الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما ينبغي لجلال وجهه سبحانه وعظيم سلطانه. اللهم لك الحمد ربنا كما تحب وترضى. أما بعد: نستعين بالله ونستفتح مجلساً جديداً من مجالس شرح المنهاج من ميراث النبوة في شرح الملحق، وهذا هو المجلس الأخير في شرح الباب الخامس من أبواب الملحق من المنهاج من ميراث النبوة، وهذا الباب هو باب في أن الدين شامل للسياسة والحكم ووجوب السعي لهيمنة الإسلام والحكم به.
قال الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ. وقال سبحانه: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ.
وقال سبحانه: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ. وقال سبحانه: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ. وقال سبحانه: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ. وقال سبحانه: وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ. وقال سبحانه: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ.
وقال سبحانه: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا. وقال سبحانه: وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ.
وهذه الآية الأخيرة، قد يقول قائل: ما علاقتها بباب في أن الدين شامل للسياسة والحكم ووجوب السعي لهيمنة الإسلام؟ ولذلك أتيت بكلام الطبري في أساس المتن على قول الله سبحانه وتعالى: وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ، قال الطبري رحمه الله: الرباني الجامع إلى العلم والفقه البصر بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية وما يصلحهم في دنياهم ودينهم.
هذه مجموعة من الآيات القرآنية المستدل بها على عنوان الباب: أن الدين شامل للسياسة والحكم، عفواً. والمقصود أن هذا الدين العظيم الذي أنزله الله سبحانه وتعالى جعل من جملة ما أنزله فيه تشريعات وقوانين، أراد سبحانه أن تكون هي المرجع للفصل بين الناس، وعموماً أراد من كل هذا الوحي أن يكون مرجعاً بين الناس؛ لأن المرجع أو المرجعية على قسمين، هذه نقطة مهمة: المرجعية، مرجعية الوحي على قسمين: مرجعية عامة في مختلف الشؤون والأحوال، والقسم الثاني مرجعية خاصة عند التنازع تحديداً.
وقد أمر الله سبحانه وتعالى بالرجوع إلى كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم في الأمرين. في الأمر العام اللي هو أن يرجع الإنسان وهذا طبعاً ورد معنا في المنهاج، اللي هو ضبط الأفهام على معيار الوحي وتصحيح المعايير وكذا، وأنه الإنسان يرجع يؤسس معاييره من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه المرجعية يعني تنير للإنسان الطريق ويعرف بها المعالم إلى آخره.
والمرجعية الخاصة هي الواردة في الآية قبل الأخيرة في هذا الباب: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ، شجر بينهم هذه في الخصومات والخلافات. أقسم الله بنفسه سبحانه أن الإنسان لن يؤمن حقاً، الإنسان لن يؤمن، هكذا لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم، حتى يحكموا النبي صلى الله عليه وسلم عند النزاعات والاختلافات، وهذه الآية أتت بعد آيات من قوله سبحانه وتعالى إيش؟ في نفس المعنى اللي هو التنازع والتشاجر: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، هذه في نفس قبل آيات فقط يسيرة في سورة النساء. إذاً المرجعية، مرجعية الوحي على قسمين.
فالخلاصة أن الله سبحانه وتعالى جعل الوحي مرجعية، وجعل في الوحي قوانين وتشريعات، أراد سبحانه من عباده المؤمنين أن يجعلوها هي القوانين التي يحكم بها بين الناس عند التنازع ويفصل بها فيما بينهم، وكون الوحي مرجعية وكونه الفصل عند النزاع هذا لا يكون إلا بهيمنة، هذا لا يكون إلا بأن تكون عند من يحكم بهذا الوحي كلمة الفصل. ومما يؤكد أهمية هذه الهيمنة، سياق آية فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ، من يلتقط لي الدليل بسرعة؟ ما راح أعيد الجملة. سياقها: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ، هذه فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ تشمل عامة الناس، أولي الأمر، العلماء، الأمراء، الحكام، فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ. إذاً هذه المرجعية عليا، هذه المرجعية عليا، هي مرجعية لأولي الأمر ومرجعية لعامة الناس، مرجعية للحاكم ومرجعية للمحكوم، فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ يعني سواء فيما بينكم وبين أولي الأمر أو فيما بينكم أنتم أو فيما بين أولي الأمر فيما بينهم، هذه تَنَازَعْتُمْ تشمل كل الفئات والطبقات، فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ، المرجعية العليا.
فهذا الآن فقط هذا تعليق على هذا المعنى بإجماله، أنه الدين الذي أنزله الله لم ينزله ليكون المحل الأوحد له هو أن يقرأ وترتل آياته في دور العبادة أي في مساجد الله، وإنما يقرأ ويرتل في مساجد الله ويحكم به بين الناس، وهذا الأمر ليس من باب الكمال بحيث يقال والله يقرأ ويرتل في بيوته من باب الأهم وإن كان يحكم به فهذا شيء جيد، لا؛ لأن مما ورد من الآيات: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ.
إذاً هذا الدين دين في محتوياته يتسم بالشمولية، فيه الأخلاق والآداب، السلوك، تزكية النفس، اليوم الآخر، كان الطهارة والصلاة، وفيه أحكام البيوع والمعاملات المالية، وفيه أحكام الحدود والدماء والقضاء، الإسلام جاء وعير وحدد كل شيء، هذا يقتل، في أحكام معينة للقتل، هذا جرح الآخر في أحكام معينة للجراحات، هذا نوع معين من القتل له حكم معين ومحدد، الدية لها تحديدات شرعية واضحة وهكذا.
