هناك مبحث متمم لمباحث الأصول، وهذا المبحث يرد على باب الأحكام، ويرد على باب الأدلة، ويرد على باب الدلالات، ويحتاج إليه المجتهد. ما هو؟ قال لك: مبحث التعارض والترجيح. إذا تعارض عند المجتهد دليلان، إيش يسوي؟ ماذا يصنع؟
الخطوة الأولى أن يجمع بينهما؛ قال: لدى تعارض الدليلين اجمعي، فانسخ فرجح، ثم قف لا تدعي الأول. إذا تعارض الدليلان، إن أمكن الجمع بينهما فالواجب أن يجمع بينهما؛ فمثلا قال صلى الله عليه وسلم: لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ.
هذا عام، يعارض بحديث: يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحدا طاف بالبيت وصلى ركعتين أي ساعة من ليل أو نهار. فهل نقول إن الأول منسوخ؟ قال لك: لا، يمكن الجمع.
كيف نجمع؟ نقول: لا صلاة بعد العصر إلا في ركعتي الطواف، ومن صور الجمع التخصيص. إن لم يمكن الجمع فانسخ؛ يعني ايش فنسخ؟ يعني فقل بالنسخ. وشرط القول بالنسخ ما هو؟ سبق معنا في باب النسخ.
وشرط نسخ كونه إنشاءً، تعذر الجمع، تراخٍ جاء. فإذا علم التاريخ، اللي هو التراخي ذكرنا، إذا علم التاريخ نقول بالنسخ، إن لم يمكن الجمع عرفنا التاريخ نقول بالنسخ. طيب، إن لم يمكن النسخ لعدم تحقق شرطه لم يعلم التاريخ، وش نسوي؟
ننظر في الترجيح. إيش معنى الترجيح؟ معنى الترجيح هذان دليلان تقابلا على وجه لا يمكن الجمع بينهما، أحدهما، هذان دليلان أحدهما آية في القرآن والآخر حديث حسنه بعض العلماء، ولم يمكن الجمع.
شو نسوي؟ نقدم القرآن على السنة. والترجيح قد يكون في جنس الدليل، كتقديم دليل القرآن على دليل السنة. وقد يكون في الإناد كتقديم المتواتر على الآحاد، والصحيح على الحسن، ورواية الأوثق على رواية الثقة.
ورواية الأكثر على رواية الأقل. وقد يكون في المتن بأن يكون هذا المتن مثلا على سبيل المثال واردا في الصحيحين وهذا لم يرد في الصحيحين. وقد يكون في الدلالة، هذا دال على التحريم وهذا دال على الإباحة فنرجح دلالة التحريم على دلالة الإباحة. وقد يكون الترجيح من أمر خارج عن الدليلين المتعارضين، الدليلان المتعارضان في نفسهما لا مرجح لأحدهما على الآخر، لكن هناك مرجح خارجي كوجود دليل ثالث يقوي أحدهما، تمام؟ فهذا معنى الترجيح بأمر خارجي. ولهذا قال: طيب، إذا لم يمكن الترجيح ما عندنا أي مرجح، تساوى الحديث أن حديثان لم يمكن الجمع، لم يعلن التاريخ، كلاهما في الصحيحين، كلاهما دلالة أمر، يعني تساوت.
هذا طبعا لا يكون في نفس الأمر، لكنه يكون في نظر المجتهد وفي ظنه أنه تساوت، ماذا يعمل؟ يتوقف ولا يتكلم، خلاص تقول الله أعلم ما أدري يقول: لدى تعارض الدليلين اجمعي، فانسخ فرجح ثم قف لا تدعي، خلاص لا تدعي تتكلم بدون علم.
طيب، كيف يكون الترجيح؟ قال: ورجح الأقوى من الظنون. ضابط الترجيح هو هذا ذات ضابط الترجيح أن تقدم ما يفيد ظنا أقوى من الآخر. تعارض ظن دليلان ظنيان أحدهما إفادته أولو الظن أقوى من إفادة الآخر، ما المقدم؟ الأقوى من الظنون، واضح؟ هذا معنى ورجح الأقوى من الظنون، أما القواطع فلا تتعارض. ورجح الأقوى من الظنون سواء كان في الثبوت أو في الدلالة.
قال: في الجنس، في جنس الدليل كتقديم الكتاب على السنة. وهنا يذكر الأصوليون مسألة يقولون: جنس الدليل يقدم الإجماع على دليل القرآن والسنة، شرايكم في هذا؟ يقولون يقدم دليل الإجماع على دليل القرآن.
