تسجيل الدخول

المحاضرة 21 - اللغة العربية - المستوى الثالث - د. عبدالله مسملي - حروف الجر (أنواعها، ومعانيها)

عبدالله مسمليد. عبدالله مسملي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أرحب بكم أيها الأخوة والأخوات إلى هذه الحلقة الحادية والعشرين من حلقات دروس اللغة العربية في أكاديمية زاد العلمية.

أسأل الله عز وجل أن ينفعنا بما نقول. درسنا سيكون عن حروف الجر. في الدرس السابق كنا قد انتهينا من الحديث عن المنصوبات، كانت البداية مع المرفوعات، ثم انتقلنا إلى المنصوبات، واليوم ننتقل إلى المجرورات: المرفوعات ثم المنصوبات ثم المجرورات، وهذا من أشهر تقاسيم أبواب النحو.

المجرورات: المجرور بحرف الجر والمجرور بالإضافة. وهناك قسم ثالث هو المجرور بالتبعية؛ بمعنى أن التوابع التي تتبع ما قبلها كالصفة والبدل والتوكيد والعطف، هذه تابعة لما قبلها، فإذا كان ما قبلها مجروراً فإنها ستكون مجرورة، ويسمى هذا النوع المجرور بالتبعية.

لكن النوعان الأساسيان هما: المجرور بحرف الجر، والمجرور بالإضافة. نقف مع المجرور بحرف الجر؛ هناك حروف تدل على معانٍ في غيرها، تدخل على الأسماء فتجرها، هذه الحروف هي حروف الجر.

فائدة هذه الحروف أنها تربط بين الأفعال والأسماء، ولذلك يقول بعضهم إنها تسمى حروف الإضافة؛ لأنها تضيف معنى الفعل إلى الاسم، وبعضهم يقول لأنها تجر الأفعال إلى الأسماء، ولكن سميت حروف الجر لأنها تجر ما بعدها، فهي حروف سميت بعملها؛ ما تعمل؟ ماذا تعمل؟ هي تعمل الجر، فهي تجر الاسم الذي يأتي بعدها، فلذلك تسمى حروف الجر.

وبعض النحاة يسميها حروف الخفض، على اعتبار أن مصطلح الخفض مصطلح آخر وهو يساوي الجر، فإذا رأيت حروف الخفض فاعلم أنها حروف الجر، وهذا المصطلح استعمله صاحب متن الآجرومية فيتنبه لذلك.

هذه الحروف إذن تسمى حروف الجر، وهي تجر الاسم الذي بعدها، وهذه الحروف لها معانٍ تدل عليها، لكن هذه الحروف لا تستقل بذاتها، وإنما هي تدل على معنى في غيرها، تدل على معنى إذا دخلت على الاسم الذي بعدها، فإذا هي رابطة بين الفعل أو الحدث وبين الاسم الذي بعدها، فهي تربط بين هذين الركنين.

وقد تأتي حروف الجر في الجملة الاسمية، لكنها تكون متعلقة بما فيه معنى الفعل. ما هي هذه الحروف؟ ما طبيعتها؟ هذه الحروف هي عشرون حرفاً، وبعضهم يقول أنها واحد وعشرون حرفاً. سبق أن ذكرنا بعضاً منها في الاستثناء في باب الاستثناء: خلا وعدى، فإنها قد تجر ما بعدها فتكون حرف جر، وهناك حروف مختلف فيها، وهناك حروف استعملها بعض العرب ظروف جر، لكن اللغة المشهورة الشائعة لا تستعملها حروف جر.

سيبقى معنا الحروف المشهورة، وهي: من، وإلى، وعن، وعلى، وحتى، وفي، والباء، والكاف، واللام، وواو القسم، وتاء القسم، ومذ، ومنذ، ورب. هذه الحروف يأتي بعضها على حرف واحد؛ مثل: الباء، واللام، والكاف، وواو القسم، وتاء القسم، هذه خمسة حروف من حروف الجر تأتي على حرف واحد، صورتها حرف واحد.

