الحمد لله وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. مجلس الخميس من كتاب تهذيب السنن لأبي داوود، من أول كتاب الأشربة، المجلد الثاني، صفحة 583.
كتاب الأشربة، باب الخمر مما هي: عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من العنب خمرا، وإن من التمر خمرا، وإن من العسل خمرا، وإن من البر خمرا، وإن من الشعير خمرا». وأخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه، وقال الترمذي: غريب، هذا آخر كلامه، وفي إسناده إبراهيم المهاجر البجلي الكوفي، وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة.
وعنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الخمر من العصير والزبيب والتمر والحنطة والشعير والذرة، وإني أنهاكم عن كل مسكر». وفي إسناده أبو حريز، حريز أبو عبد الله بن الحسين الأزدي الكوفي قاضي سجستان، وثقه يحيى بن معين أو أبو زرعة الرازي، واستشهد به البخاري، وتكلم فيه غير واحد، وقد أخرج البخاري ومسلم في الصحيحين عن أن عمر رضي الله عنه خطب على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إنه قد نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة أشياء: العنب، والتمر، والحنطة، والشعير، والعسل، والخمر ما خامر العقل.
الحديث وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الخمر من هاتين الشجرتين»، يعني النخلة والعنبة والعنبة، وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه. قال ابن القيم رحمه الله: وقد أخرجا في الصحيحين عن أنس قال: إن الخمر حرمت، والخمر يومئذ البسر والتمر. قال ابن القيم رحمه الله، وفي صحيح مسلم عن أنس قال: لقد أنزل الله تعالى الآية التي حرم فيها الخمر وما بالمدينة شراب يشرب إلا من تمر.
وفي صحيح البخاري عن أنس قال: حرمت علينا الخمر حين حرمت وما نجد خمر الأعناب إلا قليلا، وعامة خمرنا البسر والتمر. وفي صحيح البخاري أيضا عن ابن عمر قال: نزل تحريم الخمر وما بالمدينة يومئذ لخمسه أشربه، ما فيها شراب العنب، وأخرجه مسلم أيضا.
وفي الصحيحين أيضا عن أنس قال: كنت أسقي أبا عبيدة وأبا طلحة وأبي بن كعب فضيخ زهو وتمر، فجاءهم آت فقال: إن الخمر قد حرمت، فقال أبو طلحة: قم يا أنس فأهرقها. وفي لفظ قال عبد العزيز بن صهيب: قلت لأنس: ما هي؟ قال: بسر ورطب. وفي لفظ الصحيحين عن أنس سألوه عن الفضيخ فقال: ما كان لنا خمر غير فضيخكم هذا الذي تسمونه الفضيخ، وإني لقائم أسقيها أبا طلحة وأبا أيوب رجالا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في بيتنا، إذ جاء رجل فقال: هل بلغكم الخبر؟ فقلنا: لا. فقال: إن الخمر قد حرمت. فقال: يا أنس أهرق هذه القلال. قال: فما راجعوها ولا سألوا عنها بعد خبر الرجل.
فهذه النصوص الصريحة الصحيحة في دخول هذه الأشربة المتخذة من غير العنب في اسم الخمر في اللغة التي نزل بها القرآن وخوطب بها الصحابة مغنية عن التكلف في إثبات تسميتها خمرا بالقياس مع كثرة النزاع فيه. فإذا قد ثبت تسميته خمرا نصا، فتناول لفظ نصوص لها كتناوله لشراب العنب سواء سواء تناولا واحدا، فهذه طريقة قريبة نصوصة سهلة تريح من كلفة القياس في الاسم والقياس في الحكم، جميل.
ثم إن محط القياس الجلي يقتضي التسويّة بينهما، لأن تحريم قليل شراب العنب مجمع عليه وإن لم يسكر، وهذا لأن النفوس لا تقتصر على الحد الذي لا يسكر منه، وقليله يدعو إلى كثيره، وهذا المعنى بعينه في سائر الأشربة المسكرة. فالتفريق بينها في ذلك تفريق بين المتماثلات وهو باطل، فلو لم يكن في المساله القياس لكان كافيا في التحقيق، فكيف وفيها ما ذكرناه من النصوص التي لا مطعن في سندها ولا اشتباه في معناها بل هي صحيحة صريحة، وبالله التوفيق.
باب النهي عن المسكر: عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام، ومن مات وهو يشرب الخمر يدمنها لم يشربها في الآخرة». أخرجه مسلم. وعن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل مخمر خمر، وكل مسكر حرام، ومن شرب مسكرا بخست صلاته أربعين صباحا، فإن تاب تاب الله عليه، فإن عاد الرابعة كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال». قيل: وما طينة الخبال يا رسول الله؟ قال: «صديد أهل النار، ومن سقاه صغيرا لا يعرف حلاله من حرامه كان حقا على الله أن يسقيه من طينة الخبال».
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أسكر كثيره فقليله حرام». وخرجه ابن ماجه والترمذي وقال: حسن غريب من حديث جابر، هذا آخر كلامه، وفي إسناده داوود بن بكر بن أبي الفرات الأشجعي مولاهم المدني، سئل عنه يحيى بن معين فقال: ثقه، وقال أبو حاتم الرازي: لا باس به ليس بالمثين، آخر كلامه. وقد روي هذا الحديث من رواية علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وسعد بن وقاص رضي الله عنه، وعبد الله بن عمر، وعائشة، وخوات بن جبير رضي الله عنهم. وحديث سعد بن أبي وقاص أجودها إسنادا، فإن النسائي رواه في سننه عن محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي وهو أحد الثقات، عن الوليد بن كثير وهو قد احتج به الشيخان، عن الضحاك بن عثمان احتج به مسلم، عن بكير بن عبد الله بن الأشج، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص وقد احتج بهما الشيخان.
