دخولتسجيل الدخول

الحمد لله رب العالمين، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، ملء السماء وملء الأرض وملء ما شاء ربنا من شيء بعد، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، ثم أما بعد:

الأفكار المُسْلَمَة للعلمانية؛ حديث حول بعض الآراء والمشاريع والمقالات المعاصرة التي تسعى إلى التوفيق بين الإسلام والعلمانية، وإلى التقريب والموائمة بين النظام السياسي في الإسلام وبين النظام العلماني. سنتطرق إلى عدد من هذه المقالات وإلى كيفية مقاربتها للعلمانية.

لكن قبل ذلك، ما هي العلمانية؟ في الكتابة المعاصرة حديث طويل حول تعريف العلمانية والجذر اللغوي لهذه العلمانية، وحول تاريخ نشأتها وتفصيلات كثيرة حول هذا الموضوع. لكن هذه التفصيلات وبطبيعة الحال إن فيها خلافات طويلة لا تؤثر حول أن العلمانية فيها جوهر ومعنى صلب لا يضيع مع هذه التفصيلات؛ هناك معنى صلب في هذه العلمانية لا يختلف باختلاف هذه التعريفات وهذه التفصيلات.

وسواء قلنا: العلمانية هي عزل الدين عن الدولة، بمعنى حماية الناس والقانون والنظام من إشكالات الدين كما هي في التجربة الغربية؛ أو قلنا إن العلمانية هي عزل الدين عن الدولة بمعنى حماية الدين نفسه من تغول الدولة واستغلالها وتوظيفها؛ أو قلنا إن العلمانية هي موقف من الدين أو أنها ليست بالضرورة موقفاً من الدين وإنما هي تتقصد حفظ الحقوق والوقوف على قدم المساواة بين جميع الأديان؛ على أي حال كانت هذه التعريفات فإنها لا تؤثر حول المعنى الصلب للعلمانية.

هذا المعنى الصلب هو أن العلمانية لديه مشكلة ورفض وعدم قبول بتاتا لأن يفرض على الناس نظام أو قانون بناء على رؤية دينية. الدين هو علاقة فردية بين العبد وبين ربه، لكنه لا يتحول إلى أن يكون نظاماً يفرض على الناس فيمنعهم من شيء أو يلزمهم بشيء؛ هذا المعنى معنى صلب لا يختلف بتاتا في أي تفسير علماني وفي أي مذهب علماني.

وبناء عليه، ليست هناك حاجة كبيرة إلى الإيغال في التعريفات وفي التفصيلات وأحداث التاريخ ونحوها أن يقال للناس إنكم لم تفهموا العلمانية، لأن هذه التفصيلات لا تؤثر حول هذا المعنى الصلب. خاصة أن لدى البعض المعاصر توسعاً في التعريفات لدرجة فيها قدر من الاستغفال لعقول الناس، عندما يقولون مثلاً إن العلمانية هي عزل رجال الدين عن الحكم، يوهم الناس وكأن مشكلة العلمانية هي مشكلة مع أشخاص، يعني هؤلاء الأشخاص لأنهم متدينون التدين لا يفرض عليهم أو لا يعطيهم بأن يتولوا مناصب معينة وإنما يتولى المناصب الأحق من الناس، فيوهم الناس أن هذه هي العلمانية، وهذا استغفال أو جهل كبير.

إذاً، حديثنا سيكون حول عدد من الأفكار والرؤى التي تسعى إلى إزالة الإشكال هذا الذي جاءت به العلمانية. فالعلمانية تقوم على إبعاد الدين أن يكون نظاماً وإلزاماً في نظام ودولة؛ لأنها تقول إن الدين علاقة فردية فلا يفرض على جميع الناس. هناك آراء معاصرة إسلامية تحاول أن تقدم تقارباً بين المفهوم الإسلامي ومفهوم العلمانية بمعنى أنها تزيح هذا الإشكال، إشكالية أن تفرض على الناس نظاماً وقانوناً مبنياً على الدين.

هذه الأسلمة للعلمانية يحركها في الحقيقة دافعان؛ الدافع الأول دافع حسن، وهو أن بعض الناس يريد الخير محب للدين ويتمنى أن يرى الشريعة ترفرف في أنحاء الأرض، ويرى أن هذه الأسلمة تجعل الإسلام أقرب لنفوس الناس وأيسر للتطبيق فيدفعهم هذا. وهناك دافع سيء عند آخرين وهو دافع الخداع والتلبيس والمكر، فهو لأنه لا يستطيع أن يجهر بالعلمانية بشكل صريح يضطر أن يقدمها في قوالب شرعية حتى يتجاوز نكير الناس.

وبطبيعة الحال إن بعض الناس يحركه الدافع الحسن وبعض الناس يحركه الدافع السيء؛ المنتمي إلى المرجعية الإسلامية والمعظم للوحي يحركها الدافع الحسن ولو أخطأ الطريق، والعلماني الصلب فانه يحركه الدافع السيء. والحقيقة أن أسلمة العلمانية أو الأفكار المؤسسة للعلمانية تدخل تحت مشروع أوسع منها، وهو مشروع إعادة قراءة التراث واعادة تقديم التصورات المخالفة للإسلام في قالب لا تبدو فيه مخالفة للإسلام.

وهذه ظاهرة شائعة جداً في عصرنا، أن المصادمة الصريحة للإسلام ورفض القطعيات الشرعية مباشرة ما عادت لها قبول لدى كثير من الناس، بل أصبح ثمنفور كبير منها. وبناء عليه هذا حرك ضرورة أن تعاد هذه المفاهيم وهذه التجاوزات لا تقدم بطريقة منفرة للناس وإنما تقدم لهم من داخل التراث. فهذه ظاهرة واسعة، إعادة قراءة التراث، ومن تطبيقاتها ونماذجها أسلمة العلمانية، وكما سبق دخل فيها من لهم قصد حسن ومن لهم قصد سيء.

هذه الظاهرة، ظاهرة أسلمة العلمانية، لها جانب إيجابي وهو جانب إظهار احترام الشرع وترك الإعلان الصريح في رفضه. هذا جانب إيجابي أن كثير من الناس يظهرون احترام الشريعة وكانوا في السابق لا يفعلون هذا، حتى وان كانت مقاصدهم سيئة هذا جانب إيجابي. إظهار احترام الشريعة جانب إيجابي، لكن في المقابل هناك جانب سلبي وهو جانب التلبيس وتمرير انحرافات تشكيك الناس في محكماتهم الثقة بها، فهذا جانب سلبي.

فهذه الظاهرة يتنازعها جوانب إيجابية وجوانب سلبية. وهذا يطرح سؤالاً مشروعاً وشهيراً وهو: أيهما أخطر وأشد انحرافاً؟ من يدعو للعلمانية الصريحة أم من يسعى إلى الأسلمة والمقاربة وتخفيف الإشكال مع هذه العلمانية؟ في الحقيقة أن الجواب عن هذا السؤال يقوم باستحضار ثلاثة أمور أساسية.

الامر الأول: أنه لا يتساوى من يحترم مرجعية الوحي ويستند إلى الشرع لمن يعلن الرفض والعداء والمحادة لله ورسوله؛ ليس من العدل ولا من الإنصاف ولا من العقل ولا من الشرع أن يساوى هذا بهذا. فحتى لو أخطأ الطريق وظل عن الصواب فإنه لا يتساوى شخص يعلن أنه معظم للوحي ومؤمن بالقرآن ومتبع للسنة لكنه أخطأ فوقع في آراء مخالفة حتى لو كانت باطلة، لا يتساوى بتاتا مع شخص يعلن رفض الشرع مباشرة ولا يمكن أن يقال إن هذا أخف شرا من هذا، فليس هذا من العدل في شيء.

الامر الثاني: أيضاً ليس من العدل أن يجعل من أخطأ في الحكم تأولاً ممن أخطأ فيه إعراضاً وعناداً. فكون الشخص يقع في التلفيق مع العلمانية أو يدعو للعلمانية وهو يتأول هذا ويظنه من الشرع، حتى لو خطأناه وغلطناه وضللناه، لا يتساوى مع الشخص الذي يتبناها إعراضاً وعناداً ولا يلتفت ولا يرفع بالشريعة رأساً، فلا يتساوى هذا بهذا أيضاً.

الامر الثالث: أن وقوع هذه الظاهرة في أسلمة العلمانية وموافقتهم للعلمانيين في النظام السياسي أو في كثير من النظام السياسي، لا يعني ولا يجب ولا ينبغي أن يزيل عن أذهاننا أنهم في الجانب السلوكي وفي تعظيم الشعائر وفي احترام الأحكام هم أحسن كثيراً من هؤلاء. وهذا بطبيعة الحال إن الشخص الذي ينتمي إلى الكتاب والسنة ويعلن الانتماء لهما واحترام أحكامهما ولو غلط فإنه أحسن حالاً في تدينه وفي تعظيمه للشعائر من المعاندين والمحاديين.

إذاً، هذه المحاضرة نقدم لهذه الظاهرة وبيان لخطئها أو غلطها ومشابهتها للعلمانية في أطروحاتها، لكن ليس من العدل أن يتساوى هذا بهذا، ولا أن نقول هذا أخطر من هذا بتاتا؛ لا يتساوى من آمن بالشرع مرجعاً ممن أعرض عنه، ولا من وقع تأولاً بمن يقع إعراضاً، ولا من استمسك بأحكام كثيرة تعظيماً للدين ولشعائره من المعرض المستخف المستهتر.