طيب، الآن لما يعمل بآيات: لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ، وبأحاديث: لا يتحدث اثنان دون الثالث، وبالنصوص الشرعية المتعلقة بالقلب وصلاحه، وحتى من حيث الأحكام العملية بالصلاة والزكاة وما إلى ذلك، ولا يعمل بالنصوص التي وردت في الفصل بين الناس وفي تحديد القوانين الواضحة في كثير من المسائل المرتبطة بالدماء وبالحقوق وبالأبضاع وبالأموال، يقال تم تعطيل شيء من الاجتهادات الشخصية أو يقال تم تعطيل شيء من دين الله. تم تعطيل شيء من دين الله، لماذا أقول هذا الكلام؟ لأنه الباب: باب في أن الدين شامل للسياسة والحكم. إذاً هذا دين، أن يكون القانون الإسلامي هو القانون المرجعي الحاكم بين الناس هذا اسمه دين.
ومن أعظم البدع التي نشأت في زماننا، بدعة التقسيم بين المسلمين أو تصنيف المسلمين إلى مسلمين يريدون الحكم بالإسلام ومسلمين لا يريدون الحكم بالإسلام، محل خياطة كل واحد يختار الثوب اللي يحتاجه ويبغاه! إذاً أنت مسلم ليس عندك خيار في أن تقبل أو لا تقبل؛ لأن هذا تعرفون ماذا؟ هو ليست صراعات أيديولوجيات ترى ولا سياقات جماعات وأفكار وحركات، أبداً، هو من مقتضى الاستسلام والتسليم لله وهذا مرتبط باسم الإسلام.
تقول لي ما الدليل؟ أقول لك يا أخي الكريم نحن نتكلم بمحبة وإخوة حتى تعي وليس حتى تفرض الأفكار فرضاً وتحقق نقاط في صراعات وسجالات، فإن أردت أن تعي فدونك هذه الآية: فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا، يعني ينبغي أن تسلم لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم فيما جاء عن الله وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذه القضايا.
تقول لي والله بس أنا أعيش في بلد أو في واقع ما فيه هذه القضايا، فكيف أسلم؟ تمام، أنا أقول لك هذا الآن ظروف استثنائية في تاريخ معين في سياق إلى آخره، هذا شيء آخر، أنا ما أتكلم عن عدم القدرة، أنا أتكلم عن الرغبة والإرادة، يجب أن ترغب وتسعى وتطمح وتتمنى وترجو أن يكون هذا الدين بقوانينه الشرعية هو الحاكم وهو المرجع، سمِّه مرجع دستوري، مرجع قانوني، المرجع أيّاً كان، هو المرجع الذي يحكم به بين الناس خاصة وأنه قد جاء في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم جاءت النصوص المفصلة في هذه القضايا.
طيب هل الحاكم المسلم ينبغي عليه أن يحكم بدين الله في مرجعية الوحي الخاصة أم العامة؟ الخاصة قلنا اللي هي عند النزاع، عامة بطبيعة الحال، يعني إقامة دين الله والحكم بشريعة الله ليس مجرد تحكيم القوانين الإسلامية الشرعية فيما يتعلق بالحدود والأموال والأبضاع والأعراض والدماء، وإنما هو في إقامة دين الله بمعناه الشامل، وهذا يؤكده ما مر معنا في شرح باب مركزية الجهاد بالإسلام في كتاب المنهاج، أول آية في الكتاب أو في الباب قوله سبحانه وتعالى: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ، هذه لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ هذه المرجعية العامة، إقامة المرجعية العامة والخاصة، يعني إقامة القسط بين الناس، هل هو القسط عندما يتنازعون فيما بينهم يحكم بينهم بالقسط، أو إقامة القسط هي عامة تشمل إيصال الحقوق إلى أهلها ولو لم يكن فيها تنازع وفي إقامة العدل عموماً؟ الثاني: لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ليس فقط فيما تشاجروا فيه وإنما ليقوم الناس بالقسط على هذا الميزان العظيم الذي أنزله الله سبحانه وتعالى.
هذه الآيات آيات واضحة والكلام فيها إذا أردنا أن نقف عند كل آية سيطول، ولو تتذكرون في دروس السياسة الشرعية في شرح كتاب السياسة الشرعية لابن تيمية رحمه الله تعالى، بنى ابن تيمية كتابه كاملاً على هذه الآية الأولى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ. ففي الجملة الأولى: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا، قال لك الأمانات تنقسم إلى قسمين: أمانات مالية وأمانات في الولايات، وقال لك ما هي الأمانات المالية التي ينبغي أن تؤدى، وبالمناسبة هو يسمي هذه الآية وبناءً على بعض الروايات والنصوص يسميها آية الأمراء، لأنه إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا، طبعاً هي تشمل الجميع، تشمل هذه الآية الأمراء والرعية.
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا، التولية هذه من الأمانة، إيش الدليل على أن تولية الأصلح من الأمانات التي ينبغي أن تؤدى؟ إيش الدليل على أن تولية الأصلح هو من الأمانات التي ينبغي أداؤها؟ أحسنت، في البخاري: إذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة، قالوا يا رسول الله وما ضياع الأمانة؟ قال: أن يوسد الأمر إلى غير أهله. إذاً أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا نعم أمانات في الولايات كالولايات كالأمانات في الأموال، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل، تذكروا تقسيم ابن تيمية في كتاب السياسة الشرعية كيف قسم أيضاً الآية، الآية الأولى قسم إلى أمانات في الأموال وأمانات في الولايات، الله يرحم اللي كانوا يراجعوا وكانوا يذاكروا الدروس وكانوا، الله يرحمهم يا شيخ، الله يرحمهم ويعوض الأمة خيراً يا رب.
تذكروا التقسيم الثاني ولا لا يا جماعة الخير؟ إيش التقسيم الثاني وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل؟ إيش؟ الحقوق التي لمعين والحقوق التي ليست لمعين، تتذكروا ولا ما تتذكروا؟ والحقوق التي ليست لمعين هذه هي الحدود الشرعية التي ينزلها الله سبحانه وتعالى فهي داخلة في وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ، والحقوق التي لمعين هذه هي اللي هي في موضوع الدماء والأموال والأبضاع كلها داخلة في وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ، يعني تحكم بالعدل فيما أنزله الله وهو ليس حقاً لشخص معين لأنه من الحدود العامة، وفيما أنزله الله مما ينبغي أن يقام لشخص معين في خصومة معينة. الشاهد أن هذه الآية بنى عليها ابن تيمية كتاباً كاملاً.