قال البزار: وهذا الحديث لا نعلمه يروى عن سعد إلا من هذا الوجه، ورواه عن الضحاك وأسنده جماعة منهم الدراوردي والوليد بن كثير ومحمد بن جعفر بن أبي كثير المدني، آخر كلامه. وتابع محمد بن عبد الله بن عمار عليه أبو سعيد الأشج متفق على الاحتجاج به.
قال ابن القيم رحمه الله: حديث ابن عمر رواه أحمد في مسنده وابن ماجه وصححه الدارقطني، وحديث عبد الله بن عمر رواه أحمد والنسائي، حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. ولا يصح حمل هذه الأحاديث على القليل من القدر المسكر، لأن صريح الحديث يرد، لقوله في حديث عائشة، يرده، لقوله في حديث عائشة: «ما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام». هذا صريح في أن الشراب إذا كان إنما يسكر منه بالفرق، فملء الكف منه حرام مع أنه لا يحصل به سكر. وهذا مراد الأحاديث، فإن الإسكار إنما يحصل بمجموع الشراب الذي يقع به السكر، ومن ظن أنه إنما يقع بالشربة الأخيرة فقد غلط، فإن الشربة الأخيرة إنما أثرت في السكر بانضمامها إلى ما قبلها، ولو انفردت لم تؤثر، فهي كاللقمة الأخيرة في الشبع والمصة الأخيرة من الري وغير ذلك من المسببات التي تحصل عند كمال سببها بالتدريج شيئا فشيئا.
فإذا كان السكر يحصل بقدر معلوم الشراب كان أقل ما يقع عليه الاسم منه حراما، لأنه قليل من الكثير المسكر مع القطع بأنه لا يسكر وحده، وهذا في غاية الوضوح. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن البتع فقال: «كل شراب أسكر حرام». وخرجه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه. وفي رواية: والبتع نبيذ العسل كان أهل اليمن يشربونه.
وعندي من الحميري قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، إنا بأرض باردة نعالج فيها عملا شديدا، وإنا نتخذ شرابا من هذا القمح فنتقوى به على أعمالنا وعلى برد بلادنا. قال: «أيسكر؟» قلت: نعم. قال: «فاجتنبوه». قلت: فإن الناس غير تاركيه. قال: «فإن لم».
يتركوه فقاتلوهم. وعن عاصم بن كليْب، عن أبي بردة، عن أبي موسى -وهو الأشعري- قال: سألتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن شراب من العسل؟ فقال: «ذلك البتُّ». قلت: وينتبذون من الشعير والذرة؟ فقال: «ذلك المِزْرُ، ذاك المِزْرُ». ثم قال: «أخبر قومك، فإن كل مسكر حرام». وقد أخرج البخاري ومسلم نحوَه من حديث سعيد بن أبي بردة عن أبيه.
وعن الوليد بن عبدِه، عن عبد الله بن عمر: أن نبي الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الخمر والميسر والكُوبَة والغُبَيْرَاءِ، وقال: «كل مسكر حرام». الوليد بن عبدِه -الوليد بن عبدِه بالعين المهملة المفتوحة وبعدها باء بواحدة مفتوحة أيضاً- قال أبو حاتم: هو مجهول. وقال ابن يونس في تاريخ المصريين: وليد بن عبدِه مولى عمر بن العاص، روى عنه يزيد بن أبي حبيب، والحديث معلول. ويقال: عمر بن الوليد بن عبدِه، وذكر له هذا الحديث، وذكر أن وفاته سنة مئة أو ذكر هكذا وقع في رواية الهاشمي عبد الله بن عمر، والذي وقع في رواية ابن العبد عن أبي داود: عبد الله بن عمر وهو الصواب.
وعن شهر بن حَوْشَب، عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومُفْتِر.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفَرَقُ فملء الكَفِّ منه حرام». وأخرج الترمذي وحسنه، ورواته كلهم محتجُّ بهِم في الصحيحين سوى أبي عثمان عمر -أو أبي عثمان عمر ويقال: عمر بن سالم- الأنصاري المدني، مشهور، وليَ القضاء بمرو، ورأى ابن عمر وابن عباس، وسمع من القاسم بن محمد، وعنه روى هذا الحديث، روى عنه غيرُ واحد. قال المنذري: ولم أرَ لأحد فيه كلاماً.
قال ابن القيم رحمه الله: وفي صحيح مسلم عن جابر أن رجلاً قَدِم من جيشان -وجيشان في اليمن- فسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شراب يشربونه بأرضهم من الذرة يقال له: المِزْرُ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمسكر هو؟» قال: نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل مسكر حرام، إن على الله عز وجل عهداً لمن يشرب المسكر أن يسقيه من طينة الخبال». قالوا: يا رسول الله، وما طينة الخبال؟ قال: «عصار أهل النار، أو عصارة أهل النار».
وفي مسند الإمام أحمد عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كل مسكر حرام». رواه النسائي والترمذي وابن ماجه، وقال الترمذي: حديث صحيح. وفي سنن ابن ماجه عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كل مسكر حرام». قال ابن ماجه: هذا حديث المصريين، رواه من حديث أيوب بن هانئ عن مسروق عنه. وفي سنن ابن ماجه أيضاً عن يعلى بن شداد بن أوس قال: سمعت معاوية يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «كل مسكر حرام، كل مسكر حرام على كل مؤمن». قال ابن ماجه: وهذا حديث الرَّقِّيِّينَ.
