تسجيل الدخول

إبراهيم الذي وفّى ٠٢

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: وإبراهيم الذي وفى، خلاص استقرينا على هذا الاسم. اليوم عندنا بعد الاستعراض الشمولي أمس لشخصية إبراهيم عليه السلام خُلقاً وخَلقاً، بعد ذكر سمات الإنابة والتأله والإخبات والأواهية -إن صحت التسمية- عند إبراهيم عليه السلام؛ اليوم سأكمل شيئاً من الإجماع قليلاً ثم نبدأ قصة إبراهيم مع قومه.

وسنتأمل الآيات مثل ما تأملنا يوم أمس؛ أمس تأملنا آيات أكثر شيء لِسورة إبراهيم، التي هي في أدعية إبراهيم الخليل عليه السلام. اليوم راح نتأمل في آيات سورة الأنعام في قصته مع قومه.

طيب، من الأشياء التي لفتت انتباهي كثيراً جداً قول الله سبحانه وتعالى: قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا. هذه الإكرام وهذه المنحة الإلهية بأن يكون إبراهيم للناس إماماً؛ جاءت نتيجة إيش؟ أو بعد إيش؟ بعد التوفية التي وفاها التي هي إيش؟ إيش الآية؟ وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهu بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا.

فصارت الإمامة في الدين وكأنها فرع عن الالتزام الذاتي أولاً، وأتمام العمل. فالإمامة لا تأتي من الأعلى مباشرة، أي لا يكون الإنسان إماماً في الدين بأن يأتي مباشرة بمثلاً خلنا نقول بدورات معينة ولا شي، يتعلم أشياء ثم يصبح إماماً في الدين؛ وإنما تأتي ضرورة -يعني- بأهمية أو بلزومية المرور بمرحلة إتمام العمل، بمرحلة العمل، بمرحلة الأداء، بمرحلة الاستجابة والالتزام.

وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ، أي كلمات شرعية، أي أوامر، فَأَتَمَّهُنَّ. ولاحظ توصف التوصيف الإلهي: أتمهن موف أداهن، ها؟ أتمهن، يعني تفيد أعلى مما يفيده فاداهن، صح؟ اليس كذلك؟ أتمهن، يعني أداهن على الوجه التام الكامل الذي لا نقص فيه. إحسان في العمل، إحسان في الأداء، في التوجه، إحسان في القصد، إحسان في وفي وفي إلى آخره.

ثم: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا. فهذه الجملتان، هاتان الجملتان أنه يكون للناس إماماً، عقيب التزامه أو شهادة الله، شهادة الله له بأنه أتم العمل، يفيدنا أن الإمامة في الدين مشروطة بالمرور على مرحلة العمل والالتزام به.

ومما يؤيد هذا المعنى ما جاء في سورة السجدة، قال الله سبحانه وتعالى: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا. متى؟ لما يشفع لو، لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون. جمعوا بين الصبر واليقين، وهذا معنى عظيم جداً في فهم طبيعة الإمامة في الدين.

أيضاً من هذه الآية نفهم أن الإمامة في الدين منحة إلهية، وأنها مرتبطة بقضية الربانية، وأن الإمام في الدين ليست منصباً -يعني نقول- رسمياً أو منصباً تدريجياً في سلم الوظائف؛ هو شرف إلهي يعطيه الله سبحانه وتعالى ويمنحه لناس من عباده في دائرة وفلك الربانية. لذلك بنهاية قصة إبراهيم في سورة الأنبياء، ماذا قال الله سبحانه وتعالى في شيء مرتبط بهذا المعنى؟ ذكر سبحانه وتعالى معنى أو آية فيها هذا المعنى في نهاية قصة إبراهيم عليه السلام في سورة الأنبياء.

قال الله سبحانه وتعالى: وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ، وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ.

هذا معنى في إمامة إبراهيم عليه السلام، إمامة الخليل عليه السلام وتمام عمله. اليوم، زي ما مثل ما ذكرت، نريد أن نقف مع قصة إبراهيم مع قومه. طبعا قصة إبراهيم مع قومه ذكرت في عدة مواضع من كتاب الله سبحانه وتعالى، وذكرت من أكثر من جهة أو أكثر من حدث فيها؛ فهناك حدث تكسير الأصنام، وهذا الحدث إن وجدنا فرصة اليوم نمر عليه، لكن أنا سأبدأ بالحدث الذي قبله وهو حدث اللي ذكر في سورة الأنعام في موضوع: فَلَمَّا جَنَّا عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا إلى آخره.