بعد ذلك ننتقل إلى إثارة قضية مهمة، وهي من الدوافع المؤثرة والمحركة لظاهرة أسلمة العلمانية، وهي الواقع الذي يتعسر معه تطبيق الشريعة بواقعنا المعاصر؛ في كثير من بلاد العالم الإسلامي لا يمكن تطبيق الشريعة أو يحل بين ذلك عوائق كثيرة. هذا الواقع، أن الشخص لا يمكن أن يطبق الشريعة لكنه يستطيع أحياناً أن يطبق بعض أحكام الشريعة أو يخفف بعض الشر.

هذا أحدث عند بعض الناس لبساً، فأصبح لأنه في واقع لا يستطيع أن يطبق الشريعة فقد يكون أحياناً النظام العلماني خير له من نظام آخر، أو يجد في هذا النظام حرية للدعوة وحرية لنشر الخير يتحقق بها مصالح كثيرة. فهو في واقع معين ضرورة معينة لا يمكن فيها تحكيم الشريعة فيجتهد في هذا الواقع؛ الإشكال ليس هنا، الإشكال ليس أنه يجتهد في هذا الواقع بقدر المستطاع سيحقق ما أمكنه ويسقط عنه ما عجز عنه.

الإشكالية إشكالية أنه يحول هذا الواقع الذي عجز عنه إلى هو الأصل؛ فهو في واقع تكون العلمانية فيه هي المتاح أو هي الأفضل من غيره، فيبدأ يرجع إلى أصول الشريعة يغيرها حتى تكون موافقة للواقع. هذا من اعظم المداخل التي سببت رواج افكار الاسلمة لدى كثير من الناس. فهو يقدم رؤية، لما تخبره أن هذه الرؤيا تخالف الكتاب والسنة يقول لك: ماذا أعمل؟ أعطني حلّاً آخر، ما هو الخيار؟

ستكون إشكالية الواقع عنده هي التي حركت تغير تغيير الأصل عندهم، بينما العقل والصواب والشرع أنه يجتهد بقدر المستطاع بقدر الامكان لكن لا يجعل الضرورة هي الأصل. فقد يضطر الإنسان في زمان معين أن يقع أن يفعل حراماً أو يترك واجباً، لكن لا يقول إن ترك الواجب وفعل الحرام هو من الشرع دائماً، وإنما يميز بين الأحوال.

ولأجل ذلك، الاجتهاد في الواقع يحتمل مجالاً واسعاً. الشخص عندما يكون في بيئة أو زمان أو مكان لا يستطيع فيه أن يحكم الشريعة، يكون مضطراً بين خيارين كلاهما سيء ومخالف للشريعة لكنه يختار الأخف ضرراً، فهناك مجال اجتهاد واسع في الشريعة، حتى لو غلط الإنسان الغلط فيه أهون لأنه غلط في التطبيقات في الفروع.

لكن لا يجعل هذه الضرورة يحولها إلى الأصل؛ إشكالية كثير من الناس أنهم يتحدثون عن الضرورة الواقعية يغيرون التصورات، لا هم الذين أصلحوا الواقع ولا هم الذين حفظوا تصوراتهم الشرعية. فتصورات الشرعية حول تحكيم الشريعة ونبذ العلمانية وحاكمية الله ورسوله بدأت تتخلخل، وفي نفس الوقت لم يصبح واقعه، بينما لو كان من العقل والدرك أن يستهدف واقعه دون أن يغير ويؤثر على تصوراته السابقة.

وإنسان مثلاً اضطر أن يشرب الخمر لعلاج أو لضرورة، فإنه يمكن أن يشرب خمر لهذا، لكن لا تجعل هذه الضرورة تبيح له أن يقول: أصل الخمر أصلاً حلال، أو أن الخمر مختلف فيه، أو أن الخمر ليس محرماً قطعياً. فيبدأ يغير أصول الأحكام بناء على إشكال في الواقع؛ هذه حقيقة مدخل مركزي أساسي يجب أن نذكره في بداية هذا اللقاء بأنه مسبب كبير وأساسي لهذه الظاهرة.

نعيد تلخيصها في سطرين: نحافظ على الأصول الشرعية وفي نفس الوقت نجتهد في واقعنا المعاصر بحسب القدرة والإمكان وبحسب مصالح أم فاسد. لا نلغي هذا الواقع ومتغيراته لكن لا نجعل المتغيرات تغير لنا الأصول، وإنما لكل واقعة مجالها.

إذاً، هذه الأفكار المُسْلَمَة هي حقيقتها تقدم العلمانية بقالب يبدو في صورة تتفق مع الإسلام أو لا يبدو فيها مصادمة صريحة مع الإسلام، سواء قدمت العلمانية بشكلها الكامل أو قدمت كثيراً منها أو أكثرها؛ هذه هي المقصود بالمقولات المؤسسة أو المسلمة للعلمانية.

تتفق جميع هذه الأفكار التي سنعرضها الآن على أنها تحقق المقصود العلماني، والمقصود العلماني كما سبق المعنى الصلب هو نزع الالزام الديني عن الأحكام الدينية؛ تبقى علاقة بين العبد وبين ربه. لدينا عدة أفكار مُسْلَمَة للعلمانية، هذه الأفكار حقيقتها أنها ستقدم العلمانية بصورة لا تبدو معارضة للاسلام.

ما هو الذي في العلمانية ستقدمها بافكار بحيث لا يعارض الإسلام؟ هو المعنى الصلب الذي ذكرناه، وهو معنى أن لا يلزم أحد بحكم ديني، ليس هناك فرض ولا منع بناء على حكم دين؛ المنع والفرض يكون بناء على أحكام دنيوية، أما الدين فهو علاقة بين العبد وبين ربه. لكن لا تحرم الفواحش كاختيار شخصي، لكن لا تفرض على الناس منع الفواحش أو منع الخمور أو غيرها بناء على رؤية دينية. بهذا المعنى الصلب ترفرفه العلمانية.

هذه المقولات المؤسسة تحاول إزالة هذا الاشكال أو أكثره بحيث توفق بين العلمانية وما تخشاه من العلمانية وبين الإسلام. لدينا في الواقع المعاصر مقولات كثيرة، باستقراء عدد كبير منها نستطيع أن نقول إن هناك سبع مقولات مركزية أساسية هي من مقولات المسلمة للعلمانية. كل مقولة تقدم تصوراً شرعياً يزيل إشكالية العلمانية وتبدو هذه العلمانية لا تخالف الشريعة. سنأخذها مقولة مقولة ونناقشها المنزع المتأثر بالعلمانية في كل مقولة منها.

الفكرة المركزية الأولى والفكرة المسلمة الأولى هي فكرة الاستناد إلى المبادئ الكلية؛ الاستناد إلى المبادئ الكلية، وهي أن الشريعة لم تأتي في النظام السياسي وفي نظام حكم الناس إلا بمبادئ كلية عامة؛ العدل والرحمة والمساواة والحرية ونحو ذلك.

أما تفاصيل الأحكام، فالشريعة لم تأتِ بأي شيء، إنما جاءت بمبادئ كُلّيّة عامة، وكل نظام يجتهد في هذه المبادئ. الإشكال هنا أن بعض الناس قد يعبر بهذا التعبير وهو يقصد معنى حسناً؛ هؤلاء لا إشكال لنا معهم؛ لأن النزاع ليس في المصطلحات، فقد يعبر بعض الناس بهذا التعبير ويقصد معنى صحيحاً فلا إشكال فيه. الإشكال فيمن يعبر عنه وهو يقصد ما يتكلم به؛ فعندما نقول مبادئ كُلّيّة، الحقيقة أن المبادئ الكُلّيّة لابد أن يكون لها فروع مفسرة.

العدل لابد أن يكون عندك تفصيلات العدل، الرحمة ما هي تفصيلة الرحمة؟ ما هي تفصيلات المساواة؟ قد تكون المساواة مساواة شرعية إذا احتكمت إلى فروع الشريعة، وقد تكون المساواة ليبرالية إذا احتكمت إلى فروع الليبرالية، وقد تكون اشتراكية إذا حكمت إلى الفروع الاشتراكية. المبدأ بدون فروع لا يكفي، ولا يعبر ولا يكشف عن رؤية واحدة. فلما يعبر فيقول المبادئ الكُلّيّة هي فقط، الحقيقة أن هذا يعني أن الشريعة ما جاءت بشيء؛ ما جاءت بشيء لأن كل الحضارات وكل الثقافات وكل الأفكار جاءت بهذه المبادئ.

الخلاف بينهما في الفروع المفصلة؛ الشريعة لديها حرية، الليبرالية عندها حرية، الاشتراكية عندها حرية، لكن الفروق بينهما كبيرة؛ لأنه فروق في التفاصيل وفي المرجعية التي تحكم هذا المبدأ. فعندما يقول جاءت الشريعة بمبادئ فقط، هو في الحقيقة إذا لم يجعل هذه المبادئ محكومة بفروع الشريعة، فإننا سنسأل: هذه المبادئ من يحكمها؟ وهنا الإشكال؛ أنه سيجعل الحاكم لهذه المبادئ هي الثقافة القوية المسيطرة الثقافة الغربية، تكون العدل وفق المفهوم الليبرالي، والحرية وفق المفهوم الليبرالي.

