس وأوقافها لم تجعل لمجرد المقام والعشرة ولا لمجرد التعبد بالصلاة والصيام كالخوان. يعني هذه المدارس وهذه المعاهد لم تبنى من أجل أن تكون أماكن للتفكه والمجالس، وليست أيضاً هي كالصوامع للتعبد، وليست محاريب لتصوم وتصلي تفعل الذكر وفقط ثم بعد ذلك لا يوجد علم. نعم، التعبد لابد منه، لكن المقصد هذه ليست أماكن لإقامة الشعائر التعبدية الخاصة بك، بل هذه أماكن بنيت لعبادة العلم، هذا هو المقصد من إقامتها، فعليك أن تؤدي الوظيفة المطلوبة منها وهو تحصيل العلم والتفرغ له والتجرد عن الشواغل في أوطان الأهل والأقارب.
يعني أنت إنما هاجرت إلى هذا البلد واغتربت فيه حتى تقطع عن نفسك الشواغل والعلائق مع الأهل والخلان والأصدقاء، فيا أياك أن تكون مخذولاً، تريد أن تقطع الشواغل في وطنك فتذهب إلى بلد تغترب فيه فإذا أنت تحدث شواغل وعلائق جديدة! هذا من السفَه والجهل الذي نسأل الله السلامة منه.
قال: والعاقل يعلم أن أبرك الأيام عليه يوم يزداد فيه فضيلة وعلم. نعم، كل يوم تشرق شمسه يا طالب العلم ولا تستفيد فيه علماً ولا تحصل فيه نفعاً ثم تغرب شمسه لن يعود وستعض أصابع الندم عليه في المستقبل. هذه نصيحة أوجهها لنفسي ولإخواني ممن يصيبهم الفتور في كل حين، عليكم أن تستحضروا أن اليوم الذي تشرق شمسه فتقضيه في القيل والقال والتسكع والتفرج أو في النوم والمأكل والمشرب، ثم تغرب الشمس بعد ذلك، هذا اليوم ذهب من حياتك، طويت صفحته وانتقل عند الله وستعض أصابع الندم عليه.
وكل يوم تشرق شمسه تستفيد علماً وتقف على معرفة تطالِع كتاباً وتحصل علماً وتجلس مع شيخ مع زميل وتراجع متناً، هذا اليوم فعلاً يوم ثري، يوم سجل من أيام حياتك، يوم فعلاً تستحق أن توجد فيه، يوم يستحق أن يسمى يوماً حقيقة، وإلا في الحقيقة كثير من طلبة العلم يهدر الساعات والأوقات والازمان ويقول لك بعد ذلك أنا طالب علم، وهذه دعوى فيها مضرّ.
قال: والعاقل يعلم أن أبرك الأيام عليه يوم يزداد فيه فضيلة وعلماً، ويكسب عدوه من الجن والإنس كرباً وغماً. يعني أن الإنسان كلما تعلم علماً كلما قمع شيطانه وغضب الشيطان؛ الشيطان لا يحب أن تتعلم، الشيطان يجلس على طريق طالب العلم يريد أن يصده، يريد أن يشغله بالدنيا، الشيطان يشعر بالقهر الشديد حينما يراك تقرأ كتاباً ويراك تحفظ متناً ويراك تحضر دورة وتسجل معلومة وتبني فكراً، الشيطان لا يريد ذلك، فكلما تعلمت علم علِم أنك تقمع شيطانك، فاحرصوا على قمع شياطين الإنس والجن.
ننتقل إلى الأدب السادس: قال: أن يكرم أهل المدرسة التي يسكنها بإفشاء السلام وإظهار المودة والاحترام، ويرعى لهم حق الجيرة والصحبة والأخوة في الدين والحرفة، أي حرفة التعليم والتعلم، لأنهم أهل العلم وحملته وطلابه. حق الناس أن تحترمهم وأن توقرهم وتجلهم، هم حملة العلم، يعني إذا لم يحترم طلبة العلم بعضهم فمن يحترم؟ إذا طلبة العلم كانوا يقصرون في مسائل الاحترام والتشريف والتعظيم لبعضهم ولاساتذتهم وشيوخهم، فمن يحترم العلم ومن يحترم الشيوخ والأساتذة؟
بالتأكيد، بعض طلبة العلم للأسف هو سبب في كسر باب الحياء، هو سبب في هدم حرمة العلم في قلوب العوام، لأنه يتعامل مع مشايخه ومع زملائه من طلبة العلم بقسوة وجفاء وسوء خلق، فبالتالي تذهب حرمة العلم من قلوب العوام ويقولون: إذا كان هؤلاء العلماء وإذا كان هؤلاء طلبة العلم يتصرفون هذه التصرفات التي فيها رعونة نفس، فماذا نصنع؟
فإياك يا طالب العلم أن يؤتى الإسلام من قبلك. قال: ويتغافل عن تقصيرهم، ويغفر لهم زلاتهم، ويستر عوراتهم، ويشكر محسنهم، ويجاوز عن مسيئهم. قال: فإن لم يستقر خاطره لسوء جيرتهم وخبث صفاتهم أو لغير ذلك، فليرتحل عنها ساعياً في جمع قلبه واستقرار خاطره.
بعض المعاهد قد لا تلائمك، قد تجد أن الذين يدرسون أو الذين يقيمون فيها فيهم صفات خبيثة، معشرهم فيه غلظة وجفاء، انتقل عن هذا المعهد. قال: وانظر في غيره، اذهب إلى معهد يجتمع قلبك فيه. قال: وإذا اجتمع قلبه فلا ينتقل من غير حاجة، أما إذا اجتمع قلبك بالفائدة والنفع، فيا أياك ثم أياك أن تنشغل بالانتقال. ضع الطلبة
لأن للأسف شغله الشاغل في هذه الحياة الانتقال من مجلس إلى مجلس، ومن شيخ إلى شيخ، ومن معهد إلى معهد، ومن برنامج علمي إلى برنامج علمي آخر، يبقى دهره على هذا المنوال، فلا هو حصل علمًا، ولا هو بنى فكرًا، وبالتالي بعد سنوات إذا هو منقطع عن العلم ومقبل على دنياه؛ لأنه لم يحصل شيئًا.
ومن أهم أسباب ذلك أنه كان كثير التنقل بطالًا، لا يعرف أن يجلس على قدميه عند شيخ واحد يلازمه سنوات، أو يجلس في برنامج واحد يستمر فيه سنوات، يحصل وينقح، خاصة إذا كان برنامجًا قائمًا على أصول واضحة وعلى مناهج أهل العلم الكبار.
لا يجلس بعض طلبة العلم في شهر أو شهرين ويريد أن ينتقل إلى غيره، طب لماذا تنتقل؟ لماذا تشتت نفسك؟ لماذا تضيع فكرك؟ هو لا يدري، هو فقط يريد أن يعبث هنا وهناك، وابن جماعة هنا سيقول لك: فإن ذلك مكروه للمبتدئين جداً.