وهناك حروف تأتي على حرفين؛ من، وعن، ومذ، وما أشبه ذلك. ومنها ما يأتي على ثلاثة أحرف؛ مثل: على، وإلى، ورب، ومنذ. وهناك ما يأتي على أربعة أحرف، وهو الحرف: حتى.

أيضاً هذه الحروف تدخل على الاسم الظاهر وتدخل على الضمير: منه، منك، عنك، إليك، تدخل على الاسم الظاهر وتدخل أيضاً على الضمير، تدخل على المضمر، لكن بعضها لا يدخل إلا على الاسم الظاهر، لا يدخل إلا على الاسم الظاهر؛ مثل: الواو، والتاء، ومذ، ومنذ، وحتى، والكاف، ورب. هذه الحروف لا تدخل على الضمير، وإنما تدخل على الاسم الظاهر.

إذن هذه هي حروف الجر وهذه تقسيماتها، فمنها ما يدخل على الاسم الظاهر وعلى الضمير، كما مثلنا نقول: جلست في المسجد، وذهبت إلى المسجد فجلست فيه، فهذا الحرف يدخل على الاسم الظاهر ويدخل على الضمير.

أما بعض الحروف فإنها لا تدخل إلا على الظاهر، وهي مختصة بالدخول على الاسم الظاهر، لا تدخل على المضمر؛ فواو القسم مثلاً لا تدخل على الضمير، وإنما هي مختصة بالدخول عليه، فنقول: والله، لكن لا نستطيع أن نقول: وكاء، وهاء، وما أشبه ذلك؛ لأنها لا تدخل على الضمائر، إنما تدخل على الأسماء الظاهرة.

فاصل أيها الأخوة ثم نواصل الحديث.

فانظروا كيف كان عاقبة التاريخ مخزن العبر ومعلم الأمم، فيه أخبار السابقين الأول وأسباب التمكين وزوال الدول. من اعتبر بدروسه نجا، ومن تعامى عن حوادثه هوى.

وقد عني القرآن بذكر الكثير من القصص والتنويع في أحداثها لتوجيه الأنظار إلى الاعتبار بأحوال الأمم في كفرهم وإيمانهم وشقاوتهم وسعادتهم، فلا شيء يهدي الإنسان كالمثولات والوقائع.

ومن هنا ينجلي للعاقل أهمية العلم بالتاريخ وعلو شأنه، فإذا نظر الإنسان إلى أحوال الأمم السالفة وأسباب قوتهم وضعفهم وعزهم وذلهم حمله ذلك على حسن الأسوة والاقتداء بأسباب السعادة والتمكين، واجتناب ما كان من أسباب الشقاوة والهلاك والتدمير.

وإن التحولات في أحوال الأمم من رخاء إلى شدة ومن شدة إلى رخاء إنما هو من جراء أعمال العباد، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.

فمن فوائد وثمرات دراسة التاريخ: الإحاطة بالتطبيق العملي للإسلام وذلك من خلال السيرة النبوية، العلم بأن الأمة مكلفة بهدف عظيم وهو عمارة الأرض بمنهج الله تعالى، العلم بأعداء الأمة والعلم بطبيعة الصراع بين الحق والباطل، فهم الحاضر لأن الحاضر جزء من الماضي فمن لم يعتبر بماضيه لن ينتفع بحاضره، إدراك سنن الله تعالى في هذا الكون وأنها لا تحابي أحدا، قال تعالى: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: 43].

بسم الله الرحمن الرحيم. بعد أن تحدثنا عن هذه الحروف، هناك أمر متعلق بهذه الحروف مهم جداً وهو معاني هذه الحروف، لكل حرف معنى يدل عليه إذا دخل في التركيب، أما قبل التركيب فانه قد لا يدل على معنى.

