السلام عليكم ورحمة الله. بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. لك الحمد يا ربي حمداً كثيراً، جلائل نعماك ليست تعد وما لجميل عطائك حد. وأنزلت هذا الكتاب المجيد مثاني يغزو الفضاء البعيد، على لحنه العذب تهمي الدموع ونور المليك يعم الوجود، ويعلو ولا شيء يعلو عليه، يجوب الدهور ويبقى جديداً. وخير الصلاة على من أتى يرد عن الكون ليلاً عتا، فهد بقرآن رب العباد ضلالاً وصرح فساد، فكان اعتلاء وكان ارتقاء وكان صباح جميل الضياء. أحبك ربي فصلى عليك عليك الصلاة وأزكى السلام، ومثلُك لا تلد الأمهات ولو عاش كل فتى ألف عام.
وبعد أيها الأخوة الكرام، فاستفتح بشكر الله عز وجل على توفيقه ثم بشكر الإخوة في مركز راسخ على هذه البرامج النافعة المفيدة، التي يتذاكر فيها المشتغلون بالعلم على اختلاف مستوياتهم وطبقاتهم. واستحضر في أول هذه الكلمة ما كان يدعو به الجاحظ في أول كتبه إذ يقول: اللهم إني أعوذ بك من السلاطة والهذر كما أعوذ بك من العي والحصر، وأعوذ بك من التكلف لما لا أحسن كما أعوذ بك من العجب بما أحسن. وهي من غرائب أدعيته رحمه الله التي يحسن بدء الحديث بها. والموضوع الذي طرحه الإخوة ورغبوا الحديث فيه عن طالب العلم والقراءة الأدبية موضوع وبلا شك أكبر مني ومن أمثالي، ولكن المذاكرة فيه واردة، وسوف أدير الحديث فيه على مدخل وأربعة محاور.
فأما المدخل فيتضمن بعض المقدمات المهمة، والمحور الأول سيكون عن علوم العربية بين المعرفة والسليقة؟ والمحور الثاني هو الطريق إلى المعرفة، والمحور الثالث الطريق إلى السليقة، والمحور الرابع الذخيرة اللغوية. وباجتماع هذه المحاور الأربعة مع مسائل المدخل المهمة جداً أرجو أن تكون هناك فكرة ما لا بأس بها حول هذا الموضوع المنتشر الأطراف، كما سوف نرى بإذن الله. وأول ما تنبغي الإشارة إليه في المدخل -على تكرار هذا المعنى وكثرة طرقه ولكنه مهم- هو بيان مفهوم الأدب والمقصود منه، وما الذي نعنيه عندما نقول القراءة الأدبية؟ وهذا يقتضي تحليلاً لغوياً من جهة وتحليلاً اصطلاحياً من جهة أخرى.
أما من جهة اللغة فإن الأصل في كلمة الأدب الأصل الأول الحسية هو الدعوة إلى الطعام والشراب كما هو معروف لديكم. فالعرب تقول: أدب الرجل القوم يأدبهم ويأدبهم ويأدبهم مثلثة إلى الطعام أدباً وأدباً يعني دعاهم إليه. ومنهم أدوبة الطعام التي تعرفون. ولهذا كان الشاعر الجاهلي يقول: نحن في المشتات ندعو الجفلة، لا ترى الأدب منا ينتقر. الأدب يعني الداعي إلى الطعام الذي يأدب الناس إلى طعامه. والفرق بين دعوة الجفلة والنقرة هو الفرق بين الدعوة العامة والخاصة، فالذي يدعو الناس مجتمعين ينجحون إليه بلا اختيار ولا انتقاء ولا انتقار تسمى دعوته الجفلة، والذي ينتقر الناس ويختارهم فيدعو بعضاً ويذر بعضاً تسمى دعوته النقرة. فهذا الشاعر يفتخر بأنه في وقت الشتاء وقلة الأرزاق وضيق الأحوال فإن قومه يدعون الجفل ولا ينتقرون المدعوين إشارة إلى كرمهم وعطائهم.
ثم إن هذا المعنى اتسع قليلًا من خصوص الدعوة إلى الطعام والشراب إلى عموم الدعوة للاجتماع على أي شيء، وكل من جمع الناس على شيء فقد أدبهم عليه، وسمي عمله هذا أدباً. وعلى هذا حمل بعضهم قول ابن مسعود رضي الله عنه: القرآن مأدبة الله في الأرض. أي المكان الذي يجتمع عليه الناس، ففسر من الأدب الذي هو مطلق الاجتماع. وبعضهم فسروه من الأدب الذي هو الدعوة إلى الطعام على اعتبار أنه الطعام المعنوي الذي يتغذى به العقل والقلب والروح. وبعضهم فرق بين المأدبة والمأدبة فجعل الأولى لمطلق الاجتماع أو جعل الأولى للطعام والشراب والثانية لمطلق الاجتماع، هذه كلها اجتهادات في تفسير الأصل الأولي وهو الاجتماع على الطعام والشراب ثم بمعناه الأوسع الذي هو مطلق الاجتماع.
لكن الألفاظ والكلمات كما تعرفون يمر بها الدلالات مع الزمن وتنمو بمرور الأيام، وقد اتسع مدلول هذه الكلمة من المعنى الحسي إلى الأمر المعنوي من جهة أخرى، وهي جهة الأخلاق الطباع الحميدة. وذلك أن الدعوة إلى الطعام والشراب معناها الكرم فإنه لا يدعو الناس إلى طعامه وشرابه إلا كريم. فهذا المعنى الخلقي المرتبط بالدعوة إلى الطعام والشراب تسلل إلى معنى الكلمة فصارت تطلق من بعد على تهذيب الطباع والأخلاق في مجملها، وهو الذي نقوله اليوم عندما نقول فلان مؤدب، يعني أخلاقه حسنة وطباعه جميلة. وعليه جاء قول النبي صلى الله عليه وسلم: أدبني ربي فأحسن تأديبي. يعني هذب طباعي وأخلاقي. وعليه أيضاً قول تلك المرأة العجوز التي ذكروا أن ولدها كان يضربها، فإذا عيب عليه ذلك قال أريد أن أؤدبها، فكانت تقول أم سيمزق أثوابي ويضربني، بعد الستين يبغي عندي الأدبا! بعد ما بلغت ستين سنة يريد أن يؤدبني.
فهذا كان المعنى الثاني الذي دارت عليه الكلمة، ثم إن زمن بني أمية زمن الخلافة المتوارثة شهد ظاهرة المؤدبين، وهم أولئك المعلمون الذين يختصون بتعليم أولاد الخلفاء. فكانت هذه الطبقة من العلماء تتولى رعاية أبناء الخلفاء من جهتين: من جهة الأخلاق والطباع وتهذيبها، ومن جهة العلم والمعرفة والرصيد للمعلومات كما نقول اليوم. فالعمل الأول عمل تأديبي اتصل بالأدب بمعناه الأخلاقي الذي عرفنا، والعمل الثاني عمل تعليمي. فلما امتزج العملان في شخص هؤلاء المؤدبين امتزج المعنيان كذلك في الكلمة نفسها، فصارت كلمة الأدب تطلق على العلوم والمعارف. ومن آثار هذه المرحلة ما تقرأونه في كتب الأدب من قولهم إن الأديب هو الذي اخذ من كل علم بطرف، وأن الأدب أن تأخذ من كل علم بطرف ونحو ذلك، هذا كله فرع عن هذا المعنى الذي أصبحت فيه الكلمة دالة على عامة العلوم والمعارف شرعية أو لغوية أو حتى علوم الشطرنج وعلوم الفلك وعلوم النجوم، كل هذه كانت داخلة في حد الأدب.
ثم إن هذه الأمة لما كتب الله لها غزارة العلوم وتشعب المعارف بدأت تنماز إلى أقسام تتباين في مجموعات، فكان منها العلوم المرتبطة بالشريعة، وكان منها العلوم المرتبطة باللغة، وكان منها العلوم المرتبطة بالطبيعة كالطب والهندسة ونحو ذلك. فحينئذ تقلص مدلول كلمة الأدب ليصبح مختصاً بعلوم العربية خاصة: نحوها وصرفها وشعرها ونثرها ونحو ذلك، فكان هذا يسمى أدباً. ولذلك كانوا يعتبرون الأديب من حفظ قصيدة كذا أو قرأ كتاب كذا من كتب الأدب أو حفظ كذا، كقولهم من لم يقرأ نفح الطيب فليس بأديب، أو أن الأديب من حفظ قصيدة ابن زريق أو غير ذلك من العبارات التي تحصر الأدب في جانب معارف اللغة بشتى.
ثم إنه بعد ذلك لما كثرت علوم العربية أيضاً وبدأت تنماز بأسماء وعلم لكل واحد منها، فصار عندنا علم النحو وعلم الصرف وعلم البلاغة وعلم كذا، تقلص مفهوم الأدب ليصبح مختصاً فيما يتعلق بدراسة النصوص الجميلة شعراً كانت أو نثراً. وهذا المعنى الذي هو أقرب المعاني إلى التداول اليوم عندما نقول الأدب أو عندما نقول القراءة الأدبية ينصرف الذهن ابتداء إلى الشعر أو النثر أو نحو ذلك.
والمعاصرون لما أرادوا أن يعرفوا الأدب بهذا المعنى تباينت وجهات نظرهم في العنصر المعرفي الذي ينماز به النص الذي يستحق أن يكون أدباً عن النص الذي لا يستحق أن يكون أدباً. فبعضهم نظر إلى الجانب الفني وحده، فرأى أن الأدب هو تلك النصوص التي هي على درجة عالية من الفنية، أو كما يقولون لها قيمة فنية عالية. ونظر بعضهم لا إلى هذا الجانب وإنما إلى جانب الهزة والتأثير الذي يحدثه النص في المتلقي، فالأدب عنده ما استطاع أن يؤثر في المتلقي، كقول الشاعر: وإن أصدق بيت أنت قائل بيت يقال إذا أنشدته صدقا. أو قول الآخر مثلاً: إذا الشعر لم يهززك عند سماعه فليس خلييقاً أن يقال له شعر. فنظروا إلى هذا الجانب. وبعضهم لم ينظر إلى هذا ولا إلى ذاك، وإنما نظر إلى جانب صدق عاطفة المنشئ، فإذا كان النص دالاً على عاطفة متوقدة صحيحة قوية فهذا كفيل أن يجعله أدباً، وإن كان المتلقي بارداً لم يتأثر به مثلاً أو نحو ذلك. وبعضهم نظر إلى جانب آخر، قال: لا يمكن أن يكون الأدب أدباً إلا إذا كان مختلفاً.
فعنصر الاختلاف عندهم عن الكلام العادي هو الذي يجعل النص نصا أدبيا. فمن تكلم كلاما عاديا يقول مثله الناس، فهذا عندهم ليس نصا أدبيا وإن كان فصيحا أو بليغا أو كذا. وإنما تنماز أدبية النصوص باختلافها عن المألوف وعن المعتاد، بالدهشة التي ترسمها في ذهن المتلقي عندما يسمع شيئا لم يكن يتوقع أن يسمعه.
ولذلك من لطيف التعاريف التي عرفها بعض المحدثين للأدب أنه قال: إن الأدب هو عنف منظم يرتكب بحق الكلام العادي، عنف منظم يرتكب بحق الكلام العادي، ومعنى لطيف على كل حال. وأيا ما كان، قد يقول القائل: إن الأولى أن تراعى هذه الاعتبارات الأربعة كلها حتى يكون النص نصا أدبيا حقيقيا، فينبغي أن يكون عالي القيمة فنيا، وينبغي كذلك أن يكون صادرا عن عاطفة صادقة، وينبغي أن يؤثر في المتلقي، وينبغي كذلك أن يكون مدهشا مختلفا عن الكلام العادي.
في ظل كل هذا السياق من المعاني اللغوية الاصطلاحية، ما الذي نقصده نحن اليوم عندما نتكلم عن القراءة الأدبية في حق طالب العلم؟ أنا سوف أختار شيئا بين هذا كله، شيئا يوازن بين الأداة وبين الثمرة. سأنظر إلى الأدب باعتباره النص الأدبي المؤثر بكل هذه الصفات الفنية التي ذكرنا، لكني لن أعتبر الأدب هو فقط هذا النص، وإنما هذا النص وكل العلوم والمعارف التي تعين على إنتاج هذا النص.
هذا كله ينبغي أن يكون أدبا. فإذا كان إنتاج هذا النص الرفيع لا يتأتى إلا بمعرفة نحوية، فينبغي أن تكون القراءة النحوية قراءة أدبية. وإذا كان هذا النص الأدبي الرفيع لا يمكن أن يتأتى إلا بقراءة بلاغية، فإن هذه القراءة البلاغية هي كذلك قراءة أدبية. وإذا كان هذا النص الإبداعي الرفيع لا يتأتى إلا بقراءة في الدواوين أو الروايات أو المقالات أو غير ذلك، فهذا كله ينبغي أن يكون قراءة أدبية.
فإذا نحن نتناول القراءة الأدبية اليوم في كل ما يأتي بعد هذه النقطة من الحديث باعتبارها جملة القراءات والعلوم والمعارف والتدريبات التي تعين الإنسان على التعامل مع النص الأدبي تعاملا جيدا، سواء إنشاء أو تلقيا. فما كل الناس قادرين على أن ينشئوا نصا أدبيا، وليست القراءة الأدبية محصورة بالقادر على الإنشاء، بل ينبغي أن تشمل كذلك القادر على التلقي وإراك الجمال.
فإذا باختصار شديد، كل ما يعين من المعرفة على أن تنشئ نصا أدبيا، وكل ما يعين من المعرفة على أن تتبين جمالية النص الأدبي الرفيع، كله من القراءة الأدبية. وكل كذلك ما يعين من الدربة على أن تنشئ نصا أدبيا، وكل ما يعين من الدربة على أن تتلقى النص الأدبي على وجهه، فهذا كله من القراءة الأدبية.
فنحن اليوم حين نتكلم مع طالب العلم أو نتذاكر جميعا مع طالب العلم بخصوص ما ينبغي أن يقرأه، فإننا نتكلم بهذا المعنى الواسع الذي ينبغي أن يكون مستحضرا، لأنني لن أحتاج إلى أن أعود إليه بعد ذلك. ولا يأتي مثلا من يجادل إذا ذكرنا النحو فيقول: ما شأن النحو بالأدب؟ أو ما شأن البلاغة بالأدب؟ فنحن نتكلم عن الأدب بهذا المفهوم المحدد الذي شرحته.
وقد قال الأولون: لا مشاحة في الاصطلاح بعد فهم المعنى. ومسائل الأدب كثير منها فيها باب من الاصطلاح واختلاف وجهات النظر، فأرجو أن يكون إذن هذا واضحا في النقطة الأولى من المدخل؛ وهي أن نتبين ما هو الأدب الذي نريد؟ وما هي القراءة الأدبية التي نقصد إليها؟
وكفائدة لغوية أيضا فاتني أن أشير إليها، أقول: إن ابن فارس رحمه الله في مقاييس اللغة قد ذكر أن الهمزة والدال والباء أصل يدور على الاجتماع. وأنتم تعرفون ابن فارس وطريقته في معجمه، كان يأخذ البذور اللغوية ويحاول أن يردها إلى أصل أو أصلين، وإذا أكثر فإلى ثلاثة أصول. فذهب إلى أن الأصل الجامع لكل ما اشتق من كلمة الأدب من حيث اللغة هو الاجتماع.
أدب التي أدب الطعام والشراب قد عرفنا أنه اجتماع الناس عليه، والمأدبة اجتماع الناس عليها، والأدب الذي هو الأخلاق الحسنة ما تأويل الاجتماع فيه عنده؟ أن الناس تجتمع على استحسانه. وكذلك النصوص الأدبية الرفيعة ما وجه معنى الاجتماع عنده فيها؟ هو اجتماع الناس على استحسانتها، وهكذا. فذهب إلى أن مرد ذلك كله في اللغة إلى الاجتماع.
ورد الجذور إلى معان مشتركة مسألة اجتهادية، الباب فيها واسع جدا، وباب الاعتراض فيها أيضا واسع جدا. وقد تعلمون أن ابن جني رحمه الله ذهب في هذا إلى مذهب بعيد، تجاوز فيه أن تكون أو أن يكون الجذر الواحد دالا على معنى أو معان، إلى أن يكون الجذر مع تقليباته دالا كذلك على معنى واحد.
فهو يرى مثلا أن الميم واللام والكاف أصل يدل على القوة والشدة كيفما اشتق منه وكيفما قلبته. فالملك قال فيه قوة وشدة، إذا اخذت الجذر الآخر وهو مكلة فإن العرب تقول: بئر مكول، يعني قليلة الماء، وإذا قل الماء وقعت على الناس شدة، هذا تأويله. وإذا قلبت فقلت: لكما، فاللكمة ما أشدها على الإنسان. وإذا قلت: لمكة، فهذا أصل مهمل لم تستخدمه العرب فلا شأن لنا به.
وإذا أخذت: كمال، فالكمال شدة وقوة واشتداد. وإذا أخذت كلمة أي الكلام، فالكلام كثيرا ما يكون أشد من ضربة اليد وضربة السيف، والقول ينفذ ما لا تنفذ الأبر. كلام العرب في هذا المعنى كثير، فكل هذه التقليبات عنده تدل على معنى. فعلى ذلك في الباء والراء والجيم، فعل ذلك في القاف والواو واللام، وذهب إلى أن كل جذر من هذه الجذور مع تقليباتها يرجع إلى معنى. عموما هذا كله كما قلت من هذي أصحاب اللغة في ميدان واسع فسيح، يمكن أن تقول فيه كثيرا ويمكن أيضا أن تعترض فيه كثيرا.
إذا انتهينا الآن إلى بيان ما المقصود من القراءة الأدبية التي نتحدث عنها اليوم بهذا المعنى الواسع. هذه القراءة الأدبية وهذا التكوين الأدبي بهذا المعنى الواسع، يجب أن يرد عندنا سؤال مهم: ما هو أثره في بناء شخصية الإنسان؟ هل له أثر في بناء شخصية الإنسان عموما، وبناء شخصية طالب العلم خصوصا؟ أم أنه كما قد يتصور البعض من نافلة الأمر ومن يعني ملح علمي كما يقول أهل العلم، ومن طرائفه ومن المكملات وكذا؟ هذا ما سنحاول أن نتبينه في حديث قد يتوسط وقد يطول قليلا، لكنه مهم جدا.
الأدب تأثيره في بناء الشخصية كبير جدا أيها الاخوة من نواحي كثيرة جدا. أول هذه النواحي وأهمها هو تعزيز الهوية. فالآداب لكل لغة مرتبطة بهوية أصحابها، وعادة آداب كل لغة هي أدل وأظهر ما يدل على هذه اللغة ويشير إليها. الناس إذا أرادت أن تفتخر بلغتها تفتخر بماذا؟ بادابها وأشعارها ورواياتها وإنتاجها الأدبي ونحو ذلك ورموزها الشعرية والروائية والكتابية الأدب شديد الارتباط بهوية الإنسان.
وابن تيمية رحمه الله له كلمة لطيفة في اقتضاء الصراط المستقيم كان يقول فيها: اعلم أن اعتياد اللغة يؤثر في العقل والخلق والدين تأثيرا قويا، ويؤثر أيضا في مشابهة صدر هذه الأمة من الصحابة والتابعين. بمعنى أنه نظر إلى جانب الهوية من زاوية أخرى؛ وهي أن اعتياد هذه اللغة على الوجه الذي كان يعتاد الأولون هو مشابهة لهم، وبالتالي هو يجرك إليهم أو يجذبك إليهم أو يخلق حالة من المشابهة معهم، أو حتى يخلق حالة من محاولة التشبه بهم فيما وراء اللسان بعد أن تكون قد تشبهت بهم في هذا اللسان.
ولأجل هذا المعنى، فإن تجارب الأمم أو تجارب كثير من الأمم في الحفاظ على هذا الأصل الأدبي والتمسك به عجيبة جدا. إذا ذكرت لكم بعضها الآن ستتعجبون وتظنون أني أبالغ، وما أذكر شيئا إلا وهو مثبت في مصادره، لأن البعض يتصور في أحيان كثيرة أن الحديث عن اللغة وأهميتها وأثرها في الهوية هو دردشة مشايخ، ودردشة خطباء، ودروشة مطاوعة، يعني يحاولون أن يخلقوا لما يشتغلون به قيمة.
والأمر في الحقيقة ليس هكذا، هو أمر انساني فطري. خلونا ناخذ تجربة إسرائيل. إسرائيل لما أريد لها أن تقوم وجاء اليهود المشتتون من آفاق الأرض، جاء كل واحد منهم بلغة، لغة البلد التي كان فيها، ولما تكون هذا الكيان صار هناك نزاع شديد بين الإنجليزية
والفرنسية والألمانية، كل دولة من هذه الدول تريد أن تكون لغتها هي لغة هذه، لغة هذا الكيان الناشئ؛ لما سيترتب عليه من ارتباط في هذه الدولة التي هي صاحبة هذه اللغة. لكن هؤلاء اليهود الذين جاءوا وكانوا أصحاب أصلاً رسالة، أو منهم من كان صاحب رسالة، قد أدركوا وفطنوا لهذا المعنى، فلم يرضوا أن يرتضخوا لا الإنجليزية ولا الفرنسية ولا الألمانية.
وإنما ذهبوا يبحثون عن لغة مشتركة بينهم فوجدوا العبرية التي لا يتكلم بها إلا أفراد من الناس في الأديرة والمعابد وليست لغة حياة أبداً. فقالوا: هذه اللغة التي سوف تتعلق بها ونجعلها لغة لنا. تحدٍ لم يكن سهلاً، كان أقرب إلى الجنون وأقرب إلى اللامنطقية، ولكنه قرار هوي إن صحت العبارة نسبة إلى الهوية، رأوا أنه لا بد منه لكي يكون لهذا الكيان هوية مستقلة، لا مع إنجلترا ولا تتبع فرنسا ولا تتبع ألمانيا.
ورزقهم الله رجل يسمى أليعزر بن يهوذا. هذا الرجل كان من عباراته المشهورة: لا حياة لأمة دون لغة، وهو الأب الروحي للعبرية الحديثة. هاجر إلى فلسطين سنة ألف ثمانمئة وواحد وثمانين للهجرة مع زوجته وأسرته، وأنشأ في إسرائيل أول بيت يتكلم بالعبرية في سائر شؤونه. كانت أسرته هي الأسرة اليهودية الأولى في فلسطين أو في هذا الكيان الغاصب التي تتكلم اللغة العبرية.
كم استمر في هذه المجاهدة للمحافظة على هذه الهوية الخاصة ونشرها؟ استمر أربعين سنة. صلي أربعين عاماً وهو يكابد في نشر هذه اللغة وصنف لها معاجم، مؤسس رابطة للمتكلمين بالعبرية في فلسطين، وأصدر صحيفة عبرية، وبعد ستين عاماً من العمل اصبحت اللغة العبرية لغة رسمية لدولة قائمة وإن كانت مغتصبة ولا شرعية لقيامها، تدرس بها سائر العلوم من الروضة إلى مرحلة الدكتوراة في علوم الفضاء. هذه اللغة التي كانت ميتة لا وجود لها، لكن هكذا تصنع الهويات أمماً، وهكذا تحافظ الأمم أيضاً على على هوياتها.
من اللطائف التي تروى في حرب ثلاثة وسبعين، أسر أربعة من الضفادع البشرية من اليهود من الإسرائيليين. لما جاءوا إلى مصر وحصل شيء من التحقيق، أظهروا أنهم لا يعرفون إلا العبرية، فذهبوا يبحثون عن مترجم ومهم، وبعد انتهاء التحقيق وتثبيت المحاضر، تبين أنهم يتكلمون الإنجليزية والعربية بطلاقة. اه، قالوا: عندنا تعليمات أننا في أي تواصل دولي لا نتكلم إلا اللغة العبرية.
هذا ما يتعلق بإسرائيل. طبعا في الجامعات الإسرائيلية اليوم العبرية هي لغة التعليم، الدستور ينص على أن العبرية والعربية يجب أن تكون لغة التعليم في كل المؤسسات التعليمية، لكن الواقع الموجود يرسخ العبرية على حساب العربية.
اتركوا إسرائيل. دولة متحضرة تؤمن بحرية الإنسان وبالمساواة وبالاشتراك وبالإنسانية وبكل هذه المعاني العولمية، وهي فرنسا رائدة الحريات والحضارة والحقوق في العالم المعاصر كما يقولون، والتي عاصمتها عاصمة النور كما تسمى. هذه الدولة لا أعرِف دولة من الدول المعاصرة عندها حرص على لغتها بقوة القانون والسلطة مثلها، شيء غريب جداً. ولذلك لها مجموعة من التجارب سميتها تجارب الدعاية وتجارب الحماية.
تجارب بمعنى قوانين ومحاولات وسعي للدعاية للغة الفرنسية. وفي المقابل أيضاً تحرك لحماية اللغة الفرنسية من أن تتأثر وأن يصيبها الضعف. من تجارب الدعاية الكبرى الفرنسيين: الاستعمار. الاستعمار الفرنسي هو أكثر استعمار في العالم يحرص على غرس لغته في البلد المستعمرة. اه، ما من بلد تعاقب عليها استعمار فرنسي وغير فرنسي إلا وجدتم أن الأثر اللغوي الباقي هو أثر اللغة الفرنسية؛ لأنهم شديدو الحرص على ذلك. منذ نابليون ومن قبل نابليون، كانت التعليمات التي تخرج من السلطات الاستعمارية...
اه، بعضهم أحصى في الجزائر أبان الاستعمار الفرنسي بعض المراسيم أو الفرمانات التي كانت تصدر فيها عبارات غريبة، منها أن الجزائر لن تصبح مملكة فرنسية إلا عندما تصبح لغتنا هناك لغة قومية. اه، بهذه اللغة يجب أن تصدر جميع البلاغات الرسمية، ويجب أن تكتب جميع العقود إلى غير ذلك.
اه، فرنسا أنشأت مشاريع طويلة الأجل لتعزيز الفرنسية، منها مثلاً الرابطة الفرنكفونية تعرفونها التي تتألف من حوالي أربعة وخمسين دولة للفرنسية فيها حضور، فشكلت هذه الرابطة نوعاً من الإطار الثقافي الذي يعزز حضور اللغة الفرنسية في هذه الدول.