التنقل بين المدارس والمعاهد والبرامج من غير حاجة هذا مكروه، واشد منه كراهية التنقل من كتاب إلى كتاب كما مر معنا في المجالس السابقة، قال: فإنه علامة على الضجر واللعب وعدم الفلاح، هو علامة أن هذا الطالب يعني ليس طالبًا جادا.
ولا الطالب الجاد في تحصيله يلتزم ويستمر بخطة واحدة سنوات العمر، هذه الخطة تنتج في النهاية، أما طالب يريد أن يحصل كل البرامج، أو يأخذ من هذا البرنامج فكرة، ومن هذا البرنامج فكرة، ومن هذا البرنامج فكرة، فهذا قل أن يفلح، كما قال ابن جماعة.
بسم الله.
قال: السابع: أن يختار لجواره إن أمكن. إذا كنت تستطيع أن تختار جارك في هذه المدرسة وفي هذا المعمل، أن يختار لجواره إن أمكن، آآ اصلحهم حالًا وأكثرهم اشتغالًا، أي بالعلم، وأجودهم طبعًا وأصونهم عرضًا؛ ليكون معينًا له على ما هو بصدده من العلم.
ومن الأمثال المشهورة عندنا: الجار قبل الدار والرفيق قبل الطريق، والطباع سرّاقة، ومن دأب الجنس التشبه بجنسه. يعني بشكل عام عائد لقضية اختيار صاحب الملائم لك في طلب العلم، لأنه إذا صحبت بطالًا فإن طباعه ستنتقل إليك ولا بد، وإن صاحبت صاحب همة عالية ونفس سامية، فإن الطباع سرّاقة أيضًا فتنتقل هذه الهمة العالية والنفس السامية إليه.
والإنسان العاقل لا يختار رفقة إلا أصحاب المروءات والنفوس والهمم العالية، ولا يختار صحبة البطالين وأصحاب الفكاهة والضحك حتى يشغلوه ويضيعوا عليه عمره وعلمه.
ثم أنظروا الآن هنا وصل ابن جماعة في الكلام عن الأدب: والمساكن العالية لمن لا يضعف عن الصعود إليها أولى بالمشتغل، وأجمع إذا كان الجيران صالحين. يقول ابن جماعة: المساكن العالية لمن لا يضعف عن الصعود أولى بالمشتغل.
الآن أحبتي آآ أماكن السكنى تكون من طوابق متعددة، فابن جماعة يقول: الطابق العلوي أفضل آآ لطالب العلم إذا كانت عظامه ومفاصله تساعده على الصعود. وأذكر أني حينما سكنت في الجامعة الإسلامية في المدينة النبوية كان السكن أول ما قدمت إليه كان سكني في الطابق الأخير من المبنى.
فلم يكن هناك طبعا مصاعد، هذا لابد أن يأتي الآن.
بسم الله، بسم الله.
المهم، لم يكن هناك مصاعد، وفعلا كان الأمر متعبًا، يعني كنت أسامي من مشاكل في الصعود إلى الطابق الأخير، فسكنى الطالب الطابق الاخير أو المساكن العالية رأى ابن جماعة أنها الأفضل لمن لا يضعف عن الصعود إليها، أما أنا في الحقيقة ضعفت عن الصعود إليها فمباشرة في السنة الثانية طلبت الانتقال إلى آآ سكن في الطابق الأول حتى لا أتعب الأقدام في الصعود إلى الطابق العلوي.
المهم يقول: المساكن العالية أولى لمن يريد الاشتغال. إنه يريد أن يقول: المساكن العالية أحبتي وهذا فعلا يعني كنا يعني نلحظ ذلك، إذا كان المسكن في عليا آآ الطلاب يتحرجون من الصعود إليك لأنهم لا يريدون أن يتعبوا أقدامهم بالصعود، أما إذا كان مسكنه في الطابق الأول فالطلاب ينكبون عليك، يجدون سهولة في الدخول إلى غرفتك وسكنك فيحبون الجلوس معك، لكن إذا كان مسكنهم في طابق علوي الطلاب يزهدون بالصعود إليك حتى لا يتعبوا أقدامهم.
فبالتالي هو أقطع للشواغل عنك، وقد تقدم قول الخطيب البغدادي: الغرف أولى بالحفظ. الغرف عندهم يعني في عرف زمانهم الغرف هي التي تكون في أعلى البنيان، ويعني وهذا الموطن الشاهد أن الخطيب البغدادي لما قال: الغرف أولى بالحفظ، ايش هذا؟ وما علاقة هذا الاقتطاع بقضية أن تسكن الأماكن العليا؟
الأماكن العليا والسكنات الأخيرة كانت تسمى عندهم الغرف، والغرف هي الطوابق الأخيرة أو تكون عادة فوق المباني، تجد غرفة مستقلة، فهذه الغرف تقطعك عن الناس عموما فلذلك هي أولى بطالب العلم.
قال: أما الطالب الضعيف الذي عنده مشاكل في المفاصل آآ وأوجاع لا يستطيع الصعود إلى الدرجات العليا، فكحالي، أسأل الله أن يفرج عني وعنكم. والمتهم، المتهم يعني طالب العلم قليل الديانة. وهذا ايش علاقته يا شيخ بالموضوع؟
الآن أحبتي المدارس الوقفية قديما كانت في آآ الأماكن العامة، يعني لم تكن في أماكن منعزلة عن المجتمع، فتكون هذه المدرسة وهذا المعهد ربما مشرف آآ على الطرق الرئيسة، وهذه الطرق الرئيسة والشوارع العامة والطرق العامة فيها آآ النساء والأطفال والصبيان، الكل يسير بها والفتيات.
فابن جماعة يقول: إذا كان الطالب الملتحق بالمعهد قليل الضعيف الديانة، يخشى منه أن ينظر إلى النساء وأن يطلع على العورات، في هذه الحالة المعيد، فهذه من وظيفة المعيد، في هذه الحالة المعيد يأمره أن يسكن في الطوابق السفلى آآ حتى لا ينظر إلى الطرقات وإلى عورات المسلمين وإلى بيوت الناس. فالطالب الضعيف بنيته أو المتهم في دينه آآ والشيخ المدرس الذي يقصد للفتية والاشتغال عليه هذا يسكن في المساكن السفلية.
أيضا الشيخ وفي المساجد السفلية حتى يستطيع الطلبة جميعا الوصول إليه، آآ فهذا أولى بهم.
قال: والمراقي التي تقرب من الأبواب أو من الدهليز أولى بالموثوق، يعني السكنات التي هي أقرب آآ إلى الطرقات وأقرب إلى آآ أبواب المدارس المشرفة على آآ بيوت الناس، هذه الأولى أن يسكن فيها الطلبة الذين يوثق بديانتهم عموما، واما المساكن الداخلية فهي التي آآ يتم تسكين الطلبة الذين قلت ديانتهم فيها.
قال: والمراقي الداخل التي يحتاج فيها إلى المرور بأرض المدرسة أولى بالمجهولين والمتهمين. الطلبة مجهولو الحال أو الطلبة المتهمون، يعني عندهم قلة في الديانة، المعيد عليه أن يتفرس وينظر، فيسكنهم في المساكن ولا يجعل مساكنه في قبالة الشوارع وطرقات الناس.
