تسجيل الدخول

الدرس 4

عامر بهجتالشيخ عامر بهجت
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فهذا هو الدرس الرابع من شرح الورقات لإمام الحرمين أبي المعالي الجويني رحمه الله تعالى.

وقد سبق معنا في الدرس الماضي ما يتعلق بالفروق بين الفقه والعلم، وكذلك عرفنا ما هو العلم وما هو الجهل، وتقسيم العلم إلى ضروري ومكتسب، وعرفنا مراتب الإدراك؛ وهي: العلم، والظن، والشك وغيرها وغيرها.

نعم، وأما اليوم بإذن الله فسوف نبدأ في الدرس الرابع، الذي يتضمن تعريف علم أصول الفقه وأقسام الكلام بعدة اعتبارات. أما بالنسبة لتعريف علم أصول الفقه، فقد عرفه المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: وعلم أصول الفقه طرقه على سبيل الإجمال، وكيفية الاستدلال بها.

وفي هذا التعريف بيان لما يبحث فيه علم أصول الفقه، يعني موضوع أصول الفقه. قال: علم أصول الفقه طرقه على سبيل الإجمال، طرقه الضمير يرجع على الفقه، يعني طرق الفقه على سبيل الإجمال. وطرق الفقه الموصلة إليه هي الأدلة، فالفقه لا يتوصل إلى مسائله وأحكامه إلا من خلال الأدلة.

إذن، طرق الفقه يعني أدلة الفقه. وعلم أصول الفقه هل هو يبحث في أدلة الفقه على سبيل التفصيل، أو يبحث فيها على سبيل الإجمال؟ يعني هل علم الأصول معني ببيان الدليل على كل مسألة من مسائل الفقه تفصيلا؟ فيقول في علم الأصول: الدليل على أن التشهد الأول من واجبات الصلاة هو أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد للسهو حينما نسي أو حينما شك عن التشهد.

والدليل على تحريم بيع العينة قال النبي صلى الله عليه وسلم: إذا تبايعتم بالعينة إلى آخره، لا، ليس هذا هو المراد، إنما علم الأصول يبحث في الأدلة على سبيل الإجمال، ولهذا قال المؤلف: طرقه على سبيل الإجمال.

والفرق بين البحث الإجمالي والبحث التفصيلي هو ما يأتي: الأصول أو علم الأصول يقرر ويحرر ويوضح ما هي الأدلة التي يصح الاستدلال بها، فيقول: إن القرآن دليل على الأحكام، وإن السنة دليل على الأحكام الشرعية، وإن فعل النبي صلى الله عليه وسلم حجة في بيان الأحكام الشرعية، وإن الإجماع دليل وحجة إلى آخره. لكنه لا يستدل بالآية الفلانية على الحكم الفلاني، إنما بحث ذلك في الفقه.

ثم قال: وكيفية الاستدلال بها. وهذا ركن آخر في علم الأصول؛ هو يبين لك أن القرآن حجة، لكن كيف تستدل بالقرآن على الأحكام الشرعية؟ يبين لك أيضا كيف تستدل بالقرآن على الأحكام الشرعية، فيقول لك مثلا: إذا وجدت في القرآن جمعا معرفا باللام فهذا يدل على العموم، وإذا وجدت في النص الشرعي أمرا فهذا يدل على الوجوب، وهكذا.

إذا، هذا معنى كيفية الاستدلال بها. فعندنا الدليل وهو الذي ذكره: طرقه على سبيل الإجمال، وعندنا الاستدلال، وهذا الدليل والاستدلال، أو هذا الاستدلال بذلك الدليل إذا صدر عن مستدل مؤهل فإنه ينتج مدلولا، وهو الحكم الشرعي.

وبهذا انحسرت أصول الفقه في هذه الأمور الأربعة: الأمر الأول الدليل، والامر الثاني المدلول وهو الحكم، والامر الثالث الاستدلال، والرابع هو المستدل. إذا، عندنا الحكم المدلول، وقد سبق معنا الكلام فيه وعرفنا تقسيم الحكم، والثاني الدليل، والثالث الاستدلال، والرابع المستدل. قال المؤلف رحمه الله: المستدل هو المجتهد.

قال المؤلف رحمه الله تعالى: وأبواب أصول الفقه: أقسام الكلام، والامر والنهي، والعام والخاص، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول، والأفعل، والناسخ والمنسوخ، والإجماع، والأخبار، والقياس، والحظر والإباحة، وترتيب الأدلة، وصفة المفتي والمستفتي، وأحكام المجتهدين.

وهذا سرد منه رحمه الله لفهرس الكتاب ولأبواب الكتاب، وهذه الأبواب لا تخرج عن الأمور الأربعة. الحكم سبق معنا ذكر المؤلف أن الأحكام سبعة، والدليل يندرج فيه ما ذكره المؤلف من الإجماع، الأخبار التي هي السنة، والقياس، وكذلك الحظر والإباحة لأنه دليل الاستصحاب، وكذلك الكلام على ترتيب الأدلة. ويدخل في الاستدلال أقسام الكلام، والامر والنهي، والعام والخاص، والمجمل والمبين، والظاهر والمؤول، والأفعل.

فهذا استدلال، الأفعال النبوية هي دليل، لكن المبحث الذي ذكره في الأفعال هو كيفية الاستدلال بالأفعال، فإن الفعل إذا كان على وجه القربى والطاعة يستدل به على كذا إلى آخره. ثم ما يتعلق بالناسخ والمنسوخ أيضا. وأما الأخير وهو المستدل فما ذكره في صفة المفتي والمستفتي وأحكام المجتهدين.