اه، نشأ في عام ثلاثة وثمانين وثمانمئة وألف التحالف الفرنسي لنشر اللغة الفرنسية، عام ستة وستين أنشأت لجنة سميت لجنة هواة للمحافظة على اللغة الفرنسية. وزارة الخارجية الفرنسية تضم مديرية اسمها المديرية العامة للعلاقات الثقافية والآثار الفرنسية بالخارج، مهمتها الوحيدة نشر اللغة الفرنسية خارج فرنسا. ولذلك أكثر دولة لها مدرسون بلغتها خارجها هي فرنسا إلى يوم الناس هذا، بالرغم من أن الفرنسية ليس عليها إقبال مثل الإنجليزية، ومع ذلك تجدون هذا الضغط والضخ.
اه، فرنسا اشترطت حتى تدخل الاتحاد الأوروبي أن يكون الدارسون في الجامعات والمدارس ملزمون بتعلم لغتين إضافية وليس لغة واحدة، لعلمهم أنها لو كانت لغة واحدة لكانت الإنجليزية، ففرضوا ثانية حتى تكون الفرنسية مزاحمة. اه، اشترطوا أنه لا يتولى رئاسة الأمم المتحدة إلا شخص يتقن الفرنسية، اشترطوا أن تكون هناك خمس لغات رئيسية في الاتحاد الأوروبي حتى تكون الفرنسية أيضاً حاضرة.
كل هذا من أجل الدعاية للغة الفرنسية وتوطينها. في المقابل أشياء أغرب جداً، أغرب بكثير فيما أسميه باب الحماية. عام ألف وتسعة مئة وأربعة وتسعين، هذا قبل كم، عشرين سنة ليس بعيدا قريب، أربعة أغسطس ألف وتسعمئة وأربعة وتسعين صدر قانون يسمى قانون توبون، ابحثوا عنه في الإنترنت موجود، ليس اختراعا. هذا القانون خلاصته أنه قانون لحماية اللغة الفرنسية ينص على ما يلي:
واحد، منع أي مواطن من استخدام ألفاظ أو عبارات أجنبية ما دامت هناك ألفاظ أو عبارات مماثلة. ضرورة إصدار أي منشورات باللغة الفرنسية وكذلك الوثائق والمستندات والإعلانات المسموعة أو المرئية.
اه، اشتراط نسبة معينة في البث الموسيقي تكون فيه الأغاني باللغة الفرنسية لا تقل عن هذه النسبة أبداً في الإذاعات والتلفزيونات وكذا. إلزام كل مشارك فرنسي في أي مؤتمر بالتحدث باللغة الفرنسية، وطبع الأوراق باللغة الفرنسية، أما المؤتمرات الأجنبية في فرنسا فيطالب الباحثون الأجانب أيضاً بنشر الأبحاث باللغة الفرنسية، لا يجوز التمويل المالي للمؤتمرات التي لا تعتمد اللغة الفرنسية لغة أساسية.
اه، هذا القانون اشترك في وضعه اليمين الفرنسي واليسار الفرنسي، يعني أطراف أطراف المعادلة السياسية الفرنسية اشتركت في هذا القانون. اه، مم.
في عام قبل ذلك ألف وست مئة وخمسة وثلاثين قديم قبل مئات السنين، نشأ ما يعرف بالأكاديمية الفرنسية، مهمتها المحافظة على اللغة الفرنسية والسن القوانين التي آآ تحافظ عليها. نشأ أيضاً ما يسمى النيابة العامة للغة الفرنسية، أشياء أقرب للنكتة لكنها وقائع. النيابة العامة للغة الفرنسية تتدخل في مجال المصطلحات من خلال إصدار مراسيم وقوانين، أصدرت ما بين عام ألف وثلاثة وسبعين إلى ألف وتسع مئة وثلاثة وتسعين أربعة وثمانين مرسوم في مجال اللغة الفرنسية، جمعت الألفاظ المتبناة في قاموس سمته قاموس الألفاظ الرسمية في اللغة الفرنسية.
وعشرات الأشياء ما أريد أن أقرأها عليكم جميعاً. هذان نموذجان يبينان ما معنى أن اللغة عند كل أمة حية فعلاً هي جزء من هويتها، وبالتالي المحافظة عليها والضغط باتجاه تعميمها وحمايتها وسن القوانين لها ليس دروشة ولا انغلاقاً ولا عبثاً، هو فطرة انسانية طبيعية بشرية لكل أمة تريد أن يكون لغتها مكانة.
اللغة تكتسب القوة من جهتين: من مضمونها الحضاري والصناعي وإنجازها البشري، وأيضاً من سعي أصحابها للحفاظ عليها وتمسكهم بها. فإذا فقد واحد فلا ينبغي أن يُترك الآخر، وإذا وجد الاثنان فحبذا.
ما هو المطلوب والمأمول في كل لغة من... إذاً النقطة الأولى فيما يتعلق بتأثير اللغة في بناء الشخصية هي نقطة ارتباط اللغة بالهوية، بهوية الإنسان. فكلما كنت أوغل في قراءتك الأدبية وأوغل في معرفتك بلغتك، كلما كنت أقرب إلى هويتك، بل على حسب عبارة ابن تيمية: كلما كنت أقرب شبهاً بالصدر الأول كما قال رحمه الله رحمة واسعة. هذه واحد، واحد من الأثر.
الأثر الثاني الذي تعكسه القراءة الأدبية في بنائك الشخصي أيها الأخ الكريم هو البناء العقلي.
وأنَا عِندِي قَنَاعَة شَدِيدَة بِأَنَّ القِرَاءَة الأَدَبِيَّة وَالاِشْتِغَالَ بِالأَدَب يُعِينُ كَثِيرًا عَلَى بِنَاءِ العَقْلِ. بِخِلَافِ مَا قَدْ يَتَصَوَّرُهُ البَعْضُ مِن أَنَّ الأَدَب مُرْتَبِطٌ بِالعَاطِفَةِ وَحْدَهَا. الأَدَب يَبْنِي العَقْلَ مِنْ زَوَايَا عَدِيدَةٍ جِدًّا. وَلِذَلِكَ السَّلَف مَثَلًا لَمَّا قَالَ بَعْضُهُمْ: اُطْلُبِ الأَدَبَ فَإِنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى المُرُوءَةِ وَزِيَادَةٌ فِي العَقْلِ وَأُنْسٌ فِي الغُرْبَةِ، زِيَادَةٌ فِي العَقْلِ.
عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا قَالَ: خُذُوا النَّاسَ بِالعَرَبِيَّةِ فَإِنَّهَا تَزِيدُ فِي العَقْلِ وَتُثْبِتُ المُرُوءَةَ. هَذَا كَلَامُ الأَوَائِلِ. إِذًا هُنَاكَ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الاِشْتِغَالَ بِالأَدَبِ بِهَذِهِ اللُّغَةِ فِيهِ زِيَادَةٌ فِي العَقْلِ. مِنْ أَيْنَ تَكُونُ هَذِهِ الزِيَادَةُ؟ مِنْ جَوَانِبَ كَثِيرَةٍ جِدًّا، وَلَكِنْ سَأُذْهِبُ لَكُم فَقَطْ بَعْضَ الأَمْثِلَةِ الَّتِي تُبَيِّنُ لَكُم كَيْفَ أَنَّ الاِشْتِغَالَ بِالأَدَبِ يُحَرِّكُ العَقْلَ؟ مِنْهَا عَلَى سَبِيلِ المِثَالِ مَا يُعْرَفُ عِنْدَنَا فِي الأَدَبِ العَرَبِيِّ بِالتَّقْبِيحِ وَالتَّحْسِينِ.
أَنْ تُقَبِّحَ الشَّيْءَ وَتُحَسِّنَهُ فِي ذَاتِ الوَقْتِ، أَوْ أَنْ تُقَبِّحَ الحَسَنَ وَتُحَسِّنَ القَبِيحَ. بَغْض النَّظَرِ عَنِ البُعْدِ الأَخْلَاقِيِّ فِي المَسْأَلَةِ، اُنْظُرْ إِلَى البُعْدِ العَقْلِيِّ. الَّذِي يَجْعَلُكَ قَادِرًا عَلَى أَنْ تَنْظُرَ لِلشَّيْءِ الوَاحِدِ مِنْ زَاوِيَةٍ فَتَجْعَلَهُ حَسَنًا، ثُمَّ تَنْظُرَ لَهُ مِنْ زَاوِيَةٍ أُخْرَى فَتَجْعَلَهُ قَبِيحًا، وَهَلِ العَمَلُ العَقْلِيُّ إِلَّا نَظَرَةٌ لِلْأَشْيَاءِ مِنْ عِدَّةِ زَوَايَا؟ مَا هُوَ عَمَلُ العَقْلِ؟ وَقُدْرَتُكَ عَلَى أَنْ تَنْظُرَ لِلْأَشْيَاءِ مِنْ عِدَّةِ زَوَايَا وَلَا تَرْتَهِنَ لِزَاوِيَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ لِأُطُرٍ وَاحِدٍ. عَمْرُو بْنُ الأَهْتَمِ وَالزَّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ لَمَّا كَانَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ عَمْرُو عَنِ الزَّبْرِقَانِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ إِنَّهُ لَمُطَاعٌ فِي قَوْمِهِ، حَامِلٌ لِمَنْ وَرَاءَهُ، عَزِيزٌ فِي عَشِيرَتِهِ.
فَالزَّبْرِقَانُ رَجُلٌ يُحِبُّ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَدْ وَاللَّهِ عَلِمَ مِنْ شَرَفِي أَكْثَرَ مِنْ هَذَا، وَلَكِنَّهُ غَمَطَنِي مَا مَدَحَنِي كَمَا يَنْبَغِي. فَغَضِبَ عَمْرُو، قَالَ: وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ لَضَيِّقُ العَطَنِ، زَمْرُ المُرُوءَةِ، لَئِيمُ الخَالِ. فَيَتَغَيَّرُ وَجْهُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا كَذَبْتُ فِي الأُولَى، وَلَقَدْ صَدَقْتُ فِي الثَّانِيَةِ، وَلَكِنِّي رَضِيتُ فَقُلْتُ أَحْسَنَ مَا أَعْلَمُ، وَغَضِبْتُ فَقُلْتُ أَقْبَحَ مَا أَعْلَمُ. هَذَا هَذَا وَجْهٌ مَثَلًا.
خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ القَسْرِيُّ، هَذِهِ مِنْ لَطَائِفِ الأَخْبَارِ فِي أَعْمَالِ العَقْلِ، بَغْضَ النَّظَرِ عَنِ الجَانِبِ الأَخْلَاقِيِّ النِّفَاقِيِّ الَّذِي فِيهِ؛ لِأَنَّهُ النِّفَاقُ مِنَ الدَّرَجَةِ الأُولَى. لَكِنَّ خَالِدًا القَسْرِيَّ لَمَّا كَانَ الوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ خَلِيفَةً، اهْ كَانَتْ صِلَتُهُ بِالحَجَّاجِ مُمْتَازَةً، وَكَانَ يَأْمُرُ الخُطَبَاءَ أَنْ يَمْدَحُوا الحَجَّاجَ وَيَدْعُوا لَهُ فِي الجُمُعَةِ. فَكَتَبَ إِلَى خَالِدٍ أَنْ يَذْكُرَ الحَجَّاجَ بِخَيْرٍ فِي الخُطْبَةِ، فَوَقَفَ مُخَالِفٌ فَصِيحٌ، قَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ قَدْ عَجَمَ كِنَانَتَهُ عُودًا عُودًا اخْتَبَرَهَا، فَوَجَدَ الحَجَّاجَ أَمْضَاهَا عُودًا، وَأَصْلَبَهَا بَأْسًا، وَأَسَدَهَا مَرْمًى، فَرَمَى بِهِ أَعْدَاءَهُ، فَسَلُوا اللَّهَ لِلْحَجَّاجِ، كَذَا جَاءُوا الكَلَامَ العَظِيمَ.
مَا مَرَّ أُسْبُوعٌ إِلَّا وَمَاتَ الوَلِيدُ، وَجَاءَ مِنْ بَعْدِهِ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ المَلِكِ، وَسُلَيْمَانُ لَمْ يَكُنِ الحَجَّاجُ عَلَى وِفَاقٍ، فَكَتَبَ إِلَى خَالِدٍ يَأْمُرُهُ بِأَنْ يَشْتُمَ الحَجَّاجَ عَلَى المِنْبَرِ. صَعِدَ الجُمُعَةَ التَّالِيَةَ وَقَالَ: أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ جِبْرِيلَ إِنَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ المَلَائِكَةِ، وَإِنَّ المَلَائِكَةَ كَانَتْ تَظُنُّ لَهُ فَضْلًا لِمَا كَانَ يُظْهِرُهُ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ. فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَفْضَحَهُمْ طَحَنَهُ بِالسُّجُودِ لِآدَمَ، فَافْتَضَحَ عِنْدَ المَلَائِكَةِ فَعَرَفَتْ حَقِيقَتَهُ، وَإِنَّ الحَجَّاجَ كَانَ يُظْهِرُ مِنْ طَاعَةِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ مَا كُنَّا أَظُنُّ لَهُ بِهِ فَضْلًا، فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَفْضَحَهُ أَجْرَى ذَلِكَ عَلَى يَدِ أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ، فَالْعَنُوهُ وَلَعَنَهُ اللَّهُ، وَنَزَلَ.
فَهَذَا العَمَلُ العَقْلِيُّ غَيْرَ الصِيَاغَةِ الأَدَبِيَّةِ هُوَ حَالَةٌ مِنَ التَّدْرِيبِ كَمَا قُلْتُ بَغْضَ النَّظَرِ عَنِ الجَحِيمِ النِّفَاقِيِّ الَّذِي فِيهِ، وَلَكِنْ فِيهِ قُدْرَةٌ عَلَى إِعْمَالِ العَقْلِ وَالاِحْتِيَالِ وَكَيْفِيَّةِ التَّصَرُّفِ. لَمَّا لَمَّا بَنَى الحَجَّاجُ بَابًا فِي اه أَحَدِ جَوَامِعِ العِرَاقِ، وَبَنَى أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ بَابًا أَيْضًا، فَجَاءَتْ صَاعِقَةٌ فَأَكَلَتْ أَحْرَقَتْ بَابَ الخَلِيفَةِ وَسَلِمَ بَابُ الحَجَّاجِ. عَرَفَ الحَجَّاجُ أَنَّ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ سَيُغِيظُهُ هَذَا وَسَيَفْعَلُ شَيْئًا، فَكَتَبَ إِلَيْهِ مِنْ فَوْرِهِ إِلَى أَمِيرِ المُؤْمِنِينَ، مِنْ عَبْدِهِ الحَحَّاجِ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُكَ كَمَثَلِ ابْنَيْ آدَمَ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الأَخَرِ، وَالسَّلَامُ. فَطَابَتْ نَفْسُ الخَلِيفَةِ.
كَذَلِكَ مِنَ اللَّطَائِفِ فِي هَذَا البَابِ مَا وَقَعَ غَيْلَانُ بْنُ خَرَشَةَ فَإِنَّهُ جَارُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ الَّذِي كَانَ أَمِيرَ البَصْرَةِ، وَعَبْدُ اللَّهِ هَذَا كَانَ قَدْ أَجْرَى فَرْعًا مِنَ النَّهْرِ يَخْتَرِقُ البَلْدَةَ، سَمَّاهُ نَهْرَ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ. كَانَ يَمْشِي بِجِوَارِ النَّهْرِ وَمَعَهُ غَيْلَانُ هَذَا، قَالَ: مَا أَحْسَنَ هَذَا النَّهْرَ لِأَهْلِ هَذَا المِصْرِ؟ هُوَ اللي سَوَاهُ. قَالَ غَيْلَانُ: صَدَقْتَ أَيُّهَا الأَمِيرُ، يَحْمِلُونَ عَلَيْهِ طَعَامَهُم، يَنْقُلُونَ عَلَيْهِ الأَشْيَاءَ الصَّغِيرَةَ، وَيَسْتَقُونَ مِنْهُ مَاءَهُمْ، وَيَتَعَلَّمُ فِيهِ العَوْمَ صِبْيَانُهُمْ.
مَرَّتِ الأَيَّامُ وَوَلِيَ زِيَادٌ غَيْلَانَ عَلَى ذَاتِ الفَرْعِ هَذَا، كَانَ مُتَغَيِّظًا مِنْهُ لِأَنَّهُ يُذَكِّرُ النَّاسَ بِسَلَفِهِ، فَقَالَ: مَا أَقْبَحَ هَذَا النَّهْرَ لِأَهْلِ هَذَا المِصْرِ؟ فَقَيْلَانُ جَاهِزٌ، قَالَ: صَدَقْتَ أَيُّهَا الأَمِيرُ، تَنِزُّ مِنْهُ دُورُهُمْ؛ لِأَنَّ الجُدْرَانَ إِذَا عَلَتِ الرُّطُوبَةُ تَنِزُّ مِنْهُ دُورُهُمْ، وَيَكْثُرُ لِأَجْلِهِ ذَبَابُهُمْ، وَيَغْرَقُ فِيهِ صِبْيَانُهُمْ. فَجَاءَهُ بِاللَّهِ.
إِذَا قَرَأْتُمْ مَا يَذْكُرُهُ الأُدَبَاءُ عَادَةً فِي بَابِ تَقْبِيحِ الحَسَنَةِ وَتَحْسِينِ القَبِيحِ أَيْضًا تَجِدُونَ عَجَبًا. مَثَلًا الشَّاعِرُ الَّذِي مَدَحَ المَوْتَ وَقَالَ: جَزَى اللَّهُ عَنَّا المَوْتَ خَيْرَ جَزَائِهِ أَبَرَّ بِنَا مِنْ كُلِّ بَرٍّ وَأَرْأَفِ. لِمَادَا؟ قَالَ: يُعَجِّلُ تَخْلِيصَ النُّفُوسِ مِنَ الأَذَى وَيُدْنِي مِنَ الدَّارِ الَّتِي هِيَ أَشْرَفُ. جَعَلَهُ شَيْئًا حَسَنًا مُسْتَمْلَحًا لَمَّا نَظَرَ إِلَى هَذِهِ الزَّاوِيَةِ. المُتَنَبِّي: عِنْدَنَا فِي الأَدَبِ شَيْءٌ آخَرُ قَرِيبٌ مِنْ هَذَا مَا يُسَمُّونَهُ حُسْنَ التَّعْلِيلِ، وَحُسْنُ التَّعْلِيلِ عَمَلٌ عَقْلِيٌّ أَنَّكَ تَأْتِي إِلَى ظَاهِرَةٍ مَعْرُوفَةٍ أَوْ شَيْءٍ مَعْرُوفٍ فَتَبْحَثُ بِعَقْلِكَ عَنْ سَبَبٍ لَطِيفٍ فِيهِ لُطْفٌ، لَيْسَ سَبَبًا حَقِيقِيًّا، وَلَكِنْ فِيهِ لُطْفٌ وَعَمَلُ عَقْلٍ. لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَمْدَحَ المَمْدُوحَ فَقَالَ لَهُ: لَمْ تَحْكِنا إِلَّا السَّحَابُ؟ الشُّعَرَاءُ عَادَةً يُشَبِّهُونَ المَطَرَ بِأَنَّ السَّحَابَ تُحَاوِلُ أَنْ تَتَشَبَّهَ بِكَرَمِ المَمْدُوحِ فَتُمْطِرَ، وَلَكِنْ هُوَ ذَهَبَ إِلَى أَبْعَدَ مِنْ هَذَا، قَالَ: لَمْ تَحْكِنا إِلَّا السَّحَابُ وَإِنَّمَا حَمَتْ بِهِ فَصَبِيبُهَا الرَّحْضَاءُ. يَعْنِي يَقُولُ: هِيَ مَا حَاوَلَتْ، هِيَ لَمَّا رَأَتْ كَرَمَكَ أَصَابَتْهَا الحُمَّى مِنْ هَوْلِ مَا رَأَتْ، فَهَذَا الَّذِي تَرَاهُ عَرَقُ الحُمَّى وَأَثَرُهُ وَبُكَاؤُهَا مِنْ هَيْبَةٍ مِمَّا أَصَابَهَا مِنَ الهَيْبَةِ لَمَّا رَأَتْ كَرَمَكَ. إِيشْ هُوَ اللي جَابَ فِي عَقْلِهِ هَذَا المَعْنَى؟ مَا أَدْرِي وَلَكِنَّهُ عَمَلُ عَقْلٍ. لَا تُنْكِرِي عُطْلَ الكَرِيمِ مِنَ الغِنَى فَالسَّيْلُ حَرْبٌ لِلْمَكَانِ العَالِي.
لَمَّا شَبَّهَ الفَقْرَ الأَجْوَادَ وَالعُظَمَاءَ قَالَ: هَذَا مِثْلُ السَّيْلِ، السَّيْلُ الَّذِي يَحْمِلُ الخَيْرَ لِلنَّاسِ وَكَذَا لَا يَبْقَى فِي المَكَانِ العَالِي، دَائِمًا يَنْزِلُ إِلَى الأَسْفَلِ، فَكَذَلِكَ المَالُ وَمَتَاعُ الدُّنْيَا يَكُونُ لِسَفِلَةِ النَّاسِ وَلَا يَكُونُ لِلنَّاسِ الَّذِينَ فِي الأَعْلَى أَوْ فِي القِمَمِ. كَأَنَّ السَّحَابَ الغُرَّ غَيَّبْنَا تَحْتَهَا حَبِيبًا فَمَا تَرْقَى لَهُنَّ مَدَامِعُ، يُرِيدُ أَنْ يُعَلِّلَ لِمَادَا هَذَا المَطَرُ لَا يَنْقَطِعُ؟ يَقُولُ: كَانَ لِهَذِهِ السَّحَابِ أَحْبَابٌ دُفِنُوا تَحْتَ هَذِهِ الأَرْضِ فَلَا يَرْقَأُ دَمْعُهَا وَهِيَ تَنْزِلُ. فَحُسْنُ التَّعْلِيلِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ فُنُونِ الأَدَبِ أَلَيْسَ عَمَلَ عَقْلٍ؟ أَلَيْسَ التَّعْوِيدَ لِهَذَا العَقْلِ أَنْ يُفَكِّرَ؟
بَلْ أَكْثَرُ مِنْ هَذَا، كُلُّ المَعَانِي المُبْتَكَرَةِ الَّتِي خَلَّدَ أَصْحَابَهَا مِنَ الشُّعَرَاءِ وَالأُدَبَاءِ إِنَّمَا كَانَتْ نِتَاجًا لِأَعْمَالِ عَقْلٍ وَفِكْرٍ. فَلِذَلِكَ أَقُولُ: إِنَّ الاِشْتِغَالَ بِالأَدَبِ وَالقِرَاءَةَ الأَدَبِيَّةَ يُنَمِّي العَقْلَ، يَزِيدُ فِي العَقْلِ كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَيُكْسِبُكَ مَلَكَةً عَقْلِيَّةً وَلِيَاقَةً عَقْلِيَّةً جَيِّدَةً. فَهَذَا أَثَرٌ فِي بَابِ العَقْلِ.
مِنْ آثَارِ القِرَاءَةِ الأَدَبِيَّةِ أَيْضًا فِي نَفْسِ طَالِبِ العِلْمِ وَقَارِئِ الأَدَبِ بِشَكْلٍ عَامٍّ هُوَ الأَثَرُ الأَخْلَاقِيُّ وَالتَّرْبَوِيُّ. الأَدَبُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنَ القِيَمِ الأَخْلَاقِيَّةِ وَكَثِيرٌ مِنَ القِيَمِ العُلْيَا. وَلِذَلِكَ كَانَ أَبُو مُوسَى يَقُولُ: مَنْ مَرَّ مِنْ قَبْلِكَ بِتَعَلُّمِ الشِّعْرِ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى مَعَانِي الأَخْلَاقِ. وَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ: عَلِّمُوا أَوْلَادَكُمُ الشِّعْرَ يُمَجِّدُوا يُصْبِحُوا أَهْلَ مَجْدٍ وَأَهْلَ نَجْدَةٍ لِمَا فِي كَثِيرٍ مِنَ الشِّعْرِ مِنَ الأَخْلَاقِ وَالقِيَمِ حَمَاسَةٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَلِهَذَا حُكِيَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: عَلِّمُوا أَوْلَادَكُمُ الشِّعْرَ، فَوَاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ آآ صِفِّينَ وَقَدْ قَرُبَتْ رَاحِلَتِي، وَمَا بَيْنِي وَبَيْنَ أَنْ أَفِرَّ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ حَتَّى ذَكَرْتُ قَوْلَ عَمْرِو بْنِ الأَطْنَابَةِ: أَبَتْ لِي هِمَّتِي وَأَبَى بَلَائِي، وَأَخْذُ الحَمْدِ بِالثَّمَنِ الرَّبِيحِ، وَإِقْحَامِي عَلَى المَكْرُوهِ نَفْسِي، وَضَرْبِي هَامَةَ البَطَلِ المَشِيحِ، وَقَوْلِي كُلَّمَا جَشَأَتْ شَاشَةُ مَكَانَكِ تُحْمَدِي أَوْ تَسْتَرِيحِي لِأَدْفَعَ عَنْ مَآثِرَ صَالِحَاتٍ، وَأَحْمِي بَعْدُ عَنْ عِرْضٍ صَحِيحٍ. قَالَ: فَثَبَتُّ فِي مَكَانِي. هَذِهِ صُورَةٌ لِمَا تَبْعَثُهُ مِثْلُ هَذِهِ مِنَ الأَخْلَاقِ. عِنْدَمَا يَقْرَأُ الإِنْسَانُ مَثَلًا
قول مصطفى حمام رحمة الله عليه وهو يقول في قصيدته للرقيق اللطيفة: آه، علمتني الحياة أن حياتي إنما كانت امتحانا طويلا، قد أرى بعده نعيما مقيما أو أرى بعده شقاء. قبيلة، علمتني الحياة أن لها طعمين مرا وسائغا معسولا. أكثر الناس يحكمون على الناس وهيهات أن يكونوا عدولا. فلكم لقبوا البخيل كريما، ولكم لقبوا الكريم بخيلا، رب حرة وصموها بغي، قد صوروها بتولا، وقطيع اليدين ظلما، ولص أشبَع الناس كفّه تقبيلا. كم يقع في نفسه من كراهة النفاق والخداع وتقليب الحقائق ومن معاني الرضا ما قدر الله عز وجل شيء كثير جدا. فلذلك أثر الشعر في الجانب الأخلاقي كبير جدا.