صحيح، طيب أنا ودي أُعبر لكم عن هذا المعنى بتعبير آخر اللي تقبلوه بعض الناس يعني هو التعبير قد يكون ايش ثقيل على النفوس، كيف تقول الإجماع يقدم على القرآن؟
لكن دع هذا التعبير وخذ العباءة، خذ المعنى بتعبير آخر؛ ما فهمته الأمة من القرآن وأجمعت عليه مقدم على ما فهمته أنت من القرآن، صح ولا لا؟ بس هذا هو المقصود.
والإلا ليس المقصود أن يعني إذا فهمت الأمة من القرآن شيئا وأنت جيت فهمت في دبر الزمان شيء آخر أو اخذت بآية والأمة مجمعة على أن الآية منسوخة، فهل نأخذ بفهمك ولا بفهم الأمة؟
ففهم الأمة. هذا معنى تقديم في جنس الدليل، إذا وجدت إجماع فلا يجوز لك أن تتركه ولو ظهر لك ظاهر آية من القرآن، بخلاف الإجماع. نقول حتى تفهم المسألة بلاش نعبر بتعبير الأصوليين أن الإجماع مقدم على القرآن، لكن نعبر بتعبير وهو ايش؟ أن ما فهمته الأمة من القرآن مقدم على ما فهمته من القرآن والسلام عليكم، واضح؟
فهذا هو معنى المسألة. إذا أجمع آية في القرآن جاء واحد قال: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ، تدل على أنه لا يشترط استقبال القبلة.
كل العلماء يقولون إن اشترط استقبال، قال: لا مو صحيح القرآن مقدم على كلام الناس، جيد؟ نقول هذه الآية ما نزلت يعني عليك في القرن الرابع عشر، قرأها الصحابة وقرأها التابعون وعرفوا أنها منسوخة، أجمعوا على أنها منسوخة. فحينئذ تترك ما فهمته من القرآن وتأخذ بما فهموه، وهذا مهم، وهذا الذي تسمعونه دائما أنه يجب أن يفهم القرآن والسنة بفهم السلف. يعني ايش بفهم السلف؟ يعني ما أجمع عليه السلف.
فلو أتيت لنا بآية من القرآن السلف والصحابة ما أخذوا بها على الوجه الذي فهمته نترك فهمك إلى فهمهم، واضح؟ حتى يروى عن إراهيم النخعي أنه قال: لو كان الصحابة يتوضؤون إلى الكوعين يعني الركبة مفصل الكف لو كان الصحابة يتوضؤون إلى الكوعين لتوضأت إلى الكوع، وأنا أقرأها في كتاب الله إلى المرافق.
إن هذه الآية مرت عليهم، فإذا فهموا منها معنى آخر أو تركوا العمل بها لأنها منسوخة فيلزم اتباع إجماعهم، واضح؟ هذا معنى مهم جدا أيها الإخوة الكرام، معنى مهم جدا لأنه لو ترك هذا المعنى لرأيت من البدع والمحدثات في دين الله أشياء لا حصر لها كلها تنسب إلى القرآن والسنة. يقول لك الله عز وجل: فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ، ما يشترط استقبال القبلة. قال الله كذا وقال الرسول عليه الصلاة والسلام كذا، فيفهم الكتاب والسنة بأفهام أجمع العلماء على عدم اعتبارها.
واضح؟ فهذا معنى مهم، ولهذا عبر بعضهم فقال: الكتاب والسنة حصن سوره الإجماع وبوابتاه أصول الفقه وعلوم الحديث، فسور الكتاب والسنة سوره الإجماع. لو قلت لا الكتاب والسنة مقدس مثل ما يقول بعض الطوائف الآن ليبرالية ولا غير الليبرالية يقول ايش؟ اه، قداسة النص وحرية القراءة، النص في القرآن مقدس ومعظم ويجب العمل به وكل حاجة لكن أنا حر أفرهمه بما شاء، حرية قراءة النص يسمونه. نقول لا، ما في حرية قراءة النص، فهم النص محكوم بالإجماع، فكل معنى أجمع العلماء على بطلانه فهو باطل.
كل استنباط في كتاب الله عز وجل أجمع العلماء على تركه فهو باطل، واضح هذا المعنى؟ نعم. ولهذا قال: ورجح الأقوى من الظنون في الجنس، في جنس الدليل. وفي الإسناد كتقديم المتواتر على الآحاد.
مسند على المرسل مثل ما قلنا لكم تذكرون مبحث السنة قلنا لكم إنه معارضة رواية الأوثق للثقة لم يذكروها شرطا لأنهم قالوا إذا تعارضت الروايتان وتعذر الجمع فالمرجح رواية الأوثق يذكرونه في الترجيح، هذا أشرنا إليه سابقا.