قال: والأولى ألا يسكن المدرسة، آآ الظاهر هنا المدرسة مفعول به مقدم، بالتالي: والأولى ألا يسكننا المدرسة وسيم الوجه. وسيم فاعل مؤخر والمفعول به مقدم، تكون الجملة هكذا: والأولى ألا يسكن المدرسة وسيم الوجه أو صبي ليس له فيها ولي فطن.
هذه قضية تتعلق آآ بالمردان عموما، هذا المصطلح هو مشهور عند السلف الصالح، أنا طالب العلم عليه أن يحذر آآ التعامل مع المردان مع الشباب الصغار، وإياك أن تأخذ أريحيتك كثيرا معهم، لأن الشيطان يدخل إلى النفوس.
الشيطان يدخل إلى النفوس، وفي الحقيقة كثير من القصص المؤلمة وقفنا عليها لبعض طلبة العلم وقعوا في المحظور بسبب عدم مراعاتهم لهذا الامر، وقعوا في محظورات شرعية طلبة، نعم، طلبة علم وقعوا في محظورات شرعية بسبب عدم مراعاتهم لهذا الأمر، قضية التعامل مع المردان وصغار السن هذه قضية يجب التنبه عليها من أحبائنا من طلبة العلم، ولا تأخذ راحتك.
نعم، قد تسلم، قد آآ تتعامل معه بلطف، لكن لا تعطي نفس الأريحية في التعامل كثيرا خشية من دخول إبليس.
قال: وألا يسكنها النساء أيضا. سكن النساء أخطر وأخطر، وألا يسكنها نساء في أمكنة تمر الرجال على أبوابها أو لها كوة، يعني كوة هي الثقب يكون في الجدار، وهذا مظنة آآ أن ينظر ما في داخله من العورات، فيجب علينا إذا أن ننتبه، آآ لا تسكن النساء في مساكن آآ المدارس وفي الأمكنة التي تمر الرجال على أبوابها، أو لها كوى، يعني لها شرفات ونوافذ مفتوحة تشرف على ساحة المدرسة، حتى لا ينظر ولا تكشف عورات مسلمين.
قال: ينبغي للفقيه ألا يدخل إلى البيته من فيه ريبة أو شر أو قلة دين ولا يدخل هو.
إلى بيت من فيه ريبة أو قلة دين، لأن إذا وجد الناس العالم يتردد إلى بيت رجل فيه ريبة أو قلة في الدين، أناساً يتهم العالم. فالعالم يكون فطناً يطلب السلامة ويأخذ بالأحوط، فلا يدخل إلى بيته إنسان عليه علامات استفهام، ولا يدخل هو أي إلى بيت هذا الرجل.
قال: ولا يدخل إليه من يكرهه أهلها، أو من ينقل سيئات سكانها. لا يدخل إليها، لا يجوز ولا يصح. على قيم هذه المدرسة أو المعيل الذي في هذه المدرسة، لا يصح أن يدخل إلى هذا المعهد هذا شخص يكرهه أهل هذه المدرسة، لا يحبونه، أو شخص معروف بسوء عشرته، أو شخص ينم عليه مع رب النميمة والإيقاع بين الناس، أو شخص لعاب لاهي، فنعيذ عليه ألا يتقن هذا الصنف من الطلبة إلى المعهد.
قال: أو من ينقل سيئات سكانها، أو ينم عليهم، أو يوقع بينهم، أو يشغلهم عن تحصيلهم. ولا يعاشر فيها غير أهلها؛ إذاً هذا المعيد وهذا المدرس عليه ألا يعاشر إلا أهل هذه المدرسة من الطلبة الجادين، ولا يدخل إلى هذه المدرسة أي إنسان بطال، أي إنسان فارغ، أي إنسان لا قيمة علمية له، وإنما إنسان أتى ليتلاعب ويشغل نفسه ويشغل الناس معه.
طيب، نذهب إلى الأدب الثامن، قال: آه، إذا كان سكنه في مسجد المدرسة، أو في مكان الاجتماع، ومروره، آه، أو في مكان الاجتماع ومروره ومروره على حصره وفرشه، فليتحفظ عند صعوده إليه من سقوط شيء من نعله. الآن، إذا كان بعض الطلبة قد يكون سكنهم في المدرسة، في مسجد المدرسة، أو يكون السكن، آه، يضطر الطالب حتى يصل إليه أن يمر بمجلس العلم، أو يضطر أن يمر مسجد من مساجد المعهد -باختصار- لا يوجد طريق للسكن إلا من خلال المسجد، أو من خلال المرور بحلقة العلم، وهناك سجاد وهناك حصير مفروش في المسجد وفي حلقة العلم.
فكيف يمر سكنه؟ هل يدعس بنعليه؟ كما يفعل بعض الطلبة للأسف، يدوس بنعليه على هذا الفرش وعلى هذا الحصير بحجة أنه لا يريد أن يخلد عليه ويتعب نفسه حتى يصل إلى سكنه. لا، قال: يتحفظ عند صعوده إليها، إلى سكنه، من سقوط شيء من نعليه، ولا يقابل بأسفلهما، أي بأسفل النعلين، تخلع النعلين ولا تقابل بأسفلهما القبلة، لأن هذا ليس من الأدب، ولا وجوه الناس، وهذا لأنه ليس من الأدب أيضاً، ولا ثيابه، وحتى لا تتسخ الثياب، فليجعلوا أسفل أحدهما إلى أسفل الآخر، تضع أسفل هذا الحذاء على أسفل الحذاء الآخر، وهذه طريقة معلومة لديكم بعد نفضهما أما عليهما من الأذى، ولا يلقيهما إلى الأرض بعنف كما يفعل بعض الناس في المساجد، ولا يتركهما في مظنة مجالس الناس والواردين إليها غالباً.
ثم للأسف نلاحظ أحياناً على أبواب المساجد تجد الإنسان يخلو حذاءه عن الباب وفي طريق الناس ويذهب للصلاة، وهذا ليس من الأدب. آه، قال: ولا يتركهما في مظنة مجالس الناس والواردين إليها غالباً، كطرفي الصفة. الصفة هي دكة تكون مرتفعة عن الأرض، وهذه الدكة عن الأرض عادة ما يجلس عليها الناس، فلا يصلح وضع الأحذية عليه، تكون مثلاً هنا دكة، ثم بعد أمتار دكة أخرى، هذه الدكات إنما بنيت في يد طلبة العلم عليها، فلا يصح له، ليس من الأدب يا طالب العلم أن تضع حذاءك عليها، وإنما تضع الأحذية بينها كما سيأتي، يقول: بل يتركها، إذا تركها في أسفل الوسط ونحوه.
يعني هنا دكة وهنا دكة، هنا صفة وهنا صفة، اجعل الحذاء بينهما على الأرض. قال: ولا يضعها، أي الأحذية، تحت الحصر في المسجد بحيث تنكسر؛ لأن الحصر إذا وضعت تحتها الأحذية تبدأ، يعني المادة التي تبنى منها حصور، تبدأ تتكسر وتتفتت، لا تتحمل كثرة الرفع والخفض. فهذا أيضاً من الآداب، يعني أنظروا إلى الجماعة رحمة الله عليه، أنا أمر سريع لكن تلفتني هذه الأدبيات الدقيقة؛ يتكلمون: أين تضع الحذاء؟ هل تضعه تحت الحصير أو لا تضعه تحت الحصير؟ تكلم عن وضع الأحذية، يتكلم عن وضع الأحذية: أين يضع طالب العلم حذاءه؟ شيء عجيب أحبتي.