باب في الداذذي عن مالك بن أبي مريم قال: دخل علينا عبد الرحمن بن غَنْم فتذاكرنا الطِّلاءَ، فقال: حدثني أبو مالك الأشعري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليشربن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها».
قال ابن القيم رحمه الله: ولفظه: «ليشربن الناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها، يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير». وفي إسناد حديث أبي داود وابن ماجه: حاتم بن حُريث الطائي الحمصي، سُئل عنه أبو حاتم الرازي، فقال الشيخ: قال يحيى بن معين: لا يعرفه.
وقد أخرج ابن ماجه أيضاً من حديث ثور بن يزيد، عن خالد بن مَعْدان، عن أبي أمامة يرفعه: «لا تذهب الليالي والأيام حتى تشرب طائفة من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها». أخرجه أيضاً من حديث ابن محيريز، عن ثابت بن السُّمَيْط، عن عبادة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وقال البخاري في صحيحه: باب ما جاء فيمن يستحل الخمر ويسميه بغير اسمه. وقال هشام بن عمار: حدثنا صدقة بن خالد، قال حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال حدثنا عطية بن قيس الكلاعي، قال حدثني عبد الرحمن بن غنم الأشعري، قال حدثني أبو عامر -أو أبو مالك الأشعري، والله ما كذبني- سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الحِرَ والحرير والخمر والمعازف، ولينزلن أقوام إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم، يأتيهم الحاجة فيقولون: ارجع إلينا غداً، فيبيِّتهم الله، ويضع العلم، ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة».
وقد طعن ابن حزم وغيرُه في هذا الحديث وقالوا: لا يصح؛ لأنه منقطع، لم يذكر البخاري من حدثه به، وإنما قال: هشام بن عمار. وهذا الطعن باطل من وجوه:
أحدها: أن البخاري قد لقي هشام بن عمار وسمع منه، فإذا روى عنه معنعناً حُمِل على الاتصال اتفاقاً لحصول معاصرة، فإذا قال هشام لم يكن فرق بينه وبين قوله عن هشام أصلاً.
الثاني: أن الثقات الأثبات قد رووه عن هشام موصولاً؛ قال الإسماعيلي في صحيحه: أخبرنا الحسن، قال حدثنا هشام بن عمار... فالإسناد هو، والحسن هو ابن سفيان.
الثالث: أن الحديث صح من غير حديث هشام؛ قال الإسماعيلي في صحيحه: قال حدثنا الحسن، قال حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، قال حدثنا مروان، قال حدثنا جابر، عن عطية بن قيس قال: قام ربيعة الجرشي في الناس فذكر حديثاً فيه طول، فقال: فإذا عبد الرحمن بن غنم فقال: يميناً حلفت عليها، حدثني أبو عامر -أو أبو مالك الأشعري، والله يميناً أخرى- حدثني أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ليكونن من أمتي قوم يستحلون الخمر» -وفي حديث هشام: الخمر والحرير، وفي حديث دحيم: الخز والحرير والخمر والمعازف- فذكر يعني بيخلوها حلالاً.
ورواه عثمان بن أبي شيبة، قال حدثنا زيد بن الحباب -زيد بن الحباب قال: أخبرني معاوية بن صالح، قال حدثني حاتم بن حريث، عن مالك بن أبي مريم قال: تذاكرنا الطلاء، فدخل علينا عبد الرحمن بن غنم فقال: حدثني أبو مالك الأشعري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث بطوله.
الرابع: البخاري لو لم يلقَ هشاماً ولم يسمع منه، بإدخاله هنا في الحديث في الصحيحة وجزمه به يدل على أنه ثابت عنده عن هشام، فلم يذكر واسطة بينه وبينه؛ إما لشهرتهم وإما لكثرتهم، فهو معروف مشهور عن هشام، تغني شهرته به عن ذكر الواسطة.
الخامس: أن البخاري له عادة في صحيحه في تعليقه، وهي جزمه بإضافة الحديث إلى من علَّقه عنه إذا كان صحيحاً عنده، فيقول: وقال فلان: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. وإن كان فيه علة قال: ويذكر عن فلان، ويذكر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن استقرأ كتابه علم ذلك. وهنا قد جزم بإضافة الحديث إلى هشام، فهو صحيح عنده.
السادس: أنه قد ذكره محتجاً به، مدخلاً له في كتابه الصحيح أصلاً لا استشهاداً، فالحديث صحيح بلا ريب.
باب في الشرب قائماً. عن أنس: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أن يشرب الرجل
قائماً وأخرجه مسلم، وزاد: قال قتادة فقلنا فالأكل؟ فقال: ذلك أشر وأخبث. وهذا من قول أنس عن النزال بن سبرة: أن علياً دعا بماء فشربه وهو قائم، ثم قال: إن رجالاً يكره أحدهم أن يفعل هذا، وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل مثل ما رأيتموني أفعله، وأخرجه البخاري.
قال ابن قيم رحمه الله: وقد خرج مسلم في صحيحه عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زجر عن الشرب قائماً. وفيه أيضاً عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يشربن أحدكم قائماً، فمن نسي فليستقئ».
وفي الصحيحين عن ابن عباس قال: سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من زمزم فشرب وهو قائم. وفي لفظ آخر: فحلف عكرمه ما كان يومئذ إلا على بعير. فاختلف في هذه الأحاديث؛ فقوم سلكوا بها مسلك النسخ، وقالوا: آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم الشرب قائماً كما شرب في حجة الوداع.