فهنا في الحقيقة قدم العلمانية بأشكالها الصلبة، لكنه ظن أنه بهذا الكلام إذا قال إن الشريعة جاءت بالمبادئ الكُلّيّة كأنه يتكلم من داخل الإسلام، وأن الحقيقة هذه الصورة هي ذات العلمانية، لكن جاءت بقالب شرعي، وكما سبق، سواء جاء بمقصد حسن أو جاء بمقصد سيء، فلا تؤثر المقاصد؛ نحن نتكلم عن ذات المقولة.

إذاً، هذه الفكرة المسلمة الأولى، وهي فكرة الاستناد إلى المبادئ الكُلّيّة. الفكرة الثانية: فكرة التصرفات النبوية المبنية على المصلحة. وهذه الحقيقة فكرة حرفت في الحالة المعاصرة، وتدخلت مع إشكالية النظام السياسي العلماني، لكنها في الأصل هي مبحث فقهي. فدعونا أولاً نشرح المعنى الفقهي، ثم نشرح كيف آلت إلى أن تكون فكرة مؤسلمة للعلمانية.

التصرفات النبوية معناها أن النبي صلى الله عليه وسلم عندما يتصرف، فانه يتصرف بعدة اعتبارات؛ فهو عليه الصلاة والسلام مشرع ومفتٍ للناس، فيعلمهم أحكام الحلال وأحكام الحرام فيقول هذا حلال وهذا حرام، يخبرهم بتفاصيل الصلاة والصيام إلى غير ذلك، فهذه التفاصيل هي شرع لجميع الناس لأنها فتيا للجميع.

لكن في نفس الوقت، محمد صلى الله عليه وسلم إمام حاكم، وهو يتصرف باعتباره حاكماً للناس، حاكماً للأمة؛ يققيم الحدود، ويحرك الجيوش، ويقسم الغنائم. فلما أقام الحد، هل أقامه عليه الصلاة والسلام باعتباره مفتياً للناس، ولا أو باعتباره حاكماً؟ أقامه باعتباره حاكماً، وبناء عليه فهذه الأحكام يقيمها عموم الناس أم يقيمها الحكام؟ يقيمها الحكام. لو جاء شخص فقال: أنا سأقيم الحد كما أقام النبي صلى الله عليه وسلم الحد في عدة وقائع، يقول هذا خطأ.

فلو قال: هذا فعل الرسول، لماذا لا نقتدي بالنبي؟ نقول: النبي صلى الله عليه وسلم عندما أقام هذا الحد أقامه باعتباره حاكماً، هو من الشريعة، لكن هذه الشريعة لا يقيمها آحاد الناس وإنما يقيمها الحكام. لذلك تقسيم الغنائم، فلا يأتي آحاد الناس يقسمون أموالاً ويقسمون بيت مال المسلمين وغيرها من الأحكام، النبي صلى الله عليه وسلم تصرف فيها باعتباره حاكماً.

أحياناً النبي صلى الله عليه وسلم يتصرف باعتباره قاضياً؛ فيأتيه المتخاصمون يختصمون في قضية فيفصل بينهم، فتأتيه مثلاً امرأة تشتكي زوجها وتطلب الخلع فيخلعها النبي صلى الله عليه وسلم. فهل يقول أحد: أنا سأمتلك صلاحية الخلع بين المتخاصمين بين الأزواج؟ يقول: لا. فلو قال: أريد أن أقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم، النبي صلى الله عليه وسلم تصرف باعتباره قاضياً، فهذه الأحكام تتعلق بأحكام القضاة وليس بأحكام عموم الناس.

هذه قاعدة فقهية مقاصدية مهمة لفهم كثير من أحكام الشريعة، وهي حاضرة عند كثير من الفقهاء المتقدمين، لكنها عادة تنسب إلى القرافي العالم المالكي الشهير؛ لأنه هو أكثر من أبرزها ومثل لها وفصلها في كتابه الشهير الأحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام، أو كتاب آخر الفروق، بحث فقهي واضح ومحكم لا إشكال فيه.

المشكلة جاءت من أين؟ جاءت أن بعض المعاصرين سحب هذه التصرفات فأحدث لها عمليتين جراحيتين. العملية الأولى: أنه قال: كل أحكام السياسة هي تصرف باعتبار الإمامة. يقول: أي حكم سياسي هو تصرف باعتبار الإمامة؛ هي في الأصل فقهي، بعض التصرفات السياسية هي تصرف باعتبار كون النبي حاكماً، ليس كل باب السياسة تصرفاً باعتبار حاكم. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يخبر الصحابة بفتاوى وأحاديث هي في السياسة، لكن كانت فتوى وتشريعاً لعموم الناس، ما كان باعتباره إمامة.

لكن العملية الأولى هذه الجراحية جعلت كل باب السياسة تصرفاً باعتبار الإمامة، ثم فعل عملية جراحية أخرى أخطر منها، وهي أنه قال: كل التصرفات النبوية مبنية على المصلحة وليس التشريع اللازم. ويقول: كل التصرفات في السياسة ليست من التشريعات اللازمة، هي بحسب المصلحة. بينما إذا نظرنا في كلام الفقهاء، هم لا يقولون ليست تشريعاً لازماً عندما يقولون هي متعلقة بالحاكم أو بالقاضي، قد تكون واجبة في إقامة الحدود، قد تكون مباحة كتحريك إدارة الجيوش وإدارة المدن ونحو ذلك، لكن ليست كلها مباحة، قد تكون واجبة، مستحبة، مباحة، لكن المتعلقة بالحاكم. هم لا يقولون ليست تشريعاً، لكنهم يقولون المختص بها الحاكم.

لكن صاحبنا هنا جعلها كلها ليست تشريعاً. إذاً، حصل هنا عمليتان جراحيتان: الأولى جعلت كل أحكام السياسة باعتبار التصرف بالإمامة، ثم نزعت منها التشريع، فأصبح المحصلة النهائية أن كل جانب السياسة مبني على المصلحة وليس فيه تشريعات لازمة. إذاً وصلنا إلى المعنى الصلب الذي تكلمنا عنه، التي تتمسك به العلمانية، ألا تأخذ بحكم ديني تفرضه على الناس، وهذا بالضبط الذي وصلت إليه هذه الفكرة. إذاً، هذه في الحقيقة الفكرة انطلقت من المعنى الفقهي، لكن عبثت بهذا المعنى حتى وصلت إلى أسلمة العلمانية بحسب هذه الطريقة.

الفكرة من الأفكار المؤسلمة للعلمانية هي الحديث عن مهمة الدولة، وهو يقول: مهمة الدولة هي حفظ الحقوق الفردية أو الدنيوية وليس لها علاقة بالدين. يقول إن الدولة ليس لها علاقة بخدمة الدين أو حفظ الدين، إنما مهمة الدولة هي حفظ الحقوق. وربما بعضهم يعبر بتعبيرات حتى يبالغ في تبشيع فكرة تحكيم الشريعة فيقول: الدولة ليست مهمتها أن تدخلك الجنة أو تبعدك عن النار، مهمة الدولة هي أن تحفظ الجانب الدنيوي وجانب الحقوق للشخص، وربما حتى يستعطف مشاعر الناس حول هذه القضية عن حاجة الشخص إلى السكن وإلى العمل وإلى أن يحمى من الاعتداء وحاجته للعدالة وغير ذلك.

الإشكال هنا ليس في أن الشخص بحاجة إلى هذه الأمور، لا شك أن حفظ حقوق الشخص الدنيوية وحاجته إلى العدالة وعدم الاعتداء عليه قائمة طويلة هي من الحقوق الشرعية التي يجب أن تحفظها الدولة، وهي من الواجبات الشرعية على الدولة التي يجب أن تقوم بها. الإشكال هو أنه جعل نظام الحكم مقتصراً فقط على هذه الحقوق، ولم يجعل للدين أي قيمة، ويتصور أنه بهذه الطريقة كأنه قدم معنى شرعياً يؤسلم العلمانية، وأنه يقول: أنا لست ضد الدين ولا أرفض الدين، وإنما المقصود فقط أن الدولة لها مجال معين وهذا له مجال معين.

الحقيقة أن هذه الفكرة هي نفسها فكرة العلمانية، ولو جاءت بقالب رشيق ومتوافق مع يظن أنه يتوافق مع الإسلام. هذه الفكرة حقيقتها هي تهميش للدين وعدم اعتداد به. لا تقبل أصلاً هذه الفكرة إلا في مجتمع لا يرفع بالدين رأساً، المجتمعات المعلنة التي يعيش الدين في هامشها وليس له أي حضور، نعم تقبل هذا الأمر لأن الدين أساساً هامشي، لكن لا يمكن في مجتمع مسلم يعظم الشريعة ويحتكم إليها أن تقول له: مهمة الدولة هي حفظ الدنيا فقط وليس لها أي مجال للدين، لا يمكن تصور هذا بتاتا. الظن أن هذه محاولة توفيق بين الإسلام والعلمانية في الحقيقة هي فكرة هشة وأداتها التأويلية ضعيفة جداً.