شيء عجيب جداً، يدلل على عظمة هؤلاء العلماء الكبار. الآن يتبجحون بالثقافة الغربية وبالتراث الغربي والتربية الغربية، صدقوني لم يصلوا إلى ما وصل إليه علماء السلف في تحديد الأدبيات والسلوكيات المرضية، لم يصلوا أبداً على توسع علومهم، لم يكتبوا مثل هذا الكتاب، لم يصلوا إلى الدقائق وإلى التفاصيل كما وصلنا إليها، لكننا للأسف لا نقرأ، ويأتي محاضر جامعي يحسب نفسه أنه حمل شهادة شرعية، ويبدأ يتبجح بالثقافة الغربية والفكر الغربي وأهمية التطور، والآلاف...
أنفوسكم بكتب التراث، صدقوني لن تكون هناك نهضة حتى نعود لننبش أو ننبش ما كتب العلماء في كتب التراث، ونخرج تلك الكنوز ونعيد تطبيقها في واقعنا المعاصر، نعيد تطبيق هذه الكنوز وهذه الأفكار وهذه القيم وهذه الأخلاق في واقعنا معاصر، بما يتلائم مع واقعنا نحن. نعم نريد أن نتعامل مع الواقع لكن وفق رؤية السلف الصالح، نأخذ من تلك الكنوز وننهل من ذاك المعين العذب، ثم نأتي لنمارسه بأسلوب حصري رائق، لا نقطع علاقتنا بالماضي كما يزعم البعض. الماضي ليس تخلف، الماضي حضارة، الماضي عزة، الماضي رفعة، الماضي قيم، الماضي، آه، أخلاق.
الماضي أحبتي هو الذي صنع لهذه الأمة حضارة، ما زلنا إلى اليوم لم نصل إلى ربع الحضارة التي بناها المسلمون في الماضي. نعم الحضارة لا تبنى فقط بالطوب والأسمنت، الحضارة لا تبنى بالسيارات والاقلام، والاقلام والدفاتر والمعاهد والجامعات، الحضارة تبنى بالقيم والافكار والاخلاق، اهتمامات الطموحات والهمم والعزائم، هذه أساس الحضارة، ثم بعد ذلك تأتي الأمور الأخرى البناء والأسمنت والحجارة تأتي، لكنها تأتي بعد الفكر والعقل والثقافة.
قال: وإذا سكن، انظروا ماذا يبحث الآن؟ قال: وإذا سكن في البيوت العليا خفف المشي والاستلقاء عليها، ووضع ما يثقل كي لا يؤذي من تحته. الله أكبر، يقول: إذا سكنت في الطابق العلوي عليك أن تحرى أن تمشي بهدوء، أن تمشي بهدوء حتى لا تؤذي الجيران، ولا تضع شيء ثقيل بصوت مرتفع كطاولة أو ما شابه ذلك حتى لا تؤذي الطلبة الذين يسكنون أسفل منك.
قال: وإذا اجتمع اثنان من سكان العلو أو غيرهم في أعلى الدرجة، بدر أصغرهما بالنزول قبل الكبير. عجب عجاب أحبتي، يتكلم ابن جماعة الآن عن أدب نزول الدرج! أدب نزول الدرج ابن جماعة يقول: الآن أنا وطالب علم اجتمعنا مثلاً نسكن في الطابق العلوي، نريد أن ننزل معاً إلى الطابق السفلي، اجتمعنا والتقينا على الدرج، من الذي ينزل أولاً؟ ومن الذي ينزل آخراً؟
انظروا أين يبحثون في باب الأدب، يعني شيء غير معقول! هلأ أنت، هل تتصور أن يتكلم العلماء عن ما هو أدب صعود الدرج وأدب نزول الدرج؟ تكلموا عن ذلك، يقول: إذا اجتمع اثنان في أعلى الدرج يريد أن النزول إلى الطابق السفلي، الذي يتقدم هو الطالب الأصغر كأنه يكشف الطريق، يتأكد من سلامتها، إذا وصل إلى آخر الدرج ينزل، ينزل الطالب الأكبر، ولا ينزل الطالب الأكبر حتى ينتهي الطالب الأصغر من النزول.
طب يا شيخ لماذا لا ينزلان معاً؟ الظاهر أن الدرجات في، آه، الدرج في أزمانهم كان فيه ضيق ربما لا يتسع لأكثر من شخص، لربما ذلك، فلذلك لا ينزل معاً، وإلا ربما نحن الآن، يعني الحمد لله الدرج واسع يستطيع أكثر من شخص أن ينزل وأن يصعد عليه، لكن أنت خذ الفكرة ولا تركز كثيراً في الألفاظ.
قال: واجتمع اثنين من سكان العلو أو غيرهم في أعلى الدرجة، بدر أصغرهما، بدرا بدرا يعني بادر، أصغرهما بالنزول قبضا كبير، والادب للمتأخر، يعني للكبير، أن يلبث ولا يسرع بالنزول إلى أن ينتهي المتقدم إلى آخر الدرجة من أسفل، يعني حتى ينهي النزول، حتى لا يشغل، لماذا؟ لأنك لما أنت نزلت، آه، تباعاً خلفه؟ قد تضطر أن يسرع، فإذا أسرع قد يتعثر ويسقط، فدعها يأخذ راحته في النزول، ثم تنزل بعد ذلك.
قال: ثم ينزل، فإن كان كبيراً تأكد ذلك. وإن اجتمعا في أسفل الدرجة للطلوع، يعني العكس، إذا كنا مجتمعين في أسفل، آه، في الطابق السفلي ونريد أن نصعد إلى، آه، الطابق العلوي، من الذي يتقدم؟
الذي يتقدم هو اه الشخص الكبير هو الذي يتقدم في الصعود، ثم يأتي بعد ذلك اه الصغير بعده. ومما يمكن أن يلمح يعني بعض طالبات العلم يستفسر يعني لماذا؟ في النزول الصغير ينزل، وإذا كنا في الصعود الكبير هو الذي يبدأ.
لماذا الصغير يبدأ في النزول والكبير يبدأ في الصعود؟ في الحقيقة لم يذكر ابن جماعة الهدف بشكل واضح، لكن مما يمكن أن يلمح في هذا آآ أن النزول فيه انخفاض، فأنت تريد أن تحترم الكبير وتوقره فلا تريد منه أن يبادر هو إلى الانخفاض قبلك. كأنه دلالة معنوية الانخفاض، وأما الصعود فدلالة المعنوية الارتقاء، فمن باب تبجيل الكبير أن تقدم في الارتقاء والعلو.