ننتقل الآن إلى مبحث آخر وهو الكلام عن الكلام، الكلام عن الكلام. وقد ذكر المؤلف رحمه الله تعالى في البحث في الكلام: أقل ما يترتب منه الكلام، وأقل ما يترتب منه الكلام إما اسمان كقولك زيد قائم، أو اسم وفعل كقولك قام زيد.

أضاف المؤلف إلى ذلك قال: اسمان، أو اسم وفعل، أو فعل وحرف، ومثاله مثال الفعل والحرف يقولون مثالها: لم يقم. ولكن الأكثر من علماء اللغة، والذي استقر عليه أكثرهم، أن هذا لا يعتبر فعلا وحرفا فحسب، بل هناك اسم مقدر، فيكون هذا راجعا إلى اسم وفعل؛ لأنه لم يقم، حينما تسأل: هل قام زيد؟ تقول: لم يقم، فهذا فيه فعل وهو يقم، وفيه اسم وهو الضمير المستتر.

وكذلك قوله رحمه الله: أو اسم وحرف مثاله يا زيد، فأنت حينما تنام تنادي شخص اسمه زيد تقول: يا زيد، انتهت الكلمة، انتهت الجملة، قالوا: هذا أيضا يدخل في الفعل والاسم لأن هناك تقديرا وهو: أنادي زيدا.

وعلى كل حال، فالمستقر والمشهور أن أقل ما يتركب منه الكلام: اسمان مثل زيد قائم، أو فعل واسم مثل قام زيد. والبحث في مسائل الكلام علاقتها باصول الفقه أن الكتاب والسنة هي كلام؛ فالقرآن هو كلام الله، والسنة هي كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيضا يدخل في السنة الفعل والتقرير على ما إن شاء الله.

ثم انتقل المؤلف رحمه الله إلى مسألة أخرى وهي تقسيم الكلام، فذكر أن الكلام ينقسم إلى خبر نعم، قال: والكلام ينقسم إلى أمر ونهي وخبر واستخبار، وينقسم أيضا إلى تمن وعرض وقسم. وهذا التقسيم كله راجع إلى قسمين، وهو المشهور عند علماء اللغة وعند علماء البلاغة: أن الكلام لا يخلو إما أن يكون خبرا أو إنشَاء.

فالخبر هو ما يحتمل التصديق والتكذيب كقولك قام زيد، فإنه يحتمل أنه يكون المخبر صادقا أو كاذبا، ويحتمل أن يصدقه شخص ويكذبه آخر، فالكلام الخبر يحتمل التصديق والتكذيب. وكلام الله عز وجل وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم كله صدق، لكنه يحتمل أن يصدقه المؤمن ويكذبه الكافر، فهو محتمل للتكذيب لا أنه محتمل للكذب، الكافر مكذب بقدر الله، ولكن كلام الله عز وجل كله صدق فأخبار الله عز وجل كلها صدق.

وأما الإنشاء فهو ما لا يحتمل التصديق والتكذيب وإنما يحتمل الامتثال وعدم الامتثال، كالأمر والنهي، فأمر الله عز وجل يمتثله المؤمن الصادق والصالح ويخالفه العاصي. نعم، إذا هذا هو تقسيم الكلام: إما خبر أو إنشاء، ويدخل في الإنشاء ما ذكره من قوله: أمر ونهي واستخبار وتمن وعرض وقسم، فهذه تدخل في الإنشاء.

ثم انتقل المؤلف رحمه الله تعالى إلى الكلام، وهو تقسيم الكلام إلى حقيقة ومجاز، فالحقيقة ما بقي في الاستعمال على موضوعه، وقيل ما استعمل فيما اصطلح عليه من المخاطبة.

نعم، الحقيقة هي ما بقي في الاستعمال على موضوعه؛ يعني أن العرب وضعت اللفظ على معنى معين، فإن استعملته في هذا المعنى الذي وضع له يكون هذا الاستعمال على سبيل الحقيقة، كالأَسَد في الحيوان المفترس.

والتعريف الآخر الذي ذكره المؤلف قال: وقيل ما استعمل فيما اصطلح عليه من المخاطبة؛ يعني إذا اصطلح الناس على تسمية الشيء باسم، أو تسمية أو استعمال اللفظ في دلالة على معنى، فإذا استعملته في هذا المعنى الذي اصطلح الناس عليه تكون حينئذ متكلما بالحقيقة لا بالمجاز.

مثال ذلك: إذا أطلقت الدابة على ذوات الأربع فإن هذا هو الاستعمال العرفي، فتكون حينئذ من باب الحقيقة العرفية. وبناء على هذا التعريف: الحقيقة ما استعمل فيما اصطلح عليه من مخاطبة، فإن الحقيقة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: حقيقة شرعية، وحقيقة عرفية، وحقيقة لغوية. مثال الحقيقة الشرعية.

الصلاة في الأفعال والأقوال المخصوصة المفتتحة بالتكبير المختتمة بالتسليم، فإن إطلاق الصلاة في اللغة يعني الحقيقة اللغوية للصلاة هي الدعاء، لكن الشرع استعمل الصلاة في الأفعال والأقوال المخصوصة المفتتحة بالتكبير والمختتمة بالتسليم.

كذلك الصوم، فإن الصوم في اللغة الإمساك وفي الشرع هو الإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. إذاً الحقيقة الشرعية للصيام هي الإمساك عن المفطرات، والحقيقة اللغوية هي مطلق الإمساك، وأما الحقيقة العرفية فهي ما تعارف عليه الناس، أمثاله ما ذكرناه من استعمال الدابة على ذوات الأربع.

وأما الكلام عن المجاز فسيأتي إن شاء الله تعالى معنا في الدرس القادم، والله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.