صحيح أنه كما يؤثر في الجانب الإيجابي قد يؤثر في السلبي كما سأذكر لاحقا، لكن الاشتغال بالأدب عموما له قيمة أخلاقية عالية، وأساعد جدا في مساعدة الإنسان على أن يتحفز لكثير من المعاني الأخلاقية. أكثر من هذا أيضا من الآثار هو أثر الأدب في البناء الحضاري، وليس فقط في الجانب الأخلاقي. من أي ناحية يؤثر الأدب في بناء الحضارة؟ بحسب ما أفهم أنا، يؤثر من ناحيتين: الأولى ناحية الحفز الهممي أو الحَضّ على العمل. اخواني، الإنسان كما قالوا عقل وقلب وجوارح، أليس كذلك؟ العقل هو الذي يعرفك الصواب من الخطأ، والقلب هو الذي يحملك على الفعل والترك، والجوارح هي التي تصدق أو تكذب. فليست معرفتك العقلية هي التي تحفزك إلى أن تعمل.
اليوم إخواننا مثلا في هذا المركز الكريم مركز راسخ، ليس الذي حملهم على هذا العمل والإنجاز فقط أنهم عرفوا أن طلب العلم جيد وأنه يجب أن يعتنى بطلبة العلم، كلنا نعرف هذا، لكن حافزا ما في قلب أحدهم أو جماعة من الناس وهمة عالية واندفاعة قلبية هي التي جعلتهم يتحركون ويعملون ويضحون وهكذا. كل إنسان لن يقبل على عمل تبنى به حضارات الأمم أو يصبر على الأوائل إلا إذا كان عنده دافع قلبي ضخم وحافز نفسي كبير. وأي شيء يحرك الهمم والحوافز أكثر من الكلام الفصيح البليغ الجيد؟ الخطبة التي قيل إن طارقا خطبها فغيرت وجه المعركة في الأندلس على سبيل المثال، القصيدة المشهورة التي ألقاها بعض خطباء اليمن يوم جاءت بريطانيا فكانت سببا في خروج الناس وقتالهم: يا بريطانيا رويدا رويدا، إن بطش الإلاله كان شديدا، إن بطش الإلاله أهلك فرعون وعاد من قبلكم وثمودا، إلى أخره.
فالأدب عموما له القدرة على تحريك هذه الهمة والحماسة. وقد كان الشيخ محمد الحسن يقول: إن الإسلام راعى هذه الثلاثية في تكوين الإنسان، فجعل الإيمان خطابا للعقل، والإحسان خطابا للقلب، والإسلام خطابا للجوارح. وهذه زاوية نظر حسنة يمكن أن يظهر فيها إلى هذه التفريقات عند اجتماع الثلاثة في السياق الواحد. فإذاً الحفز الهممي هو أول آثار القراءة الأدبية أو الأدب في مسألة البناء الحضاري. والجانب الثاني هو تخليد المآثر والمفاخر. ما الذي يخلد آداب الأمم وآثارها ومفاخرها التي تجعل الأجيال تحمس لها وتحاول البناء عليها؟ كثير منه إنما يخلد بالنصوص الأدبية الجيدة والراقية.
يعني عمورية، إلى اليوم نحن نقول عمورية عمورية، ما أدראنا بعمورية إلا أبو تمام؟ ألف معركة أعظم من عمورية في تاريخ الإسلام ما ندري عنها شيئا. معركة الأراك في الأندلس وفي المغرب العربي لا نعرف عنها شيئا وهي أعظم أثرا. معركة شقحب التي شارك فيها شيخ الإسلام ابن تيمية عظيمة الأثر جدا لا نعرف عنها شيئا، لم يخلدها نص أدبي. ومعركة عمورية خلدها أبو تمام، فبقي ناس إلى اليوم الصغير والكبير يعرف عمورية وينشد: السيف أصدق أنباء من الكتب، في حدِّه الحدُّ بين الجد واللعب. ثم زادها خلودا كذلك أبو ريشة لما قال أبياته الذائعة: رُبَّ معتصماه انطلقت من أفواه الصبايا اليُتَّمِ، لامست أسماعهم لكنها لم تلامس نخوة المعتصم.
في الأدب الروسي مثلا، الفترة التي كانت ما بين ألف وثمانمئة وخمسة وألف وثمانمئة وثلاثعش أواخر مرحلة القيصرية الروسية وطبقة النبلاء، الذي خلد هذه المرحلة وتفاصيلها ودقائق ما كان يحصل في القصور وكيف تحللت بعد ذلك هذه الطبقة وذابت هو تولستوي لما كتب روايته الطويلة الحرب والسلام. إلى اليوم العرب والعجم وعشرات أصحاب اللغات يقرأون هذه التفاصيل الروسية الدقيقة ويعرفونها، وما كانوا ليعرفوها لو لم يقيض لها هذا الروائي الضخم ليكتب هذه الرواية الضخمة ليخلد هذه المواقف. ولو استحضرتم تاريخا لوجدتم عشرات الشواهد والنماذج في كل لغات العالم. الأدب لديه القدرة على أن يخلد اللحظات الفارقة والصعبة في تواريخ الأمم، وبالتالي يبقي الأجيال حسا حضاريا موصولا. فنحن في القراءة الأدبية إذن نتأثر في بنائنا الحضاري من هاتين الناحيتين وأيضا من غيرها من النواحي.
فوق هذا أيها الإخوة، وأنا يعني سامحوني إذا توسعت في بعض هذه التفاصيل لأني دائما أعاني من ضيق النظر في مسألة فائدة الأدب في حياتنا وأنه محدود بكذا وكذا فنريد أن نوسع الأمر ونوفقه قليلا. من أهم آثار الأدب كذلك في بناء الشخصية هو تأثيره على العاطفة الإنسانية تأثيرا مباشرا وسريعا. تعرفون قصة قتيلة بنت النضر مع النبي صلى الله عليه وسلم لما قتل النبي عليه الصلاة والسلام أباها النضر بن الحارث، فجاءت بعد ذلك وأنشدت القصيدة الباكية التي تقول فيها: يا راكبا إن الأثيل مظنة، من صبح خامسة وأنت موفق، أبلغ به ميتا بأن قصيدة، ماء، أبلغ به حيا بأن قصيدة ما أن تزال بها الركائب تخفق، مني إليه وعبرة مهراقة، جادت بوابلها وأخرى تخنق، أ محمد والنجل نجل كريمة في قومها والفحل فحل معرق، ما كان ظنك لو مننت، وربما من الفتى وهو المغيظ المحنق، إلى آخر ما قالت.
فلما سمعها النبي ماذا قال؟ قال: والله لو سمعتها قبل أن أقتله ما قتلته، كما ذكره ابن هشام في سيرته. من لطيف الأخبار التي تدل على التأثير العجيب للأدب في نفس الإنسان ما وقع لبشر بن مروان مع أحد أهل البصرة، هذا الأحد ما ذكر اسمه في الخبر، شاب كان حديث عهد بزواج، توه متزوج وعريس مستانس مع زوجته وكذا. فأمر بشر أهل البلدة أن يخرجوا إلى الثغور، وكان فيمن شمله الأمر هذا العريس، وبشر كان مشهورا بالشدة والغلظة، فكان إذا بلغه أن أحدا عطل ثغره، يعني أنصرف من مكانه الذي أوقف فيه قبل أن يؤذن له، يأتي به فيوقفه على كرسي ويسمر يديه بمسمارين في الجدار ثم يسحب الكرسي له، لماذا تعطل؟
فهذا الرجل انتدب إلى الثغر وهو عريس يا مسكين، يعني تعب عريس تعرفون هذا. فكتب إلى زوجته يقول لها: لولا مخافة بشر أو عقوبته، أو أن يشد على كفي مسمار، إذا لعطلت ثغري ثم زرتكم، وإن المحب لمن يهواه زوَّار. فصاحبتُه لم تقنع بكلامه؛ لأن عندها أن الحب لا يقف له شيء، ولا ينبغي أن يحول بين الحبيبين شيء. فقالت: ليس المحب الذي يخشى العقاب، ولو كانت عقوبته في ألف النار، إن المحب الذي لا شيء يمنعه، أو يستقر ومن تهوى به الدار. قال: أما والله لو عطلت ثغري أتيه؟ عطل الثغر، انصرف وهو يقول: أستغفر الله إذن خفت الأمير ولم أخشَ الذي أنا منه غيرُ منتصر. فشأن بشر بلحمي فليعذبه أو يعفو عفو أمير خير مقتدر، فما أبالي إذا أمسيت راضية يا هند بانيل من شعري ومن بشري.
ورجع، فلم تمض أيام حتى عرف أمره إلى بشر بن مروان، وجيء بالكرسي، وجيء بالمسمارين، وجيء بالمطرقة. فقال أيها الأمير، قال نعم، قال عندي خبر إن شئت سمعته ثم افعل ما بدا لك، قال وما خبرك؟ فلما حكى له القصة وأنشده الشعر رق له فعفا عنه، فكان أول من يعطل ثغره ولا يثبته بشر بمسمارين، فكان هذا من أثر حسن هذا الشعر وهذه المحاورة في. مما يشبه هذا أو هو قريب منه ما وقع لإبراهيم بن المهدي مع ابن عبدالملك بن زياد، إبراهيم تعرفون أنه حاول أن يدعي بالخلافة لنفسه إلى أن غلبه أبو جعفر وثبت الخلافة له، فلما أراد أن يخرج الخلافة استدعى عددا من التجار وكذا.
جمع منهم الأموال، وقال لهم: أبشروا، إذا صرت خليفة يبي يجيكم العلم الزين، أعطوني الآن فأعطوه. فلما انتكست حركته، بطل التجار حقهم، ما أعطاهم أموالهم وما استطاعوا أن يصلوا منه إلى شيء، فإنه كان قد اصطلح مع أبي جعفر المنصور وانتهى كل شيء. فاحتال عليه ابن عبد الملك بن الزياد بحيلة، فأنشأ قصيدة يخاطب فيها أمير المؤمنين، يقول له فيها: فوالله ما من توبة نزعت به إليك، ولا ميل إليك ولا ودي، وكيف بمن قد بايع الناس، والتقت ببيعته الركبان غوراً إلى نجد، ومن صك تسليم الخلافة سمعه ينادى بها بين الصماصيم عن بعد، وأي امرئ سمى بها قط نفسه فيتركها حتى يغيب في اللحد. يقول الخليفة: ترى بني آدم هذا ما دام نودي بالخلافة والله منه ما هو بسايب الطمع هذا حتى يموت. لكن لم يذهب بالقصيدة إلى الخليفة، ذهب إلى إبراهيم، قال: اسمع، قال: أما أن تعطيني حق أبي وإلا أنشدتها بين يدي أمير المؤمنين. قال: لا والله أعطيك، فأعطاه ماله ووفاه فكان الوحيد الذي وفاه المال من بين أقرانه من التجار؛ لأنه خاف من أثر هذه القصيدة في أمير المؤمنين.
فإذا نحن نتكلم عن قيمة إنسانية قادرة على التأثير، فإذا كنت أنت طالب علم، أو كنت خطيباً أو متحدثاً، أو حتى إنساناً عادياً في الحياة، فإنك تعلم الآن أن واحدة من الأدوات المؤثرة في الآخرين، من الأدوات التي يمكن أن تمتلكها هي أداة هذا الأدب، والقدرة على تشقيق الكلام وتفريعه والتهدي إلى المعاني التي ينبغي أن تقال في المقام الذي يناسب أن تقال فيه؛ فإن هذا هو الذي يصنع فرقاً. واليوم إذا سمعتم مثلاً خطيباً مشقشعاً أو متحدثاً مؤثراً، ستجدون أن من أدوات تأثيره الكبرى هي قدرته على أن يتصرف في الكلام وملكته الأدبية الجيدة. فإذاً هذه واحدة من الآثار في بناء الشخصية، أنها تكسبك قدرة على التأثير في الآخرين، تأثير في عواطف الناس ومشاعرهم، والنماذج هذه كثيرة جداً ليس المقصود استقصاؤها.
كل هذا الذي قلته أيها الإخوة هو يتعلق بجانب واحد، هو أثر القراءة الأدبية في بناء الشخصية الإنسانية العربية عموماً، أو لنقل المسلمة؛ باعتبار أن المسلم في الغالب يريد أن يتكلم العربية أو أن يتعلمها. لكن فوق هذا كله، إذا كنت طالب علم على وجه الخصوص، فإن هذه القراءة الأدبية لها معك شأن آخر فوق كل ما سبق. كل الذي سبق ينطبق عليك لكونك إنساناً كسائر الناس، لكنك باعتبارك طالب علم، إن القراءة الأدبية تكتسب لديك جانباً آخر إضافة إلى كل ما سبق، يتعلق بأحسانك فيما أنت بصدده. أنت بصدد العلوم الشرعية من التفسير أو الفقه أو الحديث أو غير ذلك من علوم الشريعة، فإن أحسانك فيها موقوف على أحسانك في هذه القراءة الأدبية واتقانها.
عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول: تعلموا العربية فإنها من دينكم، وتعلموا الفرائض فإنها من دينكم. قال: العربي والفرائض. ابن تيمية علق على هذا فقال: وهذا الذي أمر به عمر من فقه العربية وفقه الشريعة يجمع ما يحتاج إليه؛ لأن الدين فيه فقه أقوال وفقه أعمال، ففقه العربية هو الطريق إلى فقه أقواله، وفقه السنة هو الطريق إلى فقه أعماله. فجعل فقه العربية شطر فقه الدين؛ لأن فقه أقوال النبي صلى الله عليه وسلم موقوف على هذا النوع من المعرفة أو من القراءة أو من العلم.
ابن عباس رضي الله عنهما قال كلمته المشهورة: ما كنت أعرف ما معنى قوله تعالى: فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، حتى سمعت أعرابياً يقول عن بئر: أنا فطرتها، يعني أنا ابتدأتها. فعلم معنى الآية من كلام هذا الأعرابي، ولذلك كان يقول: إذا أردتم أن تفهموا القرآن فابتغوه في الشعر فإنه ديوان العرب. وكان مالك رضي الله عنه رحمه الله يقول: لا يؤتى برجل يفسر كتاب الله لا يعرف شعر العرب إلا جعلته نكالاً، هذا يعاقب مو بس إنه يعني يكف عن هذا وإنما يعاقب لأنه خطأ إلى الشيء قبل أن يأخذ أسبابه.
بل الشافعي رحمه الله كان يقول: من تبحر في النحو اهتدى إلى كل العلوم، كلام الشافعي: من تبحر في النحو اهتدى إلى كل العلوم. وكنت منذ مدة قد كتبت بحثاً صغيراً اسمه أثر الدرس النحوي في بناء العقل، وهذا له صلة بهذه الجزئية وبما ذكرته قبلاً، وبينت فيه كيف أن دراسة النحو تعين على بناء العقل من عدة جوانب، وذكرت فيها كلمة المبرد الشهيرة: أنا منذ ستين أفتي الناس من كتاب سيبويه. الناس في الفقه كتاب سيبويه، ولما خاض المترجمون في معنى هذه العبارة ذكروا وجوهاً كثيرة، لكن ذكروا منها أن كتاب سيبويه يتعلم منه النظر والتفتيش وفهم النصوص، فمن خلاله يحسن فهم نصوص الوحيين، وبالتالي يستطيع أن يفتي الناس. وذهب بعضهم إلى أبعد من هذا، إلى أن قياسات النحو قد تلتقي مع قياسات الفقه، فإنهم سألوه مرة: إذا سهى الإنسان عن سجدة السهو فما حكمه؟ فقال: لا شيء عليه، قالوا: أين هذا في كتاب سيبويه؟ قالوا: المصغر لا يصغر.
ابن تيمية رحمه الله كان يقول: إن الله لما أنزل كتابه باللسان العربي، وجعل رسوله مبلغاً عنه الكتاب والحكمة بلسانه العربي، وجعل السابقين إلى هذا الدين متكلمين به، ولم يكن سبيل إلى ضبط الدين إلا بمعرفته إلا لم يكن سبيل إلى ضبط الدين ومعرفته إلا بضبط هذا اللسان، صارت معرفته من الدين وأقرب إلى إقامة شعائر الدين. القراءة الأدبية شعيرة من شعائر الإسلام على هذا التوجيه من شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله. ولذلك كان شيخنا الشيخ أبو موسى متد متع به يقول كلمة عجيبة، يقول: أنا أقيم الليل متعبداً بقصيدة امرئ القيس. يا مولانا كيف تقوم الليل متعبداً؟ هو كان ينظر إلى هذا المعنى، أن الاشتغال بالشعر العربي والاشتغال بفهم دلالات الألفاظ وبتأثيل وتأصيل معاني العربية وتدقيق معانيها، هو السبيل إلى أن تفهم نصوص الشريعة. فإما كنت أنت فقيهاً فاستثمرت هذه المعرفة في التفقه، وإما لم تكن فقيهاً لكنك تجعل بهذه المعرفة بين يدي الفقهاء ما يستعينون به على الاستنباط.
وهذا وجه جيد أن الحديث جاء إليه. نحن دائماً نقول إن علوم العربية علوم آلة، اليس كذلك؟ لكن يجب أن ندرك أن الآلات التي نستعين بها على الوظائف لا يمكن أن تكون جيدة إذا لم يتفرغ لها أناس. الآن المنشار آداة للنشر، أنت لا تختال تأخذ المنشار إلا من أجل أن تنشر ما تريده لشيء آخر، لكن هذا الذي صنع المنشار ما صنعه لينشر، إنما بذل جهده ووقته ومعرفته معرفته فقط ليوجد لك الأداة الجيدة. فاحياناً يكون تناول معارف العربية من هذا الوجه يعني فكرة أن اللسان لا يدرس العربية إلا فقط ليفهم الوحيين فكرة ناقصة، فإنك قد تدرس العربية لا لشيء إلا لتجود من معانيها وعلومها ما تجعله بين يدي دارس الوحي.
وهذا فرق في النظر إلى علم الآلة ما بين من يشتغل به لينضج هذه الآلة وبين من يشتغل بهذه الآلة ليوظفها فيما يريد، فهذا عمل صالح وهذا عمل صالح، وينبغي أن ينظر إلى الوجهين على الوجه المعتبر. ولهذا قال ابن تيمية كما رأيتم إن دراسة هذه المسائل أو ضبطها من إقامة شعائر الدين. لعبد القاهر رحمه الله كلام لطيف جداً في صدر دلائل الإعجاز في من ينكر الاشتغال بالشعر من المتفقهة، ليتني تذكرته فنقلته لكم نصه، ونصف نفيس جداً ينعى فيه على أولئك المتفقهة الذين يعيبون الاشتغال بالشعر، وبين أنهم ما عابوا الاشتغال بالشعر إلا لقلة فهمهم وليس لكمال فقههم وحرصهم على إتقانهم.
الزمخشري في المفصل المشهور في النحو يقول: وذلك أنهم لا يجدون علماً من العلوم الإسلامية فقهاً وكلاماً وعلماً وتفسيراً وأخباراً إلا وافتقاره إلى العربية بين لا يدفع ومكشوف لا يتقنع، ويرون الكلام في معظم أبواب أصول الفقه ومسائلها مبنياً على علم الإعراب، فإذاً فكرة.
أهمية القراءة الأدبية في تكوينك العلمي يا طالب العلم الشرعي فكرة قد تنبه إليها الأولون وأشاروا إليها، لكننا لن نكتفي بكلام الأولين بل سنضرب الأمثلة التي يتبين لك معها قيمة القراءة الأدبية في تحصيلك العلمي الشرعي. ما هو أثر الأدب والقراءة الأدبية في صحة فهم النصوص الشرعية؟ أعطيكم مثال.
لما قال الله سبحانه وتعالى في سورة الأنعام: اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ. ايش معنى حيث هنا؟ هل هي ظرف ومكان؟ حيث في أكثر استعمالات الكلام هي ظرف ومكان، جلست حيث جلست، أو وضعت الماء حيث أنت جالس، ونحو ذلك. لكن انظر إلى ما تدلك عليه صناعة اللغة في هذه الآية؛ اللغة هنا تنهاك أن تكون حيث ظرفا. لماذا؟
قالوا: لأننا عرفنا من العربية أن الظرف في حقيقته هو إطار زماني أو مكاني يستوعب الحدث. فإذا قلت صمت يوم الخميس، فإن يوم الخميس ظرف زمان إطار زمني استوعب الحدث كاملا وهو الصوم، إذا قلت وقفت تحت الشجرة فإن هذه التحتية ظرف مكاني استوعب الحدث الذي هو الوقوف، فليس شيء منه خارج الشجرة، كله تحت الشجرة. هذه طبيعة الظرف، ليش سموه ظرف؟ شفتوا الظرف حق الرسائل؟ ايش تسوي فيه؟ تضع الورقة بكاملها في داخله فيستوعبها. وهكذا ظرف الزمان والمكان يستوعب الحدث.
فإذا قلت إن حيث في الآية ظرف، وبالتالي هذا يقتضي أن يكون مظروفها أعلم؛ لأنه الحدث الوحيد في الآية: الله أعلم حيث. فإذا معنى ذلك أن هذا المكان الذي هو حيث يجعل رسالته ظرف مكاني يستوعب علم الله عز وجل، ويصبح معنى الآية إذا جعلت حيث ظرفا أن علم الله محصور في هذا المكان. يعني تخرج إلى الشرك بالله عز وجل وانت لا تدري؛ لأن علم الله سبحانه وتعالى كما نعرف ولا حد له ولا مقتضى له، ما كان لك أن تفهم الآية على وجهها ما لم تستوعب هذه المعاني اللغوية.
مثال آخر: أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء؟ تعرفون الآية؟ أو عطف، صح؟ والمعطوف ما هو؟ يأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء، أن نفعل في أموالنا ما نشاء، هذا المصدر الأول معطوف، صح؟ عطف على ايش؟ اقرأوا الآية: أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء؟ أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء؟ في ظنكم أن نفعل في أموالنا ما نشاء معطوفة على ماذا؟ ان نترك ما يعبد آباؤنا، أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا أو أن نفعل في أموالنا ما نشاء؟
لو قدرنا هذا التقدير في العطف، يخرج لنا معنى في غاية الفساد. ليش؟ لأنه يصير المعنى: صلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا، وصلاتك تأمرنا أن نفعل في أموالنا ما نشاء. فهل كان عليه الصلاة والسلام يأمرهم أن يفعلوا في أموالهم ما يشاؤون أو حرمة؟ أفسدت الآية بهذا بهذا التوجيه.
لكن الصحيح أن قوله: أن نفعل في أموالنا ما نشاء معطوف على ماء، أن نترك ما يعبد آباؤنا ونترك أن نفعل في أموالنا ما نشاء، هي معطوفة على ماء، على الاسم الموصول وليست على المصدر المؤول قبلها. هذا مثال آخر من أمثلة آآ أثر الدربة النحوية والمعرفة بالمتعاطفات ووجوهها في حسن فهم نص الوحي، وإلا جئت بشيء هو خلاف مراد الله سبحانه وتعالى، والعلة أنك ما تتبين وجوه العطف ومعانيه، وما الذي يقتضيه أن تعطف شيئا على شيء. إذا عطفت شيئا على شيء، معمولا على معمول، اقتضى ذلك أن يكون مشاركا له في العامل، فيكون العامل منطبقا على الأول منطبقا على الثاني.
لو قلت جاء زيد وعمرو، فالمجيء شمل زيدا وشمل عمرا، ولا يمكن أن تعطف عليه وتقول لا ما يشمله. فكذلك هنا، إذا عطفت أن نفعل على أن نترك، شمل أن على ما يشمل أن نترك من قوله: أصلاتك تأمرك، وما كان ينبغي هذا أبدا ولا يستقيم به المعنى، المعنى له وجه آخر.
وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه: أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ. يلا، من آل فرعون جار ومجرور، صح؟ لابد أن يتعلق بشيء ليكون قيدا لشيء، متعلق بماذا في الآية؟ قال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم، هل هو متعلق بيكتم؟ تعلقته بيكتم يصبح المعنى: وقال رجل مؤمن يكتم من آل فرعون إيمانه، يعني يخفي الإيمان آل فرعون.
لكن هل هو من آل فرعون؟ الله أعلم. على هذا التخريج الآية لا تفيدنا وصفا للرجل، تفيدنا أن هناك رجلا ما يكتم إيمانه عن من؟ عن آل فرعون. لكن انظر إذا جعلت الجار المجرور صفة للرجل: قال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه، أصبح من آل فرعون صفة للرجل، ويصبح معنى الآية أن هناك رجلا من آل فرعون يكتم إيمانه عن الجميع. الذي يرجح عندك هذا المعنى أو هذا المعنى؟ ما الذي جعلك أصلا تنتبه إلى أن هناك معنيين في الآية؟ إلا هذا النظر النحوي وإدراك حقيقة المتعلق.
لما قال سبحانه وتعالى: وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ. ما معناه؟ ايش معنى وما ربك بظلام للعبيد؟ وليس ربك المعنى تقصد؟ يعني ايش هو؟ ظلام يعني كثير الظلم. فهل معناه أن الله سبحانه وتعالى ليس كثير الظلم، وإنما هو قليله مثلا عياذا بالله؟ لا، يمكن لن تفهم هذا إلا إذا عرفت أن ظلام في هذه الآية ليست صيغة مبالغة أصلا، إنما هي للنسبة؛ فإن العرب قد تنسب بغير الياء، تنسب بصيغة الفاعل وصيغة المبالغة، تقول فلان لابن تامر، يعني لبنيون تمارين صاحب لبن وصاحب تمر، وتقول فلان تمار مثلا يعني صاحب صاحب تمر، آه وفلان نبي يعني صاحب.
فظلام يعني صاحب ظلم، وما ربك بصاحب ظلم مطلقا لا قليلا ولا ولا كثيرا. فلولا إدراك الإنسان شيئا من وجوه العربية وأن صيغة فعال إنما تأتي للنسبة في بعض السياقات، لو وقع في حرج في هذه الآية، وما عرف كيف يقنع الناس أن ربنا ليس بظالم سبحانه وتعالى. يجيك واحد يقول لك القرآن يقول ربنا ليس ظلاما، ليس كثير الظلم، هذا يفهم منه بالضرورة أنه قد يكون عياذا بالله قليل الظلم. مخرج إلا أن تتبين هذا الوجه وانه من سنن العرب في كلامها أن تستخدم هذه الصيغة في النسبة، بالتالي القرآن جاء على سياق العرب وكلامهم ولا إشكال فيه.
طيب، تذكرون الآية الطويلة في النساء: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخْلْتُم، إلى آخر الآية. طيب، الآن انتبهوا معي إلى جزء منها: وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم. ذكر النساء كم مرة؟ مرتين.