فهذا باب عظيم، باب السياسة وباب عظيم، ومن جملة الإشكالات في الزمن المعاصر هو إشكال غريب، إشكال غريب يعني إشكال غير مفهوم حقيقة، هو إشكال يعني شيطنة الحديث عن السياسة في الإسلام والحديث عن هيمنة وجوب هيمنة الإسلام في الجانب السياسي، صارت هناك شيطنة. وتعرفوا في سياق حرب السياقات الإسلامية والجماعات الإسلامية والحركات الإسلامية صار تخبيص كل شيء، اللي هو تجمع المفهوم مع الشخص مع السياق مع الحركة مع الجماعة مع الناس.
صار أحياناً الكلام عن مفهوم شرعي مثل الجهاد في سبيل الله مباشرة: آه جماعات إرهابية، صار الكلام عن مفهوم شرعي مثل أن الدين جاء ليكون حاكماً وفيه سياسة وفيه قوانين يجب أن تكون مرجعية: آه حركات إسلامية، هذه مصيبة يا جماعة، وفي ناس يعجبها مبدأ السلامة وكذا أنه والله صح يا أخي مشاكل، يا أخي مشاكل مشاكل خلينا إحنا بعيدين عن المشاكل! ها، وفي شبهات خطيرة جداً غريبة، غريبة يعني حقيقة، في شبهات حتى أحياناً عند بعض خواص طلبة العلم، وهذا حقيقة خطأ كبير جداً.
تقول لي والله الواقع يمكن ما يمكن، أقول لك يا حبيبي أنا أتكلم الآن عن مفهوم شرعي، من حفظ دين الله أن تحفظ هذه المفاهيم الشرعية، من حفظ دين الله ومن الأمانة لهؤلاء الشباب أو في حق هؤلاء الشباب من الأجيال الصاعدة والشباب عموماً أن يفقهوا ويفهموا أن هذا دين الله، هذه أمانة شرعية هذه لازم يفهموها هم، أما هذا يسكت والثاني يلبس والثالث والرابع كل ما أحد تكلم قال لك هذه جماعة إرهابية وهذه حركة إسلامية وهذه...
جماعات مشيطنة وهذه جماعات مصنفة قانونياً أنها ما أدري إيش، فلا ما حد يتكلم عن أنه هذا الدين فيه كذا، وأنه الدين فيه كذا، وأنه الدين فيه كذا لا. وتأتي ألفاظ الجهاد والشهادة تلصق بغير مواضعها اللي هي لإعلاء كلمة الله، ويقول لك والله السبب أنه يعني معلش في ظروف سياسية الآن وكذا، هذا الآن من أشد التحريف لدين الله والكتمان لدين الله. هذا دين مثل ما تتعلم أحكام الطهارة والصلاة تتعلم هذه، وبالمناسبة أيضاً من الدين أحكام الحيض والنفاس والطهارة والصلاة؛ لأن البعض بالعكس يقول لك إحنا نتكلم عن قضايا الأمة ودعنا من أحكام الحيض والنفاس، أحكام الحيض والنفاس والطهارة والصلاة والزكاة والحج والبيوع والقصاص والجهاد كلها دين الله. نعم هناك أولويات وهناك مراتب في الدين، لكن كلها دين الله، ندرس كل هذه القضايا وننسبها لدين الله سبحانه وتعالى، بعد ذلك تنزيل على الواقع اجتهاد فيه الظروف الواقعية الإمكان وعدم الإمكان، هذه كلها مسائل أخرى.
ولما أقول مسائل أخرى مو معناه أنه هو الأحكام هذه شو اسمه تحت التخزين، لا مسائل أخرى أقصد لها بحث آخر، ولها التباسات أو اعتبارات معينة واقع واضح كذا تمام، هذه إحنا كذا ما وقفنا مع الآيات آية وإنما أخذناها بشكل، ما نأتي الأحاديث. قال عن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً عاضاً فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكاً جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت. أخرجه أحمد. هذا الحديث فيه فوائد كثيرة، الفائدة الأولى: عناية النبي صلى الله عليه وسلم بالحديث عن شؤون السياسة وأخبار الأمور السياسية العظمى التي ستقع في أمته صلى الله عليه وسلم، فقد اعتنى النبي صلى الله عليه وسلم بذلك عناية كبيرة، منها عنايته بها في هذا الحديث، وهذا الحديث إسناده جيد خرجه أحمد وأبو داود الطيالسي وغيرهما بإسناد جيد. هذا الحديث الفائدة الأولى فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتنى هو بنفسه اعتنى بأيش؟ بالكلام عن القضايا السياسية التي ستحدث في أمته، هل هذا هو الحديث الوحيد؟ لا، أحاديث كثيرة تكلم فيها النبي صلى الله عليه وسلم عن أخبار مرتبطة بالأمراء مرتبطة بالتغيرات سياسية، الآن هذا الباب نفسه فيه عدة أحاديث في هذا المعنى في الأخبار أخبار نبوية، إيش مثلاً الحديث التالي فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سيكون خلفاء فيكثرون، والحديث الذي بعده: خلافة النبوة 30 سنة ثم يؤتي الله الملك أو ملكه من يشاء، هذه كلها إيش؟ أخبار، هذه أخبار نبوية مرتبطة بأيش الموضوع السياسي، حتى الحديث بعد ذلك الحديث رقم 46: لا تقوم الساعة حتى تمتلئ الأرض ظلماً وعدواناً، ثم يخرج رجل من عترتي أو من أهل بيتي من يملؤها قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وعدواناً، هذا إيش؟ خبر عن شيء مرتبط بجانب السياسة، بعض ألفاظ الحديث يملك العرب فيها ملك وهنا يملؤها قسطاً وعدلاً، وهذا في الأساس القسط والعدل أن تملأ به الأرض هذا لا بد له من سلطان حكم، إذاً النبي صلى الله عليه وسلم اعتنى بنفسه ببيان شيء من الأحوال السياسية للأمة التي أو الأحوال التي ستمر على أمته صلى الله عليه وسلم، وهذا من شفقته ورحمته، وهذا من دلائل نبوته أن وقع كما أخبر به صلى الله عليه وسلم.