وقالت طائفة: في ثبوت النسخ بذلك نظر؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم لعله شرب قائماً لعذر، وقد حلف عكرمه أنه كان حينئذ راكباً، وحديث علي قصة عين فلا عموم لها. وقد روى الترمذي عن عبد الرحمن بن أبي عمرة عن جدته كبشة قالت: دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي البيت قربة معلقة فشرب قائماً، فقمت إلى فيها فقطعته. وقال الترمذي: حديث صحيح. وأخرجه ابن ماجه.
وروى أحمد في مسنده عن أم سليم قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت وفي البيت قربة معلقة فشرب منها قائماً، فقمت إلى فيها فقطعته فإنها لعندي. فدلت هذه الوقائع على أن الشرب منها قائماً كان لحاجة لكون القربة معلقة، وكذلك شربه من زمزم أيضاً لعله لم يتمكن من القعود لضيق الموضع أو لزحام وغيرها. وبالجمله فالنسخ لا يمثل بمثل هذا.
وأما حديث ابن عمر: كنا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نأكل ونحن نمشي، ونشرب ونحن قيام، رواه الإمام أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه، فلا يدل أيضاً على النسخ إلا بعد ثلاثة أمور: مقاومته لأحاديث النهي في الصحة، وبلوغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم وتأخره عن أحاديث النهي. وبعد ذلك فهو حكاية فعل لا عموم لها، فاثبات النسخ في هذا عسير، والله أعلم.
كتاب الأطعمة، باب غسل اليدين عند الطعام. عن عبد الله بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج من الخلاء فقدم إليه طعام فقالوا: ألا نأتي بوضوء؟ فقال: «إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى الصلاة». وأخرجه النسائي والترمذي وحسنه.
وعن سلمان قال: قرأت في التوراة أن بركة الطعام الوضوء قبله، ذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: «بركة الطعام الوضوء قبله والوضوء بعده». وخرج الترمذي وقال: قيس بن الربيع يضعف في الحديث.
قال ابن القيم رحمه الله: وفي هذه المسالة قولان من أهل العلم؛ أحدهما: يستحب غسل اليدين قبل الطعام، والثاني: لا يستحب هما في مذهب أحمد وغيره، والصحيح أنه لا يستحب.
قال النسائي في كتابه الكبير: باب ترك غسل اليدين قبل الطعام، ثم ذكر من حديث ابن جريج عن سعيد بن الحويرث عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تبرز ثم خرج فطعم ولم يمس ماءً، وأسناده صحيح.
ثم قال: باب غسل الجنب يده إذا طعم، وساق من حديث الزهري عن أبي سلمة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد أن ينام وهو جنب توضأ وضوءه للصلاه، وإذا أراد أن يأكل غسل يديه. وهذا التبويب والتفصيل في المسألة هو الصواب.
وقال الخلال في الجامع عن الميموني قال: سألت أحمد عن حديث قيس بن الربيع عن أبي هشام عن زاذان عن سلمان عن النبي صلى الله عليه وسلم: «بركة الطعام الوضوء قبله وبعده»، فقال لي أبو عبد الله: هو منكر. فقلت: ما حدث بهذا إلا قيس بن الربيع؟ قال: لا. وسألت يحيى بن معين وذكرت له حديث قيس بن الربيع عن أبي هاشم عن زاذان عن سلمان الحديث، فقال ليحيى بن معين: ما أحسن وضوء قبل الطعام وبعده؟ قلت له: بلغني عن سفيان الثوري أنه كان يكره الوضوء قبل الطعام. قال: مهنا سألت أحمد قال: قلت بلغني عن يحيى بن سعيد أنه قال كان سفيان يكره غسل اليد عند الطعام. قلت: لم كان سفيان يكره ذلك؟ قال: لأنه من زي العجم. وضعف أحمد حديث قيس بن الربيع.
قال الخلال: أخبرنا أبو بكر المروذي قال: رايت أبا عبد الله يغسل يديه قبل الطعام وبعده إن كان على وضوء.
باب في أكل لحوم الحمر الأهلية. عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أن نأكل لحوم الحمر، وأمرنا أن نأكل لحوم الخيل. قال عمر وهو ابن دينار: فأخبرت هذا الخبر أبا الشعثاء فقال: قد كان الحكم الغفاري فينا يقول هذا، وأبى ذلك البحر يريد ابن عباس. وخرجه البخاري من حديث عمرو بن دينار عن أبي الشعثاء، وليس فيه عن رجل.
وعن غالب بن أبجر قال: أصابتنا سنة فلم يكن في مالي شيء أطعم أهلي إلا شيء من حمر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم حرم لحوم الحمر الأهلية، فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله أصابتنا السنة ولم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سمان حمر، وأنك حرمت لحوم الحمر الأهلية. فقال: «أطعم أهلك من سمين حمرك، فإنما حرمتها من أجل جلّامة القرية، وهي تأكل العذرة».
اختلف في إسناده اختلافاً كثيراً، وقد ثبت التحريم من حديث جابر، ذكر البيهقي إسناد حديث ابن أبجر مضطرب.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وعن الجلّالة في ركوبها وأكل لحمها. وأخرجه النسائي.