فكأن الأمر نفسي معنوي يعني في النهاية هذا أدب نفسي معنوي. بما أنه النزول في سفل فالذي ينزل أولاً يكون هو الأصغر، احتراماً لشيبة الكبير أو للعمر الأكبر. وأما الصعود من أسفل إلى أعلى فيه ارتقاء ورقي، فهنا الصغير عليه أن يوقر الكبير ويجعله هو الذي يرتقي في هذه الدارج.
فقد يكون إذا من الأمور المعنوية، والله تعالى أعلم. طب حتى لا نطيل ننتقل للأدب التاسع، قال: ألا يتخذ آآ باب المدرسة مجلساً بالله يجلس فيه أي أصالة إن أمكن، إلا لحاجة أو في ندرة لقبض أو ضيق صدر.
يعني الأصل في طلبة العلم ألا يجلسوا على أبواب المدارس والمعاهد كما يفعل للأسف الطلبة الصغار في المدارس. الآن الطالب الصغير في المدارس لو جلس على باب المدرسة نعذره لأنه صغير، أما أنت طالب علم تلبس لباس العلم، بعد ذلك على آآ أبواب المعاهد والجامعات تنظر في من يذهب من يأتي من النساء والأطفال والرجال، هذا ليس من أدب طالب العلم. إذا ضرورة قصوى مثلاً تنتظر أخاً لك أو زميلك وانقبض صدرك فأردت أن تخرج من المعهد أو من الجامعة دقائق لتأخذ نفساً جديداً وتعود تسامح.
لكن أن يكون باب طالب العلم الجلوس على أبواب المعاهد كحالة البطالين هذا مما لا يليق به، إذاً قال: ألا يتخذ باب المدرسة مجلساً، بل لا يجلس فيه أصالة إن أمكن إلا لحاجة أو في ندرة لقبض أو ضيق صدر.
ولا في دهليزها، لا ينزل في الدهلية قال: ولا في دهليزها المهتوك. المهتوك معناه المشقوق المفتوح إلى الطريق. يعني بعض المدارس مثلاً فيها دهاليز مفتوحة على آآ الطرقات، هذه الدهاليس أيضاً ليست أماكن للجلوس، هذه أماكن لمرور الناس يمر فيها الناس عموماً، فإياك أن تجلس لأن هذا ليس من أدب العلم.
والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الجلوس على الطرقات، إياكم والجلوس في الطرقات الحديث المشهور، وهذا منها أو في معناها. يعني حتى لو الدهليز في داخل المدرسة أو في داخل المعهد لا تجلس في طرقات، لا تجلس في أماكن مطروقة وفي أماكن مرور الناس. قال: لا سيما إن كان ممن يستحي منه.
يعني إذا كان صاحب هيبة هذا الطالب ويستحيا منه، فاياك أن تجلس ليصبح كل من يمر في الطريق يستحي منك ويخفض رأسه، حاول أن تبتعد عن هذه الرعونات إن لم يكن لها حاجة. إذاً، لا سيما إن كان ممن يستحيي منه أو ممن هو في محل تهمة أو لعب.
يعني أو إذا كان بالعكس من يستحيا منه بل هو شخص آآ من أهل اللعب واللهو أو التهمة في الدين، فإذا كان الشخص متهم في دينه أو لعب أو لهو، هذا يزجره ويزبره الوعيد ويأمره أن يخرج عن هذه الطرقات وعن هذه الأبواب، أنك أنت متهم أن جلوسك على هذه الأبواب وعلى هذه الدهاليز مقصدك منه النظر إلى النساء أو الصبيان أو ما شابه ذلك.
قال: ولأنها أيضاً في مظنة دخول فقيه بطعامه وحاجته، يمكن يدخل الشيخ معه طعام إلى آآ أهله وعياله من وجود الطالب وهو ينظر إليه في هذه الحالة، فلربما استحيا من الجالس أو تكلف سلامه عليهم. المهم وهي أيضاً في مظنة دخول النساء من يتعلق بالمدرسة ويشق عليه ذلك ويؤذيه، أحياناً ممكن تدخل آآ بعض النساء إلى هذه المدرسة لغرض لها مثلاً أم تسأل عن ابنها أو ما شابه ذلك، فجلوسك في الطرقات وفي الأبواب عموماً إذاً لا يليق بك يا طالب العلم.
قالوا: ولأن في ذلك بطالة وتبذلاً، هي باختصار لأن هذه فعلاً أفعال البطالين وفيه تبذل ومهانة. قالوا: ولا يكثر التبشي في ساحة المدرسة من غير حاجة، آآ من غير حاجة عفواً إلى راحة أو رياضة أو انتظار أحد.
إذا كنت تتمشى في ساحة المعهد من أجل الراحة وأخذ نفس جديد وممارسة رياضة لا بأس، أما إكثار المشي وتضييع في ساحات المدارس بالتسكع فهذا من أفعال البطالين. قال: ويقلل الخروج والدخول ما أمكنه، يسلم على من بالباب إذا مر به. يعني كنت دخلت على آآ غرفة صفية أو دخلت من باب المدرسة وكان هناك مثلاً مسؤول أو حادث تسلم على من بالباب؟
قال: ولا يدخل العامة عند الزحام من العامة إلا لضرورة لما فيه من التبذل. الميضة هو مكان الوضوء العام، يعني الحمامات العامة التي الناس عليها يقول ابن جماعة: طالب العلم عليه أن يتحرى ألا يدخل هذه الحمامات العامة خاصة عند ازدحام العوام عليها، لأن مزاحمتك على أبواب الخلاء تبذل وفيه تقليل لهيبة العلم. أن تزاحم العوام على أبواب الخلاء فيه تبذل في الحقيقة، فالاصل في طالب العلم تعظيماً للعلم ورفْعاً لهيبته وشعاره أن ينأى بنفسه عن هذا الاماكن وأن يزاحم الناس على أماكن التغوط والخلاء حفاظاً على حرمة العلم.
قال: إذا دخلت، طيب لا اضطررت أن تدخل إلى هذه الحمامات العامة. إذا اضطررت الدخول إلى هذه الحمامات العامة عليك أولاً آآ لأن لا تدخل الخلاء حتى تطرق الباب ثلاثاً.
إذا لم يجبك أحد تستطيع الآن أن تفتح الباب، ولكن افتحه بتأني. خشب أن يكون هناك شخص في الداخل، لكنه لم ينتبه لتركك. فيقول ابن جماعة: ويطرق الباب إن كان مردوداً، باب الخلاء إن كان مردوداً طرقاً خفيفاً ثلاثاً، إذا لم تسمع صوت تفتحه بتأني، وليس إذا لم تسمع صوت تفتحه مباشرة، قد يكون هناك شخص غافل يعني ساهم، وهذه أماكن يكثر فيها السهو والغفلة.
فيقول لك: تأنى في فتح أبواب الخلاء. قالوا: ولا يستجبر بالحائط فينجسه، ولا يمسح يده المتنجسة بالحائط أيضاً، وهذا أيضاً معلوم لطلبة العلم. وليس طالب العلم يعني إذا كان طالب العلم يحتاج إلى النصح بمثل هذه الأمور فأظن أنه يحتاج إلى مراحل ومراحل بعد.