طيب، إذاً هذا الأمر الأول، هذه الفائدة الأولى. الفائدة الثانية: في أهمية دراسة مرحلة الخلافة على منهاج النبوة، المرحلة الأولى، وهذه المرحلة مرحلة عظيمة وقد جاء فيها أكثر من حديث، هنا امتدحها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، وامتدحها في حديث آخر بقوله ماذا صلى الله عليه وسلم في حديث عرباض بن سارية: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين، إذاً في أهمية دراسة هذه الحقبة ومعرفة منهج الخلفاء الراشدين ومعرفة معالم السياسة في زمنهم، ولاحظ أنه نص على المعنى السياسي اللي هو خلفاء، فهم خلفاء حكموا الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانوا خلفاء له في القيام بأمر الدين في الناس، وفي سياسة الناس به، وفي سياسة دنيا الناس به كذلك، فهي خلافة على منهاج النبوة، ثم أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا الأمر لن يدوم في أمته وأن الحال سيتغير.
وفيه الأمر الثالث: أهمية معرفة مرحلة الملك العاض الذي حصل في هذه الأمة، والعض هنا هل هو راجع إلى الناس يعني من جهة المفعول به، يعني ما هو الأمر الذي عض أو الذي يعض أو الذي عض عليه الناس أو الذي هنا ثم يكون ملكاً عاضاً، هل العض هنا هو بعضهم جعل المفعول أو جعله متعلقاً بالناس يعني يعض الناس فيه بهذا الملك يعني ينالهم منه شدة، وقد يكون هذا صحيحاً من جهة، لكن الذي أظن أنه أصح من جهة تحققه في التاريخ والله تعالى أعلم واللفظ يحتمله طبعاً لأن هو اللفظ عام، هو أن العض متعلق بالعض على الملك نفسه، ملك عاض يعني يعض عليه، فمن سمات هذا الملك أنه يقاتل عليه ويوالى عليه ويعادى عليه، وقد يتجاوز في سبيله منهاج النبوة أو أحكام شرعية لأجل العض على هذا الملك الذي حصل في التاريخ هو هذا، طب هل عض الناس بسبب ذلك؟ نعم أصابهم بأس وأصابتهم شدة بسبب الملك العاض، ولكن ما حصل من لزومهم الملك نفسه أكثر وأشد من مجرد الشدة التي حصلتها على الناس.
ثم تكون ملكاً جبرية، هذه الأمر الرابع قلنا أو الخامس الرابع: أهمية معرفة الملك الجبري وسمات هذا الملك وتحققه في الواقع، وكون النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين العاض والجبري ومن الواضح أنه أيهما أشد، الجبري هذا الجبر الآن واضح أنه هو العاض فيه تمسك فيه شدة فيه ألم فيه هذا من جهة الناس، أما الجبري فهذا من سماته سلب الاختيار وقهر الناس، قهر الناس يعني فيه جبر وقهر، وتبع ذلك من سوق للناس وربما تعذيب لهم وما إلى ذلك.
ثم بعد ذلك الأمر الخامس: أهمية النظر والتأمل في المرحلة الموعودة التي بشر بها النبي صلى الله عليه وسلم والتي سيجدد بها أو تجدد بها المرحلة الأولى بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، وهي مرحلة الخلافة على منهاج النبوة، ومنها طبعاً بمجرد قول النبي صلى الله عليه وسلم خلافة على منهاج النبوة، هذا دليل على أن الدين شامل للسياسة، صح أنه خلافة نظام سياسي مبني على منهاج النبوة، معناه منهاج النبوة ماذا؟ شامل للسياسة. خلافة هذه يا جماعة نقطة مهمة، خلافة على منهاج النبوة هذا لفظ حديث، الخلافة نظام سياسي صح، منهاج النبوة مرجعيتك شرعية، معناه أن النظام السياسي مبني على مرجعية شرعية، معناه أن المرجعية الشرعية ماذا تحتوي على النظام السياسي أو على أمور سياسية، واضح ولا غير واضح؟ طبعاً معلش إحنا في زمن توضيح الواضحات، محاولة تأكيد المؤكدات، هذه كلها ترى ما كان السابقون يؤكدون أن واضحة، ما يتخيلوا أنها ممكن تقال بس الله المستعان نحن في هذا الزمن.
طيب، ثم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، وأنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون. قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قالوا فما تأمرنا؟ قال: فوفوا ببيعة الأول فالأول، أعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم. أخرجه البخاري ومسلم. هذا الحديث عظيم ومهم وفيه من دلائل النبوة كذلك، وكما قال ذكر بعض العلماء النص على النووي رحمه الله قال: في هذا الحديث معجزة ظاهرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي وأمي. هذا الحديث كما أسلفت حديث مهم وفيه أولاً: أن الأنبياء كانوا يسوسون الناس، كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، وهذا معناه أن من وظائف الأنبياء ليس مجرد إيصال الرسالة، وإنما معالجة أحوال الناس وتربيتهم عليها وحملهم عليها، هذه السياسة، والنووي رحمه الله قال: السياسة القيام على الشيء بما يصلحه. مر معنا قبل قليل كلام الطبري: الرباني الجامع إلى العلم والفقه البصر بالسياسة والتدبير والقيام بأمور الرعية وما يصلحون في دنياهم ودينهم، إذاً هذا الحديث فيه من الفوائد أن من أدوار الأنبياء سياسة الناس، الفائدة المحصلة هي أن ورثة الأنبياء ينبغي كما يتبعون الأنبياء في تبليغ دين الله فيتبعون الأنبياء في سياسة الناس أي في تدبير أمورهم وتربيتهم والقيام عليهم بما يصلحهم في دينهم ودنياهم في شؤونهم العامة وفي شؤونهم الخاصة، جيد.