فإذا دخل في التركيب في الجملة دل على معنى، وهذه الحروف كما ذكرت لها معانٍ، قد يتعدد معنى الحرف؛ يعني قد يأتي في هذا التركيب وفي هذه الجملة له معنى، وقد يأتي في جملة أخرى الحرف نفسه لكنه يحمل معنى آخر. فهناك معانٍ مشهورة لهذه الحروف وهناك معانٍ أخرى قد تكون أقل شهرة من هذه المعاني.

فإذا بدأنا بالحرف (من) مثلاً، فمن هذه تدل على الابتداء، كما في قول الله عز وجل: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: 37]؛ يعني ابتداء الكلمات من الله عز وجل، فمن هنا للابتداء. وكما تقول مثلاً: خرجت من البيت؛ يعني خروجي ابتدأ من البيت.

هذا معنى من، ولكن هل لها معانٍ أخرى؟ نعم، من المعاني الأخرى المشهورة: التبعيض، يعني أن تدل على البعض، حينما اقول: أخذت من الدراهم؛ يعني أخذت بعض الدراهم، ليس هناك معنى آخر غير التبعيض. قال الله عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ [التغابن: 2]، فهنا من جاءت للتبعيض.

الحرف الثاني: (إلى)، تدل على الانتهاء، ذهبت إلى المسجد، وصلت إلى المسجد؛ انتهاء ذهابي، انتهاء خروجي، انتهاء مشيي هو إلى المسجد. ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ﴾ [الزمر: 7]؛ يعني منتهاكم عند الله عز وجل.

كذلك أيضاً (على) من حروف الجر وهي تدل على الاستعلاء، (على) تدل على الاستعلاء، جلست على الكرسي، هنا تدل على الاستعلاء. ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5]، فهنا تدل على الاستعلاء. ﴿وَفَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: 21]، فهذا استعلاء.

(في) من الحروف وتدل على الظرفية، وتدل على الظرفية، حينما أقول: جلست في المسجد، المسجد هنا مكان، هنا هذه الظرفية. ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ [الروم: 2-3]، هذا مكان فهي ظرفية مكانية. ﴿سَيَغْلِبُونَ * فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: 3-4]، فهنا في أيضاً تدل على الظرفية، لكنها الظرفية الزمانية، فالظرفية قد تكون مكانية وقد تكون زمانية.

وقد تدل على التعليل أو السببية؛ (دخلت النار امرأة في هرة)، في هرة هنا في جاءت بمعنى التعليل وليست الظرفية، إذاً هنا جاءت في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «دخلت النار امرأة في هرة»؛ يعني بسبب هرة وهذا هو التعليل.

كذلك أيضاً (عن) تدل على المجاوزة، المجاوزة يعني أنقلبت عن البلد، أو سافرت عن البلد؛ يعني جاوزته وتركته. ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ [البقرة: 142]؛ يعني تجاوزوها وانتقلوا إلى قبلة أخرى، عن تدل على المجاوزة.

كذلك أيضاً من الحروف اللام، وهي تدل على الاختصاص والملك، اقول: هذا القلم لفلان، فهنا يعني يدل على أن هذا القلم خاص به، أن هذا القلم ملك له، أن هذا القلم له لا لغيره. قال الله عز وجل: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: 284]، لله ملك السماوات والأرض، فهنا اللام للاختصاص للملك.

وقد تأتي اللام للتعليل؛ جئت لإكرامك، فهنا بسبب إكرامك، والعلة لهذا؛ فاللام أيضاً من معانيها التعليل.

الباء من حروف الجر ولها معانٍ أيضاً متعددة، منها: الاستعانة، قطعت اللحم بالسكين، بالسكين هنا الباء تدل على الاستعانة. ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: 79]، فهنا استعانوا بأيديهم، فالباء هنا تدل على الاستعانة.