طيب نذهب إلى الموضوع العاشر، قال: ألا ينظر في بيت أحد في مروره من شقوق الباب ونحوه. يعني طالب علم، العامي المسلم لا يجوز له أن ينظر في شقوق الأبواب. قال صلى الله عليه وسلم: إنما جعل الإذن من أجل البصر.
وقال عليه الصلاة والسلام آآ لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فخذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح. يعني إذا كان هناك شخص يحاول أن ينظر من خلال الباب إلى عورتك وإلى بيتك فأنت حذفته يعني رميته بعصا وفتأت عينه بمقصرة وما شابه ذلك لا دية له في الشرع لأنه هو هو الذي جنى عليك، فكيف بطالب علم ينظر إلى عورات المسلمين ويحاول النظر من النوافذ وشقوق الأبواب؟ هذا مما لا يليق أبداً.
قال: ولا يلتفت إليه إذا كان مفتوحاً. يعني إذا وجدت الباب أو النافذة مفتوحة على بيت إياك أن تنظر فيها. وقال: وإن سلم سلم وهو مار من غير التفات ولا ولا يكثر الإشارة إلى الطاقات لا سيما إن كان فيهن نساء، ولا يكثر الإشارة باليد أو بالعين أو ما شابه ذلك إلى الطاقات.
وأيه يعني الطاقة أحياناً هي كنافذة صغيرة تكون في باب أو تكون في جدار، لا يكثر الإشارة إليها لا سيما إن كان هناك نساء. قال: ولا يرفع صوته جد في تكرار أو نداء أحد أو بحث ولا يشوهه على غيره بل يخفضه أي صوته ما أمكنه مطلقاً، لا سيما بحضور المصلين وحضور أهل الدرس، ويتحفظ من شدة وقع القبقاب (وأظنه آآ حذاء آآ نعلو إيقاعه من الخشب).
إذا اغسله من الخشب فيصدر صوت عالي حين المشي، فينبغي أن يتحرز -يعني إذا كان النبي قد قابل عليه- أن يتحرز ألا يصدر صوتا مرتفعا، ويتحفظ من قاضي والعنف في إغلاق الباب وإزعاج المشي في الخروج والدخول والصعود والنزول، وطرق باب المدرسة بشدة لا يحتاج إليها، ونداء من بأعلى المدرسة من إلا أن يكون بصوت معتدل عند الحاجة.
لأن كل هذه التصرفات أحبتي هذه من رعونات النفس؛ الصراخ والضجيج وإحداث آه فوضى في هذه الأماكن وفي هذه المدارس والمعاهد ليس من حال طلبة العلم. طالب العلم يسير بسكينة ووقار وهيبة، فعلا من ينظر إليه تصرفاته يعلم أن هذا إنسان يحمد العلم، هذا إنسان فعلا يأمل أن يكون له شيء في المستقبل.
وأما إذا كان طالب العلم لا يلتفت أبدا إلى هذه الأدبية دائما يظهر ضجيجا وصوتا وصراخا ويعبث ويلهو ولا يلتفت إلى آدم من الآاب فهذا في الحقيقة لا يرجى له الفلاح. قالوا: وإذا كانت المدرسة مكشوفة إلى الطريق السالك من باب أو شباك تحفظ فيها من التجرد عن الثياب؛ يعني إذا كان سكنك الجامعي يشرف على طرقات الناس فإياك أن تجرد من ثيابك حتى لا تنظر الناس إلى عورتك.
قال: وأيضا كشف الرأس الطويل من غير حاجة. وهذه قضية كشف الرأس الطويل من غير حاجة -يعني قضية تحتاج إلى نقاش مع طلبة العلم اليوم- لأن بعض طلبة العلم بل يقول العرف في هذا الزمان أن يكشف الرأس، فما يذكر من أهمية تغطية الرأس لطالب العلم هذا محله في زمن الأوائل.
وهذي قضية يعني في النهاية قيضية فروعية ليس قضية أصلية في حياة طالب العلم تقبل النقاش ومراعاة الأعراف، لكن ما أقوله الأولى بطالب العلم أن يغطي رأسه وأن يلتزم بثياب أهل العلم ولا يخرج، وهذه القضية نصحت بها في بداية هذه المجالس: على طالب العلم أن يتميز بثيابه واندامه ومظهره بحيث ينظر إليه فيعرف أنه طالب علم، ومن أهم ذلك تغطية الرأس، حتى لو لم يكن ذلك من الآداب الأصيلة الملزمة لكنه في يعني في أقل أحواله من الآداب العامة التي تزيد العلم بهجة ورونقا. قال: تجنب ما يعاب، أي ما يخل بالمروءات بالأكل ماشيا وكلام الهزل غالبا والبسط بالفعل وفرط التمطي والتمايل على الجنب والقفا والضحك الفاحش بالقحقهة ولا يصعد إلى أيها المشرف من غير حادث أو ضرورة.
لأن هناك أمور تخل بالمروءات على طالب العلم أن يجتنبها ويحافظ على المروءة. فالأكل ماشيا مثلا طالب علم اشترى شيئا من الطعام تجده يبدأ يلتهم هذا الطعام وهو في الطريق، وهذا لا يصلح أحبتي في النهاية، خاصة إذا أصبح طالب العلم محط نظر الناس والناس تأخذ منه ومن علمه وتنهل منه؛ إياك أن تظهر في هذه المظاهر التي تخل بمروءتك.
كلام الهزل والضحك آه والتمايل يمينا وشمالا من شدة الضحك هذه كلها كما قلنا من رعونات النفس التي لا تصلح لطالب العلم. الأدب الحادي عشر والأخير نسأل الله حسن الختام دائما، قال: أن يتقدم على المدرس في حضور موضع الدرس. أي ينبغي على الطالب أن يحضر إلى حاضرتي وإلى المجلس قبل المدرس.
إن بعض الطلبة للاسف لا يعضوا إلى مجلس العلم إلا بعد حضور المدرس وبداية المحاضرة، وهذا في الحقيقة أولا ليس من الأدب مع العلماء، الأصل أن تظهر لشيخك ولاستاذك الحرص على سماعه، آه الحرص على حضور مجلسه بأن تكون مستعدا جالسا في المجلس معك الدواء والقلم والورق والقرطاس والكتاب، فهذا يجعل العالم ينظر إليه نظرة توقير واحترام ويعلم أنك طالب علم. ثانيا: دخول الطلبة في المحاضرة في الحقيقة مشغل يقطع حبل الأفكار على الطلبة وعلى الشيخ، فعلى طالب العلم إذا أن يهتم بهذا الأدب أن يكون حضوره بمحاضرات مبكرا ما أمكنه.