أمهات نسائكم: أمهات الزوجات. وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم: بنات الزوجات. هناك أمهات الزوجات هنا، بنات الزوجات ثم قال: اللاتي دخلتم بهن. صفة اللاتي دخلتم بهن، هل هي لنسائكم الثانية ولا الأولى ولا للإثنين مع بعض؟ هل المقصود أمهات نسائكم اللاتي دخلتم بهن، وآآ حلائل أبنائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن، أو هي فقط صفة نسائكم الثانية أو هي فقط صفة لنسائكم الأولى؟ كل وجه سيخرج منه معنى مختلف، والفيصل فيه هو القانون النحوي.
هل تصدق الصفة الواحدة على معمولين لعاملين مختلفين أو لا تسبق إلا على الآخر منهما؟ إذا جوزت أنها تصدق على المعمولين جعلته قيدا للصفتين، وإذا قصرته على الثاني كما هو الراجح أصبح قيدا للثاني. ولذلك عامة المفسرين يقولون إن أمهات النساء بمجرد العقد على المرأة تحرم عليك أمها، ولكنك إذا عقدت على المرأة فلا تحرم أبنتها إلا إذا دخلت؛ لأن قيد جاء على هذا الوجه ملتصقا بالثانية. هذه كلها أمثلة لفكرة واحدة وهي كيف أن حسن فهم النص الشرعي يتوقف كثيرا على الرصيد الأدبي أو اللغوي الذي عندك.
من الأمثلة المعاصرة حتى أختم بها؛ لأن جاء هنا شيء يتعلق بالوقت، ما ذكره بعض أهل الفضل قال إنه جاءه رجل وقال يا اخي كيف الإسلام يحرم النسيان والنسيان ليس بيد الإنسان؟
قال له: كيف في الإسلام؟ قال: نعم، في كتاب الله عز وجل أن النسيان كفر. قال له: كيف؟ ألم تقرأ قوله تعالى: إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ. يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا. فخلط بين النسيء والنسيان؛ لأنه لا يتبين أن نَسَأ غير نَسِي، وأن مهموز الآخر غير معتل الآخر. تصور هذا! وهذا من يعني سقطات العوام، لكن الفكرة في واحدة.
كذلك ما تداوله البعض من تفسير بعض الناس لقوله تعالى: فَاضْرِبُوهُنَّ بأنه من الضرب في الأرض. تكلم فيه بعضهم وقال إن ضرب الزوجات ليس من الإسلام وكذا، وأن هذه الآية فهمت خطأ طوال القرون، وأن الصواب أنها من قول العرب ضرب في الأرض يعني ابتعد، فمعنى فاضربوهن يعني ابتعدوا عنهن. وغفل عن شيئين: الشيء الأول أن الله قال: وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ، وهذا ابتعاد ولا معنى للتكرار، والثاني أن الفعل يختلف باختلاف تعديه ولزومه، المتعدي غير اللازم.
ضرب الذي هو ضرب في الأرض لازم يحتاج إلى جار ومجرور، وضرب الذي هو الضرب المعروف متعد يتعدى بنفسه، والذي عندنا في الآية فعل متعد وليس فعلا لازما. فأوجب سوء الفهم والتخوض فيه البحث عن استدلالات وكذا الغفلة عن هذا الأصل اللغوي.
من قريب ما رأيته في تويتر: واحد كتب حديث النبي صلى الله عليه وسلم: بُورِكَ لأُمَّتِي فِي بُكُورِهَا. كتب أحدهم معلقا هذا من تعنت الإسلام وكذا، وما شأن المطلقات والأرامل، لماذا البركة في الأبكار فقط؟! خلط بين البكور الذي هو في الصباح وبين الأبكار، جهلا منه باللغة واشتقاقاتها.
وكذلك القصة التي رواها بعض المشايخ من أنه جاءه رجل يشتكي إليه وقال: أنا اصابني المرض لي صاحب، يعني إذا جئته في البيت يعطيني الشحم، ويقول لكل.. فإذا قلت له: ما أحسن أكلَه! قال: استغفر الله، تخالف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان لا يرد الدهن. ويتصور أن الدهن الشحم! وإنما كان الطيب عليه الصلاة والسلام لا يرد دُهن الطيب. فهذه كلها أمثلة لشق واحد من شق علاقة طالب العلم بالقراءة الأدبية، وهي إعانة هذه القراءة له على أن يفهم النصوص على الوجه الصحيح.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين. حياكم الله أيها الإخوة الكرام، وشكر لكم صبركم على ثرثرة أخيكم فيما مضى وفيما سيأتي. كان الحديث في الشق الأول من هذا اللقاء منصبا على جزئين من الكلام، الجزء الأول كان متعلقا بدلالة كلمة الأدب، وتتبع مدلولها وتطوره في اللغة وفي الاصطلاح، ثم المعنى الذي هو مقصود في حديث هذه الليلة. وبعد ذلك انتقل الحديث إلى تأثير الأدب في بناء الشخصية على جهة العموم، ثم شرعنا في الحديث عن تأثير الأدب في بناء شخصية طالب العلم على جهة الخصوص، وذكرنا أول أثر فيما يتعلق طالب العلم، وهو إحسان فهم نصوص الوحيين من خلال هذه القراءة الأدبية أو المعرفة الأدبية.
الجانب الآخر المتعلق أيضا بتأثير القراءة الأدبية في بنية طالب العلم أو بنائه العلمي، أنه يبين له الوجه الصحيح الذي ينبغي أن يكون عليه النص، أو أن يقرأ عليه النص. في مثل الآية المعروفة لديكم جميعا: إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ. فالرفع والنصب هنا هو معيار الفهم في هذه الآية، ومثلها كما قالوا في سورة الإخلاص: وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ. فإنك لو عكست وقلت: ولم يكن له كفوا أحدًا! لأثبتَّ له، ووقعت بذلك في نقيض ما أرادته الآية. فكثير من الآيات ومن نصوص الحديث وغيرها، يتوقف فيها النطق الصحيح أو القراءة الصحيحة على إدراك المعنى وفهم مقاصد اللغة فيها.
لكن هنالك أيضا جانب الاطلاع عليه مفيد جدا، وهو معرفة مآخذ الفقهاء في اختلافهم من جهة اللغة. تلك الخلافات الفقهية التي كان مبناها مبنا لغويا، أو كان النزاع فيها قائما على اختلاف في قاعدة لغوية، أو في فهم مدلول، أو في فهم مدلول لفظ من ألفاظ اللغة. على سبيل المثال، أنتم تحفظون جميعا قول النبي صلى الله عليه وسلم: إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فافطروا، فإن غُمَّ عليكم فاقدروا له. إن غُمَّ عليكم فاقدروا له. ما معنى فاقدروا له؟ هل معناه أن يكمل الشهر أو أن ينقص؟ لماذا يكمل ولماذا ينقص؟ القدر هنا يحتمل وجهين من المعنى؛ أما فاقدروا له من القدر بمعنى التضييق، ومن قُدِرَ عليه رزقُه يعني ضُيِّقَ عليه، فيكون معنى فاقدروا له يعني ضيقوه، أي اجعلوه تسعا وعشرين. أو أن يكون القدر من التقدير بمعنى قدروا له تمامه وهو ثلاثون يوما.
وبكل قال الفقهاء، والذين رجحوا التمام رجحوه أيضا برواية أخرى للحديث: فإن غُمَّ عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما. فكان هذا النص الواضح كالمفسر للنص الآخر، لكن وجه الخلاف إنما نشأ من هذا الفهم وهذا الاحتمال في هذه اللفظة للمعنيين معا من جهة اللغة.
لقوله تعالى: وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ. خلاف الفقهاء هنا نشأ من ماذا؟ من سؤال لغوي: هل حُصِرَ بمعنى أُحْصِرَ؟ أو بينهما فرق في المعنى؟ عندنا في اللغة باب واسع من الكلام هو باب فَعَل وأَفْعَلَ. فَعَل وأَفْعَل. العلاقة بين فَعَل وأَفْعَل متفاوتة. أحيانا تكون العلاقة علاقة تعدية لِأَفْعَل، فتقول: ذهب فعل لازم وأذهبتُه أصبح متعديا. أو طَعِمَ فعل متعد لواحد وأطعمتُه أصبح متعديا لاثنين.
والعلاقة الأولى الأشهر بين فعل وأفعل أن تكون الهمزة في أفعال مُعدية للفعل الأول فتزيده مفعولا. العلاقة الثانية بين فعل وأفعل علاقة عكسية؛ أن يكون فعله المتعدي وأفعاله اللازم، وهذا خلاف المشهور لكنه موجود. العرب تقول في كلامها: خشعت الريح السحاب فأقشع السحاب. قشع متعد، وأقشع السحاب لازم. فصارت صيغة أفعال هي لازمة وفعل هي متعدية.
أحيانا العلاقة بينهما تكون علاقة سلب؛ تسلب الهمزة من فعل معناها الذي فيها وتُعطيها المعنى المعاكس. ومن ذلك مثلا أنك تقول: شكى فلان خصمه إلى الأمير فأشكاه الأمير. يعني أزال شكواه. يعني رفع شكوى، وأشكى يعني أزاله الشكوى. ومنه كذلك عَرَب وأَعْرَبَ؛ فعَرَبَ الشيءُ إذا فسد، وأعربَه إذا أزال فساده. ولذلك قيل إن الإعراب النحوي سمي إعرابا لأنه إزالة لفساد الكلام إذا أقمت كل كلمة على وجهها الصحيح.
ومنه كذلك شَفَى وأَشْفَى؛ فإن شفاه يعني عافاه، وأشفاه يعني سلب منه العافية أهلكه. ولذلك قال جل جلاله: وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ، وليس يشفيني يعني يهلكني. من قرأها بالضم عكس المعنى عكسا بينا. وأحيانا تكون العلاقة بين الفعلين علاقة اختلاف؛ أن فَعَل لها معنى وأَفْعَل لها معنى.
فالان عندي حَصَرَ وأَحْصَرَ، أو حَصَرَ وأَحْصَرَ، ما طبيعة العلاقة بينهما حتى نفهم هذه الآية؟ من اللغويين من يرى أن حَصَرَ وأَحْصَرَ بمعنى؛ كلاهما معناه من حيل بينه وبين الوصول إلى البيت بأي علة كانت. ولكن من اللغويين من يرى بين الفعلين فرقا؛ فيرى أن أحصر إنما تقال إذا كان الحائل عدوا، وحصر تقال إذا كان العائق مرضا أو عجزا لسبب آخر غير العدو.
أنت إذا قرأت قوله تعالى: فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ. إن كنت ترى الفرق بين المعنيين بنيت على هذا حكما فقهيا، وهو أن الذي حال بينه وبين الوصول للبيت الحرام عدو، فقد انطبقت عليه هذه الآية وأخذ بما فيها، وإن حال شيء آخر فليس فليست الآية متعلقة به. وإن كنت ترى أن الفعلين بمعنى، وأن فعل وأفعل هنا بمعنى واحد، فإنك ترى أنه إن حال عدو أو غير عدو فالحكمان في حقه -فالحكم في الحالتين واحد- والآية تنطبق على الاثنين. وهذا وجه من الخلاف القائم بين الفقهاء مرده إلى هذا المدلول اللغوي وحده.
قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ. ما هو الرجس؟ بمعنى النجس، لكن ما الذي وصف في الآية بأنه رجس؟ قال: فانه رجس. هو هذا الضمير يعود على من؟ نعم. إذا معنى الآية: ميتة، أو لحم خنزير؛ فإن أي الخنزير. كل ما فيه رجس، لحمه وشحمه وعظامه وكذا. هذا وجه تفسير، لكن الوجه الآخر أن تكون الهاء كما قال بعضهم عائدة على لحم الخنزير، على الخنزير. المتضايفين كالشيء الواحد، والأولى أن يرجع المعنى إلى المضاف إلى المضاف.
اليه، وبالتالي يكون ما هو؟ لحم الخنزير وحده دون شحمه، ودون عظامه، ودون كذا. هذا وجه من الخلاف الفقهي مرده إلى هذه النقطة اللغوية الصغيرة؛ هل الضمير يرجع إلى، كما تفضلتم، أقرب مذكور الخنزير، فيشمل كل أجزائه؟ أو يرجع إلى لحمه خصوصاً، وهو المضاف، بالتالي آآ يخرج الشحم وكذا عن الحكم في هذه الآية، وقد يثبت له حكم بنص بنص آخر؟
البيعان بالخيار ما لم يتفرقا. ما معناه؟ ما معنى البيعين؟ اللذان أتما البيع؟ أو اللذان يتفاوضان على البيع؟ ما أدري إيش رايكم. يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة، يعني إذا ايش؟ دخلتم فيها؟ ولا إذا أردتم القيام لها؟ إذا أردتم؛ لأنه إذا قمتم تتوضأ وما تجي، وقمت إلى الصلاة فاغسلوا وجوههم. الناس يغسلون وجوههم وأيديهم يعني يتوضأون. إذا أرادوا القيام للصلاة وليس إذا قاموا لها ودخلوا. فهذا الوجه في كلام العرب موجود.
سيكون البيعان يعني اللذان يريدان أن يبيعا فهما في مرحلة المساومة، وكم تبيع؟ وكم تعطيني؟ وكم كذا؟ فهما بالخيار ما لم يتفرقا، يعني ما لم يحسما بيعهما. أو البيعان يعني اللذان أتما البيع حقيقة وفرغ، وبعتك واشتريت، هما بالخيار إلى أن يتفرقا، يعني يبتعدان مكانا. فهل التفرق حسي؟ أو معنوي؟ هل التفرق حقيقي؟ أو مجازي؟ وهل البيع هنا على الحقيقة أو على المجاز؟
يمكن أن تحمل كلا منهما على الحقيقة والمجاز، أو أحدهما على الحقيقة والآخر على المجاز. ويخرج لك من كل صورة وجه في المعنى وحكم مختلف عن الآخر. وبكل هذه الخلافات قال الفقهاء، وإنما كان مرد اختلافهم تقديرهم من حيث اللغة لهذا النص؛ ما معناه؟ وما المراد به؟
اه، من المسائل المشهورة المتداولة عند الفقهاء تفريقهم بين قولها بين قول القائل: إن دخلت الدار فأنت طالق، وإن دخلت الدار فأنت طالق. الفرق بينهما في الأولى لم تطلق بعد، وإنما يقع طلاقها إذا دخلت الدار. واما إذا قلت: إن دخلت الدار فأنت طالق، معناه لأنك يعني قد وقع الطلاق، وقد وقع الدخول. والفرق بينهما إنما هو همزة نزلت من أعلى إلى أسفل فسلمت، وصعدت من أسفل إلى أعلى. سهلة كدة بسبب التركيب.
كذلك مثلا من الأمثلة التي يذكرها الفقهاء في هذا الباب قولهم: له علي مائة غير درهم، وله علي مائة غير درهم، وما يترتب على إحداهما من أنه عليه مئة درهم، والثانية عليه تسعة وتسعين؛ لأن النصب إنما يكون في الاستثناء. الأمثلة كثيرة جداً، ليس المقصود استقصاؤها، وقد كتبت فيها أبحاث ودراسات.
لكن تبين لكم إلى أي مدى يكون الفقيه أو طالب علم الشريعة قادرا على فهم وتشقيق المعاني، ومعرفة الخلاف، وبيان طاقات النص، بقدر ما يكون عنده من العلم بدلالة دلالات اللغة معانيها. وأنتم تعرفون أن آية المائدة: إذا قمتم إلى الصلاة، فيها كثير من المسائل؛ كثير في هذه الآية وحدها التي وقع فيها الخلاف بسبب المدلول اللغوي.
وقع الخلاف في لامستم نساء على الحقيقة وعلى المجاز. وقع الخلاف في امسحوا برؤوسكم؛ هل الباء للتبعيض فيجزئ بعض الرأس؟ أو للملاصقة فيلزم تعميم الرأس؟ وعديد من المسائل كلها مردها إلى الجانب اللغوي. صعيدا طيبا أيضا في نفس الآية؛ الصعيد هل هو كل ما صعد من الأرض؟ أو هو ما له غبار؟ تأملوا أن هذا هو الجانب الثاني في أثر القراءة الادبية في بناء طالب العلم، قدرته على معرفة مآخذ الخلاف الفقهي الناشئ من إطار لغوي، وقدرته أيضا هو إذا كان أهلاً للاستنباط على أن يتبين المدلولات اللغوية التي يمكن أن تذهب به في الاستنباط إلى هذه الجهة أو إلى هذه الجهة.
الأمر الثالث المؤثر بالنسبة للقراءة الأدبية في طالب العلم هي القدرة على البلاغ. فكلما كانت قراءة طالب العلم الأدبية أقوى وتمكنه من الأدب ومن اللغة أقوى، كلما كان أقدر على البلاغ. وأضرب لذلك نموذجين فقط؛ نموذج علمي ونموذج واعظ إن صحة العبارة.
النموذج العلمي يتجلى عندنا في الشافعي رحمه الله محمد بن إدريس، الذي كان كما قال أحمد: كشمس للدنيا والعافية البدن. الشافعي كيف وضع علم الأصول؟ وهل بنى أصوله هذه إلا على بنيان لغوي؟ وقد كان الشافعي، كما تعرفون، من أعرف الناس بلغة العرب، وبدأ طلبه للعلم بلغة العرب، وكان أعرف الناس بشعر هذيل، وكان يحفظ من الشعر كذا وكذا، وكان ينظم الشعر الجيد، وكانوا يقولون: يكاد يحتج بلغته لحلاوتها وفصاحتها وجمالها إلى غير ذلك.
الشافعي لما وضع كتابه الرسالة إنما أراد أن يضع قوانين تضبط فهم الكلام، ولا سيما الوحيين الشريفين. هل يفهمها الإنسان كيفما اتفق؟ أو أن هناك قواعد وقوانين تضبط هذا الفهم؟ كان الناس على سليقتهم الأولى يفهمون كلام العرب وطرائقهم، فلما تراخى الزمن خف هذا الإدراك، فوقع الفهم الخاطئ ووقع، على سبيل المثال، يعني معرفة اه العمومي من الخصوص وغير ذلك.
فظل الناس وقد ذكر شيخنا الشيخ محمد الحسن مرة قصة طريفة؛ أنه كان في حوار مع بعض المكفرين الذين يكفرون بالمطلق، فقال لهم: لماذا تكفرون هذه الأنظمة وهؤلاء الناس جميعا؟ قالوا: لأن الله تعالى قال: وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ. قال لهم: في هذه الآية عمومان ما، ومن من لم يحكم بما أنزل الله، واه من لم يحكم وما أنزل الله، فيها لفظان عامان، فهل هذان العامان باقيان على عمومهما أم هما عامان مخصوصان؟ أم هما عامان أريد بهما الخصوص باقيان على عمومهما؟ قال: إذا كفرتم أنفسكم. قالوا: كيف؟ قال: لأن الله قال: من لم يحكم، وإذا كانت من عامة فهي تشمل تشمل من تمكن من الحكم فلم يحكم بما أنزل الله، ومن لم يتمكن من الحكم أصلا فلم يحكم بما أنزل الله، إذا شملكم التكفير بهذا، فتحيروا.
فالجزء من القضية إذا أن الشافعي رحمه الله لما وضع هذه الثوابت وضعها بناء على أسس لغوية وقواعد معرفية، ولذلك علم الأصول اليوم معظمه أو على الأقل مداخله مباحث لغوية صرفة في العام والخاص والمطلق والمقيد ونحو ذلك.
المثال الآخر الذي ظهر فيه أثر الأدب في البلاغ هو الإمام ابن الجوزي رحمه الله، وما عرف به من مواعظه المختلفة عن مواعظ غيره. وقد كان مجلسه كما يقولون يحضر فيه مئة ألف، لا يكثر فيهم البكاء والعويل والنواح، وربما حضره كثير من غير المسلمين، فأسلموا لما يرون من هيبة الموقف وفصاحة لسانه رحمه الله.
وقد كان من أفصح الناس لسانا، وأجودهم في الوعظ بيانا، ولذلك كان لوعظه وعباراته تأثيرا خاص لا تجدها لغير ابن الجوزي، إذا قرأت في صيد الخاطر أو في غيره من كتبه. فهذان نموذجان لعالمين جليلين ظهر أثر القراءة الأدبية عندهما في البلاغ؛ الشافعي ظهر أثره في استنباط علم جديد لم يكن قبله فجعله بلاغا للناس وصار أداة للناس من بعده في فهم النصوص، والثاني ظهر أثر مكنته الأدبية في حسن عبارته وخطابته وتأثيره في الناس.
فأنت إذا تأملت هذه الأمور الثلاثة بالنسبة لطالب علم؛ فهم النص، وإدراك الخلاف المبني على وجه اللغوي مع القدرة على معرفة مجالات النص ومعانيه بحسب المعرفة اللغوية، ثم القدرة على البلاغ، أدركت أن طالب العلم إذا لم يحصل هذه القراءة الأدبية على وجهها، لا أقول قد خسر خسرانا مبینا، أقول إنه لن يتمكن أن يكون طالب علم جيدا، يكون ربما مجرد حافظ لبعض الأشياء أو مقلد فيها أو مبلغ أو مؤدي، نفع الله به وجزاه الله خيرا لا نقول شيئا، لكن الفهم والادراك والاستنباط ومعرفة المآخذ والقدرة على البلاغ والأداء والبيان لا يمكن أن تكون إلا برصيد وافر من هذه الإدراك اللغوي أو القراءة الأدبية.
ولذلك قال الشاطبي كلمته المشهورة: أن الإنسان بحسب مكنته من العربية تكون مكنته من الفقه، فإن كان مبتدأ في العربية كان مبتدأ في الفقه، وإن كان متوسطا فمتوسط، وإن كان مجتهدا فمجتهد، ولا يبلغ الإنسان أن يكون مجتهدا في علوم الشريعة حتى يكون في العربية كسيبويه وأضرابه. وكلاما هذا معناه قال والشاطبي رحمه الله صاحب الموافقات والاعتصام، اه، فاذا هذا كله شيء ينبغي أن يكون في الذهن.
هناك نقطة بالحقيقة يعني وثيقة الصلة بطلبة العلم ساقحمها في هذا المكان، وهو أن القراءة الأدبية، أيها الإخوة، لا تكاد تخلو من بعض الخوادش.
فيها سواليف كذا، يعني طبيعة الأدب أن فيه شيئاً كثيراً من هذا. وينبغي أن ندرك أن هذه الطبيعة في الأدب وكتبه لم تصرف العلماء الأوائل عن أن يتعاطوه وتعاملو معه ويأخذوه على شرطه وبطريقته. ولذلك كادنولي أن أقرأ لكم عبارة عجيبة لابن قتيبة رحمه الله صدر بها كتابه عيون الأخبار، وأنتم تعرفون ابن قتيبة صاحب تأويل القرآن ومشكلة تأويل القرآن ومشكلة غريب الحديث واحد وأعلام السنة ومحدثيها الكبار والأئمة المقدمين في القرن الثالث الهجري رحمه الله رحمة واسعة.
قال في مقدمة كتابه عيون الأخبار: وسينتهي بك كتابنا هذا إلى باب المزاح والفكاهة وما روي عن الأشراف والأئمة فيهما، هذه عبارة وليست عبارتي، فإذا مر بك أيها المتزمت حديث تستخفه أو تستحسنه أو تعجب منه أو تضحك له فاعرف المذهب فيه وما أرادنا به، واعلم أنك إن كنت مستغنياً عنه بتمسكك فإن غيرك ممن يترخص فيما تشددت فيه محتاج إليه، وأن الكتاب لم يعمل لك دون غيرك فيهيأ على ظاهر محبتك، ولو وقع فيه توقي المتزمتين لذهب شطر بهائه وشطر مائه ولا أعرض عنه من أحببنا أن يقبل إليه معك. وإنما مثل هذا الكتاب مثل المائدة تختلف فيها مذاقات الطعوم لاختلاف شهوات الآكلين، وإذا مر بك حديث فيه إفصاح بذكر عورة أو فرج أو وصف فاحشة فلا يحملنك الخشوع أو التخاشع على أن تصعر خدك وتعرض بوجهك؛ فإن أسماء الأعضاء لا تؤثم، وإنما المأثم في شتم الأعراض وقول الزور والكذب وأكل لحوم الناس بالغيب.
قال صلى الله عليه وسلم: مَنْ تَعَزَّى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَعْضُوهُ بِهَنِ أبيه، ولا تكنوا. وقال أبو بكر الصديق لبديل بن ورقاء حين قال للنبي صلى الله عليه وسلم إن هؤلاء لو قد مسهم حر السلاح لأَسلموك: اعضض ببظر اللاّت، أنحن نسلمه؟ وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: من يطل خير أبيه ينتطق به، انتهى هذا الكلام من ابن قتيبة.
من المهم جداً أن نستحضره في سياق القراءة الأدبية؛ لأن كما ذكرت لكم طبيعة الأدب وماؤه وبهاؤه جزء منه متعلق ببعض هذه الترخصات والتلطفات والعبارات وكذا، فلا ينبغي التعامل مع القراءة الأدبية تعاملاً كما عبر ابن قتيبة فيه تزمت ومبالغة، وأن هذا لا يصلح قد قاله الأئمة افتح بهجة المجالس وأنس المجالس لابن عبد البر فقيه الأندلس الأعظم الأكبر رحمه الله رحمة واسعة، الذي لا يماري أحد في إمامته في مذهب المالكية بل في فقه الإسلام بعامة.
وشوف الأبواب التي فيه، انظر ما الذي دونه؟ وما الذي جمعه؟ وبعض الطرائف التي تقرأها فتتعجب موجودة ومثبتة وباقية. انظر إلى ابن حزم إمام الدنيا في وقته، كيف كان يتكلم في طوق الحمامة وكيف كان يصف حبه وتعلقه وكذا ثم يقول والحمد لله أنني ما حللت إزاري على حرام قط، يقول هكذا ابن حزم رحمه الله رحمة واسعة.
انظر مثلاً إلى ما كان يقوله الفقهاء الذين أوتوا ملكة الشعر، عروة بن أذينة رحمه الله من التابعين الكرام، كان من فقهاء المدينة المعدودين، هو الذي يقول في القصيدة المشهورة التي يعرفها أكثركم: إن التي زعمت فؤادك من لها، خلقت هواك كما خلقت هوى لها، فبك الذي زعمت بها وكلاكما، يبدي لصاحبه الصبابة كلها، حسناء باكرها النعيم فصاغها بلباقة فأدقها وأجلها.