هذا الحدث ذكره الله سبحانه وتعالى في سورة الأنعام، قال سبحانه وتعالى: وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ. مين الشخص الذي قال: إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ؟ إبراهيم، اللي هو ايش صفته عادة؟ الرحيم الحليم، صح؟ شوف أمس وقفنا كل شي يقول: وَمِن ذُرِّيَّتِي وَمِن ذُرِّيَّتِي وَابعث فيهم، ها؟ لكن لما تجي القضية قضية إيمان وشرك، عقيدة، أصول الإسلام، ما تجد -طبعا هو مو معناه مو رحيم- بس ما تجد العبارات التمويهية التي لا تمايز بين الحق والباطل.

إِنِّي أَرَاكَ -مو أرى فكرتك، فكرة معلقة في الجو- أراك أنت صاحب الفكرة وقومك في ضلال مبين. وهذا فيها نسف المبدأ التذويبي المعاصر، انه انتقد الفكرة ولا تنتقد الشخص، تمام؟ هذا المبدأ، مبدأ كذا باطلاق، إذا أطلق بشكل عام مبدأ باطل مبدأ باطل. نعم أحياناً من باب الحكمة والمصلحة يحسن أن لا تنتقد الشخص وأن تنتقد الفكرة، جيد، لكن هذا المبدأ ليس على إطلاقه هنا. إبراهيم عليه السلام قال لقومه لأبيه وقومه: إِنِّي أَرَاكَ يعني أنت وقومك في ضلال مبين. ما قال انتم ناس كويسين ولكن عندكم افكار خاطئة؛ لا، انتم ضلال.

ولذلك موجب هذا الضلال والانحراف عن الله سبحانه وتعالى وعن التوحيد له، أن أعلن أيضاً لأبيه وقومه كما في سورة الممتحنة: قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا.

طبعا احنا قلنا أمس كيف أن إبداء العداوة والبغضاء لأعداء الله هو فرع عن شدة المحبة لله، وانه الله جعل إبراهيم أو اتخذ إبراهيم خليلاً، وإبراهيم كان قد اتخذ الله خليلاً، وكانت محبته محبة عظيمة لله سبحانه وتعالى. قلنا من أين نفهم هذا؟ شدة المحبة، واحد منها ايش؟ شدة العداء والبغض لأعداء الله. وواحد منها أيضاً التمام والتوفية في العمل، التمام والتوفية في العمل.

ومن اللطائف الجميلة التي وقفت عليها اليوم، الرائعة جداً جداً، وهي وهو معنى في غاية الشفافية، في غاية الشفافية، في غاية الجمال، في غاية الأنس، تكشف عن محبة إبراهيم عليه السلام لربه سبحانه وتعالى، وتدلك على هذه النفس الجميلة الرائعة الشفافة، وهي في آيات سورة الأنعام التي سنقرأها.

قبل قليل: فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أَعُبُدُ الْآفِلِينَ، وليش قال: لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ؟ لاحظتوا تقديم معنى المحبة، ها؟ يعني ترى أنا مو بس لا أعبدهم، لا أحب الآفلين، يعني كأنه يقول: أنا أبحث أو أنا اريد أن أوصلكم إلى شيء تكون العلاقة بينكم وبينه علاقة عبودية وعلاقة محبة، وأن هذه الكواكب والاقمار التي تأفل لا أحبها، ليس فقط لا أعبدها. فهذا يدلك على وجود حضور معنى المحبة عند إبراهيم الخليل عليه السلام، ولذلك لا تتعجب أن يكون المكافأة هو أن يكون خليلاً لله سبحانه وتعالى.

طيب: أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ، وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ. هذه الآيات فيها ذكر الحجاج بين إبراهيم وقومه، فيها وحاجة قومه، صح؟ وبعدين: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ، صح؟ لكنها بدأت بِوَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ.

