يا راغبا في كل علم نافع، متطلعا لزيادة الإيمان، وتريده سهل النوال ميسرا، يأتيك ميسورا بأي مكان؛ زاد أكاديمية ينبوعها صاف ليروي غلة الظمآن، وتعلم اللغة الفصيحة ورعها بطريف أسلوب وحسن بيان. بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أيها الإخوة المشاهدون والأخوات المشاهدات، نستكمل اليوم الدرس الثاني من دروس النحو في هذه الأكاديمية التي نسأل الله عز وجل أن ينفع بها.
درسنا سيكون عن أنواع المعارف، وبالذات عن العلم. أولا العلم: المقصود به في اللغة حينما يقال علم، فإنه الشيء الظاهر البارز البين، ولذلك سمي الجبل الشاهق والكبير يسمى علما، وهكذا البيت المشهور للخنساء حينما وصفت أخاها صخرا: «وإن صخرا لتأتم الهداة به، كأنه علم في رأسه نار» يعني العلم حينما يكون الجبل كبيرا وفي رأسه نار، فإن الناظر يراه من بعيد، فسمي الجبل علما لهذا الأمر وهذا الشأن. أما في اصطلاح النحاة، فهو الاسم الذي يعين المسمى ويميزه عن أفراد جنسه. حينما أقول زيد، أو حينما أقول محمد، أو حينما أقول علي، فإن هذا الاسم علم على هذا المسمى، يميزه عن غيره. لا يلزم أن يكون هذا الاسم لا يسمى به إلا شخص واحد، لا، وإنما هو يميزه عن غيره حينما يشترك مع غيره. حينما يجتمع ثلاثة أو أربعة؛ خالد وعلي وسعيد وزيد، فحينما أقول علي، فإنه يعين هذا المسمى.
ولا يقصد بالعلم أسماء الأشخاص فقط، فهناك أعلام للأشخاص، وهناك أعلام للمكان علم على مكان معين يعينه، وهناك علم للحيوانات، فكل ما يعين المسمى ويميزه عن أفراد جنسه، فإنه يسمى علما. والعلم كما ذكرنا نوع من أنواع المعارف، فهو معرفة في الأصل. العلم مثل ما ذكرنا الأشخاص كما قلنا مثلا محمد وعلي وما أشبه ذلك، وهناك مثلا المكان كما ذكرنا في درس سابق مكة، هذا علم على هذا المكان وهذا الموضع يميزه عن جميع البلدان. حينما أقول مصر، هذا علم لهذا المكان يميزه عن غيره، وهكذا كل اسم يعين المسمى ويميزه عن أفراد جنسه فإنه يطلق عليه علم بهذا الاصطلاح.
العلم قد يكون كلمة واحدة اسما مفردا، وقد يكون مركبا. الأمثلة التي ذكرناها كلها تصلح للعلم المفرد، العلم المفرد يعني يتكون من كلمة واحدة، وهناك أعلام مركبة. والتركيب يكون على ثلاثة أقسام، هناك التركيب الإضافي. ماذا نقصد بالتركيب الإضافي؟ أن يكون علما وهو في أصله مضاف ومضاف إليه. حينما أقول عبد الله، عبد هذه كلمة والله لفظ الجلالة؛ حينما أقول عبد الله، في الأصل هذا وصف أنه عبد لله، لكنه انتقل إلى أن أصبح علما على مسمى، يقال عبد الله بن فلان. هذا عبد الله علم على هذا المسمى، لكنه ليس مفردا وإنما هو مركب، ونوع هذا التركيب تركيب إضافي لأنه مكون من مضاف ومضاف إليه. وحينما أقول أبو بكر، فإنه علم لكنه أيضا مركب وليس علما مفردا، أي ليس كلمة واحدة غير مركبة، لكن نوع هذا التركيب يسمى التركيب الإضافي لأنني نقلته من الإضافة إلى العلمية.
النوع الثاني من أنواع العلم المركب التركيب المزجي، بمعنى كلمتان امتزجتا حتى أصبحتا كأنهما كلمة واحدة، لكنهما في الأصل كلمتان، مثل حينما أقول حضرموت. هاتان الكلمتان امتزجتا حتى أصبحتا كلمة واحدة، فحضرموت علم على مكان في جنوب الجزيرة معروف، لكنه ليس من كلمة واحدة وإنما من كلمتين امتزجتا وتركبتا حتى أصبحتا ككلمة واحدة، فهذا يسمى التركيب المزجي. ومثله الأسماء التي تنتهي بـ "ويه" مثل سيبويه، راهويه، نفطويه، فهذه أيضا أعلام على أشخاص وهي مركبة تركيبا مزجيا.