كلما هلك نبي خلفه نبي، طبعاً هذا فيه دليل على أن كلمة هلك ليست مذمومة، بعض يظن أنه لما قلت هلك فلان أنه ما تقال إلا في الناس الظالمة والمجرمة، هلك فلان مع أن الله سبحانه وتعالى قال في يوسف عليه السلام: حَتَّىٰ إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَن يَبْعَثَ اللَّهُ مِن بَعْدِهِ رَسُولًا، وهنا كلما هلك نبي خلف آخر، وعلم الفرائض والمواريث كله مبني على هلك، هلك هالك عن كذا وهلك هالك عن كذا دائماً المسائل في المواريث هلك هالك وهلك هالك، فهي هلك هذه لا تعني المدح والذم جيد، ممكن واحد تقول مات يقول لك لا تقول هلك، لما مثلاً يموت ظالم ولا مجرم يقول لك ينكر عليك يقول لك لا تقول هلك، هذا يا ويلك تغلط تقول عكس يموت صالح تقول هلك، هلك فلان عاد هذه قيامة الله يعين. طيب كلما هلك نبي خلفه نبي، وهذا فيه رحمة الله بالبشر وبالعباد، وكذلك عظيم نعمة الله على بني إسرائيل أنه سبحانه وبحمده جعل فيهم أنبياء كثر كانوا يسوسونهم دائماً، ثم جاءت هذه الرسالة الخاتمة وكان محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين فلا نبي بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ومن يقول بخلاف ذلك فهو كافر حافٍ مصادم بصريح وصحيح ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فادعاء النبوة كفر بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ومن يقول بأن هناك نبياً بعد النبي صلى الله عليه وسلم فهو كافر، أما نزول عيسى عليه السلام فهو نزول ليس بأنه نبي سيبعث برسالة جديدة لا، وإنما هو عيسى عليه السلام رفعه الله عندما حصلت محاولة قتله، ثم سينزل ويكون حاكماً تابعاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم بما أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم، وسياؤه رجل من أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
طيب، وسيكون خلفاء فيكثرون، هذا اللفظ فيه مدح أم ذم؟ ذم في ظاهره في ظاهره فيه مدح أم ذم مو ليس بينا صح، سيكون خلفاء فيكثرون خبر، خبر أنه سيكثر الخلفاء، في ظاهره ليس فيه مدح ولا هذا مثل إيش: إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً، في ظاهره إيش جاعل في الأرض خليفة، طبعاً غير من يفسرها أنه خليفة عن الله هذا طبعاً مدح، لكن كثير من المفسرين ما يفسرون أنه خليفة عن الله، إنما خليفة يعني قوم يخلف بعضاً، ولذلك قالت الملائكة: أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ، وهنا الصحابة أيضاً سؤالهم ورد النبي صلى الله عليه وسلم يشعر بأنه الخبر للذم جيد، طبعاً أنا في الآية ما أقول أن الخبر للذم إني جاعل في الأرض خليفة لا، لكن هنا في الحديث سيكون خلفاء فيكثرون قالوا: فما تأمرنا، ما تأمرنا هذا السؤال كأنه في إيش أنه الخبر فيه استشكال معين، رد النبي صلى الله عليه وسلم: فوفوا ببيعة الأول فالأول، أعطوهم حقهم فإن الله سائلهم عما استرعاهم، يبين المعنى أنه نعم هذا الخبر فيه ذم، ما هو سيكون خلفاء فيكثرون؟ المقصود والله تعالى أعلم أنهم سيكثرون في الزمن الواحد، سيكثرون في الزمن الواحد ليس في الأزمان المتعاقبة، لماذا؟ الدليل: فوفوا ببيعة الأول فالأول؛ لأنه لو كان في أزمنة متعاقبة فهو خلاص يبايع لكل خليفة في زمنه، لكن لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: فوفوا ببيعة الأول فالأول، معناه أنه سيكثرون في الزمن الواحد، فالذي يبايع له هو الأول منهم وليس من عقدت له بيعة بعد ذلك، يعني إن وجد خليفة ثم في نفس زمن وجود الخليفة خرج واحد آخر وقال أنا خليفة، وبعدين خرج واحد ثالث قال أنا خليفة، وواحد رابع قال أنا خليفة، فهنا يقال: فوفوا ببيعة الأول فالأول، بل ورد التشديد في بعض الأحاديث الأخرى أنه إيش: فإذا جاء آخر ينازعه فاقتلوه.
طيب هنا ذكر العلماء مسألة منهم الإمام النووي رحمه الله في الشرح تعليقاً على هذا الحديث، قال: اتفق العلماء على أنه لا يجوز أن يعقد لخليفتين في عصر واحد سواء اتسعت دار الإسلام أم لا. ثم ذكر النووي كلام الجويني رحمه الله، الجويني اعتنى بالأمور السياسية في كتابه الغياثي، فذكر الجويني أنه نعم اتفقت كلمة المسلمين، طبعاً هو الجويني قبل النووي، النووي هو اللي ذكر كلام الجويني. الجويني.
قال: إنه اتفقت كلمة المسلمين لا يعقد لخليفتين لكن في القطر الواحد. ثم قال: أما إذا تباعدت الأقطار، فإن بعد ما بين الإمامين وتخللت بينهما شسوع، فللاحتمال فيه مجال، هذا كلام الجويني، قال: وهو خارج عن القواطع. تعقبه النووي رحمه الله بقوله: وهو قول فاسد مخالف لما عليه السلف والخلف. وذكروا مسائل، هذه مسألة ترى يعني فيها مسائل.