لما مررت مسلماً ويبيت بين جوانحي حب لها لو كان تحت فراشها لأقلها، ولعمرها لو كان حبك فوقها يوماً وقد ضحيت إذاً لأظلها، وإذا وجدت لها وساوس سلوة شفع الضمير إلى الفؤاد فسلها. ثم يقول في الأخير: لما مررت مسلماً لي حاجة أرجو معونتها وأخشى دلها، منعت تحيتها. ما ردت السلام؟ فقلت لصاحبي ما كان أكثرها لنا وأقلها؟ يعني تعني لنا الكثير ولا يكفلها شيئاً فلماذا امتنعت عن رد السلام؟
فأجابني فلعلها معذورة من أجل رقبتها، فقلت لعلها مسائل عذراً. وقد كان عبد الله بن أبي عتيق وهو ابن حفيد عائشة رضي الله عنها ومن طبقة تابع التابعين وكان فيه ظرف ومزاح، كان يقول: إني لأرجو الله أن يدخله الجنة بحسن اعتذاره لصاحبته علاوي.
وكذلك عروة هذا هو الذي يقول: إذا وجد ووار الحب في كبدي سعيت نحو سقاء الماء أبترد، وهبني بردت ببرد الماء ظاهره فمن لنار على الأحشاء تتقد؟ لقيت مرة امرأة فقالت: أنت الذي تقول كذا؟ قال: نعم. قالت: والله ما خرجا من قلب سليم. وقال الذهبي معلقاً: وكذبت عدوة الله، ولكنه كان مصدورا فنفث.
وقد أشار الحصري القيرواني، حصري القيرواني هو صاحب يا ليل الصب متى غدوه، القصيدة المشهورة قيام، وقد كان من قراء زمانه المعدودين وفقهائه الكبار. وإن شئت أنظر إلى ما جمعه الشيخ عبد الله كنون رحمه الله في أدب الفقهاء، أو ما جمعه غيره ستجد أن باب الأدب فيه هذه السعة، فيه هذه الرخصة وفيه هذه الروح اللينة طبيعة في الأدب لا تنفك عنه. وكما قال ابن قتيبة وصدق: ولو توقينا فيه ما أراد بعض الناس أن نتوقاه لذهب شطر بهائه.
صرت تتعامل مع الأدب ومع كتب الأدب يجب أن يكون هذا المعنى حاضراً. نعم هناك حسن وقبيح وهناك أشياء قد يعني يتحفظ الإنسان في قبولها، لكن لا يتعامل مع الأدب والقراءة الأدبية بهذه الحساسية العالية؛ لأنك ستفسد على نفسك الأدب وتفسد الأدب عليك. فهذه من المعاني التي ينبغي أن تكون حاضرة في نفس طالب العلم وهو يشتغل بالأدب وقراءته وليعلم أنه ليس بدعاً في هذا، فالأئمة والسلف والكبار قد فعلوا هذا وترخصوا فيه ومالوا له وجعلوا لكل شيء مقياساً وقَدْراً، وكما قلت من ارتاب في مثل هذا المعنى فليعد قراءة كلمة ابن قتيبة في مقدمة عيون الأخبار أو لينظر في الكتب التي صنفها الفقهاء الكبار في الأدب كابن عبد البر وغيره، فسيجد أن ما ذكرته الآن حاضر حضوراً بيناً.
كل هذا الذي ذكرته أيها الإخوان فيما سبق هو مدخل، المهم ربما أطلت فيه قليلاً لأنني أعتقد أنها أصول مهمة ينبغي أن نراعيها، وقد نسرع قليلاً فيما بقي لنستوعب كل ما يراد إن شاء الله. المحور الأول الذي أؤكد عليه في باب القراءة الأدبية اليوم هو التفريق بين علوم العربية، أو التفريق في علوم العربية بين المعرفة والسليقة.
علوم عربية تؤخذ على وجهين: وجه هو معرفة محضة ومعلومات وقواعد ومسائل، وجه هو سليقة يتمكن بها الإنسان من توظيف هذه المعرفة في أدائه اللغوي، إنشاء كما قلنا أو تعاطياً مع النص الأدبي الرفيع فهماً وتذوقاً. ولا بد لك وأنت تشتغل بالقراءة الأدبية أن تكون مستحضراً هذين المعنيين، لا تشغل بالك بالمعرفة وحدها ولا تشغل بالك بالسليقة وحدها؛ فإنك لن تفلح حتى تجمع بين الأمرين، بين المعرفة التي ينبغي أن تحصل مسائل وعلوماً وبين السليقة التي ينبغي أن تُتَذَوَّق وتُمَارَس.
ولذلك عمار الكلبي وقد كان أحد الشعراء في القرن الأول في بدايات وضع النحو، تعرفون النحاة أول ما بدأوا يضعون النحو، أول ما بدأ يتحول النحو إلى علم وإلى معرفة حصل نوع من التوتر بين أصحاب السليقة وأصحاب المعرفة، بين النحاة الذين يريدون تأصيل قواعد مطردة حتى ينتظم عليها الناس ويلتئم بها الكلام، وبين الفصحاء الذين كانوا يجرون على سليقتهم وقد يكون في فصيحهم ما يخالف قاعدة هنا أو قاعدة هناك. فكانت تقع بينهم دائماً منافرات، كالمنافرات التي وقعت بين ابن أبي إسحاق رحمه الله أول من بعج النحو ومد القياس وبين الفرزدق من فصحاء العرب قالوا: لولا الفرزدق لبضع ثلث اللغة. وقد كان يأتي في بعض كلامه بما يخالف مشهور القواعد، كان دائماً بينه وبين أبي إسحاق نزاع.
لما أنشد قصيدته الفائية المشهورة التي يقول فيها وهي قصيدة مرفوعة: قال وعض زمان يا بن مروان لم يدع من الناس إلا مسحة أو مجلف. لم يقل أو مجلفا. قال له ابن أبي إسحاق: علام رفعت؟ قال: على ما يسوؤك وينوءك، علينا أن نقول وعليكم أن تتأولوا، هذا ليس عملي.
وآآ على كل حال هجاه بعد ذلك الفرزدق فقال: فلو كان عبد الله مولى هجوته، ولكن عبد الله مولى مواليا. قال له: أخطأت في الهجاء أيضاً، فإنما هو مولى موال.
بغض النظر عن تخريج ما قاله الفرزدق، ولكل ما قاله تخريج. لكن الفكرة هنا هي صراع ما بين المعرفة والسليقة، وقد تمثل هذا في قصيدة عمار الكلبي.
آه الذي أزعجه يبدو بعض النحاة في وقته، وهو أيضا كان ممن تؤخذ عنهم اللغة بالتخطئة في بعض الأشياء؛ فأنشد العينية التي شتمنا بها سامحه الله. قال فيها: ماذا لقينا من المستعربين؟ سماهم مستعربين النحاة كأنهم ليسوا عربا. ومن قياس نحوهم وهذا الذي ابتدعوا: إن قلت قافية بكرا يكون بها شيء خلاف الذي قاسوه أو زرعوا قالوا: لحنت. وهذا ليس منتصبا وذاك خفض وهذا ليس يرتفع. كم بين قوم قد احتالوا لمنطقهم بين قوم على أعْرَابهم طبعوا. ما كل قولي مشروحا لكم، فخذوا ما تعرفون، وما لم تعرفوا فدعوا.
الشاهد هنا ليس في النزاع، وإنما في فكرة التفريق بين المعرفة والسليقة. وابن سلام رحمه الله له كلمة نفيسة جدا في صدر كتابه طبقات فحول الشعراء، يميز فيها بين فكرة المعرفة والسليقة، ويبين كيف أن التعاطي مع النصوص الأدبية يفتقر افتقارا شديدا إلى سليقة. فيقول رحمه الله: وللشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم كسائر أصناف العلم والصناعات؛ منها ما تثقفه العين، ومنها ما تثقفه الأذن، ومنها ما تثقفه اليد، ومنها ما يثقفه اللسان. إذا جانب المعرفة فعلا موجود، لكنه مع ذلك يقرر بأن هناك جانبا يتعلق بالملكة والسليقة.
قال: فاللؤلؤ والياقوت مثلا لا تعرفه بصفة ولا وزن دون المعاينة ممن يبصره. ومن ذلك الجهبذة بالدينار والدرهم، يعني وزنها ومعرفة المزور من غير المزور؛ لا تعرف جودتهما بلون ولا مس ولا طراز ولا وسم ولا صفة، ويعرفه الناقد عند المعاينة، ويعرف بهرجها وزائفها وستوقها ومفرغها. ومنه البصل بغريب النخل، والبصل بأنواع المتاع، وذكر أمثلة كثيرة كلها تبين أن هناك قدرا من الخبرة، وقدرا من الملكة تميز به بين الأشياء سوى الصناعة والمعرفة التي يعرفها أهلها. ابن قتيبة كذلك وضع يده على هذه الفكرة، فكرة التفريق في اه التحصيل الأدبي بين المعرفة وبين السليقة أو الملكة.
فإنه قال رحمه الله في المقدمة كلاما في غاية الحسن، قال: ولذلك تجد كثيرا من جهابذة النحاة والمهرة في صناعة العربية، المحيطين علما بتلك القوانين، إذا سئل كتابة سطرين إلى أخيه أو ذي مودته أو شكوى ظلامة أو قصد من قصوده، أخطأ فيها عن الصواب، وأكثر اللحن، ولم يجد تأليف الكلام لذلك والعبارة عن المقصود على أساليب اللسان العربي. وكذا نجد كثيرا ممن يحسن هذه الملكة ويجيد الفنين من المنظوم والمنشور، وهو لا يححسن إعراب الفاعل من المفعول، ولا المفعول من المجرور، ولا شيء من قوانين الصناعة العربية. فمن هذا تعلم أن تلك الملكة هي غير صناعة العربية. وقد نجد بعض المهرة في صناعة الإعراب بصيرا بحال هذه الملكة، وهو قليل واتفاقي.
ثم ذكر مثلا وقال: وكثيرا ما يقع هذا، يعني الجمع بين معرفة والملكة، للمخالطين لكتاب سيبويه خصوصا؛ فانه لم يقتصر على قوانين الإعراب فقط، بل ملأ كتابه من أمثال العرب وشواهد أشعارهم وعباراتهم، فكان فيه جزء صالح من تعليم هذه الملكة، فتجد العاكف عليه والمحصل له قد حصل على حظ من كلام العرب، واندرج في محفوظه في أماكنه ومفاصل حاجاته، وتنبه به لشأن الملكة فاستوفى تعليمها فكان في الإفادة إلى نص طويل جدا لا أقرؤه كاملا.
لكن الفكرة عنده واضحة جدا: عندنا صناعة، عندنا معرفة، عندنا معلومات، عندنا قواعد، عندنا مسائل، وعندنا ملكة تؤهل الإنسان لأن ينتج الكلام الفصيح، ويكتب الكلام الجيد، وأيضا يتذوق ويتعاطى مع النصوص الجيدة الفصيحة. هل هما شيئان لا يجتمعان؟ لا، الأصل أنهما ينبغي أن يجتمعا، لكنهما على التحقيق في أرض الواقع شيئان منفكان.
نقول هذا لماذا؟ لنبين أن صاحب القراءة الأدبية، أو أن طالب العلم، أو حتى غير طالب العلم إذا أراد أن يقرأ قراءة أدبية يجب أن يكون مستحضرا هذين المعنيين؛ فإني أجد الناس على فريقين: فريق لا يهتم إلا بحفظ المتون، يريد يحفظ متنا في البلاغة ومتنا في النحو ومتنا في كذا، ويتصور أن هذا هو تحصيل العربية. وفريق لا يشتغل إلا بالنص الأدبي، ويقول: لا أحتاج النحو، ولا أحتاج الصرف، ولا أحتاج هذا كله، لا، لا معنى له. والحقيقة أنه لا يفلح كما قلت الفلاح الأتم إلا من جمع بين الامرين.
وأنا أذكر أنني أول ما تخرجت من الدكتوراه ذهبت إلى شيخنا الدكتور أبو موسى، قد هيأت له ورقة له ولغيره فيها جدول، أسأله اقتراح أو الإشارة إلى أهم الكتب التي يرى أنه لا ينبغي أن تخلو منها مكتبة طالب أو مختص أو نحو ذلك. وأعطيته الأوراق فردها لي بعد أيام وليس فيها كتاب واحد، فيها كلام خلاصته أنه يقول: إني أسألك -معنى كلامه وقليل من ألفاظه- ألا يشغلك ما كتب عن العربية عن العربية، وألا تنشغل بما كتبه النحاة عما تراجزت به الأعراب على قلوبها، وتكلمت به في حاجاتها، وانتجت به في أنديتها. خلاصة الكلام وهو فكرة ضرورة الجمع.
طبعا هو يركز هنا على المنتج؛ لأنه يعرف أننا درسنا دراسة معرفية وحصلنا الكثير من المسائل وكذا، ويرى أنه في سياق الدراسة الأكاديمية كثيرا ما يهضم حق النص أو حق الملكة. ولذلك ركز عليها. أما إذا كنا نتكلم على التكوين الأدبي من الأصل، فإنه لا بد فيه كما ذكرت من الأمرين، من الملكة ومن الصناعة.
والعجيب أن هذه الملكة تتفاوت بين الناس، بل قد تتفاوت لدى الإنسان الواحد. والملكة من أسرار الله التي سبحان الله لا يدرى كيف هي؛ قد تعرف أسباب تنميتها وتكوينها، أما حقيقتها وكونها فالله أعلم. ولذلك تجد عجائب. فمثلا الحريري، محمد بن قاسم صاحب المقامات، وهو المشهور بمقاماته وكذا، لما أطلع الناس على مقاماته ذههلوا مما رأوا وأعجبوا بها، وقالوا: هذا الرجل ينبغي أن يكون في ديوان الخلافة، يعني يكتب للخليفة وكذا عنده. فلما جيء به إلى ديوان الخلافة كلف بكتابة كتاب واحد فبقي أسبوعين ما استطاع أن يكتب كلمة، حتى قال في بعض الشعراء: شيخ لنا من ربيعة الفرس، ينتف عثنونه من الهوس. أنطقه الله بالمشان وقد رماه في البصرة بالخرس. أنطقه الله بالمشاني، وقد الجمه في بغداد بالخرس.
المشان هي قريته التي كتب فيها المقامات، ونطق في المشاعر وخرس في بغداد. وأما نتف العثنون؛ فإن الحريري رحمه الله كان مبتلى بنتف لحيته وقت الفكرة. جلس يفكر أو كذا في هذه أنه كان عنده وأنا مثل الجزء من الفراغات رحمه الله. ولذلك من لطائفه المشهورة أنه جاءه بعض الطلبة لما سمع به ليقرأ عليه، فلما دخل عليه في المسجد ورأى هيئته ولحيته المنتوفة كأنه يعني انكمش، هذا الحريري الذي أنا قطعت الديار إليه؟ فلما رآه الحريري شعر بذلك بانكماشه فقال له: ما أنت أول سائل غَرَّه قمر، ورائد أعجبَتْه خضرة الدَّمَنِ، فاختر لنفسك غيري إنني رجل مثل المعيِّد فاسمع بي ولا ترني.
فإذا، كما قلت، لدينا معرفة ولدينا سليقة، يجب أن ندرك هذا الفرق. كيف يعرف الإنسان أن لديه سليقة جيدة؟ يعرف ذلك في الحقيقة من عدة وجوه؛ الوجه الأول والأظهر هو استقامة اللسان والقدرة على البيان، أنه إذا تكلم تكلم كلاما فصيحا حسنا صحيحا لم يلحن فيه ولم يخطئ فيه، ويأتي بالأمور على وجهها، كما كان فصحاء العرب الأوائل؛ كقس بن ساعدة الذي قيل إنه طلب يوما ليتكلم فاقتضب اقتضابا إلى المجلس. اتكأ على عصاه وظل يتحدث ساعة أو ساعتين، لم يتردد في كلمة ولم يتلعثم في حرفه، وقد ارتجل الكلام ارتجالا. وقيل إنه لما جاء طلب عصا ليتكأ عليها فقالوا له: ما تريد بالعصا وأنت بحضرة أمير المؤمنين؟ قال: ما أراد بها موسى وهو بحضرة رب العالمين. هذا عند رب العالمين كان هذا من حسن بيانه، القدرة على الارتجال والبديهة في القول وشبك الكلام هو من دلائل الملكة، أن الدلائل القوية للملكة.
ذكروا أن أبا تمام لما كان صغيرا مر به بعض شعراء عصره وقد أنسيت اسمه الآن، قالوا له: هذا الغلام يتعاطى الشعر. فقال له: أجز، يعني أنا أقول بيتا وأنت أكمل. فقال قل، فقال: فرقوا بين من أحب وبيني.
أبو تمام لوفور ملكته وبديهته، قال: تريدني أن أبعد أم مقرب؟ يعني أنت ذكرت فراقاً بينك وبين من تحب، تريد أن أصفه بأنه فراق عظيم وبعيد ولا قليل؟ وقال بعد: فقال: مثل بعد السماك والفرقدين. فرقوا بين من أحب وبيني مثل بعد السماك والفرقدين. قال: فقرب. قال: مثل ما بين حاجبي وعيني، صغيرة جداً. إذا كان هذا من بديهته وأخبار البدائع كثيرة.
وقد ذكروا أن أبَا نواس لقي أعرابياً عنده ذود ماعز وكذا، والذود القطيع الصغير، فأراد أن يعبث معه، فقال: أيا صاحب الذود اللواتي يسوقها، بكم ذلك الكبش الذي قد تقدم؟ ما درى أن الأعرابي فيه ملكة وفصاحة وبيان. قال له: أبيعكه إن كنت تبغي شراءه ولم تك مزاحاً بعشرين درهماً. قال أبو نواس: أخذت هداك الله، رجع جوابنا فأحسن إلينا إن أردت تكرماً، يعني خفض شوي. فقال: أحط من العشرين خمساً لأنني أراك ظريفاً، أخرجنها مسلما لا عاد تكثر كلامه.
فاستقامة اللسان والقدرة على ارتجال الكلام هي أول علامات ودلائل الملكة أو البديهة أو السليقة. العلامة الثانية هي دقة الدلالة ومعرفة صواب المعنى، أن يكون الإنسان قادراً على أن يدرك المعنى الصائب والمعنى الخاطئ. واجد في هذا مثالاً حسناً وقع بين أحمد بن عبيد وأبي تمام. أبو تمام تعرفون له القصيدة الشهيرة التي رثى بها محمد بن حميد الطوسي، التي أولها كذا: فليجل الخطب وليفتح الأمر، فليس لعين لم يفض ماؤها عذر، توفيت الآمال بعد محمد، واصبح في شغل عن السفر السفر، وما كان إلا مال من قل ماله، وذخراً لمن أمسى وليس له ذخر، تردى ثياب الموت حمراً فما دجى في الليل إلا وهي من سندس خضر. المهم جاء فيها قوله: كأن بني نبهان يوم وفاته نجوم سماء خر من بينها البدر. معنى تسمعه، ما شاء الله ما هذه الهيبة!
لكن أحمد بن عبيد كان فيه دقة نظر، قال: يا أبا تمام، ما أردت بقولك: كأن بني نبهان يوم وفاته نجوم سماء خر من بينها البدر؟ أتريد أن حالهم بعد وفاته أحسن أم أسوأ؟ قال: بل أسوأ ولا ريب. قال: فإذا ذهب البدر كان أحسن ما يكون للنجوم، إن النجوم إنما يظهر ضوءها إذا غاب البدر، فأنت لما قلت: كأنهم نجوم غاب بدرها، يعني كأنهم نجوم تألقت، أنت جعلت حالهم بعد موته أحسن من حالهم قبل موته، وهذا نقيض ما تقصد. فهذه الدقة في تأمل المعنى هي أيضاً صورة من صور السليقة، أو دليل من دلائلها أن الإنسان يعني يتأمل دقائق المعنى. قالوا: فوجم أبو تمام وسكت.
كذلك البيت المشهور للنابغة: إنك كالليل الذي هو مدرك، وإن خلت أن المنتهى عنك واسع. يصف الملك النعمان بأنه مثل الليل، أي أي مكان يذهب إليه سوف يدركه الليل، وهذا معنى الحسن. لكن أيضاً بعض أصحاب السليقة والنباهة نظروا فيه إلى معنى، قالوا: الليل والنهار سواء، يعني النهار تقدر تختبي منه، يدركك وإن كان المنتهى واسعاً، فلماذا خصصت الليل دون النهار، وكانك لما شبهت بالليل لأنه هو الشيء الوحيد الذي يدركك والمنتهى عنه واسع كما قال؟ ولذلك قالوا: تشبيه الإدراك بالليل يساويه إدراك النهار، فلم خصه دونه؟ وإنما كان سبيله أن يأتي بما ليس له قسيم. هذا جزء مما قيل.
كذلك لما قال عروة بن أذينة: نزلوا ثلاث منن بمنزل غبطة وهم على غرض، لعمرك ما هم متجاورين بغير دار إقامة، لو قد أجد رحيلهم لم يندموا. سلسة ولذيذة كذا تشعر بها جميلة. لبثوا ثلاثة منن، أيام التشريق، بمنزل غبطة وهم على غرض، لعمرك ما هم متجاورين بغير دار إقامة، لو قد أجد رحيلهم لم يندموا. لكن إذا تأمل صاحب السليقة كما ذكر بعض النقاد، وجد قضية: إذا كان الدار غبطة وعلى غرض لعمرك ما هم ومتجاورين ومبسوطين، كيف يقول: لو قد أجد رحيلهم لم يندموا؟ كيف لا يندمون على الرحيل إذا كانوا في هذه السعادة وهذا الأنس وهذا السرور؟ هذه أيضاً دقة في النظر للمعنى قد تغيب عن غير صاحب السليقة.
كذلك من علامات السليقة الجيدة والملكة الجيدة ذكرنا منها كما قلت الفصاحة واستقامة اللسان، وذكرنا من أهل الارتجال والبديهة، وذكرنا منها دقة إدراك المعاني، ونذكر منها أيضاً وضع الشيء في موضعه. الكلام في موضعه الذي يليق به، فإن لكل مقام مقالاً، ولذلك جاء رجل إلى بشار، الشاعر العباسي المشهور الأعمى، قال: يا أبا معاذ، إنك تأتي بالبيت تقف له الدنيا هيبةً، ثم تأتي بما لا يصلح! هلا وكيف هذاك؟ قال: تقول: كأن مثار النقع فوق رؤوسنا، وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه. صورة مهيبة وحرب وقتال وكذا، ثم تقول: ربابة ربة البيت، تحط الخل في الزيت، لها سبع دجاجات وديك الحسن الصوتي! قالوا: أين هذا من هذا؟ ويحك! ربابة هذه جارية لي، عندها دجاج يبيض وأنا لا آكل إلا من بيضها، فهي تجمع علي هذا البيض وتطعمني منه، فوالله لهذان البيتان أحسن عندها من عشرة آلاف من مثل الأول! وش عليه من الغبار والنقع؟ أما ديكها ودجاجاتها والحمد لله موجودين، انتهى. فكأنه بين أن هذا من وضع الشيء في موضعه ووضع الكلام في مكانه.
كذلك من دلالات السليقة الجيدة، وأنا أذكر هذه العلامات فقط ليراجع كل إنسان منا نفسه وينظر، قد لا نكون على المستوى الأعلى في هذه الجوانب لكن هل أصلها موجود؟ هل أصل الفصاحة موجود؟ هل أصل استقامة اللسان موجود؟ هل أصل القدرة على إدراك المعنى موجود؟ من دلالات السليقة وعلاماتها القدرة على إدراك وجوه المعنى، أن تدرك للنص المعاني التي يحتملها، ولا تكون أسيراً كما لمحنا من قبل لمعنى واحد. مثلاً لما قال سبحانه وتعالى: وَلَا تَقْتُلُوۡا أَنفُسَكُمۡ، هذه الآية تحتمل المعنيين، تحتمل معنى القتل الحقيقي أو القتل المجازي الذي يكون بالذنوب والعصيان، يدرك هذا صاحب السليقة.
لما قال المتنبي وهو يمدح كافوراً: عدوك مذموم بكل لساني، ولو كان من أعدائك القمران. ولله سر في علاك، وإنما كلام العدا ضرب من الهذيان. رأت كل من ينوي لك الغدر يبتلى بغدر حياة أو بغدر زمان، فلم تحمل السيف الطويل نجاده وأنت غني عنه بالحدثان. ما يقوله المتنبي هو أنك أيها الممدوح، كل من يعاديك مذموم، ولو عاداك القمران لذمهما الناس. ونحن نرى في أقدار الله عجباً، فلا يعاديك إنسان إلا هلك بقارعة من السماء، ولا يناوئك عدو إلا أهلكه الله وبطش به بغير سعي منك، فأنت غني بأحداث الزمان عن حمل السلاح، فلماذا تحمل السلاح؟ ولماذا تجيش الجيوش وقد كفاك الله بما ينزله من أقدار على أعدائك؟
إنه هجاء أعظم! لأن هذا الإنسان الذي لم يكتب له أن ينتصر في أي معركة، وكل انتصاراته كذا جاءته قدر من الله، لا يمكن أن يكون عظيماً، أين عظمته؟ وأين ملكه؟ وأين جيشه؟ وأين قوته؟ إذا كان شاء الله فمات العدو الفلاني، وقدر الله فأصابت صاعقة العدو الفلاني، وشاء المولى فمات العدو الفلاني، فأين أنت؟ وأين ملكك؟ وأين؟ فالتفطن لهذا المعنى هو من التفطن لما لجملة المعاني التي يدل عليها النص، ولذلك أحد المتأدبين المتأخرين اسمه ابن زادة رومي ألف كتاباً سماه قلب كافوريات المتنبي من المديح إلى الهجاء، وقف مع جميع قصائد المتنبي في كافور بيتاً بيتاً، تحول معناها من ظاهر المدح إلى باطنه، وبغض النظر عن تكلفه أو عدم تكلفه في بعض الأبيات، إلا أن المغزى الذي أريد أن أصل إليه، أن من آيات السليقة المتمكنة قدرة الإنسان على أن يتلمس المعاني المتعددة للنص الواحد.
مثلاً، نأتي بنصوص نعرفها، أنس بن مالك رضي الله عنه ألم يقل في الحديث المشهور: أني صحبت النبي صلى الله عليه وسلم أو خدمته عشر سنين، فما قال لشيء فعلته: لما فعلتَه؟ ولا لشيء لم أفعله: لمَ لم تفعلْه؟ ما معنى هذا الحديث؟ يدل على ماذا؟ صدر النبي صلى الله عليه وسلم وحلمه وصبره. بس ما يدل على معنى آخر؟ التغافر بعضهم من بعض. طول الصحبة، ماشي، ظاهرة من عشر سنوات. نعم.