قال ابن القيم رحمه الله: حديث الحمر الأهلية رواها عن النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب، وأبو جابر بن عبد الله، والبراء بن عازب، وابن أبي أوفى، وأنس بن مالك، والعرباض بن سارية، وأبو ثعلبة الخشاني، وعبد الله بن عمر، وأبو سعيد الخدري، وسلمة بن الأكوع، والحكم بن عمرو الغفاري، والمقدام بن معدي كرب، وأبو أمامة الباهلي، وعبد الله بن عباس، وثابت بن وديعة، وأبو سليط البدري، وعبد الله بن عمرو، وزاهر الأسلمي، وأبو هريرة، وخالد بن الوليد.
فأما حديث علي رضي الله عنه فمتفق عليه من حديث الزهري عن الحسن بن محمد بن الحنفية عن أبيه عن علي. وأما حديث جابر فمتفق عنه أيضاً من رواية عمر بن دينار عن محمد بن علي بن الحسين عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل، وهو مسلم أيضاً من رواية ابن أبي الزبير عنه.
أما حديث البراء بن عازب فمتفق عليه أيضاً من طريق شعبة عن عدي بن ثابت عن البراء: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فأصبنا حمرا فطبخناها، فأمر منادياً ينادي: أن أكفئوا القدور. وأما حديث أبي
متفق عليه أيضاً من حديث سليمان الشيباني عنه: أصابتنا مخمصة ليالي خيبر، فلما كان يوم خيبر وقعنا في الحمر الأهلية فانتحرناها، فلما غلت بها القدور نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اكفئوا القدور ولا تأكلوا من لحوم الحمر شيئاً».
وعند النسائي فيه: فأتانا منادي النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم لحوم الحمر، فأكفئوا القدور بما فيها» فأكفيناها.
وأما حديث أنس فمتفق عليه أيضاً من رواية محمد بن سيرين عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه جائٍ فقال: أُكلت الحمر، ثم جاءه جائٍ فقال: أُفنيت الحمر، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاً فنادى: «إن الله ورسوله ينهاكم عن لحوم الحمر فإنها رِكس» فأكفئت القدور وإنها لتفور باللحم.
وفي لفظ: «أنها رجس من عمل الشيطان». قلت: وكان ينادي أبي طلحة، وكان المنادي أبو طلحة الأنصاري، قاله يزيد، وكان المنادي أبو طلحة الأنصاري، قاله يزيد بن زريع عن هشام.
وأما حديث العرباض بن سارية فرواه الترمذي من حديث أم حبيبة بنت العرباض عن أبيها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن كل ذي ناب من السباع، وعن كل ذي مخلب من الطير، وعن لحوم الحمر الأهلية، وعن المجثمة.
وأما حديث أبي ثعلبة الخشني فمتفق عليه من حديث الزهري عن أبي إدريس الخولاني عنه أنه قال: «حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم لحم الحمر ولحم كل ذي ناب من السباع». ولفظ البخاري ولفظ مسلم: «حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم الحمر الأهلية».
ورواه النسائي من حديث بقية بن بحير بن سعد عن خالد بن معدان عن جبير بن نفير عن أبي ثعلبة أنهم غزوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر والناس جياع، فوجدوا فيها حمراً من حمر الإنس فذبح الناس منها، فحدث بذلك النبي صلى الله عليه وسلم، فأمر عبد الرحمن بن عوف فأذن في الناس: «ألا إن لحوم الحمر الإنسية لا تحل لمن يشهد أني رسول الله».
ثم حديث عبد الله بن عمر متفق عليه من حديث نافع وسالم عنه: نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لحوم الحمر الأهلية، زاد مسلم: يوم خيبر.
وأما حديث أبي سعيد الخدري رواه بن سعيد الدارمي قال: حدثنا بن حماد قال: حدثنا مبارك قال: حدثنا يونس بن أبي إسحاق قال: حدثني أبو الوداك، حدثني أبو سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بالقدور وهي تغلي فقال: «ما هذا اللحم؟» فقالوا: لحوم الحمر الأهلية. فقال: «أو وحشية؟» قلنا: بل أهلية. فقال: «أكفئوها» فأكفيناها، وإن لجياع نشتهيها.
احتج البخاري بنعيم بن حماد ومسلم بأبي الوداك، وأبو الوداك جبير بن نوف فالإناد صحيح.
وأما حديث سلمة بن الأكوع فرواه البخاري من ثلاثياته قال: حدثنا مكي بن إراهيم قال: حدثنا يزيد بن عبيد عن سلمة بن الأكوع قال: لما أمسوا يوم خيبر أو قدوا النيران، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «على ما أوقدتم هذه النيران؟» قالوا: على لحوم الحمر الأنسية. قال: «أهريقوا ما فيها واكسروا قدورها». فقال رجل من القوم: أونهريق ما فيها ونغسلها؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أو ذاك». رواه مسلم وهو صريح في أن ما لا يؤكل لحمه لا يطهر بالذكاة، وأنها لا تعَمَل فيه شيئاً لا يتغير فيه شيء، أم زي ما كان واحد بيحكي لي أن هو في هولندا أو حاجة زي كده داخل ياكل في مطعم، فقال له الراجل: ما ينفعش نخش ناكل في المطعم ده عشان لحم خنزير. قال له: لا مذبوح على الشريعة. فكر المشكلة إن هو يكون مذبوح، يعني أنت شرت صورة كأن شارب كيس أو شيء زي كده لحم خنزير.
وأما حديث الحكم بن عمر فرواه البخاري من حديث عمرو بن دينار قال: قلت لجابر بن زيد: يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الحمر الأهلية؟ فقال: قد كان يقول ذلك الحكم بن عمر الغفاري عندنا بالبصره، ولكن أبى ذلك البحر بن عباس وقرأ: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً﴾ [الأنعام: 145].