قال: ولا يتأخر إلى بعد جلوسه أي جلوس شيخه وجلوس فيكلفه آه في كلفهم بالنصب -يعني ولا يتأخر إلى بعد جلوسه وجلوس الجماعة في كلفهم منصوب بأن مضمر وجود بعد فاء السببية المسبوقة بنفيا في كلفهم المعتاد من القيام ورد السلام-. الظاهر أن العادة في زمانهم العادة في زمانهم أن أي طالب يدخل إلى مجلس العلم يقوم الطلبة له ويسلمون عليه، كان هذا هو آه الأدب المنتشر في زمانهم. فأنت يا طالب العلم إذا قدمت متأخرا بعد أن جلس الجميع وأخذوا مقاعدهم، فإذا دخلت إلى مجلس ستضطر أن توقف زملائك وأن تقيم من مقاعدهم ليسلموا عليك، وهذا فيه حرج، كلما دخل طالب نقوم من المجلس ونسلم، كلما دخل طالب قم من المجلس ونسلم، طبعا هذا بناء على تلك العادة المعروفة في زمانه.
في هذه الحالة وفي هذه الحالة في الحقيقة أنت ترهق الزملاء، ربما هذه العالم درست في زماننا -يعني كثير من الطلبة يدخلون لا أحد يلتفت إليهم، فضلا أن يسلم أن يقوم لهم آه- لكن يبقى قضية قطع حبل الأفكار من المدرس والطلبة، لأنك إذا دخلت المدرس يلتفت إليك أو الطلاب سيلتفتون إليك فتحدث شيئا من التشويش، فلا صلة أن تجتنب ذلك. قال: وربما فيهم معذور -يعني ربما في زملائك شخص معذور لا يستطيع القيام- لكن أنت إذا دخلت متأخر وجدت الجميع قاموا وهذا الطالب لم يقم لعذر فيه أنت لا تعلم، أنت تجد في نفسك عليه وتقول لماذا لم يكن لي مع أنه في الحقيقة معذور، فأنت ابتداء أغلق الباب على نفسك وأغلق أبواب الشيطان على القلب فاحتر لي المحاضرة في وقت مبكر.
وقد قال السلف رحمة الله عليهم من الأدب مع المدرس أن ينتظره الفقهاء أي متفقه أي الطلبة الذين يريدون أن يتفقهوا ولا ينتظرهم، ليس هو الذي ينتظر قدوم الطلبة بل الطلبة ينتظرون قدوم المدرس، واليوم للاسف انعكست الحكاية كثيرا. المهم ينبغي أن يتأدب في حضور الدرس بأن يحضره على أحسن الهيئات وأكبر الطهارات وليس بالرائحة كريهة أو بالإثيوب المبتذلة، طالما كان الشيخ أبو عمر ابن الصلاح يقطع من يحضر من الفقهاء الدرس محففا بغير عمامة -انظروا ابن الصلاح أن يطرد الطلبة الذين يحضرون مجلس العلم من دون تغطية الرأس، يطردهم من المجلس-.
قال: أو مفكك الأزرار الفرجية -يعني أو طالب عين أزرار ومفككة باختصار طالب علمنا يظهر بهيئة طالب علم كان يطرده- كانوا يوقرون العلم أحبة العلماء قديما ما كانوا ينظرون إلى عملية التعلم آه على أنها فقط عملية اخذ معلومات وهذا ما أكرره، لأن هناك للاسف انفصال اليوم بين العلم والادب. ثم الطالب أن محاور العملية التعليمية معلم يعطي معلومة لطالب وانتهى الأمر، محاور العملية التعليمية واسعة جدا؛ هناك معلم ناصح مربي موجه، هناك أخلاقيات، هناك سلوكيات، هناك أدبيات يجب أن ينتبه إليها في الحياة العلمية حتى يبقى للعلم الشرعي حرمته، أما هذا الاستهتار وهذه الفوضى الأخلاقية عند طلبة العلم اليوم هذا أمر غير مقبول أبدا.
قالوا: ويحسن جلوسه واستماعه وإراده -أي الأسئلة وجوابه عن الشيخ إذا سأله الشيخ وكلامه وخطابه- ولا يستفتح القراءة والتعود وقبل أن ندرس -يعني قبل المدرس هو الذي يبدأ بالاستفتاح ويقول بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله ثم بعد ذلك يأتي دور الطالب-. قال: وإذا دعا المدرس في أول الدرس للحاضرين أي للطلبة على العادة المعتادة أجابه الحاضرون بالدعاء له أيضا -يعني إذا المدرس دعا للطلبة يقول مثلا يا نفع الله بكم وجعلكم علماء وقادة في المستقبل الطلبة يقابلون ذلك من المدرس ويقولون جزاك الله عنا خير الجزاء ونفعنا الله بعلومه-.
في الحقيقة نعم ربما جلست -يعني في مدينة رسول الله في كثير من المدارس العلمية وكان هذا الأدب حاضرا والحمد لله، دايما نسمع الطلبة يشكرون مشايخهم ويثنون ونفع الله بأشياخنا وبعلمائنا، ولكن في هذه الديار للاسف قل الالتفات إلى مثل هذه الآداب، تجد الطالب يتكلم مع المدرس وكأنه يتكلم صديقه وكأنه يتكلم مع صديقه تماما لا حرمة ولا أدب ولا تعظيم ولا دعاء ولا ثناء عليه، وهذا ليس من حرمة العلم.
وكان بعض أكابر مشايخي يقول ابن جماعة -يعني بعض مشايخي الزهاد الإعلام، يعني ليس شخص متكبر بل شخص زاهد، لكنه كان يزبر أي يزجر تارك ذلك ويغلظ عليه- طالب العلم الذي لا يدعو لشيخه ولا يستغفر له، لأن هذا الطالب عنده عقوق لمشايخه.
قال: ويتحفظ من النوم والنعاس والحديث والضحك وغير ذلك مما تقدم في أدب المتعلم مما سبق، ولا يتكلم بين الدرسين إذا ختم المدرس الأول يعني الدرس الأول بقوله: الله أعلم، إلا بإذن منه، استأذن يا شيخ يا شيخ ممكن أكلم زميلي؟
قضية إذا لم يأذن لك الشيخ إياك أن تتكلم. قال: ولا يتكلم في مسألة أخذ المدرس الكلام في غيرها، لا تخض في مسألة تجاوزها المدرس وبدأ الخوض في غيرها، ولا يتكلم بشيء حتى ينظر فيه فائدة وموضعا، يعني عليك أن تحسب الكلمات قبل أن تخرج من فيك باختصار.
المماراة في البحث والمغالبة فيه، لا يكون هدفك آه أن تغلب الشيخ في معلومة، بعض طلبة العلم إذا حضر مجلس العلم هدفه أن يظهر تميزه على الأفراد وانه استطاع أن يفحم شيخه وأن يبين علمه وأن يظهر ما عنده، وهذا أحبتي لا يفلح، هذا الطالب لا يمكن أن يفلح من يحضر مجالس العلم وهمه آه أن يهين الشيخ وأن يحرجه في بعض المعلومات وأن يظهر تفوقه فيه. هنا أحبتي انظروا لهذه القضية، بعض طلبة العلم عندهم إشكالية، ما هي؟
المدرس يكون ما شاء الله متفنن في علوم وناظر وقرأ وصنف وطالع في معلومة في علوم كثيرة شتى، فحصل علما غزيرا، لكن ما من إنسان وما من شيخ وما من عالم إلا وذهبت عنه معدومات وسهى عن بعض الأمور، ما فيه عالم جمع كل العلم، فتجد بعض الطلبة عنده رعونة نفس، هذا الطالب حصل معلومة أو حصل معلومتين فيريد أن يتنمر بهاتين المعلومتين على أشياخه وعلى زملائه وأقرانه، وهذه ظاهرة التنمر أشار إليها الشيخ آه بكر أبو زيد رحمة الله تعالى عليه وغفر له وأجزى له المثوبة آه في رسالة رسالة التنمر من طلبة العلم. في الحقيقة رسالة فيها نصح من والد حريص على طلبته، أنا أنصحكم أن تقرأوا هذه الرسالة الشيخ خاصة لطلبة العلم الذين يعانون من هذه الإشكالية، إشكالية التنمر، يعني إظهار النفس آه في مسألة وفي مسألتين.