نعم، هذاك معنى آخر ينبغي أن يكون ظاهراً. حسن خدمة أنس، فإنه قد يكون مراده أنه أصلاً يتفطن لمراد النبي صلى الله عليه وسلم، فيعرف ما يريد أن يفعله فيفعل فيفعله، ويعرف ما لا يريد أن يفعل فلا يفعله. فكان من ناتج ذلك أنه لم يقل له يوماً: لماذا فعلت؟ ولماذا لم تفعل؟
مع أن الظاهر جداً، لكن النظر السريع العاجل، وربما أحياناً ضعفه السليقة أو الملكة، لا يجعل الإنسان يتصور هذا المعنى ولا يهتدي إليه. الشاعر لما قال: إذا جعفر مرت على هضبة الحمى، فقد أخزت الأحياء منها قبورها.
قبضة الحمى منطقة دفن فيها قوم من بني جعفر، الشاعر يقول: إذا مر بنو جعفر على هذه الهضبة، فإن قبور هؤلاء الموتى تخزي الأحياء. ما معنى هذا؟ كيف تخزي قبور الموتى الأحياء؟ إذا جعفر مرت على هضبة الحمى، فقد أخزت الأحياء منها قبورها. تفضل.
هذا معنى، أن الموتى يخزون الأحياء لأنهم أسلموهم وتركوهم ولم يأخذوا بثأرهم، فكلما مروا بالقبور تذكروا خذلانهم فكان خزياً لهم. لكن أيضاً في معنى آخر، وهو أن يكون هؤلاء الموتى قد ارتكبوا مخازي وفضائح وهم من قومهم، وكلما مروا بقبورهم تذكر الناس مخازيهم وفضائحهم فلحق العار بالأحياء منهم. فهذان وجهان في المعنى لنص واحد، والملكة الجيدة هي التي تعين الإنسان على أن يدرك وجوه المعاني.
آه، إذاً من علامات السليقة والملكة الأدبية واللغوية قدرة الإنسان على أن يبيّن المعاني التي يحتملها النص. منها كذلك أن يدرك وجوه الجمال في النص، وليس فقط أن يحس بالجمال فيه، وإنما من تمام الملكة وحسن التأتي قدرة الإنسان على أن يدرك وجوه الجمال في النص. ولذلك أصحاب الملكة الرفيعة كعبد القاهر الجرجاني وغيره، من بعض ما سنذكر بعد قليل، تجدون عندهم عجباً في قدرتهم على بيان وجه الجمال في النص.
مثلاً عبد القاهر رحمه الله وقف عند قوله تعالى: أَأَنتَ فَعَلْتَ هَٰذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ. وجه البلاغة والجمال في الآية ما هو؟ هو كما بين عبد القاهر أن الله لم يقل: أفعلت هذا بالهتنا يا إبراهيم؟ وإنما قال جل جلاله: أَأَنتَ فَعَلْتَ هَٰذَا، فقدم الفاعل، وجعل الهمزة متصلة بالاسم الذي هو الفاعل وليس بالفعل. ليش؟ لأن الفعل ثابت، أحسنت. وذلك أن الهمزة إنما تدخل على المسؤول عنه.
وفي حادثة إبراهيم لم يكن السؤال عن الفعل، هل فعل أم لم يفعل؟ كان السؤال عن من الفاعل، وأما الفعل فكما ذكر الإخوة الفضلاء ثابت. ولذلك إذا قلت لإنسان: أقرأت الكتاب أم مزقت هذه الصفحة؟ كان السؤال سؤال من لا يعرف هل مزقت أو لم؟ لكن: أأنت مزقت هذه الصفحة؟ معناه أن صفحة ممزقة موجودة وأنها إنما أسأل عن الفاعل. فإدراك هذه الزاوية أيضاً أثر من أثر الملكة في هذا الباب.
الجرجاني لما وقف على قول امرئ القيس: كَأَنَّ قُلُوبَ الطَّيْرِ رَطْبًا وَيَابِسًا، لَدَى وِكْرِهَا العُنَّابُ وَالحَشَفُ البَالِي. امرؤ القيس يصف العقاب المفترس الذي يأكل الطيور يأتي بها إلى عشه، فينقر منها ما ينقر وتبقى قلوبها، فمن كثرة ما يأكل تأتي بعد وقت فتلقى قلوب أكلت طيورها من زمن فهي أصبحت جافة، وطيور أخرى ما زالت رطبة، فشبه الجافة بالحشف البالي وشبه الرطب بالعناب.
لكن عبد القاهر لما أراد أن يبين وجه الجمال قال: الجمال في البيت ليس في التشبيه فقط، بل هو في أن يزاوج بين معنيين في وقت واحد، بين تشبيهين في تشبيه واحد.
كأن قلوب الطير، باصات صاد أربعة آلاف وواحد وسبعين، سيارة يارس، كان أحد الإخوة هو صاحبها فأرجو أن يتفضل. يعطيك العافية.
أيضاً قال: ومن وجوه الجمال أن تزاوج بين معنيين في الشرط والجزاء معاً. إذا ما نهى الناهي فلج بي الهوى، أصاخت إلى الواشي فلج بها الهجر. وجعل شرطين في بيت وجوابين في شطر، عفواً، وجوابين، وهكذا.
وأمثلة كثيرة سأتجاوزها لأجل الوقت، لكن أختم منها بمثال واحد يبين النقطة التي أشرت إليها، وهي دقة إدراك وجه الجمال وأن هذا من أثر السليقة. بشار بن برد صاحبنا أنشد قصيدة يقول فيها: بكر صاحبي قبل الهجير، إن ذاك النجاح في التبكير. بكر صاحبي قبل الهجير، إن ذاك النجاح في التبكير.
تأملوا في مواقف مع هذا البيت، قال: وتأملوا كيف استخدم (إن)، ولولا استخدامه لانقطع البيت. لو قال: بكر صاحبي قبل الهجير، النجاح في التبكير. المعنى مفكوك، في شيء ناقص في حلقة. فلما قال: إن ذاك النجاح في التبكير، ربط.
لكن أدق من هذا أنه جاءه رجل يوماً لبشار قال: يا بشار، أنت قلت: بكر صاحبي قبل الهجير، إن ذاك النجاح في التبكير، ولو قلت: صاحبي قبل الهجير بكراً فالنجاح في التبكير لكان أحسن. السلام عليكم. يعني أجمل؟ ولا الأول؟ ربما من الأول إلى الثاني أرق، لكن بشار ذكي. قال: إنما أرادتها قصيدة بدوية، قلت: إن ذاك النجاح في التبكير، ولو أردت رقة الحاضرة لقلت: بكراً فالنجاح. غريب تهديه رحمه الله إلى دقة المعاني.
فإذاً الفكرة الآن أيها الإخوة أننا قلنا إن التعاطي مع الأدب والقراءة الأدبية شقان: شق معرفة، وشق ملكة أو سليقة، وبين الفرق بينهما وادراك الأوائل للفرق. وخصصنا السليقة بقليل من الحديث في بيان علاماتها، لأن المعرفة معروفة أنك تحفظ وتحصل المعلومات. لكن السليقة ينبغي أن ندرك بعض دلالاتها وعلاماتها التي يعرف الإنسان بها مقدار حظه من هذه السليقة.
بقي سؤال مهم جداً: كيف السبيل إلى المعرفة؟ وكيف السبيل إلى الملكة أو السليقة؟ وهذان السؤالان اللذان لا يمكن أن يستقلا بجوابهما أحد استقلالاً كاملاً، وإنما كل من يتكلم في هذا الباب يضع بعض الإشارات والإضاءات والصور والعلامات. لكن بشكل عام للمعرفة سبيلان، وللملكة سبيلان، أذكرهما عنوانين ثم أ فصل في أشياء أخرى. سبيل المعرفة: الحفظ والفهم، وسبيل الملكة: الدربة وطول الوقت.
هذي أربع قواعد أصول اجعلها في ذهنك. سبيل المعرفة الحفظ والفهم، بقدر ما تحفظ من المسائل وتفهم هذه المسائل تقع لك المعرفة الصحيحة المحررة النافعة الجيدة. أما الملكة فسبيلها الدربة وطول الوقت، بقدر ما تتدرب وتتمرن على نحو بعض ما سأذكر، وتطعي نفسك فرصة من الوقت ولا تستعجل، بقدر ما تبنى عندك الملكة.
وإنما أُوتيت ملكات الناس اليوم من نقص هذين: أما من عدم التدريب، وتوقع الإنسان أن تأتيه الملكة هكذا -بعض الناس قد يرزقهم الله، لكن ليس هذا هو الأصل- أو من العجلة، فيشتغل الإنسان بالأدب اليوم ويريد أن يصبح صاحب ملكة عظيمة غدا.
وقد كان الشيخ الطنطاوي رحمه الله يقول في ذكرياته: إن أحدنا كان يقرأ كذا، ويحفظ كذا، ويتقن كذا، ويكتب كذا مئة مقالة وكذا، ثم يحبر مقالة يسهر فيها الليالي ويتعب فيها عينيه، ثم لا يكاد يطمع أن تنشر في بريد القراء. وأحدنا اليوم يكتب مقالته عفو الخاطر، وقد أعيا ذهنه ونفسه من الأدب، ويريد ولا يرضى حتى تكون في الصفحة الأولى، عشان يكون يعني أعطاه الناس حقه وقدره.
ولما كتب الرافعي رحمه الله نصائحه الجيدة لأبي رية -وكتابه مطبوع رسائل الرافعي لأبي رية- قال له في ضمن ما قال: إن على من يريد أن يكون أديباً أن يحبس نفسه، أو أن يحكم على نفسه بعشر سنوات من الأشغال الشاقة في سجن الجاحظ أو ابن المقفع، فلعله أن يكون بعد ذلك أديباً. وكان يقول لأبي رية: إذا اشتغلت بالأدب فلا تنظر إلى الوقت. قال: فإذا أسقطت عامل الزمان من حسابك، أوشك أن يجيء اليوم الذي ينبلج فيه فجر مجدك.
هذه نقطة يجب أن تكون حاضرة، الدربة تحتاج إلى، أو السليقة والملكة تحتاج إلى دربة وإلى صبر وطول وقت وعدم استعجال. إذا لم تستعجل وأعطيت التدريب حقه، فإنك تصل في النهاية، في يوم ما ستصل، وربما لا تشعر أثناء الطريق بمقدار التحسن الذي تحسنه، حتى تفاجأ بعد وقت أنك أصبحت على منزلة حسنة.
فإذاً هذه أفكار مركزية فيما يتعلق بموضوع المعرفة وموضوع الدربة. بعد ذلك سأفصل قليلاً وسأتكلم في المحور التالي أو الثاني عن الطريق إلى المعرفة.
سأشير إلى أصول المعارف في الجانب الأدبي، وبعض المقترحات فيما يتعلق بها من الكتب حتى يعني تكون كالإضاءات كما قلت في باب المعرفة. كما أسلفت أيضاً، كل ما يقال في هذا الباب اجتهادات، وأمور فيها قدر كبير من نظري الشخصي والاجتهاد والتقدير الذاتي الذي يختلف من شخص إلى آخر، ولن يستقل أحد بجواب تام في هذه الأمور، لكن هي إضاءات.
عندنا بالنسبة للمعرفة في الجانب الأدبي بمعناه الواسع الذي ذكرت عدة أمور: أولاً، معرفة قوانين النحو والصرف، وهي القاعدة الصلبة التي يبنى عليها الكلام. والكتب في النحو والصرف كثيرة جداً، سأذكر أسماء مقترحة ترتيبها تقريبا تدريجي تقريباً، ولكن لن أتكلم عن مرحلة أولى وثانية. التحفة السنية في شرح المقدمة الآجرومية للأستاذ محي الدين عبد الحميد رحمه الله، مطبوع ومنتشر جداً، من الكتب الجيدة التي يمكن أن يبدأ بها في النحو. أنا شخصياً لا أرتتاح كثيراً لطريقة المرفوعات والمنصوبات والمجرورات، لكن هذا الكتاب في مجمله رغم قيامه على هذا التقسيم جيد، ومع حواشي عبد الحميد وشرحي استكمل أصول المسائل في النحو، وكتاب صغير ولطيف وأظنه سهل الفهم ودانيًا، يمكن أن يكون قاعدة جيدة فيما يتعلق بمعرفة النحوية. التحفة السنية بشرح المقدمة الآجرومية محي الدين عبد الحميد.
لدينا كذلك شرح قطر الندى وبل الصدى، وهو كتاب مشهور معروف وهو المقرر في معظم الجامعات على الأقل عندنا في المملكة العربية السعودية. شرح قطر الندى وبل الصدى وهو عبارة عن كتابين: متن قطر الندى وبل الصدى وشرح، وكلاهما لابن هشام الأنصاري رحمه الله، وعلى النسخة المطبوعة منه تعليقات وتحشيات أيضاً لمحمد محي الدين عبد الحميد. تفضلي آه.
طبعا هو الآن لا ليس هناك شيء ينبغي أن يحفظ وينبغي أن يفهم، ما يحفظه ينبغي أن يفهم، والذي تفهمه إذا حفظته كان أرسخ. أنا قصدت أنه لا يتصور الإنسان يمكن يستغني بالحفظ ويمكن أن يستغني بالفهم، في جانب المعرفة لابد لك أن تجمع بين الحفظ وبين الفهم. فعندما نقول هذه الكتب مثلا فيها مسائل يجب أن تحفظها يجب أن تفهمها حتى تكون حاضرة في الذهن.
عندنا بعد بعد شرح قطر الندى وبل الصدى مدرسة الألفية، ألفية ابن مالك، شروح الكثيرة التي دارت حولها، فأي شرح منها نافع. إن شئتم شروح متأخرة شرح أخينا الدكتور عبد العزيز الحربي اسمه إرشاد السالك، إن شئتم شرح ابن عقيل المشهور المتداول، شرح السيوطي وهو أيضاً مطبوع، المهم أي شيء من إن شئتم شرح للأشموني وهو من الشروح الجيدة أيضاً، هذه كلها شروح للألفية نافعة وجيدة ومفيدة.
أذكر بعد ذلك كتاباً نافعاً مهمّاً، وهو النحو الوافي للأستاذ عباس حسن. نحو الوافي كتاب معاصر، ربما ليس له صيت ذائع لكنه معروف عند المختصين، وهو من أنفع الكتب المعاصرة لاستيفائه واستقصائه وححسن ترتيبه وسهولة عبارته، ينفع للإفهام. يعني إذا كنت تحفظ باباً مثلاً في الألفية ولا في كذا ولم تفهمه جيدا، اقرأه في نحو الوافي ستفهمه جيدا.
هذا الكتاب قسمه صاحبه تقسيماً لطيفاً، أولا قسمه إلى أبواب، أبواب النحو المعروفة، وداخل كل باب قسم الباب إلى مسائل وأعطى كل مسألة رقماً، المسألة رقم واحد وستين ترقيم من أول الكتاب إلى آخره، أعطاها رقماً، ثم داخل كل مسألة يتكلم فيها ثلاث مرات أو على ثلاث مستويات، يشرحها شرحا متوسطا يناسب طلاب الجامعة. ثم على هامش هذا الشرح في الهامش تحت يذكر بعض الإضافات والتفريعات التي تزيد فهماً وبياناً، ثم إذا انتهى من هذا يعقد مبحثا يسميه تفصيل وزيادة، يذكر فيه الدقائق والامور التي لا تهم إلا المتخصصين في هذا الفن، فبالتالي يتناول كل باب على ثلاث مستويات: المستوى الذي يناسب طالب الجامعة أو الدارس أو طالب العلم العادي وكذا، ومستوى يناسب الذي يريد مزيد تبين، ومستوى يناسب الذي يبحث عن الخلاف العالي والدقيق والتخصصي وكذا، ولذلك ذكرت أنه كتاب يصلح لعدة في عدة مستويات.
فهذه الكتب الأربعة: التحفة السنية، وشرح قطر الندى، ومدرسة الألفية وكتبها كثيرة جداً، والنحو الوافي، كافية لأن تصنع قاعدة معرفية جيدة في النحو. طبعا هل تحتاج معها إلى شيخ أو لا تحتاج؟ هذا راجع إلى مستوَاك، إلى قدرتك على الفهم، إلى خلفيتك السابقة. لكن في النهاية الإحاطة بمضامين هذه الكتب أو بعضها كفيل بأن يعطيك قاعدة معرفية، أتكلم عن المعرفة وليس على الملكة أو السليقة، جيدة جداً فيما يتعلق بالنحو. وأما بالصرف فمن الكتب المعاصرة المتأخرة الجيدة السلسة نوعاً ما، والصرف شوية فيه بعض، تصريف الأسماء والأفعال لفخر الدين قباوة، تصريف الأسماء والأفعال لفخر الدين قباوة، وكذلك الكتابان المقرران في الجامعة الإسلامية: تصريف الأسماء، آخر تسليم من الأفعال، اللهم يا عبد الحميد عنتر أو محمد عنتر والله نشيد سمو الأول، كتب جيدة ولطيفة. هذه القائمة تعطي معرفة صالحة فيما يتعلق بالنحو والصرف.
الجانب الثاني في المعرفة الأدبية: معرفة اللغة ودلالات الألفاظ، أن تعرف الدلالة الصحيحة للكلمة ومعناها ومأخذها وكيف تستخدمها العرب في كلامها، وهو باب مهم جداً تقع الغفلة عنه، لذلك تستخدم الألفاظ أحياناً في غير مدلولاتها. والذي يفيدك في هذا الباب مجموعة من الكتب، منها مختار الصحاح شاب صغير للرازي، هو عبارة عن ملخص من معجم الصحاح للجوهري، مطبوع مجلد صغير، ينفع أن يكون معجماً قريباً دانياً للمراجعة السريعة اسمه مختار الصحاح، ويلحق به وهو أكبر قليلاً المعجم الوسيط الذي أعده مجمع اللغة العربية، وكلها أسماء معروفة أظنها جديدة عليكم. المعجم الوسيط أوسع قليلاً من المختار، ويزيد عليه فيما يتعلق بالألفاظ المحدثة التي أقرها المجمع مؤخراً أو استخدمها الأدباء المتأخرون، ولكن الصحاح من حيث أصالة ما فيه طبعا أقدم وأصح وأثبت.
فهذان المعجمان في تقديري يعطيان القاعدة الحسنة الجيدة ويصلحان للقراءة السردية، يمكن أن تقرأه كاملاً لتطلع عليه، ويمكن أن تجعله مرجعاً عند الرجوع. ثم إذا أضفت إليها كمرجع تاج العروس المعجم الكبير، فقد صار عندك مكتبة ممتازة جداً تقرأ مختار الصحاح، وتقلب المعجم الوسيط، وترجع إلى تاج العروس إذا أردت تفصيلاً لدلالة المعنى أو أو الكلمة.
لكن هناك في الحقيقة كتب أخرى غير المعاجم مهمة جداً في معرفة الألفاظ ودقائقها، منها الكتاب الذائع أيضاً فقه اللغة وسر العربية للثعالبي. هذا الكتاب فكرة صاحبه فيه أنه قسمه على موضوعات، وفي كل موضوع من الموضوعات حاول أن يجمع الألفاظ الذي التي تدل عليه، وأن يفرق بين المتشابه منها، فهو أشبه بمعجم موضوعي وليس معجما أبجدياً. الصحاح أو الوسيط أو تاج العروس أو لسان العرب، وكلها معاجم أبجدية رتبت فيها المواد بحسب الحروف، لكن فقه اللغة بحسب المعاني، مثلاً ما جاء في البكور يذكر لك الألفاظ التي تدل على البكور بترتيب الزمان من طلوع الشمس إلى ضحوة النهار مثلاً. ما جاء في أعمال الإنسان، هذا يسمى الطفل إذا كان صغيراً، ثم إذا كبر ماذا يسمى، ثم إذا كبر ماذا يسمى، حتى يستوفي شيخا أو كهلا ويموت بعد ذلك. وهكذا مثلاً في اوقات الأصيل، قبل غروب الشمس متى يسمى أصيلاً وماذا يكون إذا تحركت الشمس ماذا، وهكذا ففصل كثيراً من المعاني في أعضاء الإنسان في جسده في ما يحيط به، فلذلك هو يقدم ثروة لفظية معجمية على مستوى المعنى يفيد جداً في التفريق بين دلالات الألفاظ ويعطيك اللفظة المناسبة في كثير من الأحيان المعنى الذي تريد أن تقوله.
أيضاً هناك كتاب في تقديري وفي غاية الأهمية والنفع والفائدة، على أن شهرته ليست عريضة كشهرة ما سبق، وهو كتاب الزاهر في معاني كلمات الناس، الزاهر في معاني كلمات الناس لأبي بكر الأنباري رحمه الله العالم الشهير الجليل. هذا الكتاب فكرته أنه عمد إلى ما يدور على ألسنة الناس من ألفاظ وتراكيب، وحاول أن يشرحها ويبين أصلها ومأخذها في مجلدين في كثير مما نستخدمه في كلامنا. مثلاً نحن نقول اليوم في كلامنا في الأمر مندوحة، أو نروي الأثر الذي يقول في المعاريض مندوحة عن الكذب، طيب ما معنى ممدوحة؟ طيب من أين جاءت؟ قالوا مأخوذ من قولهم ندحت الشيء إذا وسعته، مثلاً فبين لك أصل المعنى. مثلاً نحن نقول في الكلام لأرينك الكواكب بالنهار، من أين جاء هذا المعنى؟
قالوا معناه: أني سأغمك وأنغص عليك حتى يصير نهارك ليلا، تكاد ترى الكواكب؛ لأن الكواكب لا ترى إلا في الليل. رجل مسكين، لماذا سمي المسكين مسكينا؟ لأن فقره وذلته توجب سكونه، فلا يقدر على الحركة ولا يقدر على الذهاب والإياب، فسمي مسكينا من هذه الجهة. لماذا سمي الرجل سخيفا؟ سخيف، لماذا سمي سخيفا؟ لأن السخيف في أصل اللغة هو الخفيف الذي لا تثبت معه، الخفيف الذي لا، ولذلك يقولون في الجائع: به سخفة من الجوع؛ لأن الجوع يجعله يعني يقفز، فمن هنا سمي السخيف ضعيف الرأي سخيفا؛ لأنه لا يتثبت ولا يتبين ولا ولا يستقر على رأيه.
دائما نقول: هما سيان، يعني متشابهان. من أين جاء هذا المعنى؟ قال: لأن سيان مثنى سي، وفي اللغة هو الشبيه، يعني شبيهان، يعني هما مثيلان. وهكذا في كم كبير جدا مما يدور على الألسنة من الألفاظ يرده إلى أصوله. شرح شرحا طويلا، مثلا: لا دريت ولا تليت في حديث منكر ونكير، ما معنى تليت؟ والاحتمالات خمس احتمالات ذكر فيه وكذا، فهو كتاب نافع جدا في تحقيق المعاني والالفاظ ومعرفة مدلولاتها وأصولها.
أيضا مما يلحق بهذا الباب المعرفي، وهو معرفة الألفاظ وضبطها ودلالاتها: الألفاظ الكتابية للهمذاني، وهو كتاب مبني على المعاني لكن على مستوى التراكيب وليس الألفاظ. فمثلا يقول لك في حالة التعزية: الألفاظ المأثورة عن العرب في التعزية كذا وكذا وكذا وكذا وكذا. في حالة الاعتذار، في حالة مثلا إبلاغ المرء بما يكره، في حالة الفخر، في حالة كذا؛ ويأتي بالتراكيب الصغيرة: الكلمة والكلمتان والثلاث والجمل الصغيرة والألفاظ المفردة المستخدمة في هذا المعنى، فينمي رصيدك اللغوي من جهة المعاني والدلالات. فهو إلى حد ما قريب من فقه اللغة للثعالبي لكن مع زيادة التراكيب في الأبواب التي يذكرها.
اه، هناك كتاب مفيد لحل مشكلة المذكر والمؤنث؛ لأنه كثير من الألفاظ يشتبه على الإنسان هل هي مذكر أو مؤنث؟ في كتب معاصرة جاءت، كثير كتب التذكير والتأنيث، لكن الدكتور إيميل يعقوب له مجلد اسمه: المفصل في المذكر والمؤنث، جمع فيه تقريبا كل كتب المذكر والمؤنث السابقة، كل ما ذكر العلماء فيه تذكيرا أو تأنيثا ذكره، وقال: هذا قال فلان إنه مذكر، وقال فلان إنه مؤنث، أو أجمعوا أنه مذكر، أو أجمعوا أنه وانه. فهو مفيد جدا في مشكلة في التذكير والتأنيث التي تعرض لنا. هذه الكوكبة من الكتب جيدة ونافعة في هذا الباب المعرفي، وهو ضبط دلالات الألفاظ، ومعرفة مدلولاتها، ومعرفة كيفية كيف استخدامها في الكلام، وأيضا زيادة الرصيد اللغوي الذي يستعين به الإنسان على مستوى المفردات عندما يتكلم أو عندما يكتب.
أيضا من أبواب المعرفة الأدبية المهمة: معرفة أمثال العرب وأيامهم وأخبارهم؛ لأن هذا يعطيك فهما أوسع لأشعارهم، ويعطيك فهما أكبر لمقاصدهم من في قصائدهم، ويعطيك أيضا من الشواهد الأمثال التي تستعين بها في كلامك الشيء الكثير جدا. وليس في كلام العرب كما قالوا ما هو أشد اختصارا من أمثالهم، ولا ألطف في الإشارة إلى المقصودة منها، والذي عنده رصيد جيد من الأمثال ينعكس هذا على كلامه وحديثه وبيانه وكتابته. وفي هذا الباب أيضا مجموعة كتب يمكن أن يشار إليها، منها الكتاب المعروف: مجمع الأمثال للميداني، مطبوع في جزئين في مجلد واحد، وأظن له طبعة في مجلدين. مجمع الأمثال، وقد يرى البعض أن جمهرة الأمثال للعسكري أولى، يعني قريب بعضهما من بعض، هو كتاب حافل أو هما كتابان حافلان جمعا كثيرا من أمثال العرب، ومع كل مثل يذكرون مضربه القصة التي قيل فيها المثل، اه، يذكرون قائله ومضربه، يعني القصة التي قيل فيها المثل، والحالة التي يستخدم فيها المثل أو يضرب فيها المثل.