وأما حديث المقدام بن معدي كرب فرواه عثمان الدارمي قال: حدثنا عبد الله بن صالح المصري أن معاوية بن صالح حدثه قال: حدثني الحسن بن جابر أنه سمع المقدام بن معدي كرب يقول: «حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم أشياء يوم خيبر منها الحمار الأهلي، وقال: يوشك رجل متكئ على أريكته يحدث حديثي فيقول: بيننا وبين كتاب الله، فما وجدنا فيه من حلال أحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن مما حرم رسول الله لحوم الحمر الأهلية ولحم كل ذي ناب من السباع».
وعبد الله بن صالح من شيوخ البخاري، والحسن بن جابر وثقه ابن حبان ولم يتكلم فيه. وقال: رواه أبو اليمان عن حريز بن عثمان عن عبد الرحمن بن أبي عوف الجراشي عن المقدام وفيه: «ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السباع»، وهذا إسناد صحيح.
وأما حديث أبي أمامة فرواه الدارمي أيضاً قال: حدثنا عبد الله بن أبي شيبة قال: حدثنا أبو أسامة عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر قال: حدثني القاسم عن أبي أمامة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن اكل الحمار الأهلي وعن أكل كل ذي ناب من السباع، وهذا إسناد صحيح فإن مكحولاً قد أدرك أبا أمامة وسمع منه.
وفي حديث القاسم من رواية علي بن يزيد عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال: «أذن في الناس أنه لا يحل لكم لحوم الحمر الأهلية، ولا لحم كل ذي ناب من السباع، ولا كل ذي مخلب من الطير، وإن الجنة لا تحل لعاص».
وأما حديث ابن عباس فقال الدارمي: حدثنا عثمان بن أبي شيبه قال: حدثنا عبيد الله بن موسى عن شيبان عن مجاهد عن ابن عباس: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، وهذا إسناد على شرط الشيخين. وفي الصحيحين عن الشعبي عن ابن عباس قال: لا أدري نهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم من أجل أنها كانت حمولة الناس فكره أن تذهب حمولتهم، أو حرمها في يوم خيبر يعني الحمر الأهلية.
وهذا يدل على أن ابن عباس بلغه النهي ولكن تأولها، والتحقيق أن ابن عباس أباحها أولاً حيث لم يبلغه النهي، فسمع ذلك منه جماعة منهم أبو الشعثاء وغيرُه فرووا ما سمعوه، ثم بلغه النهي عنها فتوقف هل هو للتحريم أو لأجل كونها حمولة، فروى عنه الشعبي وغيره، ثم لما ناظره علي رجع إلى التحريم كما رواه عنه مجاهد.
وأما حديث ثابت بن وديعة فرواه الترمذي أيضاً قال: حدثنا أبو الوليد الطيالسي قال: حدثنا أبو عوانة عن حصين عن زيد بن وهب عن ثابت بن وديعة قال: أصبنا حمراً.
أهلية يوم خيبر، فطَبَخَ الناس، فمر بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم والقدور تغلي، فقال: «اكفئوها» فكفناها. وهذا صحيح رُواته كلهم ثقات.
وأما حديث أبو سليط البدري فرواه الدارمي أيضاً قال: حدثنا عبد الله بن شيبة قال: حدثنا أبو عبد الله قال: حدثنا عبد الله بن نمير قال: حدثنا محمد بن إسحاق عن عبد الله بن عمر بن الضمرة عن عبد الله بن أبي سليط عن أبيه وكان بدرياً قال: أتانا نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكل الحمر، وإن القدور لتغلي بها، فأكفناها على وجهها.
وأما حديث عبد الله بن عمر فرواه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وهو في الأصل. وأما حديث زاهر الأسلمي فرواه الدارمي عن يحيى الحماني قال: حدثنا شريك عن مجزأة بن زاهر عن أبيه قال: مر النبي صلى الله عليه وسلم والقدور تغلي فسأل عنها فقالوا: الحمر الأهلية، فأمر بها فكفئت. وهذا الإسناد على رسم الشيخين.
وأما حديث أبي هريرة فرواه الترمذي من حديث زائدة عن محمد بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرم يوم خيبر كلنا من السباع والمجثمة والحمار الإنسي. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وأما حديث خالد بن الوليد فقد تقدم الباب الذي قبل هذا. وقد اختلف في سبب النهي عن الحمر على أربعة أقوال وهي في الصحيح. أحدها: لأنها كانت جوال للقرية، كما في حديث غالب هذا. وهذا قد جاء في بعض طرق حديث عبد الله بن أبي أوفى: أصابتنا مجاعة يوم خيبر، فلما كان يوم خيبر وقعنا في الحمر الأهلية فانتحرناها، فلما غلت بها القدور نادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن اكفوا القدور ولا تأكلوا من لحوم الحمر شيئاً.
فقال أناس: إنما نهى عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها لم تخمس. وقال آخرون: نهى عنها البتة. وقال البخاري في بعض طرقه: نهى عنها البتة لأنها كانت تأكل العذرة. فهذه علتان.
قالت الثالثة: حاجتهم إليها، فنهاهم عنها أبقاءً لها، كما في حديث ابن عمر المتفق عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل لحوم الحمر الأهلية. زاد في طريق أخرى: وكان الناس قد احتاجوا إليها.