هذا الشيخ الذي تتنمر عليه طالب العلم بمسألة ومسألتين، فخذ أنت تجمعهما وتحصنهما، هذا الشيخ حصل معلومات غزيرة في فنون كثيرة ونفع الأمة وقدم وبذل وصنف وناظر، فإن يغفل عن بعض المعلومات اليسيرة أو حتى الكثيرة هذا أمر متوقع، فإن تأتي لتتنمر عليه وتظهر أن الشيخ يجهل هذه المعلومة وأنا أعرفها، هذه من رعونات النفس التي يقبح أن يمارسها طالب العلم، ومن كان ينتهج هذا النهج في حياته من طلبة العلم، والله لن يفلح من كان همه أن يتنمر على شيوخه وأساتذته بكم معلومة حصلها في حياته ويريد أن يحرج الشيخ أمام الطلاب بأن هذا الشيخ لا يعرف هذه المعلومة، مع أن الشيخ يرث آلاف مؤلفة من المعلومات لم يقف عليها هذا الطالب، هذا الطالب لا يفلح أبدا في حياته أحبتي، لأن الله سبحانه وتعالى إنما بارك في القلب الطاهر النقي، القلب المقبل على العلم بصدق وجد، وليس القلب العابث.
قال: فإن ثارت نفسه لجمها بلجام الصمت والصبر والانقياد. إذا نفسك ثارت تريد أن تناقش وتجادل وتحاور، يقول لك ابن جماعة عليك أن تكبح جماح هذه النفس وأن تلزمها الصمت وأن تخالف مرادها، لما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: من ترك المراء وهو محق بنى الله له بيتا في أعلى الجنة، وهذا الحديث روي بطرق متعددة فيها خلاف يعني في طرقها، وهو حسن لغيره بالجملة.
قال: ذلك أقطع لانتشار الغضب وأبعد عن منافرة القلوب، ويجتهد كل من الحاضرين أي كل الطلبة على طهارة القلب لصاحبه وخلوه من الحقد أو عن الحقد، وألا يقوم وفي نفسه شيء منه، وإذا قام من الدرس فليقل ما جاء في الحديث المشهور: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، وهنا أتى ربما برواية أخرى من جماعة: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك فيها زيادة: فاغفر لي ذنبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، وهذا من حسن الختام عند ابن جماعة أنه ختم كتابه بدعاء كفارة المجلس.
وهذا الحديث نعم تكلم فيه طائفة من أهل العلم، وأفضل من جمع طرقه وتكلم فيه فيما أعلم الإمام ابن حجر آه العسقلاني في ختام آه كتاب فتح الباري، جمع طرق هذا الحديث وأبدع في جمعها حقيقة، فهو حديث وإن ضعفه طائفة من أهل العلم لكنه حسن لغيره والله تعالى أعلم، وصح موقوفا عن جماعة من الصحابة الأفاضل، فينبغي على طالب العلم أن يحرص عليه دعاء كفارة المجلس: سبحانك اللهم لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، اغفر لي ذنبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
إذا أحبتي نعم انتهينا من هذا الكتاب المبارك، هذا سفر عظيم وكتاب مبارك من كتب السلف الصالح ومن كتب الأئمة الكبار، ينبغي على كل طالب علم في بداية خطوته في هذه الطريق أن يقف على كلام ابن جماعة، ينبغي أن يتأمل وأن يدقق وأن ينظر في كل أدب، في كل سلوك، في كل قاعدة، في كل منهج طرحه ابن جماعة ليطبق ويعمل.
نعم، الان انتهينا من الشرح، لكن جاء وقت العمل ووقت التطبيق، نحن لا ندرس هذه الكتب ولا ننظر فيها لنتفكه أو نتجمل أو نقول إننا درسنا كتابا فقط، نحن نريد أن نعمل وأن نطبق وأن نمتثل في حياتنا ما تعلمناه من ابن جماعة رحمة الله تعالى عليه، نريد أن نرتقي بأنفسنا وبطلبتنا إلى المستوى الذي ارتقى اليه العلماء الكبار من علماء السلف الصالح، نريد أن نرتقي بالعملية التعليمية لتصبح عملية تعليمية مثمرة منتجة تحقق فعلا لهذه الأمة مجدا وحضارة وتاريخا، نريد أن نشعر بالانجاز، كفانا أحبتي اه فوضى، كفانا تشتتا، كفانا بعدا عن المناهج الصحيحة والمناهج القويمة، آه كفانا ضياعا في بحار متلاطمة.
حان الوقت من جميع طلبة العلم أن يلتحموا على منهج قويم وعلى درب مستقيم، أن يعودوا إلى كتب التراث ليععملوا بما ورد فيها، وليطبقوا كلام علمائهم، لا يتجملوا فقط به في الظاهر من دون تطبيق وعمل وممارسة في حياتهم، نحن نريد أن نصنع طالب العلم الكامل، نريد أن نصنع العملية التعليمية المتكاملة بجميع جوانبها، بعض طلبة العلم يقول: يا شيخ نريد دورة في الاعتقاد، نريد دورة في كذا، نريد دورة في الفقه، ويتململون من قراءة كتب السلوك وكتب الأدب، وينظرون إليها بنظرة الازدراء أو عدم الاهتمام الكبير أو أنه تحصيل حاصل.
ووالله أحبتي إذا لم يكن المنطلق من هذه الكتب فلا خير فينا، إذا لم يكن المنطلق من كتب أدب طلب العلم فلا خير يرجى في طالب العلم، إذا هذه نهاية مجالسنا، أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يرحم العلامة الكبير العلامة ابن جماعة الكناني على تلك القواعد الثمينة والنصائح العظيمة على كل حرف سطره في هذا الكتاب وقدمه للأجيال اللاحقة من هذه الأمة، جزاه الله عز وجل عنا خير الجزاء ووسع له في قبره وأفسح له فيه، وأسأل الله أن يجمعنا به في جنات النعيم في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
في النهاية أحبتي هذا جهدي المقل، فما كان من أصابة فمن الله، وما كان من خطأ فمن نفسي ومن الشيطان، وأسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن ينفعنا فيما سمعنا وأن يجعل هذه المجالس ذخرا لنا يوم نلقاه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، ونلقاكم في مجلس آخر من مجالس غراس العلم لدراسة العلوم الشرعية، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الشيخ إبراهيم رفيق الطويل