إذا العلم المركب على ثلاثة أقسام، مركب إضافي ومركب مزجي، أما الثالث فسنذكره إن شاء الله بعد الفاصل.
وظائف وأعمال، شاشات وألعاب، أشغال كثيرة مهمة وغير مهمة؛ فكيف نطلب العلم في زحمة الانشغالات؟ أما الأشغال الباطلة والمحرمة كالأفلام والمسلسلات فيجب الإقلاع عنها فورا، وبذلك يتوفر وقت طويل لطلب العلم. والقناعة توفر الوقت المبذول في تحصيل النفقات الترفيهية، فيمكن إغلاق المحل يوما في الأسبوع مثلا وتخصيصه لطلب العلم، ويمكن التناوب مع زميل على طلب العلم فيحضر أحدكما حين يغيب الآخر ثم تتبادلان المعلومات كما كان يفعل عمر بن الخطاب وجاره الأنصاري. ويمكن استغلال وقت المواصلات ذهابا وإيابا في القراءة والسماع، وكذلك وقت الفراغ أثناء العمل وأيام الإجازات. واستفد بالتكنولوجيا الحديثة كالانتقال والالتحاق بالتعليم المفتوح مثل منصة زادي، وعلى الأغنياء كفالة بعض النابهين وتفريغهم لطلب العلم، وفي الحديث: «من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا». فاعمل للآخرة يكفك الله هم الدنيا، قال صلى الله عليه وسلم: «من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة».
كنا قد توقفنا قبل الفاصل عند أنواع الأعلام المركبة. ذكرنا أن العلم قد يكون مفردا وقد يكون مركبا، والمركب قد يكون مركبا تركيبا إضافيا كعبد الله وأبي بكر، وقد يكون مركبا مزجيا كحضرموت. أما النوع الثالث من أنواع الأعلام المركبة فهو المركب الإسنادي، وما معنى مركب إسنادي؟ يعني هذا المركب هو كان في أصله قبل أن ينتقل إلى العلمية مسندا ومستندا إليه، يعني كان عبارة عن جملة فيها مسند ومسند إليه، فيها فعل وفاعل أو فيها مبتدأ وخبر، فلذلك سمي مركبا إسناديا لأنه أصله قبل العلمية هو عبارة عن جملة، والجملة لابد أن يكون فيها مسند ومسند إليه.
فالمركب الإسنادي إذا إما أن يكون أصله قبل العلمية، قبل أن يطلق علما على معين، كان جملة. ربما يكون جملة فعلية، مثل ماذا؟ مثل الشاعر المشهور تأبط شرا. لا نريد أن نخوض في سبب تسميته، لكن حينما أقول قال الشاعر تأبط شرا، هو معروف علم عليه، لكنه ليس مفردا وإنما مركب، ليس مركبا تركيبا إضافيا ولا تركيبا مزجيا، وإنما هو مركب تركيب إسنادي، بمعنى أنه عبارة عن جملة، "تأبط" هو فعل وفاعله ضمير مستتر، و"شرا" مفعول به، فهو عبارة عن جملة لكنه انتقل من الجملة إلى أن يصبح علما على إنسان على شخص بذاته بعينه. كذلك أيضا من الأعلام المركبة تركيبا إسناديا وأصله جملة فعلية، البلد المعروف "سر من رأى" الذي أصبح اسمه الآن سامراء كما يقال، وأصله "سر من رأى"، هي جملة فعلية في الأصل لكنها انتقلت من هذه الجملة إلى أن أصبحت علما على بلد معين.
النوع الثاني من المركب الإسنادي هو المنتقل عن الجملة الاسمية، فلو سمينا رجلا "الخير نازل"، هذا العلم على الشخص الذي اسمه الخير نازل، قبل العلمية هو في الأصل جملة اسمية لأنها مكونة من مبتدأ وخبر، لكنه انتقل من الجملة الاسمية إلى أن يكون علما على شخص بذاته، فهذا العلم علم مركب تركيبا إسناديا.