حقيقة المحزن في هذه الدعوة أنهم يقولون: الدولة ليست مسؤولة عن الجانب الأخلاقي والقيمي عند الناس، ولا تهتم بالدين، بينما عملياً الدولة مسؤولة عن قيم وأخلاق، لكنها القيم التي تقرها الليبرالية لا يخالفون فيها. فإذا جاءت الدولة فرضت قيماً تمس العدالة ونظرة الليبرالية إلى الكون والحياة، فإنهم لا يرون إشكالاً في فرض هذه المفاهيم؛ لأنهم يرون أن هذه المفاهيم فرضها يقوم به الحياة ويحصل به الانسجام الاجتماعي ويحصل به الرفاه، ليس عندهم مشكلة في فرض هذه القيم، لكن أن تفرض وتطبق شيئاً من أحكام الدين الذي ينتمي إليه جمهور الناس، فإن هذا مرفوض، وهو الذي يقولون إن الدولة ليست مهمتها هذا الأمر.

إذاً، هذه الفكرة في الحقيقة من أضعف الأفكار المؤسلمة؛ لأنها في الحقيقة هي نفس الفكرة العلمانية، لكن حاولت أن تلجأ إلى الفكرة من خلال الحديث عن مهمة الدولة وأن الدولة ليس لها علاقة بحفظ جانب الدين، مع أنه في الشرع كثير من أحكام الشريعة متعلقة بجانب النظام العام، الذي سيحفظها هو النظام والحكم، فلابد أن يقيم أحكام الشريعة.

الفكرة المؤسلمة الرابعة بعد ذلك من الأفكار الشائعة والمؤثرة: الحاجة إلى الشرعية السياسية. والمقصود بهذا أن هناك حديثاً عند بعض المعاصرين أن تطبيق الشريعة وأحكام الشريعة ومنع المحرمات -التي هي المعنى الصلب في العلمانية، يجب أن نكون مستحضرين هذا المعنى، المعنى الصلب الإلزام بهذه الأحكام- يقولون تحتاج إلى شرعية سياسية، بمعنى أنهم يقولون: نحن نسلم أنها من أحكام الدين لا ننازع في ذلك، لكن حتى تحكم، حتى تفرض، حتى يُلزم بها لابد أن تنال شرعية سياسية، لابد يكون هناك موافقة عليها من جمهور الناس حتى تحكم.

وهنا نميز؛ لأن موضوع الشرعية السياسية ملتبس ومجمل، فيجب أن يفصل قليلاً فنقول: ما المقصود بالشرعية السياسية؟ إذا كان المقصود بالشرعية السياسية: من هو الذي سيحكم الناس؟ وما هي مؤسسات الدولة؟ وما هي طرائق الحكم فيها؟ وأن هذا يحتاج إلى موافقة الناس أو إلى نظام معين حتى ينال الشرعية، فلا إشكال في هذا الكلام، الاعتراض هنا ليس محل اعتراض في حديثنا هنا.

الإشكال إذا دخلنا في جانب القوانين والنظم الأحكام، هل الأحكام بحاجة إلى شرعية أيضاً؟ الأحكام المتعلقة بالجوانب الإجرائية والحياتية والمباحة التي تشكل أكثر الأحكام، أيضاً لا إشكال في أن يققال إنها تحتاج إلى سياسية، نحتاج إلى موافقة أو إلى ترتيب معين في النظام حتى تكون شرعية ومعتبرة. الإشكال في الشريعة نفسها؛ بحكم الشريعة وقطعيات الشريعة هل هي غير ملزمة وغير معتبرة وليس لها الزام في الشأن العام إلا إذا حازت على شرعية سياسية أعلى منها؟ إذا حازت عليه أصبحت لها اعتبار واقعي، وإذا لم تحز عليه لم يعد لها اعتبار، هنا الإشكال الكبير مع هذه المقولة.

لأن المسلم عندما يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله، وهو قد سلم لله ولرسوله ظاهراً وباطناً، سلم له قلباً اعتقاداً وعملاً وقولاً، أنني إذا حرم الله علي أمراً فإني أعتقد تحريمه وألتزم به، وأيضاً أمقته في الفضاء العام، ليس الأمر في الشريعة أنني إذا سمعت حكماً شرعياً نهاني الله سبحانه، نهاني ربي عن قرب الفواحش، لا يعني هذا أنني أعتقد فقط حرمة الفواحش، لكن وجود الفواحش في الشأن العام ليس لي علاقة بذلك، لا ولا يتصور هذا. ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36].

فتحريم الفواحش يعني تحريمها في اعتقادك وتحريمها أيضاً في الشأن العام، ليس هناك فقط اعتقاد ذاتي غير مؤثر في الشأن العام. من أين جاء هذا؟ ما هو المنزع العلماني الذي دخل هنا؟ المنزع العلماني أن العلمانية ترى أن الدين علاقة بين العبد وبين ربه؛ يقول: الزنا حرام، الصلاة واجبة، الزكاة واجبة، الصوم واجب، علاقة بينك وبين ربك لكن ليس لها علاقة بالشأن العام.

طيب، الشأن العام من الذي له الحكم؟ العلمانية تقول: الحكم لها مرجعية أخرى. وبناء عليه إذا جاءت أحكام الشريعة يقولون: أين شرعيتها؟ إذا جاء شخص يقول: أين الشرعية؟ فقد تأثر بالمنزع العلماني، المنزع العلماني هو الذي سحب الشرعية الدينية ففك العلاقة الفردية بين العلاقة في الشأن العام. بينما المسلم لا يفهم هذا، المسلم لا يفهم أن الله إذا أمرني بأمر فقط الجانب الذي بيني وبين ربي هو الذي ألتزم به، أما ما يتعلق بالشأن العام فلا.

الشأن العام فإنني لا ألتزم به. هذا المعنى غير متصور في الفهم في ذهن المسلم، ولأجل ذلك يصعب حتى على عموم المسلمين أن يعتقدوه؛ لأنه لا ينسجم أصلاً مع بديهيات دينهم. فإذا جاء أحد وقال: أين الشرعية السياسية للأحكام القطعية الشرعية؟ فهو قد استحضر المعنى العلماني وهو الحاكم يحاكم الشريعة، وتأتي معه مقولة شهيرة وهي أنه: هذا محرم لكن لا يجرم قانوناً، وهي نفس الفكرة. يقول: نعم الزنا حرام، الزكاة واجبة، الحج واجب، إلى غير ذلك، لكن ما لها علاقة بالشأن العام، الشأن العام يحتاج إلى حكم آخر. فلا يجعل مجرد التحريم موجباً للتجريم، وإذا كان قصده أنه في بعض المحرمات ليس عليه عقاب لسبب معين فلا إشكال، لكنه يقول إن مجرد التحريم لا يوجب المنع والعقاب، والتحريم فقط اعتقاد قلبي. من الذي قال لك إن المحرمات فقط اعتقاد قلبي؟ هو المنزع العلماني الذي فصل الاعتقاد عن الجانب العام.

خلاصة هذه الفكرة، وهي فكرة خطرة ومنتشرة، موضوع الشرعية السياسية إذا كان المقصود بها شرعية الأفراد والمؤسسات فليست في محل بحثنا، وإذا كان المقصود بها الأنظمة الحياتية التي لا تمس أحكام الشريعة أيضاً ليس محل البحث. إذا كان مقصودها حتى الشريعة نفسها وأحكام الشريعة، فهنا نسأل: من الذي يعطي الشريعة هذه الشرعية؟ ولماذا تتصور أن الشريعة فقط اعتقاد قلبي وليس له علاقة بالشأن العام؟ طبعاً هنا سيأتي سؤال مشروع وشائع، ويقول: لكننا لا يمكن أن نطبق الشريعة في وضعنا المعاصر إلا بهذه الطريقة، وهذا طريق شرعي لإنفاذ الشريعة. وهنا نؤكد ونرجع للموضوع السابق؛ إذا كان الشخص يريد تطبيق الشريعة ووجد هذه طريقة مناسبة فإنه يقول: سأتخذها طريقة لتطبيق الشريعة، لكن لا يرجع يغير التصورات لأنه يريد تطبيقاً بجانب معين. فالذي يحصل هنا أن تقرير هذه المفاهيم يعبث بتصورات الناس وتصورات عوام المسلمين من دون أن يكون له أي ثمرة في الواقع المعاصر.

الفكرة المؤسلمة الخامسة: كفالة الشريعة للحريات. الانطلاق من أن الشريعة تكفل الحريات؛ كيف تكون فكرة مؤسلمة للعلمانية؟ إذا كان مقصود الشخص بالحرية هنا هي الحرية بمفهومها الشرعي، بمعنى الحرية التي لا تخالف أحكام الشريعة، فهي عبارة مستقيمة وصحيحة ولا إشكال فيها، فالحرية تخضع إلى مرجعية، لا وجود لحرية مطلقة. ليس هناك في الدنيا حرية مطلقة منزوعة من أي قيد، وإنما الحريات مقيدة بمرجعياتها، قد تتأثر بالليبرالية أو تتأثر بالإسلام أو بغيره. إذا قصد الحرية فعلاً بمفهومها الشرعي فهذه عبارة صحيحة ويحمد قائلها على ذلك، وحتى لو أخطأ في مسألة أو أكثر أو أقل لا إشكال في ذلك، وحتى لو أخطأ في بعض التطبيقات لا إشكال. المقصد أنه ملتزم فعلاً بأن الحرية تكون وفق الشريعة.