كذلك لما قلنا يحتج بالمسند والمرسل، قبول مسند ومرسل ورد بنقل عدن ضابط سواه رد، يحتج بالمسند ويحتج بالمرسل، لكن إذا تعارض ولم يمكن الجمع يرجح المسند على المرسل. قال والإسناد والمتون.
فيرجح من المتون مثلا ما أجمع عليه وعلى اه معناه دون اختلف فيه. كذلك أيضا في الترجيح بالمتون يرجح قول النبي صلى الله عليه وسلم على فعله، وانتبهوا لهذا بعض الناس يغفل عن هذا، لما نقول إذا تعارض قول النبي عليه الصلاة والسلام وفعله فما المرجح؟ المرجح قوله عليه الصلاة والسلام.
يأتي واحد ويفهم من هذا يقول لا يا اخي يجب الجمع بينهما، أصلا نحن لا نتكلم في الترجيح إلا في صورة تعذر الجمع، الجمع لابد منه ما في إشكال، لكن إذا تعارض فالمرجح الفعل يعني عند عدم إمكان في المرجح القول يعني عند عدم إمكان الجمع، أما إذا أمكن الجمع لابد منه.
طيب، لأن القول خطاب للأمة والفعل يحتمل الخصوصية ويحتمل احتمالات أخرى بخلاف أو قول، فيرجح القول على الفعل إذا لم يمكن الجمع ولا.
طيب، إذا لم يمكن الجمع بين القول والفعل وعلم التاريخ، هل الفعل ينسخ القول؟ نعم، ينسخ إذا علم التاريخ. إن لم يعلم التاريخ، يصار، يشار إلى إيش؟ إلى الترجيح الذي ذكرناه.
كذلك، وفي دلالة يعني يرجح بالدلالات. فدلالة النص مثلا تعارض نصان؛ أحدهما يدل على المعنى الأول دلالة نص، والثاني يدل على خلافه دلالة ظاهر، ما المقدم؟ دلالة النص. دلالة النهي مقدمة على دلالة الأمر، لقوله صلى الله عليه وسلم: مَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ.
ويرجح بأمر خارج، فجاء الدليلان وتعارضا ولم يمكن الجمع، نبدأ نبحث عن المرجحات الخارجية، من غير الدليلين، فنجد ربما بعض الأدلة الأخرى ترجح أحدهما. كما قيل مثلاً بالتعارض بين لا صلاة بعد العصر وحديث إذا دخل أحدكم المسجد فليصل ركعتين.
وترجعوا إلى الكلام فيه شيخنا الشيخ عبد الكريم الخضير حفظه الله، يعني أشار إليه عدد في عدد من شروحاته، هذه المسألة منها شرح الورقات؛ تعارض إيش؟ النهي عن الصلاة في أوقات النهي مع الأمر بتحية المسجد؛ لأن هذا ليس خصوص وعموم، هذا كل واحد منهما خاص من وجه إيش وعام من وجه، فما الذي نعمل؟ نبحث عن مرجح خارجي فنرجح أحدهما. ولهذا قوم أخذوا مرجحات خارجية فرجحوا هذا، وقوم أخذوا مرجحات خارجية الآخر.
جيد، ثم قال لك لا حصر للترجيح، المرجحات لا حصر لها، لا تتناهى، وهذي قضية مهمة. بمعنى أنه قد يكون عندنا مرجح في الدلالة ويعارضه مرجح في جنس الدليل، ويقوي المرجح في، يعني، الدنيا مرجح في الإسناد، وهكذا. فليس لها حصر، المقصود في ذلك أن كل قرينة تقوي أحد الظنين المتعارضين فهي مرجحة.
فمثلاً في بعض الأحاديث يرجحون بأن هذا صاحب القصة، مثل حديث ميمونة أن النبي عليه الصلاة والسلام تزوجها وهو محرم، خالفت رواية ابن عباس أن النبي عليه الصلاة والسلام تزوجها وهو حلال. قالوا ميمونة صاحبة القصة، هذا ترجيح واضح. يرجحون بالقرب من الشيخ وبملازمته وأشياء كثيرة في الترجيح.
ثم قال الناظم: لا حصر للترجيح، تم ما رجي. تم ما رجي من مباحث الأصول، مسائل الأصول، واكتملت مباحث الأصول، وصلي يا ربي على الرسول المصطفى صلى الله عليه وسلم.
وبهذا نكون بفضل من الله سبحانه وتعالى قد أتممنا شرح هذا النظم، ونسأل الله عز وجل أن يجعله علماً نافعاً، وأن يكون لوجهه خالصاً، وأن ينفعنا به، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ عامر بهجت