اه، في باب الأمثال والأيام والأخبار أيضا كتاب معاصر أو ثلاثة كتب معاصرة لمجموعة من الباحثين المصريين، واحد اسمه: قصص العرب، وواحد اسمه: أيام العرب في الجاهلية، وواحد اسمه: أيام العرب في الإسلام. أظن كلها أربعة، نسيت والله أسماءهم الآن، سبحان الله، غاب عني الحجاوي وآخرون. ربما لا تجدون بهذا الاسم إلا هذه، ما أظن أن هناك كتب مشابهة في الأسماء. قصص العرب في أربع مجلدات، وأيام العرب في الجاهلية في مجلد، وأيام العرب في الإسلام في مجلد، فيهما يعني بالعامية معظم سواليف القوم، حروبهم ومعاركهم، وبكر مع تغلب ومدري مين مع مدري مين، ومع من قاتل من، وانتصر فلان على فلان، وقال فلان في هذه المعركة كذا، وقال فلان في كذا، كل ذلك مستوفى إلى حد كبير. وفي قصص العرب تفصيل أكثر، فهناك قصص عن كرمهم، وقصص عن طباعهم، وقصص عن شياطينهم، وقصص عن آآ عاداتهم وطبائعهم. وميزة هذه القصص كلها أيضا أنها مسوقة بلغة المصنفين الأوائل؛ إذا أخذت القصة من الأغاني تركت بلغة صاحب الأغاني، إذا أخذت من مثلا معجم الأدباء تركت بلغة ياقوت الحموي، وهكذا، فتبقى لغة القوم الأولى موجودة وحاضرة. فهذه المجموعة من الكتب تعطي رصيدا معرفيا ممتازا فيما يتعلق بأمثال العرب وأخبارها وأيامها ومعاركها ونحو ذلك.
الجانب التالي من المعرفة هو معرفة موازين الكلام، وأقصد بموازين الكلام يعني مسائل البلاغة التي تعرف بها الاستعارة والكناية ونحو ذلك. ويعني أنا أعلم أن هناك أمورا جرت العادة بأن تذكر في هذا الباب، لكن سأذكر ما أراه أنا، والمسألة يعني كما قلت فيها اجتهاد. هناك سلسلة معاصرة صغيرة اسمها: البلاغة في ثوبها الجديد. وتذكروا أني أتكلم في كل هذا عن الرصيد المعرفي وليس عن الملكة. سلسلة اسمها: البلاغة في ثوبها الجديد، ثلاث أجزاء: المعاني، البيان، البديع، للدكتور بكري شيخ أمين، دار العلم للملايين فيما أذكر. هذه السلسلة هي تناول مبسط لأبواب البلاغة المعروفة، وميزتها أنها من أفضل ما وجدته في سهولة اللغة ووضوح العرض، بحيث يكاد الإنسان يقرأ ويفهم ما يحتاج لا إلى شرح ولا إلى بيان. أقرأ كلامه عن الاستعارة، عن التشبيه، عن مثلا في البديع عن الجناس وعن التصريع، يقرأ عن الحصر، عن التقديم والتأخير، عن الحذف في مسائل البيان، وهكذا، فهي مفيدة جدا لمن لم يكن له مساس من قبل بمسائل البلاغة، سيقرأ وسيفهم كثيرا من المذكور.
اه، تليها بعد ذلك سلسلة أخرى أيضا معاصرة، ليس فيها كبير أمر سوى أنها أوسع قليلا من اختها: سلسلة الدكتور عبد العزيز عتيق، أيضا علم البيان وعلم المعاني وعلم البديع. هاتان السلسلتان التقليديتان يعني المعارف التي فيها معارف أساسية وأولية، الأولى بعبارة أبسط وتفصيل أقل، الثانية بعبارة أعلى قليلا وتفصيل أكثر. لكن الذي قد قرأ هذه الأشياء وعنده خلفية عن وسائل البيان ومسائل البديع ومسائل المعاني، فلینتقل للاشتغال بسلسلة الدكتور محمد أبو موسى: دلالات التراكيب، خصائص التراكيب، وكلاهما في علم البيان، فعل المعاني أسف، والتصوير البياني في علم البيان، ولم يكتب في البديع شيئا، والبديع أمره سهل. دلالات التراكيب، وخصائص التراكيب، والتصوير البياني، ستجد فيها مسائل البلاغة معروضة على وجه يا ألذ، أو يعني يلذ لك وتطرب له، رجل صاحب قلم بليغ، صاحب تناول جيد، وصاحب تعامل رفيع مع النصوص. إضافة إلى روح عربية عالية جدا وحماسة للغة ولآدابها وتراثها، يعني يجعلك تنتفض وأنت تقرأ له في مقدماته أو في مسائله، لكنه يصلح كما قلت لمن عرف شيئا من أصول المسائل، عرف ما هو التشبيه؟ ما هي الاستعارة؟ ما هي الكناية؟ ما كذا؟ ثم إذا قرأ في هذه سيجد فائدة كبيرة جدا.
ثم بعد ذلك جيء الكتابان العمدتان كما يقال: أسرار البلاغة ودلائل ودلائل الإعجاز. ودلائل الإعجاز له مزية على ما سبق أنه له دور أيضا في تربية الملكة إضافة إلى المعرفة، وسأذكر ذلك لاحقا. بعض الزملاء كانوا يسألوني عن عقود الجمال للسيوطي وبعض المنظومات، أيها الأخوة، كل كتاب يجمع مسائل أي علم مفيد وجيد، والمسألة في النهاية المهم أن تستوعب المسائل، قرأتها في هذا الكتاب أو في ذاك، حفظت هذا المتن أو ذاك. بعض الناس مولع بحفظ الأراجيز فالأحسن له أن يأخذ أرجوزة ويحفظ، بعض الناس ليس مولعا بحفظ الأراجيز يريد أن يحفظ المسائل كما هي فيجدها واضحة في كتاب نثري فيحفظها ويستوعبها. المهم أن تحصل المعرفة، المهم أن تحصل المعرفة والمسائل الأصول في هذا الفن الذي ذكرته.
طيب، بعد ذلك يأتينا باب آخر من المعرفة، وهو باب معرفة أخبار الشعراء والأدباء. تعرف من هم شعراء الأمة الكبار؟ ما أشهر ما قالوه من قصائد؟ ما أخبارهم؟ ما أحوالهم؟ بماذا امتاز فلان؟ وبماذا امتاز فلان؟ وهذا جانب معرفي مهم، وله نوع من الصقل للملكة كذلك. الكتب التي تخدم في هذا الباب أيضاً عديدة، سأذكر منها قليلًا، على رأسها معجم الأدباء لياقوت الحموي. كبير، لكنه حافل.
معجم الأدباء لياقوت الحموي، انضم فيه كثير من الشعراء والأدباء، وأكثر من الأدباء، ربما أكثر من الشعراء. وقد كان معتزاً جداً بهذا الكتاب، إلى درجة أنه قال في مقدمته: واعلم أنني لو أعطيت حمر النعم وسودها، ومناقب الملوك وبنودها، لما سرني أن ينسب هذا الكتاب إلى سواي وأن يفوز بقصب سبقه إيما، لما قاسيت في تحصيله من المشقة، وطويت في تكميله من طول الشقة.
لعب فيه تعب شديد، وكان حريصاً عليه إلى درجة أنه لم يعره أحداً حتى أكمله وأتمه وراجعه. ولم يكن يسمح أثناء التأليف لأحد بالاطلاع عليه إلا خواص الناس، يرى أنه مو أي واحد يستاهل يقرأ الكتاب. فلما أتمه وانتهى، أمنه وحرره، أخرجه بعد ذلك للناس. الكتاب الثاني الذي يشبهه أو يقاربه، ويغطي الجانب المغربي كما غطى هذا جانب المشرق، نفح الطيب من غصن الاندلس الرتيب للمقري رحمه الله. وهذا كتاب قائم على قسمين: قسم يسرد كوكبة من شعراء الأندلس وأدبائها، والقسم الثاني خاص بلسان الدين ابن الخطيب الوزير والأديب والشاعر الأندلسي، حيث ذكر أخباره وقصائده وشعره. كتاب قد قيل عنه: من لم يقرأه فليس بأديب، بوفرة ما فيه من المختارات والمنتقيات من أدب أهل الأندلس.
هناك كتاب معاصر، غير شهير ولا ذائع، ولكنه حسن جداً، هو النبوغ المغربي في الأدب العربي. النبوغ المغربي في الأدب العربي للأستاذ الكبير عبد الله قنون رحمه الله. وهذا الكتاب أراد به صاحبه أن يسد ثغرة التعريف بالأدب المغربي في العصر الحديث، يعني القرون المتأخرة. وقد جمع فيه جمعاً هائلاً، ويكفي أن شكيب أرسلان، وهو أمير البيان، قد قدم له بقوله: من لم يطلع على هذا الكتاب فلا يحق له أن يدعي في تاريخ المغرب الأدبي علماً، ولا أن يصدر على حركاته الفكرية حكماً. وهو خلاصة منخولة وزبدة منخوضة، استخلصها صاحبها من مئات الكتب المصنفة، وألوف الأحاديث التي لقفها من لقفها من أفواه العلماء، أخذ عنهم.
فهذه المجموعة من الكتب تغطي قدراً لا بأس به من التعريف بالشعراء والأدباء وبعض الاختيارات. وكما قلت، باب الأدب أوسع من أن يحاط في كتابين أو ثلاثة أو عشرة. الآن، هذا الذي ذكرناه يمكن أن نعتبره إيجازاً لمسألة الطريق إلى المعرفة، لأننا تقريباً تناولنا معظم المعارف المتعلقة بالجانب الأدبي: المعارف النحوية والصرفية، المعرفة البلاغية، المعرفة بالشعراء وتواريخهم وآدابهم، المعرفة بالألفاظ، المعرفة كما قلنا بالأمثال والحكم، المعرفة بأخبار العرب وشعارهم. فهذه مجمل المعارف الأدبية. فإذا أنت في كل معرفة من هذه المعارف حصلت ما تضمنته هذه الكتب أو بعضها، فقد حصلت رصيداً معرفياً جیداً ولا بأس به.
ويبقى بعد ذلك أن نتعرض بالحديث في قليل ما بقي من الوقت، الطريق إلى السليقة، وكيف يمكن للإنسان أن ينمي السليقة. وقد ذكرت آنفاً أن ركن السليقة هما التدريب وطول الوقت، وكل ما سأقوله لن يخرج عن هذين: التدريب وطول الوقت. لكن لاحظوا أن لدينا يمكن أن نقول يعني عدة سلائق: هناك سليقة تتعلق سليقة اللسان، يعني أن تتكلم كلاماً فصيحاً لا تلحن فيه. وهناك سليقة تتعلق بسليقة القلم، يعني أن تكتب كتابة جيدة جميلة. وهناك سليقة تتعلق بسليقة التلقي، أو ما اسميه سليقة التمييز، أن تحسن تمييز المعاني والدلالات على نحو ما أشرنا إليه سابقاً. كيف يمكن أن نحصل حصيلة قدراً من هذه السلائق الثلاث؟
بالنسبة لما يتعلق بسليقة اللسان، أحسن تدريب فيها في ظني هو القراءة الجهرية. القراءة الجهرية المطردة المنتظمة المراجعة تصنع فرقا كبيرا في استقامة اللسان عند الحديث. وهذه القراءة الجهرية لها ثلاثة مراتب: المرتبة الأولى أن يعمد الانسان إلى الكتب المضبوطة بالشكل ضبطاً كاملاً، فيقرؤها ويسجل قراءته ثم يطابق المسموع بما يرى. لماذا هذه المرحلة؟ لأن بعض الناس ليست مشكلته في ألا يعرف المرفوع من المنصوب، مشكلته حتى إذا كانت الكلمة مضبوطة بالشكل لا يستطيع أن يأتي بها. بالتالي علته ليست في السليقة أو الملكة أو الذهن، علته في قدرة اللسان على المتابعة بين الحركات.
فإذا عجز عن تجاوز هذه المرحلة فعلاجه القاعدة النورانية، صحيح. ارجعوا إلى القاعدة النورانية، ويعطيها وقتاً: همزة فتحة همزة كسرة إي، همزة ضمة أُ، همزة فتحة ألف سكون آ، همزة كسرة باء سكون يا سكون بي إي، همزة فتحة ألف سكون ها، وهمزة ضمة واو سكون أُو. وبعد ذلك الكلمات المركبة: قاف ضمة ميم سكون قُم، قاف ضمة ميم سكونها ضمة قُمُوه. أفضل ميم سكون ها ألف ضمة قُلْ هُوَ اللَّهُ وهكذا.
تدريب على القاعدة النورانية أو البغدادية، كلتاهما يعني متقاران نافعة جداً في حل عقدة قدرة اللسان على مجاراة الحركات والقفز عليها لمن يعاني منها. ما معنى له؟ الذي يذهب يدرس النحو والصرف وكذا، وهو إذا وجد الكلمة مضبوطة ما استطاع أن يقرأها، يحرث في بحر لا يصنع شيئاً. عليه أن يبدأ من هنا، أن يتأكد أنه تجاوز هذه المرحلة. إذا كان النص أمامي مضبوطاً بالشكل ضبطاً كاملاً، هل استطيع أن أقرأه على الوجه الصحيح؟ إذا وجدت أنك بهذا الاختبار نجحت فيه، وأكثرنا غالبا لا يعاني فيه، تجاوزهم إلى المرحلة الثانية.
وهي أن تأخذ الكتب المضبوطة نصف ضبط، التي تضبط بعض المهمات وتترك بعضاً ككثير من الكتب. أقرؤها بنفس الطريقة: قراءة جهرية عالية. تسجل هذه القراءة وتقيم أو تقوم هذا التسجيل، إن استطعت بنفسك، وإن شئت مع غيرك من الزملاء الذين قد يكونون أمكن منك في معرفة ذلك. وأنت تراجع هنا، تختبر أيضاً شيئاً من الرصيد المعرفي: طيب لماذا أنا رفعت هذا؟ ولماذا نصبت هذا؟ ولماذا جربت هذا؟ وإذا كنت أخطأت في موضع، طيب لماذا هو خطأ؟ ولماذا كان الصواب فيه كذا؟ تدريب، أعطه وقتاً، ولا تقلق إذا لم تعرف خمسين في المئة الآن، ستعرفها غدا، ستعرف أكثر منها بعد ذلك.
لكن تدرب وخذ وقتك. القراءة الجهرية على هذا الوجه تصنع فصاحة وقدرة على استقامة اللسان وتجنب اللحن، أكثر مما تصنعه دروس كثيرة النحو، على أهمية الجانب المعرفي الذي أشرت إليه. فاذا وجدت انك مع الكتب التي هي مضبوطة نصف ضبط قد أحسنت وأجبت، انتقل إلى الكتب التي لا ضبط فيها بالمرة، وراوح بين درجاتها ما بين كتب معاصرة سهلة وكتب أقدم قد يكون فيها عبارات أصعب أو تراكيب أصعب. وهكذا مع الوقت حتى تشعر أنك تمسك بالكتاب غير المضبوط أياً كانت تراكيبه وعباراته، فتقرأه قراءة سليمة صحيحة.
هل يحصل ذلك؟ يحصل بغير دراسة نحو، يمكن أن يكون بغير دراسة نحو، وإن كانت دراسة النحو تعززه وتقويه. لكن تدرب وخذ وقتك وراجع مع نفسك ومع كما قلت زميلك أو صاحبك أو أستاذك، واصبر على ذلك وقتاً ستجد الفرق. وأنا أذكر لإخواني دائماً تجربة لأحد الزملاء، وهو من خطباء جدة المعروفين، ما أنا بمسميه لكم، وهو خير مني وأفصح مني. لكنه أول ما بدأ الخطاب، الخطاب كان كانت عنده مشكلة كبيرة في الضبط.
وكان يتصل بأخيكم أحياناً العاشرة صباح الجمعة: يا عادل ذاك الوقت، باقي حتى معك يا دكتوراه؟ بقرأ عليك الخطبة. آه بضمة فتحة كسرة، يا ابن الحلال عندي خطبة أنا بشتغل فيها، قال تكفى بس آه. اليوم ما شاء الله يخطب خطابة جيدة، وإن قرأها من ورقة أو حتى ارتجل الحديث ارتجالاً، قد استقام كثيراً جداً. كانت أخطاء بعضها أتعجب منها في الوقت الأول، لكن صنعت الدربة معه شيئاً.
لذلك الدربة دائماً تصنع شيئاً، فخذ وقتاً في تدريب القراءة الجهرية، وستجد أن سليقة اللسان معك تحسنت كثيراً. إذا كنت قد وصلت إلى مرحلة القراءة الجهرية غير المضبوطة بالشكل، فحينئذ يمكن أن تشفعها أو توازيها بالارتجال المطلق، الحديث بغير
ورقة وتجرب أن تزور في ذهنك معنى، وتقول: سأتكلم في هذا المعنى لدقيقة أو دقيقتين كلاماً لا ألحن فيه وأحسن فيه ترتيب الكلام. ولاحظوا أننا هنا في مرحلة سليقة اللسان، بمعنى إقامته على الصواب.
فإن جاءتك في نفس الوقت فالحمد لله ذلك فضل من الله ومنة. فإذا هذا ما يمكن أن نعتبره طريقة إلى سليقة اللسان.
إذا جئنا إلى الباب الثاني وهو سليقة القلم والقدرة على الكتابة الأدبية الجيدة، فلابد أن أشار أولاً إلى نقطة: ما كل الناس كتب الله لهم أن يكونوا شعراء، وما كل الناس كتب الله لهم أن يكونوا كذا. لا يقال هذا تنفيراً أو تزهيداً، ولكنه يقال لوضع النقاط كما يقولون على الحروف. الجاحظ له كلمة جيدة، والله ما أدري أنا قلتها هنا أو لا، لكن خلاصتها يقول في البيان والتبيين: إذا أحدثت شيئاً من الكلام فلا يدفعنك عجبك بنفسه إلى انتحاله. انتحاله يعني أن تقول للناس هذا شعري. ولكن اعرضه على العقلاء والأدباء ضمن كلام الناس، فإن رأيت أبصارهم حدجته، آذانهم التفتت إليه، حينئذ تعرف أنك أحسنت، وإن وجدت أنهم انصرفوا عنه ولم يبالوا فلا تنتحله ولا تفضح نفسك. يقول: ودعه حتى تتحسن وتعرض غيره. واجعل معيارك الذي لا يكذب ولا يخطئ إقبال الناس على ما تقول.
فهذا المقصود منه ما هو؟ المقصود منه أن الرغبة التي تسكن نفوسنا جميعاً بحب إظهار ما لدينا، وبتصوري أننا أدباء وشعراء، لا نريد أن نكبتها، بالعكس نحفزها ونقويها، لكن يجب أن يكون الإنسان واعياً. وقد وجدت في بعض يعني التجارب القصيرة أن بعض الناس خلقه الله كاتباً جيداً، إذاً، ولكنه أبى إلا أن يكون شاعراً رديئاً. إنه مقتنع أن يكتب نثراً، إلا أن يقول شعراً، ويقول شعراً سيئاً لا يفلح فيه ولا تظنه يفلح، لكن عنده قناعة أن الشعر أحسن من النثر فلا يريد أن يكتب، فإذا كتب كتب كتابة جيدة. اعرف أين أنت! فإن الكلام الجيد قيمته فيه وليست في شكله، بعض الناس يخلد برواية وبعضهم بقصيدة وبعضهم بمقالات وبعضهم بخطب وبعضهم، كل إنسان قد هيأه الله لما هيأه له سبحانه وتعالى.
فيجب على الإنسان أن يدرك هذا. فعندما نتكلم عن سليقة القلم والكتابة نحن ندعو الناس إلى أن يبذلوا أقصى الجهد ليحسنوا كتابتهم إلى أقصى ما يمكنهم، هذا لا تراخي فيه. لكن هل أنا أديب أباهي بما أنتج وأستحق أو لا؟ هذي النقطة التي ينبغي أن يكون الإنسان فيها نصيحة لنفسه، وألا يضحك على نفسه؛ لأنه إذا ضحك على نفسه أضحك عليه الناس. الشاعر يقول: لا تعرضن على الرواة قصيدة ما لم تكن بالغت في تهذيبها، وإذا عرضت الشعر غير مهذب عدوه منك وساوساً تهذي بها. إذا لم يقع التهذيب وقع الهذيان، هذا ما يبغى أنتبه له.
في ظل هذا المعنى العام، كيف يصل الإنسان إلى سليقة القلم؟ ابن الأثير رحمه الله في كتابه الذي سأذكره فيما بعد ذكر ثلاثة مراتب للكتابة أو ثلاثة أساليب. قال: الأسلوب الأول أن يعمد الإنسان إلى كلام الفصحاء وشعر الشعراء فينثره ويخلطه بألفاظه هو، ويعيد كتابة المعنى مستفيداً من ألفاظ الشاعر أو الناثر وزائداً عليه شيئاً من ألفاظه هو، يحاول أن يزيد في المعنى أو كذا. قال: والطريقة الثانية أن يعمد الإنسان إلى هذه الأشعار أو النصوص فيحاكيها ولا يأخذ شيئاً من ألفاظها، إنما يحاول بألفاظ أخرى أن يؤدي المعاني الحسنة التي رأى، فيتدرب على التعبير عن هذه المعاني وأمثالها. قالوا: أما الطريقة الثالثة التي لا يثبت لها إلا من أوتي موهبة، قال: أن يحفظ القرآن الكريم كاملاً، ليحفظ قدراً صالحاً من حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ومن أمثال العرب وحكمها، ثم ينطلق في الكتابة فيعثر ويكبو ويستقيم ويعوج، وخليق بمن كان مؤهلا وسلك هذا المسلك أن يفرق له عن طريق في الكتابة لا يشبه فيه أحداً؛ لأنه لم يتقف خطى أحد ولم يسر على أثر.
هذه الطرائق صراحة ابن الأثير للتدريب، وكما ترون في النهاية كلها تدريب، وأنا دائماً أؤكد على أن السليقة أو الملكة تحتاج إلى تدريب ولا تحتاج إلى ادعاء، وليست متوقفة فقط على كثرة المعرفة. قد يقول قائل في الوقت المعاصر إن هناك وجوهأ أخرى من التدريب، وهي أن يمارس الإنسان الكتابة كيفما اتفق ويعرض ويحسن ويصحح ويقابل ويناقش، جيد لا بأس. قد كان أستاذنا الدكتور صالح الزهراني يقول: إنني عودت نفسي ألا أدع كتابة الشعر ولو لم أجد له داعياً، لئلا يهجرني الشعر، فكنت أكتب يقول في كل يوم، ثم قد أرمي نصف ما كتبت، المهم أن الصلاة مع القلم الباقية وصدق.
فإن الذي جرب وتورط مثلي أن ينقطع عن الكتابة فترة سيجد صعوبة بالغة إذا أراد أن يرجع مهما كان موهوباً. وقد قال أبو حيان التوحيدي كلمة بليغة، قال: إن الكلام صلف تياه، لا يذل لمن لا يذل له. كلام فيه كبر، الكلام الجيد والمعاني الشريفة لا تعطي نفسها لأي أحد، وإنما تحتاج إلى من يتذلل لها ويبذل، حتى وهو قريب من قوله: إن العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك. ولذلك كان امرؤ القيس يقول: حدود القوافي عني زياد، زياد غلام جريء جواد، فلما كثرنا وعن نيهان تخيرت منهن بعضاً جياداً، فأعزل مرجانها جانباً وأخذ من درها المستجاب، الشيء الجيد النافع فقط.
فالشاهد أن سليقة الكتابة متوقفة على التدريب، بالمحاكاة، بالمشابهة، بالابتداء، المهم أن تسير على نهج بين، وأن تكون قاسيأ مع نفسك وطالباً القسوة من الآخرين؛ فإن المجاملات في سياق تقويم النصوص لا تنفع. تحتاج أن تكون يعني كما قلت صريحاً مع نفسك وتطلب من الآخرين أيضاً أن يكونوا صرحاء معك. وإذا اكتشفت مع طول الوقت أنك لم تخلق لشيء فلا تبأس، أنك خلقت لغيره، وأن تصير إلى ما خلقت له خير من أن تبقى دائرا فيما لا تحسن.
النقطة الثالثة بالسليقة -الوقت باقي ربع ساعة فقط- هو سليقة التمييز، أن تكون لدى الإنسان الملكة أو القدرة في التمييز بين المعاني. والحقيقة أن سليقة التمييز تخدمها مجموعة من الكتب التي اعتنت بمعالجة النصوص، وإذا أنت قرأتها وأدمِنت قراءتها تعلمت كيف تقيم النصوص. من هذه الكتب الشعر والشعراء لابن قتيبة، أبي محمد عبد الله بن مسلم، صاحب عيون الأخبار، صاحب النص الذي ذكرته لكم. ابن قتيبة ألف كتابه هذا عن الشعراء وأزمانهم وأحوالهم في أشعارهم، وركز كثيراً على ما يستحسن من أشعارهم وما يسترذل منها، ولذلك الكتاب مليء بهذا التحليل للنصوص، أنه أجاد هنا لكذا وأساء هنا لكذا، وهذا المعنى أخذ من فلان، وهذا فلان أخذ من فلان، وفلان أخذ فزاد عليه، وفلان أخذ فنقص منه.
وقد كان في كل ذلك ابن نفسه، لم يقلد أحداً ولم يختر ما اختاره أحد قبله، بل قاله عن نفسه في المقدمة: وما سلكت فيما سلكته من شعر كل شاعر سبيل من قلد أو استحسن باستحسان غيره، ولا نظرت إلى المتقدم منهم بعين الجلال لتقدمه، ولا إلى المتأخر بعين الاحتقار لتأخره، بل نظرت بعين العدل على الفريقين، وأعطيت كلا حظه ووفرت عليه حقه. لذلك الكتاب في دربة جيدة على حسن سليقة التمييز ومعرفة الفروق.