الإشكالية تأتي من أن يتبنى بعض الناس الحرية بمفهومها الليبرالي ثم يؤسلمها بقوله: جاءت الشريعة بكفالة الحريات. ثم يأتي بالأدلة من الكتاب والسنة على موضوع الحريات، وهنا إشكال كبير وشائع وهو من أساليب الأسلمة التي تزيل إشكالية المعنى الصلب الذي تكلمنا عنه، وجود إلزام بمعنى دين. وهم يستدلون بأدلة كثيرة، من أشهر هذه الأدلة دليلان؛ الدليل الأول: الاستدلال بقوله تعالى: ﴿لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256]. ووجه الدلالة أن الله سبحانه وتعالى بنص القرآن القطعي قد نفى الإكراه في الدين، وبناءً عليه فهموا منه أنه لا يجوز أن تكره أحداً على حكم محرم تمنعه لأنه محرم، أو تلزمه بحكم شرعي لأنه واجب؛ فيقول هذا من الإكراه في الدين. فمشكلة المعنى الصلب الذي تكلمنا عنه في المفهوم العلماني قد زال، وزالت إشكاليته من خلال هذا المدخل المؤسلم، لكنه في الحقيقة هذا المعنى ليس له علاقة بالآية، وهو معنى باطل قطعاً ويقيناً.

فالآية ليس مقصود "لا إكراه في الدين" فيها أنه لا وجود لأي إلزام في دين الله، ليس هذا هو المقصود قطعاً. إن الشريعة فيها إلزامات، فيها زكاة وعبادات، فيها محرمات، وفيها حدود وعقوبات وجهاد وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر؛ كيف تنفي الشريعة كل هذه الإلزامات البديهية؟ وإنما المقصود "لا إكراه في الدين" أي لا يُكره الكافر على الدين، فيُكره إكراهاً أن يدخل في الإسلام، فهذا هو المعنى المنفي في الآية وليس نفي أي إكراه. ولأجل ذلك اتفق العلماء كلهم على هذا المعنى، لا وجود بتاتاً لأي عالم يقول: "لا إكراه في الدين" تعني أنه لا وجود لأي إكراه مطلقاً؛ ليس هذا من قول أي أحد. لماذا؟ لأنه لو قيل بهذا لهدم الإسلام كله.

لو كان هؤلاء الناس يفهمون حقيقة قولهم لأدركوا أن القول بأنه "لا إكراه في الدين" بالضبط لا يستقيم إلا مع الفكرة العلمانية. "لا إكراه في الدين" بمعنى أن الدين يكون علاقة بين العبد وبين ربه، علاقة فردية ليس فيها أي قضاء ولا إلزام ولا حكم بالمعنى العلماني، نعم تقول "لا إكراه في الدين" لكن أنت تنتسب وتستند إلى مرجعية شرعية، كيف تقول لا إكراه؟ ولأجل ذلك حتى عند المعنى العلماني هناك إكراه، ألا يمنعون السرقة ويمنعون القتل ويمنعون العدوان؟ لماذا لا يقال إن هذه كلها مباحة لأنه لا إكراه في الدين؟ إذاً هذا المعنى ظاهر أنه ليس له علاقة بالآية.

يستدلون أيضاً بعموم الآيات المكية التي جاءت بوعيد الكفار أو بإعراض عنهم وليس فيها عقاب، كقوله تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: 22]، ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الشورى: 48]. فيقولون هذه الآيات تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما مبلغ، ليس لا يعاقبهم ولا يقيم عليهم جزاءات، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر؛ لم يضع ربنا حداً وعقوبة على هذا، هذا يدل على أن هناك حرية، وهذا من الأدلة الشائعة. وتوسع بعض المعاصرين فذكر آيات كثيرة، قال بعضهم عشرون أو أربعون آية، بل قال بعضهم تتجاوز مئة آية، حتى قال بعض المعاصرين إنها من الأصول القطعية في القرآن أن الشريعة جاءت بالحريات التي ليس فيها منع وفرض بأحكام تمنع الناس من حرياتهم الدينية مطلقاً، ويستندون لهذه الآيات.

والحقيقة أن هذا غلط واضح؛ لماذا؟ لأن غاية ما في هذه الآيات هو السكوت عن جزاء من يخالف الشريعة، لكن ليس في الآيات أنه ليس هناك أي أحكام أخرى. غاية ما فيها أن الله سبحانه يقول: لست عليهم بمصيطر، لكن هل يجاهدون؟ هل يؤمرون بالمعروف وينهون عن المنكر؟ هذه أحكام أخرى ليس في الآية نفي لها، فمجرد الاستدلال بهذه الطريقة غلط. حتى تستوعب معي وجه الغلط في هذه الآية، دعني نجرب هذه الطريقة مع آيات أخرى، وهي طريقة جدلية ممتازة. يعني بعض الناس يقرأ القرآن لكن ليست بطريقة العلماء بالقرآن الذين يعلمون القرآن كل آياته، وإنما ينتقي آيات معينة. لو طبقنا هذه الطريقة في طريقة الاستدلال بالقرآن على آيات أخرى، سنجد في القرآن آيات تتكلم عن الظلم والعدوان وليس فيها حديث عن أي عقوبة. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا﴾ [النساء: 168]، ولم يذكر الله لهم أي عقوبة، إذاً الظلم في الدنيا ليس له أي جزاء؟ الظالم يظلم الناس لكن في الدنيا ليس له جزاء لأن الله لم يذكر أي جزاء له؟

القرآن أيضاً ربنا يقول: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ ۚ أُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى: 42]. أيضاً الذين يبغون ويظلمون ليس لهم إلا العذاب الأليم في الآخرة، أما في الدنيا ليس لهم أي شيء! بل حتى من يعتدي علينا في الحرم، قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا﴾ [المائدة: 2]. لم يأمرنا ربنا مع من يعتدي على الحرام إلا بأن نعدل معه ولا نعتدي، أيقول عاقل إن الله في القرآن لا يقيم عقوبات على البغي وعلى هذه الجرائم؟ بطبيعة الحال غلط، ولا أحد يقوم بهذا، لكن طريقة التفكير هذه الخاطئة لازمها هو هذا، فمجرد سكوت القرآن عن بيان بعض الأحكام لا يعني أن الأحكام منتفية.

ويبين لك بطلان هذا التفسير أنه لم يقل به أحد من العلماء بتاتاً، أعني لم يأتِ في يوم من الأيام أحد من فقهاء الإسلام وعلمائه فقال إن هذه الآيات تدل على عدم إلزام الكفار بأحكام الشريعة، أو أن الحريات في الشريعة مكفولة فلا يمنع مسلم من الإلزام بأحكام الإسلام لأن هذه حريات. هذا قول لم يقله أحد خلال قرون متطاولة، لم يخرج هذا القول إلا في عصرنا. فتخيل أن هناك عشرات الآيات في القرآن تدل على حكم ولم يقل به أحد من قبل؛ لماذا غاب؟ لأنه لا يُتصور، الذي يقول بهذا الكلام يهدم أصولاً شرعية من حيث لا يشعر، هو يريد أن يقرر حكماً فيهدم أصوله، فما كان موجوداً في السابق لأنهم كانوا علماء لا يمكن يقعون في مثل هذه الأخطاء البديهية بخلاف طريقة بعض المعاصرين. إذاً المقولة والفكرة الخامسة أن الشريعة كافلة للحريات؛ إذا كان مقصودها الحريات الشرعية فهذه مقولة صحيحة، لكن الإشكالية تأتي من أنه يتحدث حتى عن الحرية الليبرالية فيجعل الشريعة كافلة لها، فينزع الإلزام الديني بمؤسلم وبدعوى أسلمة هي أن الشريعة قد كفلت الحريات.

الفكرة المؤسلمة السادسة، وهي فكرة شائعة ومؤثرة ولها ارتباط وثيق بالفكرة الخامسة بل قد نقول هي مكملة ومتممة لها، هي "الحرية قبل تحكيم الشريعة". وهذا المعنى إذا كان المقصود به أننا نريد تحكيم الشريعة في زمان أو مكان معين عن طريق نظام ندخل من خلال الانتخابات والحريات المكفولة إلى أن نطبق الشريعة وبعضها؛ لأنه هو المتاح والممكن، فهذا خارج بحثنا؛ لأن هذا يتعلق بواقع وزمان معين، وهذا يتعلق بجانب القدرة والإمكان والمصالح والمفاسد، وهو بحث فقهي ليس له بحثنا في أسلمة العلمانية. الإشكالية هنا ليست إشكالية أن الشخص يتحدث عن واقع يريد الإصلاح فيه، وإنما يضع أصلاً في ذهنه أن الشريعة حتى تحكم فإنها يجب أن تكون مسبوقة بهذه الحرية.

وهنا الإشكالية، ما هي هذه الحرية التي يجب أن تكون مسبوقة بالشريعة؟ هل هي الحرية الشرعية؟ الحرية التي يكفلها الإسلام؟ إذا قال نعم، إذاً لماذا تأتي قبل الشريعة؟ هي من الشريعة، إذاً ليست هذه الحرية. الإشكالية أن الحرية ستكون هي الحرية بمفهومها الليبرالي، فما معنى أن تكون قبل الشريعة؟ وهنا الإشكالية أن سيكون لها سيادة وسلطة على الشريعة، وسيبدأ يعيد كثير من الأحكام ويفهم كثير من النصوص بناء على هذا الأصل الفاسد الذي دخل عليه. الذين يقولون بهذه الفكرة "الحرية قبل تحكيم الشريعة" يعتمدون على أمرين: الأمر الأول تحريف مفهوم الحرية، والأمر الثاني ثلاث تصورات خاطئة حول النظام السياسي المعاصر.