العلة الرابعة: أنه إنما حرمها لأنها رجس في نفسها، وهذه أصح العلل؛ فإنها هي التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بلفظه، كما في الصحيحين عن أنس قال: افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر، أصبنا حمراً خارجة من القرية وطبخناها، فنادى منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا وإن الله ورسوله ينهيانكم عنها؛ فإنها رجس من عمل الشيطان. هذا نص في سبب التحريم. وعد هذه من العلة فإنما هي حدس وظن ممن قاله.
باب في أكل الطافي عن زيد بن عبد الراي رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما ألقى البحر وأبزر عنه فكلوه، وما مات فيه وطفى فلا تأكلوه». قال أبو داود: وروى هذا الحديث سفيان الثوري عن أيوب عن حماد عن أبي الزبير عن جابر.
وقد أسند هذا الحديث من وجه ضعيف وخرجه ابن ماجه. قال ابن القيم رحمه الله: قال عبد الحق: هذا الحديث إنما يرويه الثقات من قول جابر، وإنما أسند بوجه ضعيف من حديث يحيى بن سليمان عن إسماعيل بن أمية عن أبي الزبير عن جابر، ومن حديث عبد العزيز بن عبيد الله بن حمزة بن صهيب ضعيف لم يرو عنه إلا إسماعيل بن عياش.
وقال ابن القطان: يحيى بن سليم وثاقه ابن معين، وتكلم فيه غيره من أجل حفظه، والناس رووه وقوفاً غير يحيى. وقد ذكر أبو داود في هذا الحديث وقال: رواه الثوري وحماد عن أبي الزبير وقِفاه على جابر، وقد أسند من وجه ضعيف عن ابن أبي ذئب عن أبي الزبير عن جابر.
قال ابن القطان: فإن كان عبد الحق ضعف المرفوع لكونه من رواية أبي الزبير فقد تناقض في تصحيح الوقوف وهو عنه، وإن عني به ضعف يحيى بن سليمان فقد تناقض؛ فكم من حديث صححه من روايته ولم يخالف يحيى بن سليم في رفعه عن إسماعيل بن أمية إلا من هو دونه، وهو إسماعيل بن عياش، وأما إسماعيل بن أمية فلا يسأل عن مثله. وهذا عنه من ابن القطان.
والحديث إنما ضعف فإن الناس رووه موقوفاً على جابر، وانفرد برفعه يحيى بن سليم، وهو من سوء حفظه، فقد خالف الثقات، ومثل هذا لا يحتج به أهل الحديث. فهذا هو الذي أراده أبو داود وغيره من تضعيف الحديث، أما تصحيحه حديث يحيى بن سليمان في غير هذا فلأن الإنكار عليه فيه فهذه طريقمة الحديث العالمين بعينها، يصححون حديث الرجل ثم يضعفونه بعين دينه في حديث آخر إذا انفرد أو خالف الثقات.
ومن تأمل هذا تتبعه ورأى منه الكثير؛ فإنهم يصححون حديثه لمتابعة غيره له، أو لأنه معروف الرواية صحيح الحديث عن شيخ بعينه، ويسقطونه في غيره.
وفي مثل هذا يعرض الغلط لطائفة من الناس؛ تجد الرجل قد خرج حديثه في الصحيح وقد احتج به فيه، فحيث وجدوه في حديث قالوا: هذا على شرط صحيح. وأصحاب الصحيح يكونون قد انتقوا حديثه ورووا له ما تابعهم فيه الثقات ولم يكن معلولاً، ويتركون من حديثه المعلول ما شذ وانفرد عن الناس وخالف به الثقات، أو رواه عن غير معروف من الرواية عنه، ولا سيما إذا لم يجدوا ذلك من حديثه عند أصحابه المختصين به؛ فلهم في هذا نظر واعتبار.
ولا يلزم حيث وجد حديث مثل هذا أن يكون صحيحاً، ولهذا كثيراً ما يعلل البخاري ونظرائه حديث الثقه لأنه لا يتابع عليه.
والطائفة الثانية يرون الرجل قد تكلم فيه بسبب حديث رواه وضعف من أجله، فيجعلون هذا سببا لتضعيف حديثه أين وجدوه، فيضعفون من حديثه ما يجزم أهل المعرفة بالحديث بصحته. وهذا باب قد اشتبه كثيراً على غير النقاد. والصواب ما اعتمده أئمة الحديث ونقاده من تنقية حديث الرجل وتصحيحه والاحتجاج به في موضع، وتضعيفه وترك حديثه في موضع آخر.
وهذا فيما إذا تعددت شيوخ الرجل في ظاهر كاسماعيل بن عياش في غير الشام، وسفيان بن حسين في غير الزهري ونظراؤهما متعدداً، وإنما النقد الخفي إذا كان شيخه واحدا كحديث العلاء بن عبد الرحمن مثلا عن أبيه عن أبي هريرة، فإن مسلما يصحح هذا الإسناد ويحتج بالعلاء وأعرض عن حديثه في الصيام بعد اننتصاف شعبان وهو من روايته وعلى شرطه في الظاهر، ولم ير إخراج من كلام الناس في هذا الحديث وتفرده وحده به، وهذا أظن كثير يعرفه من له عناية بعلم النقد ومعرفة العلل.
وهذا إمام الحديث البخاري يعلل حديث الرجل بأنه لا يتابع عليه ويحتج به في صحيحه ولا تناقض في ذلك.
أقصد يعني كذا موضع وردت فهودات حديثية، يعني قد يحصل أن الرواية تأتي في البخاري فيتكلم عن شرط البخاري، أم ما ورد أنه رواية تأتي في مسلم فيتكلم عن شرط مسلم وأنا ما تكلم... ماشي، كمل.