ماذا لو تعذر الوصول؟ إذا لأنه ارتسعت أقطار العالم، تخيلوا وقت الأمويين، الخلافة في دمشق، والمسلمين وصلوا إلى جنوب باريس، بعدين ما في طريق من فوق، كله من تحت، يعني دمشق تنزل على مصر، وتروح تمشي تخلص المغرب العربي كله، بعدين تطلع بالبحر، تمشي من جنوب الأندلس إلى ما تنتهي منها، ثم تمر على جنوب فرنسا، إلى أن تصل إلى باريس، عشان تصل الرسالة من هنا لهناك، الله أعلم. الشاهد، ذكروا مسائل في تباعد الأقطار، والقرطبي في المفهم شرح مسلم، ذكر مجموعة من المسائل جيدة ممكن تراجع، لا يسع لها الوقت الآن.
وأيضاً من الفوائد في الحديث: فوفوا ببيعة الأول فالأول، فإن الله سائلهم عما استرعاهم، أعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم، فيه أن النظام السياسي، أن النظام السياسي إذا كانت فيه مخالفات شرعية، ما لم تصل إلى حد الكفر، أو إلى حد نقض الإسلام، وإلى حد التخلي عن مرجعية الإسلام في الحكم، فإنه لا ينبغي أن تنزع الطاعة عن الحاكم بهذا النظام، ولو كان عنده إشكال، جيد؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: أعطوهم حقهم، فإن الله سائلهم عما استرعاهم. وهذا ورد في أكثر من حديث، فلا يتطلب، أو عفواً لا يشترط لطاعة الحاكم المسلم بالمعروف، لا يشترط ألا يكون عنده مخالفات شرعية، أو أن يكون في نظامه الحاكم به شيء من النقص، شيء من الاستشكال، هذا حصل وأخبر به النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يحصل، وقلت يا جماعة ترى هذا عنوان مهم حتى ممكن هو بحث لطيف لمن أراد أن يبحث في الحديث النبوي، يا فارس ولا غيركم: الأخبار النبوية عن الأحوال السياسية في أمتي، بحث لطيف.
ترى في كثير مثلاً النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أنه سيكون أمراء من أمته يؤخرون الصلاة عن وقتها، يميتون الصلاة عن وقتها، وهذا حصل في زمن الأمويين، جيد؟ مو يؤخرون يعني إنه ما يصلي في بداية الوقت، لا يعني أنت طالما أنك تصلي في الوقت الشرعي فهذا ليس تأخيراً للصلاة عن وقتها، قد يكون فيه مخالفة للأولى، لأن الصلوات لها أوقات، في أوقات أولى، وفي أوقات تخرج بها من حد الأفضل لحد الكراهة، وفي حد خروج من حد الكراهة إلى حد التحريم، جيد؟ أو خلينا نقول من حد الكراهة إلى حد الاضطرار، أنه عدم جواز الصلاة في هذا الوقت إلا اضطراراً.
فكان حصل في زمن المؤمنين، وكانوا يؤخرون الصلاة إلى آخر وقتها، قالوا: ماذا نفعل يا رسول الله؟ شوف هذا من جملة الأخبار النبوية عن الأحوال السياسية. قالوا: ماذا نفعل يا رسول الله؟ قال: صلي الصلاة لوقتها ثم صلّها معهم، فإنها لك نافلة. شوف ما قال لا تصلي معاهم، وكذا، هذا يؤكد ما ذكرت قبل قليل، أنه لو وجدت المخالفات الشرعية في نظام سياسي طالما أن هذا النظام السياسي لم يستبدل دين الله أو شريعة الله بشريعة أخرى، أو لم يقع في إشكال الكفر بعد الإسلام، أو لم يقع في إشكال أن يتخلى عن أساس وقوام ما بني عليه النظام السياسي في الإسلام.
مثلاً من أساسات ما بني عليه النظام السياسي في الإسلام، مثلاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: إنما الإمام جنة يقاتل من ورائه ويتقى به، إذا صار الإمام عكس ذلك، هو الذي يقاتل أمة محمد صلى الله عليه وسلم مع أعداء الله من الكفار، هنا انتقلت القضية، واضح الفكرة؟ فأنا أقول: لو وجد نظام سياسي -وهذا وجد عبر التاريخ بمختلف الأحوال- لو وجد نظام سياسي فيه مخالفات شرعية، هذه المخالفات الشرعية كبيرة، صغيرة، شخصية بالنسبة للإمام، يعني إيش مخالفات شرعية سواء كبائر، صغائر، إلى آخره، أو هذه كلها طالما أنها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: يقودكم بكتاب الله، يعني المرجعية العامة للدولة هي كتاب الله سبحانه وتعالى، ولو وجدت مخالفات معينة جزئية، فلا يجوز بدعوة الغيرة على دين الله سبحانه وتعالى قطع هذا النظام وإحداث حالة من الفساد والفوضى والثورة والقتال والخروج بالسيف وما إلى ذلك.
لكن هذا لا يعني عدم إنكار المنكر على هذا الحاكم المسلم، لأنه حاكم، فإن من الخطأ والتلبيس في دين الله سبحانه وتعالى القول بأن المنكر إذا صدر من الحاكم فإنه ينبغي أن يتعامل معه باعتباره منكراً يسعى لإنكاره، أو لبيان خطاه، أو إشكاله، أو كذا إلى آخره، هذا الكلام إشكال كبير جداً، وقضية العلن أو السر هذه قضية متفرعة عن هذه القضية وليست هي هذه القضية، من يحاول أن يجعل قضية النصيحة العلنية والسرية للحاكم هي عينها قضية إنكار المنكر، هي ليست كذلك، هذه وسيلة مرتبطة بالإنكار، وهدي الصحابة رضوان الله تعالى عليهم يدل على أنهم حتى بعض المنكرات العلنية أنكروها علناً على بعض الحكام، وحصل غير ذلك، والكلام فيه تفصيل كثير، لكن الشاهد أن هذه القضية من حيث وجود المخالفة الشرعية لا تلغي أساس الطاعة للحاكم المسلم بالمعروف.