فهم يحرفون مفهوم الشريعة كما سبق في المقولة الخامسة والفكرة الخامسة، فيقولون الشريعة كفلت الحريات، الحريات بالمفهوم الليبرالي الذي لا يقيد حريات الناس ولا يمنعهم بدافع ديني، فهم يستندون على هذا الأصل، وبناء عليه يقولون "حرية قبل تحكيم الشريعة" كأصل وليس في واقع معين. وعندهم ثلاث تصورات خاطئة: التصور الأول يقول إن الحكم بالشريعة من غير تصويت واختيار للناس هذا من الإكراه في الدين، هو يقول حتى تحكم بالشريعة لا بد أن تدخلها عن طريق التصويت، لماذا؟ لأنه يريد أن يلفق ويقارب المفهوم الشرعي مع المفهوم العلماني، فهو يقول نحن لا نفرضها ولا نلزم أحداً ابتداءً، لكن هو الذي اختار، فإذا اختار هو الذي اختار ورغب، فيكون الإلزام مبنياً على رغبته وعلى شرعيته وليس على أصل الدين، فيحاول أن يوافق بين الشرع وبين إشكالية العلمانية في رفض الإلزام الديني، فيقول لا بد من تصويت واختيار وحريات ليبرالية حتى يكون التصويت ليس فيه إكراه.

وهنا نطرح سؤالاً مشروعاً: بعد التصويت هل يزول الإكراه؟ افترضت أنك صوتت على أحكام معينة فأخذتها بالتصويت بجواز تطبيقها، لما طبقتها الآن هل زال الإكراه؟ لا، الإكراه موجود، ماذا لو أن بعض الناس الذين رفضوا التصويت؟ بأي حق أنك تفرض عليهم رأي الأكثرية ما دام الأمر فيه إكراه؟ أيضاً لو أنه صوت ثم تراجع، بأي حق تستمر تكرهه بهذا الحكم؟ فهذا الاستدلال أصلاً يحاول إحداث تلفيق وهو يهدم أصله بالكامل؛ لأنه لا يقوم على بناء أساسي، ولأجل ذلك هو إكراه فعلاً، لكن الإكراه بالمفهوم الليبرالي وليس بالمفهوم الشرعي، فإنك تطبق أحكام الشريعة هذا إكراه لكن بالمفهوم الليبرالي وليس بمفهوم الشرع. إذاً التصور الأول خاطئ هو تصورهم أن حكم الشريعة من غير تصويت إكراه، وتبين أنه غلط لأنه يفسر حسب مفهوم ليبرالي، والأمر الثاني أنه حتى بعد التصويت سيكون فيه إكراه.

التصور الثاني أنه يقول: لا يمكن حكم الناس من دون إرادتهم، يقول ما يمكن تحكم الناس إلا إذا أرادوا واختاروا. ويتبعه تصور ثالث يقول إنه ما يمكن تحكم الناس والبلد كله يرفض الإسلام، كيف تقيم الشريعة في بلد يرفضه الناس كلهم؟ فيجب أن تتيح لهم الحرية وهم يختارون الشريعة أو لا يختارونها، لأنك بدون هذه كيف تفرض عليهم؟

الشريعة. وهنا قبل أن نجيب على هذا الإشكال أكرر هذا المعنى لضرورته ومسيس الحاجة إليه، وهو أن الشخص إذا كان يتكلم عن واقع معين؛ ما حكم التصويت على الشريعة في نظام معين لأجل أن نتوصل من خلال ذلك التصويت إلى تحكيم الشريعة أو تحكيم بعض أحكامها، أو وضع دستور يطبق شيئاً من أحكام الشريعة، أو هو أخف من الدستور الآخر؟ هذا بحث فقهي لا إشكال فيه؛ لأنه مبني على اختيار الأرجح والأنفع للشرع وللمسلمين.

نحن لا نتحدث عن هذه الصورة، ولا تجعلوا هذه الصورة هي الأصل. لا تأتي لتقول إن الشريعة أصلاً لا تُطبق إلا بهذه الطريقة، وإن أي تطبيق غيرها فهو إكراه، وبناءً عليه ترجع إلى سيرة الرسول ﷺ وسيرة الصحابة والنصوص والإجماعات وكلها تفسرها تفسيراً مع هذا الأمر. إذا قدمنا هذه المقدمة المهمة، نقول إن هذا الكلام الذي يقول: "لا يمكن حكم الناس إلا بإرادتهم"، و"إنه لا يمكن تحكم الناس وهم يرفضون الشريعة"، قد خاف أو غفل عن معلومة بديهية وأساسية في موضوع التصويت.

هذه المعلومة هي أنه لا وجود لسيادة مطلقة، ولا وجود لحرية مطلقة، ولا وجود لاختيار مطلق. ما في أحد يصوت في نظام يختار ما يشاء، وهو الذي يضع ما يشاء. الناس لا يضعون كل شيء، بل التصويت يكون بنظام علوي؛ فأنت تصوت داخل النظام العلوي وهو الذي يسمى بالمبادئ فوق الدستورية أو المبدأ الحاكم، فالتصويت يكون داخل هذا المبدأ، ولا يتصور أن أحداً يصوت على أمر يضرب هذا المبدأ.

فمثلاً هل يمكن التصويت على إزالة مبدأ ليبرالي؟ طبعاً لا. هل يمكن التصويت مثلاً على إقصاء أقلية دينية أو عرقية، أو إبعاد شيء من حقوق المرأة، أو حتى بعض تفاصيل القضايا التي تخالف الليبرالية، مثل منع تعدد الزوجات أو منع زواج القصر في النكاح؟ هل يمكن التصويت عليها؟ طبعاً أكثر النظم لا تسمح بهذا، وهناك قواعد أصول لا يمكن تجاوزها، وبعضها قد تختلف الأنظمة فيها، لكن هناك مساحة كبيرة لا يمكن تجاوزها لأنها مبادئ فوق دستورية.

هذا التصور يزول الإشكال فيه لما نفهم معلومة أساسية وهي أنه لا وجود لسيادة مطلقة وحرية مطلقة واختيار مطلق للناس؛ الناس عندما يختارون فهم يختارون ضمن نظام ضمن إطار، هناك مبادئ حاكمة ومبادئ فوق دستورية لا يمكن تجاوزها. لا يتصور أن الناس يستطيعون يختارون في كل شيء ما يشاءون مطلقاً، بل إنهم يختارون وفق المرجعية؛ هناك مرجعية حاكمة يختارون وفق هذه المرجعية.

بناءً عليه، بما أن المرجعية الليبرالية هي المتسيدة في عصرنا، فإنه لا يمكن في التصويت أن يتجاوز هذه المرجعية. لا يمكن مثلاً أن يُصوت على حرمان الأقلية العرقية أو الدينية من بعض حقوقهم، أو يُصوت على حقوق المرأة، بل حتى بعض التفاصيل التي تخالف رؤية الليبرالية في الحياة لا يُسمح بالتصويت فيها في كثير من الأنظمة إن لم يكن كلها، كمثل تعدد الزوجات الذي يرون أنه فيه عدوان على حق المرأة، أو منع زواج القصر في النكاح الذي يرونه اعتداءً على حق القاصر.

فهذه تفاصيل أيضاً لا يُسمح بالتصويت فيها لأنها تنافي مفهوم الليبرالية، وخذ من قائمة طويلة جداً تثبت لك أنه لا وجود أصلاً لسيادة مطلقة، إنما أنت تصوت ضمن مرجع معين. لماذا لا تأتي هذه الأسئلة مع السيادة الليبرالية؟ لماذا لا يقال: لا يمكن أن تفرض على الناس احترام الأقليات واحترام حقوق المرأة وبقية القيم الليبرالية إلا باختيارهم وتصويتهم؟ كيف تفرض على الناس قيماً لا يؤمنون بها؟ لا تأتي هذه الأسئلة لأن التصويت مفروض عليه بهذا النظام فلا يتجاوزه.

الإشكال هنا أن المسلم أو بعض المسلمين يقبل بالإطار الليبرالي ويقبل بالمرجعية الليبرالية، فإذا جاءت أحكام الشريعة وأصولها وقطعياتها، قال: لا، لا بد من اختيار الناس، وكيف تحكم الناس بدون اختيارهم؟ فنقول هنا إن هناك تصوراً مغلوطاً أصلاً؛ أن تتصور أن هناك سيادة مطلقة للناس فلا يمكن الحكم عليهم من حكم الشريعة إلا من خلالها. وهذا خطأ أصلاً لأنك أنت تقبل بالليبرالية ولا تفكر بهذه القيود، ولأجل ذلك عاش المسلمون ثلاثة عشر قرناً وهم يحكمون بالإسلام وما فكر أحد أنه بحاجة إلى تصويت واختيار حتى يحكم بالشريعة؛ لأنه وُلدوا مسلمين وليسوا بحاجة إلى أن يستشاروا في تحكيم دينهم.