مثل الموشح في المآخذ على الشعراء للمرزباني، الموشح في المآخذ على الشعراء، وهذا كتاب بناه صاحبه على أن يقول عند كل شاعر: ما الذي أخذ العلماء على شعره من المآخذ؟ ففيه دربة عالية جداً في معرفة النقدات، بعضها تكون نقدات لا معنى لها أو فيها تحامل، لا بأس، لكن ستجد في كثير منها دقة العلماء في كيف أن هذا المعنى لم يوفق فيه الشاعر لكذا، وهذا أساء فيه لكذا، وهذا يعلمك الدقة. فإن بليت كثير من الشعر المعاصر عدم الدقة، فقط تحس كلام جميل كذا ولطيف، لكن إذا حققته تجد أن فيه مشكلات كثيرة وربما تعارض أو تضارب في المعاني. مثل هذين الكتابين أيضاً على نفس النهج: العمدة في محاسن الشعر وآدابه لابن رشيق، لابن رشيق القيرواني، العمدة في محاسن الشعر وآدابه. وأيضاً قائم على
هذا المعنى. وقد عقد بابا لفضل الشعر، وأبوابا في فنونه، وفي تفاوت مراتبه، وفي علامات جودته. فهذه الكتب الثلاثة كلها تتعامل مع النصوص، وتعلمك كيف تتلقى النصوص بذائقة أدبية وملكة جيدة، تعرف الجيد منه الرديء.
سأزيد على هذا مجموعة كتب لن أطيل فيها. آه، منها ديوان المعاني لأبي هلال العسكري. وديوان المعاني لأبي هلال العسكري كتاب بوبه على أبواب، وذكر تحت كل باب أحسن ما قيل فيه. الدربة فيه أنك ترى مثلا أحسن ما قاله الشعراء في وصف الشمس، أحسن ما قاله الشعراء في وصف البحر، أحسن ما قاله الشعراء في الاعتذار، من وجهة نظر أبي هلال طبعا. ينظر جانبا من تقييم النص، لا من جهة المآخذ والأخطاء، وإنما من جهة التجويد والتحسين، فيكتمل هذا مع مع ذاك.
لدينا في الحقيقة مجموعة من الكتب المعاصرة التي تعاملت مع نصوص أدبية بعينها تعاملا بديعا، بمعنى تحليل تحليلا نادرا. فككت الألفاظ، راجعت دلالاتها، بينت الصور، بينت وجوه البلاغة على وجه النادر في الحقيقة. أهم كتابين في هذا هما كتاب محمود شاكر رحمه الله، تعرفونهما: نمط صعب ونمط مخيف، وأباطيل وأسمار. ودعوا الأباطيل فإن فيه يعني تفاصيل أخرى كثيرة، لكن نمط صعب ونمط مخيف كتاب كامل أقيم على تحليل وشرح قصيدة واحدة.
اتركوا ما في أوله من الحديث عن العروض وكذا، ربما لا يعجب بعضكم أو لا يناسب، وابدأوا من حيث بدأ يحلل النص ويشرح معانيه، وانظر العجب العاجل الذي فتحه الله على هذا العبد في تحليله للنص واكتشاف مكامن الجمال وتوقعه لمعاني الشاعر وخطرات نفسه، وكيف فكر، وكيف قدر، وكيف قدم وكيف أخر إلى غير ذلك. وآآ مثل النمط الصعب لمحمود شاكر، أنا قلت أباطيل وأسمار سهوا، قصدت المتنبي. محمود شاكر عن المتنبي نمط رفيع من تذوق الشعر، تربية ملكة هذا التذوق وكيف تستطيع أن تستكشف من ديوان شاعر معلومات تاريخية لم يقلها أحد ممن ترجم للشاعر.
فمثلا محمود شاكر من استنباطاته الذائعة التي سببت ارتباكا في ذلك الوقت أو ضجة، أنه زعم أن المتنبي كان يحب أخت سيف الدولة. ولم يقل هذا من المؤرخين أحد؛ من يجرؤ أن يقول في ذلك الوقت؟ يحب أخته الأمين مصيبة! ولكنه استنبط هذا من شعره، وحلل قصائده تحليلا دقيقا، ووقف طويلا عند القصيدة التي رثى فيها أخت سيف الدولة. طبعا هو دائما يرثي أقارب الملوك والامراء الذين نمدحهم إذا ماتوا، لكن قصيدته في أخت سيف الدولة كانت عجيبة جدا: طوى الجزيرة حتى جاءني نبأ فزعت فيه بأمالي إلى الكذب، حتى إذا لم يدع لي صدقي أملا شرقت بالدمع حتى يشرق بي.
كلام واحد عاشق في الواقع! تفطن إلى هذا -بغض النظر عن أيواتفق أو لا يوافق- تفطن إلى أن المتنبي رضع عند العلويين وكان له نسب في العلو، كل ذلك لا من أخبار المؤرخين، وإنما من الديوان والقصائد. ولذلك الكتاب مدرسة جيدة في استكشاف النصوص ومعرفة دلالاتها ووجوه الجمال فيها. آه, يلحق بهذين الكتابين كتاب شيخنا أبي موسى أيضا؛ واحد اسمه قراءة في الأدب القديم، وواحد اسمه قراءة في أحاديث البخاري، وكلاهما تحليل للنصوص. أحدهما يحلل بعض القصائد من الشعر الجاهلي، والآخر يحلل أحاديث تحليل بياني -طبعا- من أحاديث المصطفى صلى الله عليه وسلم، وفي الكتابين أيضا تعامل جيد ورفيع مع النصوص.
كتب كثيرة اخترت ما أظنه أجود، كل هذه الكتب في تقديري تساعد على تنمية ملكة التمييز، وإدراك جماليات النص، ومعرفة وجه الإحسن والإساءة فيه. آآ ساختم زاوية الملكة بعد أذنكم بالإشارة إلى كتابين أعتبرهما مدرستين في التدريب الأدبي بإجمال، ما يتعلق باللسان أو بالقلم أو تمييز. كتابان مليئان بما يعين على الدربة وتنمية السليقة والملكة. أولهما المثل السائر في أدب الكاتب والشاعر لابن الأثير. المثل السائر بأدب الكاتب والشاعر لابن الأثير. كتاب حسن بشر بديع جيد، وصاحبه كان مفتخرا به أكثر من هاللآزم، كان يقول: وهداني الله لابتداع أشياء لم تكن من قبلي مبتدعة، ومنحني درجة الاجتهاد التي لا تكون أقوالها تابعة وإنما متبعة.
والكتاب مليء بالفخر، لكن الحقيقة كتاب جيد جدا. بناه على مقدمة ومقالتين؛ مقدمة تحدث فيها عن أصول البيان، ومقالة تحدث فيها عن الصناعة اللفظية، ومقالة تحدث فيه عن الصناعة المعنوية، مقالة. أبحاث الكتاب أربع مجلدات، ليس بصغيرا. آه، ركز فيها على حاكم الذوق السليم، مثلا في المقدمة بحث آلات علم البيان، الحكم على المعاني، الترجيح بين المعاني، أركان الكتابة، الطريق إلى تعلم الكتابة. في الصناعة اللفظية تكلم عن اللفظ المفردة والألفاظ المركبة وكيف نفرق بينها. في الصناعة المعنوية تكلم مثلا عن قوة اللفظ وقوة المعنى، السرقات الشعرية، أقسام السرقات، وقسمها إلى سلخ ومسخ ونسخ.
الكتاب في مجمله كتاب تدريب، استطيع أن أقول إنه كتاب تدريب أكثر من كونه كتابا يعني يعطيك بعض القواعد النظرية، ولذلك هو كتاب جامع في مسألة تنمية الملكة والذوق. وقد كان الرافعي يقول، وقد كنت شديد الولع به جدا؛ مصطفى صادق الرافعي ذكر في رسائله أن كتاب المثل السائر من أحسن الكتب في التدريب الأدبي، قال: وقد كنت شديد الولع به جدا. هو مطبوع، حققه الدكتور البدوي الدكتور طبانة.
الكتاب الثاني المعاصر؛ الوسيلة الأدبية للعلوم العربية للشيخ حسين المرصفي. وحسين المرصفي كان من أوائل من أسس للدروس الأدبية الذوقية في المعاهد العلمية. فقد كان عادت دروس الأدب في الأزهر وفي كذا أن دروس تقليدية في شرح الألفاظ وتفكيكها، فكانت محاضرات المرصفي في دار العلوم محاضرات تذوقية، يبين فيها جمال النص والتذوق، ويربط الشعر القديم بالحديث وكذا. فجماع هذه المحاضرات هو كتاب الوسيلة الأدبية للعلوم العربية. وقد كان لهذا الكتاب كما يقول الباحثون دور كبير في النهضة الأدبية في القرن التاسع عشر. الدكتور مندور الناقد المعروف اعتبره ركنا أساسيا في النهضة الأدبية المعاصرة. وهو كتاب مليء بالنصوص وبالتعامل معها وتحليلها وبيان وجوه جمالها. وفي ظني والله تعالى أعلم أن المثل السائر لابن الأثير والوسيلة الأدبية للمرصفي مدرستان أدبيتان للسليقة والذوق متكاملتان، يضافان إلى ما ذكرناه تحت كل فرع من فروع السليقة أو الملكة من أشياء معينة قد تخدم هذا الوجه بصفة خاصة.
المحور الأخير -أسمحوا لي أن أختم به- أمر به مرة سريعا؛ ما أسميه محور الذخيرة اللغوية. كل الذي قلناه من المعرفة ومن الملكة ومن التعاطي شيء حسن وممتاز وضروري، لكن يجب أن يكون لك تركيز على التعامل المباشر مع النصوص بعيدا عن من يقول لك هذا نص جيد أو رديء. الذي سبق كما رأيتم إما قواعد معرفية أو تعامل مع كتب تعلمنا كيف نتعاطى مع النصوص وتقول لنا هذا نص جيد ورديء. أريدك بعد هذا أن تتعامل مع الذخيرة اللغوية مباشرة، أن تتعامل مع النص الأدبي مباشرة، تصيب وتخطئ وتعرف وتنكر، المهم ألا تنقطع -كما قال شيخنا أبو موسى يوما- عما قالت العرب وعما قاله العرب.
ولذلك إذا جئنا إلى الذخيرة اللغوية فإن عندنا ما يتعلق بالشعر، وما يتعلق بالمدونات الأدبية، وما يتعلق بالنثر الأدبي، وما يتعلق بالرواية. هذه ربما يعني كان كذا المجالات الرئيسية الأربعة للنصوص الأدبية. آه بالنسبة للشعر، أيضا سأسمي عناوين اجتهادية، أنا أفضل في التعامل مع الشعر دائما التعامل مع المختارات، لأن المختارات هي منتقيات لأفضل ما قيل، وهذا أفضل من التعامل مع الدواوين مباشرة، فديوان كل شاعر فيه الغزو فيه.
هناك مختارات اسمها شاعر وقصيدة لمصطفى طلاس. المجرم الكبير مصطفى طلاس كان وزير الدفاع في أيام حافظ الأسد، واحد الذين ضربوا حماة قاتل، والله ما أدري والله حي ولا ميت، لكن له كتابا حسنا اسمه شاعر وقصيدة. هذا الكتاب عبارة عن اختيار قصيدة واحدة لكل شاعر ذكره، وبدأ فيه من العصر الجاهلي إلى العصر الحديث، ومعظم القصائد التي اختارها قصائد جيدة ومنتقاة وممتازة، والكتاب مطبوع طباعة فاخرة ومكتوب بخط اليد وغريب الكلمات مشروحة، فهو من المنتقيات الأدبية جيدا نافعا.
أيضا من المختارات الممتازة القديمة؛ حماسة أبي تمام. وقد قالوا إن أبا تمام في حماسته أشعر منه في شعره، كان في اختياره أشعر منه في ما نظم من شعر الحماسة. آه ديوان مليء بالمقطعات الجيدة والمنتخبة والمنتقاة، وجدير بالحفظ.
الذي يريد شيئاً من الشعر القديم المنتقى المختار الذي ليس قصائد مطولة، وإنما أكثره مقطعات، فعليه بالحماسة، يجد فيها نصوصاً جيدة وجميلة، ويكفي مثلاً كذا لتغيير الجو.
مثلاً أن تحفظ فيها ما ذكره عن ذلك الرجل من بالعنبر، صاحب ريا الذي يقول في قصيدته: حننت إلى ريا ونفسك باعدت مزارك من ريا وشعباكما معاً. فما حسن أن تأتي الأمر طائعاً وتجزع انداع الصبابة أسمعا. قفا وادع نجداً ومن حل بالحمار، وقلة لنجد عندنا أن تودع بنفس تلك الأرض ما أطيب الربا وما أحسن المصطفى والمتربع. فكت عيني اليسرى فلما زجرتها عن الجهل بعد الحلم أسبلتا معاً، واذكر أيام الصبا ثم تنثني على كبدي من خشية أن تصدع. وليست عشيات الحمى برواجع عليك، ولكن خلي عينيك تدمع.
فالحماسة جديرة بالعناية والاهتمام، ثم جمهرة أشعار العرب لأبي زيد القرشي. أبو زيد القرشي ليس رجلاً مشهوراً، وترجمته شحيحة، ولكنه جمع هذا الكتاب وقسمه أقساماً: قال: أصحاب المعلقات، أصحاب المنتقيات، أصحاب المشروبات، أصحاب الملحمات، وكان ترتيبه في الطبق هذا مبنياً على تقييمه لقيمة القصائد، فكل مجموعة قصائد يجمعها نمط ما، أو شيء ما، أو مستوى فني معين، جعلها في قسم.
وقد جمع في كتابه أيضاً كوكبة من أشهر القصائد العربية في الشعر القديم. من الكتب الجيدة في المختارات الجمهرة، وهو مختارات الجواهري الشاعر العراقي الكبير المعروف المعاصر محمد مهدي الجواهري، له كتاب اسمه الجمهرة أظن مجلدين أو ثلاثة، انتقى فيه انتقاءات من شعر العرب، مقطعات وأبيات مفردة وكذا، أيضاً جيد جداً.
أه، مختارات البارودي معروفة ومطبوعة، وهي على مستوى القصائد وليس المقطعات. أه، فكل هذه الكتب في تقديري من الاختيارات الممتازة. بقي من اختيارات المعاصرين كتاب كتبه الدكتور أحمد الطاهر مكي رحمه الله، توفي قبل أسبوعين أظن، اسمه الشعر الحديث روائعه ومدخل إلى قراءته، أو مدخل إلى قراءته وروائعه، نسيت.
نصفه الأول مقدمة نظرية عن الأدب الحديث والمدارس مفيدة، ونصفه الثاني مختارات لقصائد من الشعر الحديث، أيضاً وفق في اختيارات جيدة جداً، وهو يغطي مرحلة زمنية ربما لا تغطيها كتب الاختيارات السابقة التي ذكرناها. فهذه منظومة من كتب الاختيارات، وكما قلت: الأدب بابه واسع، كلما اتسعت فيه كلما ازددت، لكن هذه المجموعة إذا تعاطيت مع ما فيها من النص الشعري فبيقين ستخرج بثروة أدبية ممتازة.
ثم إذا جئنا إلى مستوى الشعراء والدواوين والأسماء فأقول لكم إنه بالنسبة للشعراء القدامى: اجعل لك حظاً مع أبي تمام، مع المتنبي، مع المعري في سقط الزند خصوصاً أهم من اللزوميات، مع الشريف الرضي، مع البهاء زهير؛ إن هؤلاء سيعطونك مدارس مختلفة وأنماطاً مختلفة من الشعر ولهم بدائع وروائع. المعاصرون: اشتغل بالبارودي، الجواهري، أحمد شوقي، البردوني، بأبي ريشة، نزار قباني في بعض شعره، أقصد البعض من ناحية فنية ما أتكلم لا عن الناحية الأخلاقية وكذا.
أه، هذه مجموعة اسماء ليست كل الشعراء ولا أهم الشعراء بالضرورة، لكنها اسماء أعتقد أنه من المهم للمشتغل بالأدب أن يتعاطى مع أشعارهم مع نصوصهم، ولولا ضيق الوقت يعني تسلينا ببعض نصوصهم لكن ليس هناك.
طيب، الشق الثاني من الذخيرة اللغوية: المدونات الأدبية. أعني الكتب التي جمعت حكماً وآداباً وأمثلةً وشيئاً من خطب العرب وشيئاً من أشعارها وكذا على جهة التنويع، وفيها ثروة وذخيرة لغوية هائلة. لن أُفصّل، سأذكر لكم البيان والتبيين، والأغاني. الأغاني لأبي الفرج لمن بلغ أن يقرأ فيه، يعني موسوعة هائلة جداً، فيها مشاكل كثيرة، فيها فيها بعض الكذب أو كثير من الكذب فيها، لكن فيها ثروة من الشعر والقصائد والأخبار والنصوص الراقية لا يعدلها شيء. ولذلك كان صاحب العباد يقول في مكتبته: مائة وسبعة عشر ألف كتاب ليس فيها من سمير الليث والأغاني.
هو الذي، وكان للصاحب إذا سافر يصطحب معه أباعد كثيرة مليئة بالكتب، لما وصله الأغاني صار يصطحب الأغاني فقط في السفر واستغنى. هذه الكتب، أه، طبعا تعرفون لماذا سمي الأغاني؛ لأنه مبني على الغناء، فهو قد بناه على مئة صوت، مئة لحن اختارها المغنون للرشيد، ثم زاد عليها الموصلي أظن بضعة ألحان، ثم زاد هو، فكان يأتي مثلاً بالصوت والأبيات التي غنيت فيقول: هذه الأبيات غناها فلان على اللحن الفلاني، ثم يأتي المفيد وهو شرح هذه الأبيات وترجمة الشاعر وذكر أخباره وقصصه وطرائفه، ويصبح اللحن الصغير هذا أربع أبيات، عشرة أو عشرين أو ثلاثين صفحة مليئة بالفوائد. فهذان الكتابان مع الأمالي ومع بهجة المجالس من يعني الكتب النافعة جداً فيما سميناه المدونات الأدبية.
النثر الأدبي، المقالات الأدبية التي التعاطي معها أيضاً يصقل الملكة ويربي الذوق. بالنسبة للمقامات، مقامات نوع معين، طريقة معينة في الكتابة، مفيد أن تتعاطى معها، لكنها ليست الكتابة كلها، فيكفيك منها مقامات الحريري. لكن الأساليب الأدبية الحرة المسترسلة: ابن المقفع في الأدب الكبير والصغير وكليلة ودمنة، وكان الرافعي دائم الوصية بابن المقفع وإدمان النظر في كتبه.
أه، أبو حيان التوحيدي سواء في الصداقة والصديق أو في الامتاع والمؤانسة، هؤلاء أصحاب أقلام أدبية عالية، تقرأ لهم نثراً رفيعاً غير نظام المقامات والمشجعات. المنفلوطي في النظرات والعبرات، الشيخ علي الطنطاوي رحمة الله عليه في الذكريات خصوصاً، وصور وخواطر، كل كتبه حسنة لكن الذكريات الخاطر في ظني من أكثر الكتب التي تألق فيها أدبياً. وحي القلم للرافعي تعرفونه، لا أريد أن أصنع له دعاية وهو مدرسة مستقلة. جمهرة مقالات الاستاذ محمود شاكر طبعت مقالاته في مجلدين وفيها نفس أدبي رائق مع ما فيها من المعرفة. هذه مجموعة من الكتب عبارة عن أقلام أدبية راقية تكتب في موضوعات متنوعة، وستفيدك كثيراً في السياق الأدبي.
بالنسبة للرواية، وأختم بهذا الفصل؛ فهو أكثر الأبواب تعقيداً وأكثرها غثاثة أيضاً، لأن كل أحد في الدنيا اليوم كتب رواية، الجالسين في هذه القاعة يمكن فقط كتبوا رواية، واستسهل الناس كتابة الرواية ظناً منهم أنها يعني فن يحسنه كل أحد. أه، لكن مع ذلك فالرواية من حيث هي فن رفيع جداً ومؤثر جداً، وهناك روايات فعلاً يستحق أن يعتنى بها وأن يشتغل بها وأن تقرأ.
لا يا شباب، الروايات يعني واسع والاجتهاد شيء مختلف، وأنا أيضاً ما أمضيت وقتاً كافياً في محاولة النخل والتقليب، لكني سأذكر لكم بعض ما تعاطيت معه من الروايات التي أعتقد أنها ممتازة جداً. هناك سلسلة روايات، ثمان روايات متفرقة مجتمعة، متفرقة عن كل رواية مستقلة، ولكن يجمعها جميعاً عنوان واحد هو: الملهاة الفلسطينية.
الملهاة الفلسطينية لإبراهيم نصر الله، هذه المجموعة من الروايات التي تؤرخ القضية الفلسطينية بزوايا مختلفة لم تكتسب قيمتها من كونها عن فلسطين، لا، اكتسبت قيمتها من البناء الفني الهائل الذي استطاع هذا الرجل أن يبنيه، من يتعاطى معه وعلى رأسها، أه، زمن الخيول البيضاء أول أول رواية في هذه السلسلة زمن الخيول البيضاء، رواية من طراز آسر جداً، لغة وتصويراً وشاعرية وتاريخاً وبكاءً وضحكاً وحزناً وفرحاً، شيء غريب جداً. وهي حكاية لقصة قرية من قرى فلسطين اجتاحها اليهود في وقت من الأوقات، لكن هذا الروائي المبدع استطاع أن يخلق منها عوالم كثيرة، وأن نعيش فترة مع هذا الخيل ومرة مع صاحب الخيل ومرة مع فلان ومرة مع فلان، ووفق فيها توفيقاً بالغاً، وبقية السلسلة كذلك يعني فيها هذا الحسن.
من الرواية التي أظنها جديرة بالقراءة والعناية، أه، رواية وائل لعلي أحمد باكثير، وهي رواية تتضمن تاريخ مظفر قدس وما يتعلق به منذ طفولته، أيضاً وفق فيها توفيقاً بالغاً. رواية الثائر الأحمر أيضاً لباكثير علي أحمد باكثير، وهي تأريخ لمرحلة القرامطة، لفكرهم وفلسفتهم، وكذلك جنايتهم على البيت الحرام وعلى جزيرة العرب، وفيها بعد فلسفي وفكري ممتاز جداً في مناقشة الأفكار والمعاني، فلسفة الملكية ومفهومها ونحو ذلك.
من الروايات التي تستحق القراءة أيضاً العصفورية لغازي القصيبي، في رواية غريبة الشكل لا تخلو من بعض ما قد نستنكره في بعض الأشياء، لكنها بنيت بناءً لطيفاً، وفكرتها المركزية أن رجل العصفورية يعني مستشفى المجانين، المصريون يسمون المصريون يسموه مستشفى المجانين العباسية ولا لا، وفي سوريا والشام ولبنان يسمونها عصفورية، وحنا نسميه شهاب، فالعصفورية يقصد بها مستشفى المجانين وهي تحكي قصة رجل مثقف وعبقري ولكنه جُن وكل الرواية أحاديث.
لهذا المجنون المثقف فيها فلسفة وفيها فكر وفيها تحليلات وأشياء لطيفة من الرواية ذات القيمة الأدبية العالية. ولن أعلق عليها ولن أشرحها لأسباب تعرفونها ولا تعرفونها، مدن الملح لعبد الرحمن المنيف من الروايات التي هي ذات مستوى فني عالي، وأنا أُعالج المستويات الفنية بالدرجة الأولى ولا أركز كثيراً على المضامين. ثلاثية أحلام الحواس وذاكرة الجسد وعابر سبيل، سرير عفوا، ولا سيما فوضى الحواس فيها صنعة أدبية جيدة وفيها تاريخ لمرحلة نضالية في الجزائر.
وفيها من مثل ما ذكره ابن قتيبة رحمه الله في عيون الأخبار. آه هناك رواية والله ما أدري أوصي بها أو لا؛ لأنه فيها وفيها، فيها نمط فني يستحق النظر، وفيها تجاوزات أيضاً تستحق النظر. وهي رواية الخيميائي مترجمة لباولو كويلهو. هذا رجل أخذ جائزة نوبل مؤخراً، رواياته الأخرى لا أوصيكم بها لأن فيها عك كثير. هذي الرواية الوحيدة التي هي أقل عكا كما يقال.
آه لكن فيها فكرة مركزية إنسانية عالية حول القدر المكتوب على الإنسان، وكيف أن الإنسان يسير في الطريق الذي هو مقدر له والذي يحسنه. فيها فيها إبداع وفن عالي وفيها تجاوزات بعضها يرتبط بالجانب العقدي وكذا ينبغي التنبيه عليها، لكنها من الناحية الفنية كما ذكرت لكم. أما باقي رواياته فلا أظنها يعني يستحق أن تشتغلوا بها.
وعموماً باب الروايات كثير، إذا كان أحد يريد كما يقال السلامة، دار رواية التي نشأت مؤخراً تطبع كماً كبيراً من الروايات المحافظة السليمة التي لا إشكال فيها، وهي صالحة وكافية لمن يريد أن يستأنس بالرواية. أما من كان له اشتغال بالرواية أو محاولة أن يكون روائياً أو كان أديباً يمارس الكتابة، فهو بحاجة إلى أن يضرب في كل واد، وأن يصبر على بعض اللأواء والخبث حتى يخرج هو لنا بعد ذلك بالشيء الجيد والمناسب.
نسيت أن أذكر في الحقيقة تجربة أختم بها لشاب من زملائنا وهو الأستاذ صالح الشمراني. صالح الشمراني شاب من أهل الشرقية موهوب، قد طبع إلى الآن ثلاث روايات، ورواياته تستحق القراءة، جميلة فيها صنعة جيدة. منها زوار السفارات، ورواية أميرة، ورواية هاشتاج وطن، علامة الهاشتاج وبعد ذلك. فيها جذب بوليسي عالي وحبكة عالية وفيها أيضاً مغزى آه جميل وبعد تربوي وقيمي عالي.
والرجل موهوب وأتوقع إن شاء الله أن يكون له شأن. لم آخذ في كثير من الروايات ذات القيمة الفنية العالية والتي حول أسماء أصحابها جدل؛ لأنني لا أريد الآن نخوض في الجدل إلا إذا جاء سؤال فقد أعلق عليه. عموماً أيها الإخوة أختم حديثي، تفضل طيب أختم بعدين أسأل. أختم حديثي خلاصة عامة: كل ما ذكرته اليوم هو محاولة لتحقيق أمرَيْن؛ أولاً: أن نشعر أنفسنا بأهمية القراءة الأدبية في مسيرتنا المعرفية، الأمر الثاني: أن نضع مع بعض المعالم والصور في طريق هذه القراءة الأدبية بشقها المعرفي وشقها السليقي أو شق الملكة منها.
فإن يكن في كل هذا الذي قيل ما أوصل هاتين الرسالتين فالحمد لله، وإن لم يكن فعلى الأقل لن يخلو من فائدة هنا أو هناك. ويبقى باب الأدب كما قلنا مفتوحاً وواسعاً ولا يمكن أن يحصر في شيء. صلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الدكتور عادل باناعمة