فإذا الآن حينما نقسم العلم إلى علم مفرد وعلم مركب، هذا تقسيم للعلم باعتبار الإفراد والتركيب، لكن هناك تقسيم آخر للعلم باعتبار الأصل والوضع. ينقسم العلم باعتبار الوضع إلى ثلاثة أقسام: القسم الأول الاسم، كما نقول زيد وسعيد وخالد وما أشبه ذلك، هذا اسم. وقد يكون العلم كنية، والكنية هي ما صدر بـ "أب" أو "أم"، حينما أقول أبو بكر، أبو زيد، أو أم الفضل، فهذه كنية وهي من أنواع العلم. القسم الثالث هو اللقب، وما المقصود باللقب؟ المقصود باللقب هو ما أشعر بمدح أو ذم، أو قد يكون اللقب نسبة، ينسب إلى قبيلة أو ينسب إلى مكان، فهذا قد يجعل من اللقب، لكنه في الأصل ما أشعر بمدح أو ذم. حينما أقول عمر أبو حفص الفاروق، فـ "أبو حفص" كنية، و"عمر" اسم، و"الفاروق" لقب، والفاروق لقب لأنه لقب على الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، لأن الله عز وجل فرق به بين الحق والباطل. فاجتمعت هنا في هذا المثال الأنواع الثلاثة، الاسم عمر، والكنية أبو حفص، واللقب الفاروق. فقد تجتمع هذه الأعلام كلها، فلو قلت أبو حفص خلاص علم على الخليفة الراشد، لو قلت عمر علم عليه، لو قلت الفاروق فهو علم عليه. كذلك أيضا حينما أقول أبو إسحاق إبراهيم الشاطبي، وهذا أيضا علم من الأعلام، فـ "أبو إسحاق" كنية، و"إبراهيم" اسم، و"الشاطبي" لقب. لكن السؤال: إذا اجتمعت هذه الثلاثة، فهل يجوز لي أن أقدم اللقب أو الاسم أو الكنية كما أشاء، أقدم وأؤخر أم أن هناك ترتيبا لابد أن يراعى؟ هذا ما سنتكلم عنه إن شاء الله بعد الفاصل.
القرآن الكريم هو أصل الأصول، فمن علم أحكامه ووفق للعمل بها فاز بالفضيلة في دينه ودنياه، ونورت في قلبه الحكمة، وصار إماما في الدين. وقد كان العلماء سلفا وخلفا يبدؤون طلب العلم بحفظ القرآن. قال ابن عبد البر: "ولا أقول إن حفظه كله فرض، ولكن ذلك شرط لازم على من أحب أن يكون عالما فقيها". وطالب العلم يحرص على فهم القرآن وتعلم معانيه، قال سعيد بن جبير: "من قرأ القرآن ثم لم يفسره كان كالأعمى أو كالأعرابي". وبتدبر الدقائق والأحكام يستطيع تطبيق القرآن على الواقع بشكل صحيح، وبه تحصل الخشية والخشوع، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29]. لذا ينبغي أن نهتم بمدارسة القرآن في المساجد والمدارس والدور المتخصصة في تحفيظ القرآن وتعليمه، وينبغي أن نستخدم التكنولوجيا الحديثة في تعلم القرآن وتعليمه من خلال الإنترنت والفضائيات. فاعلم يا طالب العلم أن القرآن الكريم هو رأس مالك وهو أربح التجارات، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾ [فاطر: 29].
نعود إليكم بعد الفاصل، وكنا قد عرضنا سؤالا: إذا اجتمعت هذه الأنواع الثلاثة الاسم واللقب والكنية فأيها يقدم؟ هل يقدم الاسم فيكون هو أولا؟ إذا اجتمع الاسم والكنية فقدم ما تشاء، تقول أبو حفص عمر، وتقول عمر أبو حفص. أما اللقب فإن الأصل فيه أنه يؤخر عن الاسم، إذا اجتمع الاسم مع اللقب فالأصل هو تأخير اللقب، تقول عمر الفاروق، فهذا هو الأصل أنه لا يقدم اللقب على الاسم. ذكر بعض العلماء أن هذه المسألة فيها سعة، وأنه يجوز تقديم اللقب وبخاصة إذا كان اللقب مشهورا لهذا العلم، فإنه يجوز تقديمه، واستدل بعضهم بقول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [النساء: 171]، فقدم اللقب على الاسم.