إذاً هذا المعنى مركزي أساسي؛ لا وجود لسيادة مطلقة، عملياً أنت تقبل بالسيادة الليبرالية لكن تتحفظ على السيادة التي تأتي بأحكام الشريعة. الأمر الثاني أنك في الحقيقة تخضع الناس لليبرالية ثم تقول: لا يمكن حكم الناس بدونهم. فأنت تأتي وتطبق على الناس الليبرالية وتقول أعطوا الناس حريات، واجعلوا الحرية للإسلام وحرية لخصوم الإسلام، حرية تطبيق الشريعة وحرية ضدها، ثم الناس يختارون، فإذا بالإعلام والتصويت والأموال غلبت هذه الكفة، أصبح الناس يريدون الإسلام أو غلبت الكفة الأخرى الناس لا يريدون الإسلام.

فهذه الحقيقة هذا نظام الليبرالية، وإلا في الأصل في نظام الحكم الإسلامي لا يتصور أصلاً أن يقال للناس إنهم يكرهون الإسلام أو يحبونه، فكيف عرفت أنهم يكرهون الإسلام؟ من خلال التصويت، حالة التصويت من أين أتيت بها؟ أتيت بها من المرجعية الليبرالية. لماذا لا تقيس كراهية الناس للحقوق التي لا تقيسها الليبرالية؟ لماذا؟ لأن الليبرالية لا تسمح لك بذلك.

إذاً هذا المعنى صلب إخواني وأخواتي الأكارم، ومهم استحضاره أن أصحاب هذه الدعوة يقبلون بالقيود الليبرالية ويتحفظون عن القيود الشرعية، فإذا قارنت الاعتراضات التي يريدونها على حكم الشريعة بحكم الليبرالية يزول الإشكال. إذاً القول بأن الحرية قبل تحكيم الشريعة؛ الخلاصة نقول إذا كان الأمر متعلقاً بواقع معين، فالأمر الواقع له اجتهاده ومناطاته ومصالحه ومفاسده، إذا كان المقصود أنها وسيلة وسبب، فكذلك؛ المشكلة أن يتحول إلى أصل فيجعل الحرية هي الحاكمة للشريعة والمقيدة لها.

فنهاية الأمر هو الالتزام بالمعنى الليبرالي الصلب، المعنى العلماني الصلب وهو نزع الإلزام الديني، لكن بَحَثَ له عن أصل شرعي وهو أن الحرية قبل تحكيم الشريعة. وحقيقة الأمر حقيقة هذا القول هو يقول: سأحكم الشريعة عبر التصويت وعبر الأكثرية، لكنه عملياً لن يحكم الشريعة حتى لو جاءت الأكثرية بتطبيق الشريعة؛ لماذا؟ لأنه قد أسس نفسه على مفاهيم الحرية الليبرالية، فلاحقاً لن يقبل أساساً أن يُفرض على الناس حكم بالأكثرية وهو يرى أن هذا الحكم إكراه ومخالفة للشريعة ومخالفة لهدي النبي ﷺ ومخالفة للقرآن ومخالفة للسنة، فلم يرضَ بذلك أصلاً. هنا المشكلة، أنه انطلق يؤسس العلمانية ثم لاحقاً سيلتزم حتى بالحقيقة العلمانية الكاملة.

موضوع الحديث حول السيادة يدفعنا إلى الحديث حول موضوع مهم وهو العلاقة بين الديمقراطية والعلمانية؛ الحرية والشريعة يدعوننا إلى الحديث حول العلاقة بين الديمقراطية والعلمانية، وهذه من أكثر المسائل الجدلية والمشكلة في عصرنا؛ نظراً للخلاف الكبير حول التصور حول الديمقراطية وخلاف كبير حول التصور حول الشريعة نفسها. هناك خلاف وجدل كبير هنا وهناك؛ فبطبيعة الحال أن هذا السؤال الذي يربط المسألتين سيكون محل جدل كبير.

إذا أردنا أن نرصد اتجاهات المعاصرين في العلاقة بين الديمقراطية والعلمانية، نستطيع أن نقول إن المعاصرين لهم اتجاهان في هذا الأمر. الاتجاه الأول: الذي يرى أن الديمقراطية ملازمة للعلمانية، وبناءً عليه فهو لا يرى إمكانية "أسلمة" الديمقراطية؛ لأنه يرى أن الديمقراطية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالعلمانية، وهذا الاتجاه يقول به علمانيون ويقول به إسلاميون أيضاً.

فالعلماني يقول إن الديمقراطية ملازمة للعلمانية بهدف أنه يلزم من يقبل بالديمقراطية أن يقبل بالعلمانية، هو يقول لا يصح أن تقبلوا بأدوات الديمقراطية وبالتداول السلمي للسلطة وبنحو ذلك إلا وتقبلون العلمانية نفسها، فهو يحاول إحراج من يقبل الديمقراطية بأن يقبل العلمانية. أما الإسلامي الذي يقول إن الديمقراطية ملازمة للعلمانية، فهو يقول بذلك وبناءً عليه هو يرفض الديمقراطية ولا يقبلها؛ لأنه يراها ملازمة للعلمانية.

إذاً الاتجاه الأول يرى أن الديمقراطية ملازمة للعلمانية، منهم إسلاميون ومنهم علمانيون، والعلماني يقبلها لأجل أن يُحرج الإسلاميين، والإسلامي يراها متلازمة فيرفضها. الاتجاه الثاني: يقول ليس هناك تلازم بين الديمقراطية والعلمانية، ممكن تطبيق الديمقراطية بدون وقوع في العلمانية. وهؤلاء كيف يتعاملون مع المسائل والأحكام المشكلة في الديمقراطية في علاقتها مع الدين؟ هم على ثلاثة تصورات أو على ثلاثة آراء في الاتجاه الثاني الذي لا يرى ثمة تلازم.

الطريق الأول: تأويل كل ما يعارض الشريعة، أي حكم في الديمقراطية يرونه مخالفاً للشريعة يتأولونه، بمعنى يبحثون له عن مدخل للأسلمة فيكون موافقاً للشريعة، ومن ذلك الحريات السابقة؛ فيقول كل ما في الديمقراطية من حرية تخالف الشريعة، يقدمونها بطريقة لا تخالف الشريعة. الاتجاه الثاني: لا يتأول الأحكام، يقول هناك أحكام محرمة لكن يجيز المشاركة عند الضرورة؛ فهو يقول أنا لا أرى أن الديمقراطية ملازمة لكن فيها أشياء تخالف العلمانية، أو أشياء ممكن تصحيحها، لكن سأشارك من باب الضرورة والمصلحة. الاتجاه الثالث: يوافق الثاني لكن يرفض المشاركة لأنه لا يرى المصلحة في المشاركة. إذاً هناك ثلاثة آراء كلها ترى أنه ما في تلازم بين العلمانية وبين الديمقراطية. أنا هنا لم أدخل في تصويب أي الرأيين، المقصد أن نرسم الخارطة لطبيعة الجدل المعاصر.

يهمنا هنا الاتجاه أو الرأي الأول من الاتجاه الثاني؛ الاتجاه الذي لا يرى التلازم، إذا جاءت الأحكام الشرعية التي تخالف الشريعة فإنه سيعيد تأويلها بما يجعلها غير مخالفة للشريعة؛ فهو يوظف الأفكار "المأسلمة" حتى تبدو غير مخالفة للشريعة. بعد ذلك الفكرة السابعة ولنختم بها الأفكار المأسلمة للعلمانية، هي فكرة الرابطة التعاقدية. تقول هذه الفكرة إن التعاقد المعاصر يقوم على رابطة عقدية مبنية على الشراكة في الأرض والوطن، بما يجعل الأحكام متعلقة به، بخلاف الرابطة العقدية القديمة.

وهم يقولون سابقاً صحيح كان هناك أحكام متعلقة بالمرأة تختلف عن الرجل، وأحكام متعلقة بالكافر تختلف عن المسلم، يقول هذا بسبب أن الرابطة في السابق هي رابطة الدين فترتبت عليها عدة أحكام. أما في عصرنا الحاضر فالرابطة أصبحت رابطة وطنية تعاقدية ليس لها علاقة بالدين، وبناءً عليه يجب أن تتغير الأحكام لتغير هذه الرابطة. فهو يحاول تقديم مدخل لها كأنه قراءة، كأنه اجتهاد فقهي أن المسألة متعلقة بظرف تاريخي تغير فتتغير الأحكام لتغير الظرف.

الجواب عن هذه الإشكالية: حقيقة قولهم بأن الرابطة كانت عقدية لظرف تاريخي هو أنهم تخلوا عن أحكام الشريعة أو هو تخلٍ عن أحكام الشريعة بربطها بحالة تاريخية متغيرة، جعل الشريعة وكأنها ليست مقصودة، ولم يرد الله هذه الأحكام وإنما وقعت فقط في حالة تاريخية معينة. بمثل هذه الطريقة مثلاً يمكن أن نقول إن شرب الخمر ليس محرماً، وإنما الناس كانوا في وقت العرب يكرهون الخمور وكان يسبب لهم أضراراً وحدثت مصائب بسبب ذلك، فجاء التحريم بناءً على هذا الواقع؛ فهي تغير الواقع وأصبح الخمر شائعاً ولا يسبب أي إشكالات فإنه يكون مباحاً.