إيش نستفيد من هذا؟ مم، أهمية اليقين. لمن لا، هنا مو قضية الإمامة، هنا قضية مناظرة أهل الباطل ومحاجتهم، قبل الرد على الشبهات لابد أن يكون هناك تثبيت وتعزيز لليقين، واضح؟ فأولاً تعزيز اليقين ثم الرد عليه، واضح؟

وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ. هذه البداية، هذه الانطلاقة، لابد من تعزيز اليقين أولاً، ثم يناظر قومه.

وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ، فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ تغشاه وستر، هذا الليل ستر بظلمته، رَأَىٰ كَوْكَبًا، كوكباً من الكواكب الموجودة في السما، قال المفسرون: الزهرة، كوكب الزهرة. قَالَ هَذَا رَبِّي، فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ.

اختلف العلماء: هل هذا المقام من مقام من من قول إبراهيم عليه السلام مع قومه، هل هو مقام نظر أم مقام مناظرة؟ هل هو مقام نظر أم مقام مناظرة؟ مقام نظر يعني ايش مقام نظر؟ يعني مقام بحث عن الحقيقة، يعني كأنه هذا في مبتدأ أمر إبراهيم عليه السلام، إذ كان على الفطرة، وكان قومه يقولون ويزعمون أن الكواكب آلهة، فكان يبحث هو عن الحق، فكان يبحث عن الحق، فلما رأى أولاً رأى الكوكب، قال هذا ربي، بعدين لمن أفل؟ قال لا، يعني ما دام أن هذا أفل فهذا لا يدل على أنه إله، وبعدين ألقى القمر وبعدين الشمس.

هم؟ وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.

وبعدين الشمس هذا القول الأول، تمام.

القول الثاني، القول الثاني هو أنه لم يكن مقام نظر، وإنما كان مقام ايش؟ كان مقام مناظرة، كان مقام مناظرة بمعنى أن إبراهيم عليه السلام كان يعرف الحق، وكانت القضية لديه واضحة، وإنما أراد أن يكشف لقومه بطلان قولهم عبر هذه المناظرة التي قالهم، يعني كأنه يقول: دعونا ننظر، هذا ربي، هيا نشوف الآن، ها؟

فَلَمَّا جَنَّ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي، يلا خلينا نشوف إذا كان هذا ربي نشوف، فَلَمَّا أَفَلَ كأنه يقول لهم: أنتوا ما تفكروا؟ أنتوا ما تفكروا؟ أنتوا ما ترون أن هذا كل مرة يظهر ويغيب، ويظهر ويغيب، يظهر ويغيب؟ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ.

فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ، فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ.

هذا المقام الأرجح والله تعالى أعلم أنه مقام مناظرة وليس مقام بحث، لو مقام مناظرة، وإن كان قد قال بكل القولين أئمة من أئمة المسلمين، ابن كثير رحمه الله في التفسير يرجح وبقوة أنه مقام مناظرة وليس مقام نظر، وهو الأقرب للصواب بإذن الله تعالى. والسياق بشكل عام يدل على هذا المعنى، فسبقت الآيات بذكر اليقين، عقبت بذكر المحاجة، وتركيب الآيات بخواتمها أو خواتيمها يرجح والله أعلم هذا المعنى.

طيب، قال: فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ، ذكرنا ايش الانطلاقة أو الالتقاطة في كلمة لا أحب، أنها يعني متجاوزة لمجرد لا أعبد، وكأنه العبادة هي ليست شيئاً منفصلاً أو منفكاً عن المحبة، وإنما هو متضمن، إنما هي متضمنة لقضية المحبة. قال: أَحُبُّ الْآفِلِينَ، فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ، فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ.

الله سبحانه وتعالى وصف إبراهيم كثيراً بأنه حنيف، وهو هنا في بداية أمره يصف نفسه بأنه حنيف، فهو إبراهيم عليه السلام يستحضر في بداية مسيرته أنه بالضرورة، أو من الضروري عقله وعليه أن ينحرف عن الشرك، وابتعد، وأن يكون صاحب وصف حنيف، اللي هو المائل، يميل عن الشرك.

إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ. أتى بالأخبار عن الله سبحانه وتعالى بهذا الخبر تحديدا: فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ. لماذا هم ايه، ألا يناسب هذا ذكر الكوكب والشمس؟ رأى كوكباً، صح؟ يعني ما قال مثلاً الذي آآ مثلاً انزل المطر من السماء، وإن كان، ولم يقل هنا الذي يحيي ويميت، وإنما استعملها مع من؟ مع النمرود، صح؟ هنا استعمل الوصف المناسب للحال، فلما كان الحال كوكباً وقمراً وشمساً قال ايش؟ وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين.

واضح كيف الاستفادة من هذا المعنى؟ وهذا فيه الحكمة في استعمال العبارات والجمل والأوصاف المناسبة، وانتقاء ما يوافق الحال منها: إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، وحاجة قومه.

القرآن يثبت ويؤكد دائماً في كثير من الآيات، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، يثبت ويؤكد في كثير من الآيات أن أصحاب الباطل يحبون باطلهم، ويتمسكون به، ويحصبون له، ولذلك قال الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ. قال العلماء: أي أشرب حب العجل، أشربوا في قلوبهم العجلة.

ودائماً تجد أنه ما يصرفه الموحد المخلص لله سبحانه وتعالى، تجد أن المشرك يصرفه لغير الله من الانجذاب والمحبة والتوكل والخوف والرجاء وإلى آخره. فهذا يظهر جمال التوحيد أنه بما أن هذه أصلاً فطرة إنسانية بشرية، وأن هذه تصرف في تصرفاتكم، تصرف إلى أحجار: أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً؟ وتصرف إلى أشجار، وتصرف إلى كواكب؛ أليس من الأولى أن تصرف إلى خالق هذه الأشياء؟

من الذي قال: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ؟ أو ما تعملون، والله خلقكم ما تعملون، صح؟ سورة الصافات: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ، ها؟ أي والله خلقكم وما تعملون. طيب مين اللي قال هذا الكلام؟ إبراهيم عليه السلام: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ. آية ستة وتسعين في الصافات، ها؟ مين قال نفس أبو إبراهيم عليه السلام: والله خلقكم وما تعملون، يعني أليس من الأولى أن أوجه وجهي للذي فطر السماوات والأرض فأعبده، وأنيب إليه، وأتوكل عليه، بدل من أن أوجه وجهي لأصنام تعملونها بأيديكم الآخرين؟

طبعا هذا الكلام الآن نزله على ما شئت مما يصرف الناس.

إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين. وحاجة قومه دائما كما قلت تجد في كتاب الله الإشارة والتنبيه إلى أن أصحاب الباطل تجدهم متمسكين بباطلهم يحاجون عنه يناظرون عنه.

بينما آآ يعني لك أن تستثير أصحاب الحق فتقول لهم إذا كان أهل الباطل وهم أهل باطل يصبرون هذا الصبر، وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم.

وفي سورة الفرقان أيش أيضا؟ في سورة الفرقان بمعنى مقارب لهذا المعنى، أيش هو؟ مين يتذكر؟ من يتذكر؟ من يأتي به؟ من يلتقطه؟ في سورة الفرقان يوجد معنا الله أعلم. ها، وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا. هذا الذي بعث الله رسولا؟ إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَن صَبَرْنَا عَلَيْهَا. لولا أن صبرنا عليها.

وهنا وحاجة قومه، وهي ستأتينا إن شاء الله في قصة الأنبياء في سورة الأنبياء. كيف أنه لما إبراهيم عليه السلام قال لهم: فَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ. أُفٍّ لَّكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ. وقبل ذلك: فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ. فرجعوا إلى أنفسهم فقالوا إنكم أنتم الظالمون، ثم نكسوا على رؤوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون. إيه؟ بعدين حرقوه. طيب النتيجة المفروض أيش تكون؟ أنت الآن ما هؤلاء ينطقون، ثم نكسوا على رؤوسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون. أي ممتاز، هو هذا اللي يقول لكم إبراهيم عليه السلام، إذا ليش تعبدوهم؟ إذا ارجعوا، لا، حرقوه وانصروا آلهتكم، يعني كذا ولا كذا ما راح نغير، حننصر أحد.