إذن أقسام العلم من حيث الوضع من حيث الأصل، اسم وكنية ولقب. أما من حيث الإفراد والتركيب، فمفرد ومركب، والمركب قد يكون مركبا تركيبا إضافيا، وقد يكون مركبا تركيبا مزجيا، وقد يكون مركبا تركيبا إسناديا كما مر. بقي أن نتكلم عن العلم إذا جاءنا في الكلام في السياق في الجملة، كيف يكون إعرابه؟ هو كغيره من الأسماء بحسب موقعه من الجملة، قد يكون مرفوعا وقد يكون منصوبا وقد يكون مجرورا بحسب موقعه. لكن الكلام الآن ليس عن العلم المفرد، فالعلم المفرد واضح أمره في إعرابه، لكن الكلام عن المركب تركيبا إضافيا، كيف يكون لأنه هو علم على شخص.
فكيف يكون في إعرابه؟ هو أيضًا يكون في إعرابه كإعراب المضاف إليه. الجزء الأول "عبد الله" يعرب بحسب موقعه؛ فقد يكون فاعلاً، وقد يكون مفعولاً به، وقد يكون مجروراً، فهو بحسب موقعه. الجزء الثاني هو في كل الأحوال في موضع المضاف إليه، في موضع الجر؛ فهو مجرور بالإضافة، "عبد الله"، "أم الفضل".
المركب تركيباً مزجياً أشهر الأقوال فيه أنه يعرب إعراب الممنوع من الصرف؛ يرفع وتكون علامة الرفع فيه الضمة، وينصب ويجر وتكون علامة النصب والجر فيه الفتحة. فتقول مثلاً: "حضر حضرموت"، و"سكنت حضرموتَ"، و"مررت بحضرموتَ"، هذا إذا لم يكن منتهياً بـ "ويه".
أما المنتهي بـ "ويه" المختوم بـ "ويه" فإنه يكون مبنياً على الكسر؛ يكون مبنياً على الكسر "سيبويه"، سواء كان في موضع الرفع، أو في موضع النصب، أو في موضع الجر، فإنه سيبقى على البناء على الكسر. جاء سيبويهِ، ورأيت سيبويهِ، ومررت بسيبويهِ، فهو مبني على الكسر في جميع أحواله.
أما المركب الإسنادي فإنه يبقى على حاله، لا يتم عليه تغيير، وإنما يكون إعرابه مقدراً؛ فأنا لا أغير فيه إذا قلت مثلاً: "قال تأبط شراً" مع أنه هنا في موضع الفاعل، في موضع الرفع، لكنني لا أغير فيه؛ لأنه منقول عن الجملة، فأنا أحكيه كما هو، فأقول: "قال تأبط شراً". ويعرب إعراباً متكاملاً وكأنه فاعل مرفوع، ولكنه لا يرفع بعلامة ظاهرة بل بعلامة مقدرة؛ لأن الإسناد والنقل من الجملة والحكاية هي التي منعت من تغييره ومن التصرف فيه، وكذلك لو جاء في موضع النصب أو في موضع الجر فإنه يجر وينصب بعلامات مقدرة وليست علامات ظاهرة، ولا يتصرف فيه ولا يغير.
خلاصة ما تحدثنا فيه في العلم أيها الإخوة والأخوات، العلم هو باختصار الاسم الذي يعين المسمى ويميزه من بين أفراد جنسه. ومن حيث الإفراد والتركيب ينقسم إلى مفرد ومركب. المفرد هو ما كان كلمة واحدة مثل زيد وخالد ومكة.
والمركب قد يكون مركباً تركيباً إضافياً كعبد الله وأم الفضل وما أشبه ذلك، وقد يكون مركباً تركيباً مزجياً كبعلبك وحضرموت وسيبويه، وقد يكون مركباً تركيباً إسنادياً كتأبط شراً وجاد الحق وما أشبه ذلك، وقد يكون منقولاً من جملة فعلية أو منقولاً عن جملة اسمية كما مثلنا سابقاً، وكما هو ممثل عندكم "الخير نازل"، فهذا مركب تركيباً إسنادياً.
أما تقسيم العلم من حيث الأصل والواضع فإنه قد يكون اسماً، وقد يكون كنية، والكنية هي ما صدرت بـ "أب" أو "أم" وما أشبه ذلك، واللقب هو ما أشعر بمدح أو ذم. إذا اجتمعت هذه الثلاثة فإننا نقدم الاسم أو نقدم الكنية، لكن إذا جاء مع الاسم اللقب فإننا نؤخر اللقب.
بهذا نكون قد أتينا على تمام الكلام عن العلم، ونختم هذا الدرس، وإن شاء الله نلتقي في درس قادم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.
د. عبدالله مسملي