وقل مثل ذلك في الفواحش مثلاً، يعني تستطيع أن تقدم بهذه الطريقة أي حكم تغيره من جانب إلى جانب بمثل هذه التي لا تقوم على أساس علمي، وهذه الطريقة يفعلونها مع كل الأحكام؛ يعني كل أحكام الشريعة التي لا يرغبون فيها يتخلصون منها من خلال ربطها في حالة تاريخية. فمثلاً حد السرقة عقوبة صارمة على جريمة تستحق، ليس هناك أي إشكال في حد السرقة، لكن لأن الثقافة الغربية لا يروق لها شكل القطع، أصبح كثير من الناس في قلبه ألف إشكال وإشكال على هذا الحكم.

وأصبحوا يقولون حد السرقة متعلق بواقع تاريخي معين، لم يكن هناك سجون فكان قطع اليد هو أحسن طريقة، لكن إذا تطور الوضع وأصبح هناك سجون لم نعد هناك حاجة إذا جاء موضوع السرقة. وهكذا كل موضوع يبحث له عن أي واقع تاريخي ويغير حكمه بناءً عليه. بل حتى الصلاة نفسها؛ فأحد الحداثيين أشهر أو أحد أشهر الحداثيين العرب يقول الصلاة نفسها كانت متعلقة بزمن معين، كان الناس علمهم فيه ضعيفاً والإيمان بالأشباح والخرافات والشياطين شائع، فكان الناس يخافون فيضطرون إلى أن يصلوا حتى يدفعوا هذا الخوف، لكن مع انتشار العلم ومعرفة سنن الطبيعة ومعرفة تفسير كثير من الأشياء التي كانت تخوف الناس لم يعد هناك حاجة للصلاة؛ هذا كلامه، يعني هذا كلام أحد مشاهيرهم.

إذاً هي نفس الطريقة، محاولة إزاحة أي حكم لا يروق لهم بربطه بالجانب التاريخي، فجعلوا الأحكام الشرعية كأنها رابطة تاريخية، هو عبث، هو تصوير للأحكام هذه وكأنها لا قيمة لها وليست مقصودة، وإنما وقعت عرضاً بلا أي قصد. الجانب المأسلم أو جانب أو أداة الأسلمة في هذه الفكرة هي أنهم جاؤوا بموضوع التغير، ومفهوم التغير في الأصل له اعتبار فقهي أن الأحكام قد تتغير لتغير الزمان والمكان.

سيكون هناك مثلاً حكم كان مشروعاً في أول الإسلام لمصلحة معينة أو لعرف معين، إذا تغيرت المصلحة أو تغير العرف يتغير الحكم، أو حصل في عصرنا ضرورة أو حاجة فيتغير الحكم لتغير هذه الضرورة وهذه الحاجة. فحاول إدخال هذه الأداة حتى يشرعن لهذه الأفكار العلمانية. هذه الأبلسة، وحقيقة الأمر أن الشخص كونه يراعي المتغيرات هذا ليس أمراً قبيحاً أو ليس أمراً سيئاً، بل هو أمر جيد.

الإشكالية أنه فرق بين أن تراعي المتغيرات بطريقة فقهية؛ تتأكد هل هناك متغير حقيقي، وما الذي تغير بالضبط، ثم ما علاقته بواقعنا، وهل هو حاجة أم ضرورة؟ هناك نظر فقهي دقيق علمي موضوعي مفصل، وكلام علمي كبير حول هذا الموضوع. هو يتجاوز كل هذا الأمر وبمجرد نظر كسول بليد يغير كل أحكام الشريعة بربطها بأدنى متغير بلا إثبات ولا حجة ولا برهان. فرق كبير بين هذا المنهج العلمي الموضوعي الدقيق الذي فعلاً يرصد أثر التغير في الأحكام، وبين الذي أصلاً يجعل الشريعة كلها متغيرة ويربطها كلها بالحالة التاريخية بلا علم ولا ولاء. إذاً حقيقة هذا الأمر هو نفسه الفكرة العلمانية، لكن جاء بمدخل التغير لمحاولة أسلمة هذه الفكرة، لكنها لم تزل الإشكال العلماني البارز في المعنى الصلب الذي كررناه كثيراً، وهو الإلزام بحكم ديني.

في خاتمة هذا اللقاء إخواني وأخواتي الأكارم، هناك تأكيد وذكر لأربع قواعد أساسية يجب العناية بها في التعامل مع هذه الظاهرة. هذه إذاً سبع أفكار مركزية وشائعة مؤسلمة للعلمانية، تسعى هذه الأفكار إلى تقديم دليل أو إطار أو نموذج شرعي وإسلامي يقرب المفهوم الشرعي للعلمانية، ويزيل الإشكال العلماني المتعلق برفض أو عدم قبول أي إلزام أو منع بناء على الرؤية الدينية. تسعى هذه الأفكار إلى أنها تخفف هذا الإشكال، إما أن تتفق مع العلمانية بشكل كامل أو تخفف هذا الإشكال. حدثنا أيضاً عن المقاصد المحركة لهذه الظاهرة وناقشنا تفاصيل هذه الأفكار. نختم بأربع قواعد مركزية وأساسية يجب العناية بها عند التعامل مع هذه الظاهرة.

القاعدة الأولى: ضرورة المحافظة على أصل تحكيم الشريعة وصيانته من أي تحريف. يجب أن يكون أصل تحكيم الشريعة محكماً ثابتاً قطعياً، لا يقبل التحريف أو المساس أو التساهل؛ لأننا عندما نتحدث عن تحكيم الشريعة نتحدث عن أحد الأصول المركزية في الإسلام. لا يصح بتاتاً أن يُسترخص الكلام فيه، فيُحرف هذا المفهوم أو يُتأول لأدنى شك في دليل أو لأدنى حاجة. يجب أن تكون العناية بهذا الأصل تليق بمكانة هذا الأصل، العناية بهذا الأصل قاعدة مركزية يجب ألا يتساهل ويُتهاون فيها.

الأمر الثاني: ضرورة النظر في المتغيرات المعاصرة وفق اجتهاد فقهي معتبر. الواقع المعاصر فيه متغيرات كبيرة تتطلب النظر؛ أين أحكام الشريعة فيها، وما الذي يوافق الشريعة منها، وما الذي لا يخالف؟ وفيها أيضاً مصالح ومفاسد يجب اعتبارها، وفيها ضرورات وعدم قدرة وعجز. هذه المتغيرات يجب أن يقوم لها ويقوم بها المؤهلون من العلماء والمتخصصون الذين يجتهدون في الموازنة واختيار ما هو أقرب لأحكام الشريعة، وقد يقعون في سبيل ذلك في خطأ كما يحصل في أي اجتهاد، وهذا الاجتهاد ضروري جداً لأنه يحفظ أصل الشريعة. التقصير في هذا الاجتهاد يضر أصل الشريعة تفريطاً، كما أن هناك من انحرفوا بسبب الواقع فتبنوا أصول العلمانية. أيضاً التفريط في الاجتهاد الشرعي المعتبر الذي تتيحه الشريعة، وعدم اعتباره الضرورات والحاجات ونحو ذلك، أيضاً هو مزلة لانحراف آخر، وأيضاً يشجع على الانحراف العلماني. وهذا يدعونا للتأكيد على خطورة أن يكون الحكم في تفاصيل هذه الآراء لعموم الناس أو لغير المتخصصين أو لأنصاف المتعلمين؛ فسيكون لهم الحكم والاجتهاد في هذه القضايا، فيستطيلون أحياناً بالتكفير أو بالتبديع أو بالتضليل في مسائل اجتهادية، فقد يهاب العالم الكلام في بعض الموضوعات صيانة لعرضه من تطاول هؤلاء الناس، وهذا لا شك أنه خطأ كبير. لا يصح أن تتحول المسائل الاجتهادية إلى أصول قطعية، ويُترك البيان فيها، ويُترك الاجتهاد المعتبر خشية من استطالة بعض الناس فيه.

القاعدة الثالثة: ضرورة التمييز بين الخلاف في الأصول والكليات، والخلاف في تحقيق المصالح والمفاسد. الذي يخالف في الأصل، يتبنى العلمانية أو يتبنى فكرة مؤسلمة للعلمانية، هو خلاف مختلف عن من يخالف في تحقيق المصالح والمفاسد. من يقول هذه هي الطريقة الأحسن لتحكيم الشريعة، وهذا هو الممكن، وهذا المصلحة تغلب تلك المصلحة؛ الخلاف هنا خلاف في تحقيق مصالح ومفاسد، ليس كله خلافاً معتبراً، قد يكون خطأ، لكن المقصد أنه خلاف فقهي فيه جانب اجتهادي واسع وفيه خطأ، لكن الخطأ فيه ليس مثل الخطأ في الأصول. فمن الغلط أن يُجعل كل خطأ مبني على المصالح والمفاسد أو تقدير الضرورة ونحوها خطأً في الأصول، وهذا مبني على التقصير في عدم التمييز ودخول بعض غير المتخصصين، فيجعلون كل خطأ في باب الحكم بالشريعة هو خطأ في الأصول بناء على عدم تمييزهم.

القاعدة الرابعة: الوعي بخطورة التأويل ودوافعه. التأويل المنحرف يدخل على أكثر الأبواب، هذا تأويل خطر، فالوعي به وتنبيه الناس عليه والحذر منه مما يجب العناية به. وبهذه القاعدة الرابعة نختم القواعد الأساسية المهمة التي يجب استحضارها في التعامل مع ظاهرة أسلمة العلمانية. نحمد الله على ما يسر وأعان، والله تعالى أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

سجّل الدخول لتحفظ ما أنهيته من الدروس في مكتبتك

هذا آخر دروس دروس