لذلك أنت ما تستغرب الآن لما تشوف ناس من أهل الباطل والإجرام وإلى آخره، ما تستغرب لما تشوف شدة صبرهم على باطلهم، فهذا شيء معتاد وذكره الله في القرآن، ويبين حال النفس البشرية أنه دائما الذي يحرك، أو ليس دائما الذي يحرك النفس البشرية هو وجود الحقيقة ووجود الدليل، وإنما الذي يحركها كثيرا ما يكون هو أيش؟ ها هل هو تعصب؟ انصروا آلهتكم. طب أنتم رايحين تنصروا آلهتكم؟ طب يعني عموما آآ قال: أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ. وهذه الجملة يعني تصلح أن تكون عنوان كتاب أو عنوان سلسلة محاضرات، هذه الجملة فقط: أتحاجوني في الله وقد هداني؟ وتذكرون علقت عليها أكثر من مرة وأظنها حتى ذكرتها في كتاب، أنه يعني أنتم من جدكم؟ يعني أنتم الآن تحاجوني في الله وأنا تجاوزت مرحلة الاستدلال النظري أصلا.

يعني وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ. هذا خلصنا منها الآن. عندي دليل نظري برهاني على أن الله هو الحق، تمام؟ لكن عندي ما هو أبعد من ذلك، وهو ما يوجب الثبات الحقيقي، لأنه المعرفة المجردة لا توجب الثبات بالضرورة، ليست المعرفة دائما تقود إلى الثبات وإن كانت أيش؟ شرطا فيه، شرطا فيه، حتى تثبت لابد، حتى تثبت لابد أن تكون عارفا، صح؟

لكن الموجب الحقيقي للثبات هو العيش العملي لحالة الثبات، لحالة الحق، ولتذوق حلاوته. فهو يقول لهم أنتم الآن من جدكم تحاجوني في الله وأنا قد تجاوزت مرحلة النقاش والاستدلال المجرد إلى أنني عشت أثر عبوديتي له إذ هداني. فبعد هذا كله تريدون مني أن أطيعكم إلى ما تدعون إليه وأنا قد ذقت ما لا تعرفون وعشت ما لا تعيشون، إِنَّكُمْ إِذًا لَّفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ. واضح الفكرة أتحاجوني في الله وقد هداني؟

ولذلك هذه الجملة نستفيد منها بشكل واضح أنه من أراد أن يكون ثابتا فليكن عاملا بالحق، وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا. فمن أراد أن يكون ثابتا فليكن عاملا، وليست القضية، لا من أراد أن يكون ثابتا فليكن عارفا، فتبغى تثبت على الحق اقرأ اقرأ اقرأ اقرأ لا ليس صحيحا. اقرأ اقرأ اقرأ هذا شرط لكن اثبت اثبت اثبت هذا يحتاج له عمل أصلا، يحتاج له عمل، يحتاج له تعبد عملي، يحتاج له ممارسة عملية للهداية. طيب أتحاجوني في الله وقد هداني.

وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَن يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا. جزء أساسي مما يدفع أهل الباطل إلى باطلهم هو أيش؟ الخوف. هو أيش؟ الخوف. الخوف سبحان الله تجد أنه مكرر، يعني يتكرر ذكره في كتاب الله سبحانه وتعالى، مرتبطا هيبة أهل الباطل لمصادر الطغيان ومصادر الانحراف لديه. لذلك تجد في سورة هود، تجد في سورة هود أنه نفس النقاش صار بين هود عليه السلام وبين قومه، نفس النقاش اللي هنا صار بين إبراهيم عليه السلام، أنه وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون إلى آخره.

شف ايش يقول قوم هود، إِن نَّقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ، آلهتنا أصابتك بسوء. ها، أنت كأنه يعني كأنك أنت مجنون أو فيك مرض والسبب آلهتنا العظيمة القوية القادرة المخيفة المهيبة التي استطاعت أن تمس عقلك بسوء. فماذا قال هود عليه السلام؟ قال إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ مِن دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ. إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُم مَّا مِن دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ. فَإِن تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُم مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ.

نفس الشيء هنا إبراهيم عليه السلام يقول ولا أخاف ما تشركون به. لما يقول لهم ولا أخاف ما تشركون به معناه أنهم أيش كانوا يسووا؟ كانوا يخوفونه بما يشركون، أليس كذلك؟ لمن هو يقول لهم أنا لا أخاف ما تشركون به معناه أنه أقل شيء، أقل شيء أن هم كانوا يخافون ما يشركون به، يخافون، يخافون خوفا حقيقيا. يعني إلا أن يشاء ربي شيئا، وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ. وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا.