فيما، لما نقول بالمعروف يا جماعة هذه مهمة جداً، ليش؟ خذوا هذا المثال، أرسل النبي صلى الله عليه وسلم سرية، وهذا حديث صحيح، أمر عليها أميراً وأمر الصحابة، بتخيل هذا مو موجود على أحد، يعني غير حتى الخلفاء، طبعاً الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم هم المنصوص عليهم كحقبة، ثم أجمعت الأمة أن هؤلاء هم الخلفاء الراشدين: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنه، ثم اختلفوا هل عمر بن عبد العزيز من الخلفاء الراشدين؟ يلحق بهذا اللفظ أو لا، هو من الراشدين لا شك، وهو من يعني الشاهد هذا فيه خلافات، لكن هذا الآن من حيث الأمر به بعينه، أمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة أن يطيعوا هذا الصحابي بعينه، الأمير، راح هذا الصحابي رضي الله تعالى عنه غضب من هؤلاء أحد، عملوا شيئاً أغضبوه جداً فأوقد ناراً وقال: ألقوا فيها. والنبي صلى الله عليه وسلم أمرهم بإيش؟ أمرهم بطاعة هذا الأمير، هذا حديث صحيح، أظن في بعض الروايات قال: فهموا شوف كيف طاعتهم للنبي صلى الله عليه وسلم، ثم رجعوا، ثم خمدت النار وسكن غضبه، رجعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم، شوفوا يا جماعة، شوفوا تأملوا جيداً حتى يفهم الناس كمان، قال النبي صلى الله عليه وسلم: لو دخلوا فيها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة. لو دخلوا فيها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة، يعني يعذبون في الدنيا ويعذبون في الآخرة.
ومع أنه إيش؟ مع أنه النبي صلى الله عليه وسلم قايل لهم بالنص: تسمعون كلام هذا الأمير، لكن تسمعون كلام هذا الأمير في اعتبارات شرعية كثيرة قالها لكم النبي صلى الله عليه وسلم أخرى، منها أن لا يهلك الإنسان نفسه، فهي ليست طاعة مطلقة، هذا ما بالكم هذا بالأمير المنصوص عليه والموكل من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف بمن دون ذلك، وكيف بمن هو أصلاً إلى آخره من الإشكالات الكثيرة؟ فكيف ممن يصل به الحال إلى أنه أصلاً يستبدل كل قانون الله سبحانه وتعالى والقانون الشرعي بقوانين أخرى وضعية؟ هذا الأمر مختلف تماماً، واضح الفكرة؟
طيب، عن سفينة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: خِلافَةُ النُّبُوَّةِ ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ يُؤْتِي اللهُ الْمُلْكَ أَوْ مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ. خرجه أبو داود والترمذي وأحمد، هذا الحديث صحيح، واعتنى به العلماء في الباب العقدي كثيراً، خاصة العلماء من القرون الأولى، نظراً لما حصل من البدع والإشكالات في تلك القرون، وحتى من الخلافات الكثيرة المشهورة في قضية الخلفاء والطوائف وما إلى ذلك، فكان العلماء يعتنون بهذا الحديث عناية خاصة، ويرون أن هذا الحديث فيه نص واضح على الخلفاء الراشدين رضي الله تعالى عنهم أجمعين، خِلافَةُ النُّبُوَّةِ ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ يُؤْتِي اللهُ الْمُلْكَ أَوْ مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ.
وفي لا شك أن هذا فيه رد على الرافضة الذين يرون أن تلك الحقبة ليست حقبة الخلافة، خلافة النبوة، وإنما يرونهم قد اغتصبوا حق علي رضي الله تعالى عنه، ونحن نقول أن علي رضي الله تعالى عنه هو أحد الخلفاء الراشدين، ولكن من قبله أيضاً هم من الخلفاء الراشدين، وقد كانت المدة كما أخبر صلى الله عليه وسلم كانت 30 سنة، وهذا فيه من الفوائد أن هذا من دلائل النبوة العظيمة والعجيبة والباهرة، والتي جاءت بدقة، فإن الـ 30 سنة من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم تنتهي بالضبط مع تسليم الحسن بن علي رضي الله تعالى عنه الحكم لمعاوية رضي الله تعالى عنه، اللي هي مرحلة الخلفاء الراشدين مع الستة أشهر الحسن بن علي رضي الله تعالى عنه، ولذلك عده العلماء من الخلفاء الراشدين بهذا الحديث، ستة أشهر مع أنه ترى في الأحاديث، وهذا في نظام العرب، الأشهر الزائدة والناقصة ما لم تصل إلى سنة لا تعد مخالفة لأيش للعدد الأساسي، لو قيل 30 سنة وكانت يعني قريبة أو أقل بقليل أو أكثر هذه ليست مثلاً، لكن مع ذلك بالضبط 30 سنة مع انتقال الحكم إلى معاوية رضي الله تعالى عنه.
من هنا يعلم أن طبعاً معاوية رضي الله تعالى عنه هو بداية الدولة الأموية، بداية الدولة الأموية هي انتقال من مرحلة سياسية اللي هي خلافة النبوة، اللي هي الخلافة على منهاج النبوة، إلى مرحلة الملك، ثُمَّ يُؤْتِي اللهُ الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ. ولا شك أن المرحلة الأولى مرحلة خلفاء الراشدين هي أعلى وأفضل مرحلة، وهي التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم ما سيأتي في الحديث بعد قليل: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين.
طيب، ثم قال: عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَشَابٌّ نَشَأَ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، وَرَجُلٌ قَلْبُهُ مُعَلَّقٌ فِي الْمَسَاجِدِ، وَرَجُلَانِ تَحَابَّا فِي اللهِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ وَتَفَرَّقَا عَلَيْهِ، وَرَجُلٌ طَلَبَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللهَ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا حَتَّى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ، وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ. أخرجه البخاري ومسلم، مذكور هنا البخاري فقط، ها البخاري ومسلم، يا ريت تسجل ملاحظة حتى يعدلوها، طيب.