نعم، باب الإقران في التمر: عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الإقران إلا أن تستأذن أصحابك. وخرجه الباقون. قال ابن القيم رحمه الله: وهذه الكلمة وهي الاستئذان قد قيل انها مدرجة من كلام عمر. وقال شعبة: لا أرى هذه الكلمة إلا من كلام عمر. يعني الاستئذان ذكره البخاري في الصحيح. وقد روى الطبراني في المعجم حديث يزيد بن زريع عن أبي خالد عن طارق خراسان عن ابن بريدة عن أبيه قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كنت قد نهيتكم عن أقراني، وإن الله قد أوسع الخير فأقرنوا». فذهب طائفة، الحازمي، طائفة منهم الحازمي في ذلك إلى أن النسخ، وادعوا أن حديث بريدة ناسخ، وأن حديث ابن عمر قالوا: وكان النهي حيث كان العيش سهيداً والقوت متعذراً مراعاة لجانب ضعفاء والمساكين وحثاً عن الأئثار والمواساة، ورث في تعاطي أسباب العدالة حال الاجتماع والاشتراك، فلما وسع الله الخير وعم العيش الغني والفقير قال: فشأنكم إذا.
وهذا الذي قالوه إنما يصح لو ثبت حديث بريدة، ولا يثبت مثله؛ فإن الطبراني رواه من حديث محمد بن سهل قال: حدثنا سهل بن عثمان قال: حدثنا محبوب بن عطار، محبوب العطار عن يزيد بن زريع فذكر...
باب الفأرة تقع في السمن: نعم، عن ميمونة وهي بنت الحارث رضي الله عنها أن فأرة وقعت في سمن فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «القوا ما حولها وكلوا». وخرجه البخاري. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا وقعت الفأرة في السمن فإن كان جامداً فالقوها وما حولها وإن كان مائعاً فلا تقربوه».
قال ابن القيم رحمه الله: هذا الحديث قد اختلف في إسناده إسناداً ومتناً، والحديث من حديث الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة أنه سمع بن... أنه سمع بن عباس يحدث عن ميمونة، ولفظه: أن فأرة وقعت في سمن فماتت، فسئل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «القوا وما حولها وكلوه». رواه الترمذي، الذي رواه الناس عن الزهري في هذا الإسناد والمتن والإسناد ومتنه خرجه البخاري في صحيحه والترمذي والنسائي، وأصحاب الزهري كالمجمعين على ذلك، وخالفهم معمر في إسناده ومتنه، ورواه عن الزهري وعن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال فيه: «إن كان جامداً فالقوها وما حولها وإن كان مائعاً فلا تقربوه».
ولما كان ظاهر هذا الإسناد في غاية الصحة صحح الحديث جماعة وقالوا: على شرط الشيخين، حكي عن محمد بن يحيى الزهري تصحيحه، لكن أئمة الحديث طعنوا فيه ولم يرووه صحيحاً، بل راوه خطأ محضاً. قال الترمذي في جامعه: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: حديث معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب في هذا خطأ، والصحيح حديث الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة.
والبخاري في صحيحه قد أشار إلى أيضاً إلى علة حديث معمر من وجوه فقال: باب إذا وقعت الفأرة في السمن الجامد أو الذائب، ثم ذكر حديث ميمونة وقال عقيبه: قيل لسفيان إنما معمر يحدثه عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، قال: ما سمعت الزهري يقوله إلا عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولقد سمعته منه مراراً. ثم قال: حدثنا عبدان قال: أخبرنا عبد الله عن يونس عن الزهري، سئل عن الدابة تموت في الزيت والسمن وهو جامد أو غير جامد، الفأرة أو غيرها، بلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بفأرة ماتت في سمن فامر بما قرب منها فطرح ثم أكل. فذكر البخاري فتوى الزهري في الدابة تموت في السمن وغيره الجامد والذائب أنه يؤكل، واحتجاجه بالحديث من غير تفصيل دليل على أن المحفوظ من رواية الزهري إنما هو الحديث المطلق الذي لا تفصيل فيه، وأنه مذهبه فهو رأيه وروايته، ولو كان عنده حديث التفصيل بين الجامد والمائع لأفتى به واحتج به، فحيث أفتى بحديث الإطلاق واحتج به دل على أن معمرا غلط عليه. معمر ده من أشهر الاحاديث اللي هو أخطأ فيها أن هو قيد... يعني لو سقطت الفأرة في سمن جامد، يبقى ده معناه إيه؟ إن ده مناط، يبقى لو كان ذائب أو إيه؟ وذكر في الرواية: إذا كان سائل فلا تقربوه.
ثم قد اضطرب حديث معمر، فقال عبد الرزاق عنه: «فلا تقربوه»، وقال عبد الواحد بن زياد: «وإن كان ذائباً مائعاً لم يؤكل». قال البيهقي: وعبد الواحد بن زياد أحفظ منه. يعني عبد الرزاق قال بعض الطرق: «فاستصبحوا به»، وكل هذا غير محفوظ من حديث الزهري.
فإن قيل: فقد رواه أبو حاتم البستي في صحيحه من رواية الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس عن ميمونة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن فأرة تموت في السمن، قال: «إن كان جامداً فالقوها وما حوله، وإن كان ذائباً فلا تقربوه». رواه عبد الله بن محمد الأزدي، قال: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أخبرنا سفيان، قال: عن الزهري به، وكذلك هو في مسند إسحاق.
ماشي، نقف هنا، والحمد لله رب العالمين.
الشيخ حسين عبد الرازق