لما تسمع هذه الجملة تتذكر قول الله سبحانه وتعالى: إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً، كان أمة هنا نأخذ تفسير من قال أن أمة أمة وحده. أنه أيش هذه العظمة في الاعتزاز بالحق؟ أيش هذه العظمة في الافتخار به؟ أيش هذه العظمة في الاستعلاء العظيم جدا بوضوح الحق لديه؟ الاستخفاف الشديد بالباطل كمعنى، بالباطل كمعنى أنه أنا مو بس ما أخاف، ليس فقط أني لا أخاف ما تشركون به، أنتم ليش ما تخافوا أصلا مما أؤمن به؟ واضح الفكرة؟ يعني الفكرة هي أنه هم عندهم آلهة يخوفونك بها، فهو يقول أنا ما أخاف ما تشركون به، ثم يقول لهم العجيب مو أني أنا ما أخاف، أنتم تتعجبون أني أنا ما أخاف! أنا أتعجب أنكم أنتم اللي ما تخافوا من الله.

واضح يعني أنت كذا تقطع الأمل تماما في صاحب الباطل أن يجذبك إلى باطله لأن هو يقول القضية ما هي قضية أنه أنا أخاف ولا ما أخاف، هي قضية أنكم أنتم المجانين بعدم خوفكم، أنتم المسرفون بعدم خوفكم أو الجاهلون. وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُم بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ. مَن كان من الناس مع إبراهيم عليه السلام في هذا المقام؟ وحده. من كان مع إبراهيم عليه السلام حين كسر الأصنام؟ وحده. سمعنا فتى فتى يذكرهم يقال له إبراهيم، لذلك لا تتعجب أن يصفه الله بأنه كان أمة، لا تتعجب بأن يصفه الله أو أن وصفه الله بأنه كان أمة.

فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ؟ كيف استطاع إبراهيم عليه السلام وهو وحده وفي مثل هذه السياقات، وفي تخويف وفي قوم معهم الأب ومعهم الأقرباء، وهناك ثم هو يقول لك لا أخاف ما تشركون به، إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون؟ وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون؟ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ.

ومن هنا تفهم لماذا فسر النبي صلى الله عليه وسلم الظلم هنا بأيش؟ بالشرك، لأنه السياق كله أصلا سياق شرك وتوحيد، أو توحيد وشرك، صح. تعرفون لما نزلت هذه الآية قال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يا رسول الله أينا لم يظلم نفسه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم ليس ذاك، وإنما كما قال لقمان إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ. والسياق هنا سياق تصفية الإيمان من الشرك، الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ.

وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ. حين تنتصر في مناظرة ولا في مناقشة بين الحق والباطل لا تنتفخ وتنتفش كثيرا، فالذي نصرك وأيدك وأعطاك هو الله سبحانه وتعالى. فهنا في هذه المناظرة، في هذا التثبيت، في هذه القوة، في هذا التفرد في الحق، قال الله سبحانه وتعالى وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ.

إذا أردت أن تدخل في مقامات من مقامات الرفعة، مقامات ما يمكن أن يرفعك الله به، فلتقتد بإبراهيم عليه السلام في مقام نصرة الحق والقيام به، والانحراف عن الباطل، والمناضلة عن الحق والمناظرة عنه، والمجادلة عنه، وتثبيت الحق، وتفتيت وهدم الباطل. فَنَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ، وموجب هذه الرفعة هي أيش؟ ليكون من الموقنين، وإني وجهت وجهي ها، وتحاجوني في الله وقد هداني، أتحاجوني في الله وقد هداني؟ لا أخاف ما تشركون به، والذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم.

فهذه المقامات اللي هي فيها مقام اليقين والعلم والإيمان والمناظرة عنه والقوة فيه وإبطال الباطل، هي مقامات من مقامات الرفعة التي يحبها الله سبحانه وتعالى، إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ. طيب.

سجّل الدخول لتحفظ ما أنهيته من الدروس في مكتبتك

هذا آخر دروس سير وعبر للمصلحين