هذا الحديث مختلف عن سياق الأحاديث السابقة، وهو في نفس فلك الباب، وفيه فضل إيش؟ فضل الحاكم العادل، صارت القضية ليست إنه وجوب الحكم السياسي بالإسلام، لا، وإنما الثواب الجزيل العظيم الكبير الواسع لمن كان حاكماً عادلاً من حكام المسلمين، فقال فيه النبي صلى الله عليه وسلم، أو هو ذكره أول واحد من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، الإمام العادل.
ثم قال: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَمْتَلِئَ الْأَرْضُ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا، قَالَ: ثُمَّ يَخْرُجُ رَجُلٌ مِنْ عِتْرَتِي أَوْ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، يَمْلَؤُهَا قِسْطًا وَعَدْلًا كَمَا مُلِئَتْ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا. خرجه أحمد، وهذا الحديث إسناده صحيح، خرجه أحمد من طريق عوف بن أبي جميلة الأعرابي عن أبي الصديق الناجي عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، هذا إسناد صحيح، وعموماً هذا الحديث وارد عن أبي سعيد الخدري من طرق متعددة.
هذا الحديث ما علاقته بالباب؟ الخبر المستقبلي عن أن الأمة ستقبل على حالة سياسية راشدة، هذه الحالة السياسية الراشدة تشبه ما جاء في النبي فيما ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر: ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فهنا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً اللي هو أن تملأ الأرض قسطاً وعدلاً، وهذا الملأ للأرض قسطاً وعدلاً هذا إنما يكون كما سبق قبل قليل بإيش؟ بقدرة سياسية، لا يمكن أن تملأ الأرض قسطاً وعدلاً بلا قدرة سياسية تكون قائمة عليها، خاصة وأن طبعاً هذا الحديث عن المهدي، ومن ألفاظ الحديث عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه ذكر الملك، وهذا يؤكد أن ملأ الأرض قسطاً وعدلاً على يد المهدي ستكون إيش؟ سيكون عبر الملك، اللي هو حديث عبد الله بن مسعود: يملك العرب، نعم.
طيب، عن أبي نجيح العرباض بن سارية، وهذا الحديث قبل الأخير، عن أبي نجيح العرباض بن سارية رضي الله تعالى عنه قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، ثم أقبل علينا فوعظنا موعظة بليغة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقال قائل: يا رسول الله، كأن هذه موعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ قال: أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْدًا حَبَشِيًّا، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بَعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ. أخرجه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. هذا الحديث عظيم ذكر في المنهج قبل ذلك، صحيح في الباب الثاني في السنة في لا، الباب الثاني من الملحق، وليس مذكوراً سابقاً قديماً، فقط في الملحق الثاني، طيب سبق شرح الحديث، ولكن هذا الحديث يعني عظيم أيضاً يحتاج إلى.
تكرار الوقوف معه من الأمور التي تذكر في الحديث أهمية الموعظة وتحققها في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه كان يعظ أصحابه وإن كانوا علماء أو مجاهدين وصادقين ولهم سابقة في الإسلام، إلا أنه لم يكن يترك موعظتهم صلى الله عليه وسلم؛ كما قال ابن مسعود: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة. فالموعظة مهمة للعاملين لدين الله سبحانه وتعالى بمختلف الفئات، سواء كان من العلماء أو الدعاة أو المجاهدين أو الحكام أو الساسة أو السابقين أو اللاحقين، كلهم يحتاجون إلى الموعظة. وهذه موعظة بليغة وعظها النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه حتى ذرفت منها العيون ووجلت منها القلوب، فهذه فائدة.
ثم بعد ذلك النبي صلى الله عليه وسلم أوصى الناس، أوصى أصحابه وأوصى الأمة بأن تكون لهم اجتماع كلمة على من يقوم على شأنهم ويحكمهم بدين الله سبحانه وتعالى، وهذه الوصية من رسول الله صلى الله عليه وسلم من جملة دواعيها أن العرب كانوا أهل أنفة ما ينقادون، النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يؤكد لهم أن هذا أمر شرعي، وأن مصلحة الأمة العامة تقتضي أن تحافظ على هذه الصورة الكلية المتسقة المنظمة لحركة الأمة في التاريخ، وهذه لا تتسق إلا إذا تم الالتفاف حول من يقود الأمة ويحكمها ولو حصل عنده نقص، ولو كان عندك اجتهاد غير اجتهاده، ولكن هذا كله أيضاً محكوم بمرجعية عليا وهي مرجعية الكتاب والسنة التي هي فوق مرجعية الحاكم والمحكوم. وبناء على ذلك إذا تم التخلي عن هذه المرجعية بالكلية، فإنه تنتزع هذه المظلة الشرعية التي تنزل عليها أحاديث الطاعة للحاكم، نعم.
والشاهد من هذا الحديث المتفق مع الباب هو قوله صلى الله عليه وسلم: عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وهذا أمر عجيب وأمر عظيم في تقرير ليس فقط أن الإسلام وأن الدين فيه حكم وفيه سياسة، لا، وإنما كذلك في أن هناك سنة لهؤلاء الخلفاء الراشدين، هذه تزكية عالية جداً لنظام الخلفاء الراشدين الذي كان بعد زمن النبي صلى الله عليه وسلم، أن لهم سنة يجب أن تتبع.
ثم الحديث الأخير عن ثوبان رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إِنَّ اللَّهَ زَوَى لِيَ الْأَرْضَ فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا. أخرجه مسلم، وصلِّ اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
إياكم، الحمد لله رب العالمين، تم بهذا إتمام شرح الملحق من المنهاج من ميراث النبوة بفضل الله سبحانه وتعالى وتوفيقه ورحمته ونعمته وكرمه وجوده، فالحمد لله أولاً وآخراً، وذلك في ستة مجالس، فلله الحمد أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً، وإن شاء الله تم التفرغ الآن لسلسلة أخرى بعد ما يعني تم، طيب خلينا نقول بعد ما تم الفراغ من شرح هذا الباب.
الشيخ أحمد السيد