وقد تدل على السببية؛ ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 35]، فهنا الباء تدل على السببية. وتقول: عاقبته بذنبه؛ يعني عاقبته بسبب ماذا؟ بسبب ذنبه، فالباء هنا تدل على السببية.

وقد تدل على الإلصاق، أخذت بيده، أمسكت بيده؛ ملاصقاً له. وقد تدل على الظرفية أيضاً، أنا أقيم بمكة، أقيم بمكة، فهنا الباء للظرفية. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران: 96]، فالباء هنا تدل على الظرفية.

من الحروف أيضاً (حتى)، وهي تدل على انتهاء الغاية، سرت حتى المدينة؛ إلى المدينة وانتهى بي المطاف إلى المدينة. قال الله عز وجل: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: 187]، فهنا انتهاء الغاية. وكذلك أيضاً من معاني حتى التعليل؛ ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: 193].

كذلك من حروف الجر (الكاف) وتفيد التشبيه، فلان كالاسد، وهو يشير إلى تشبيه فلان بالأسد، الكاف هنا جاءت ويقصد بها التشبيه. وكذلك أيضاً منه قول الله عز وجل: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ * وَتَكُونُ الْجِبَالَ كَالْعِهْنِ﴾ [المعارج: 8-9]، فهنا الكاف تدل على التشبيه، فمعناها الأساسي هذه الكاف تدل على التشبيه.

كذلك أيضاً من الحروف (الواو) وتدل على القسم، المقصود بها القسم؛ والله، ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج: 1]، ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: 1-2]، فهذه الواو واو القسم، وهي من حروف الجر. وهذه الواو هي من باب حروف القسم وتدخل على المقسم به، سواء كان اسم؛ يعني سواء كان لفظ الجلالة أو غير لفظ الجلالة.

من الحروف أيضاً (التاء)، وهي حرف جر وهي تدل على القسم، ولكنها مختصة بالدخول على لفظ الجلالة؛ تالله لأفعلن، قالوا: ﴿تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ﴾ [يوسف: 95]، قالوا: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا﴾ [يوسف: 91]. وورد عن بعض العرب أنهم يقولون: ترب الكعبة،هاه، لكن المشهور أن التاء هذه تدخل على لفظ الجلالة فقط.

كذلك أيضاً من الحروف: مذ ومنذ، وهي تدل على ابتداء الغاية؛ أتيتك منذ ساعة، وما رأيتك منذ يومين.

وأيضاً من الحروف (رب)، وهي تدل على التقليل وتدل على التكثير؛ رب قلم أقوى من سيف، هذا للتقليل. أيضاً للتكثير تستعمل للتكثير؛ رب أخ لك لم تلده أمك.

إذاً هذه الحروف تحمل معانٍ تدل عليها إذا دخلت في كلام وفي جملة ودخلت على الاسم، فإنها تدل على معاني، تشتهر الحروف بمعانٍ مشهورة.

فاصل أيها الأخوة ثم نواصل الحديث ان شاء الله تعالى.

نزل الوحي الإلهي باللسان العربي المبين، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: 2]. فتعلم العربية يسهل فقه معاني الكتاب والسنة وكلام السلف. وكتب عمر إلى أبي موسى: أما بعد، فتفقهوا في السنة وتفقهوا في العربية.

وعلم النحو هو علم بأصول يعرف بها أحوال أواخر الكلم إعراباً وبناءً، والكلمة ثلاثة أقسام: اسم، وفعل، وحرف.

والاسم منه مذكر كمحمد، ومؤنث كعائشة، ومنهم مفرد كمسلم، ومثنى كمسلمين، وجمع وهو مذكر سالم كمسلمين، ومؤنث سالم كمسلمات، وجمع تكسير كعلماء. والاسم منه نكرة كرجل، ومعرفة وهي أنواع؛ الضمير كأنا وهم، والعلم كأحمد، واسم إشارة كأولاء، والاسم الموصول كالذي، والمعرف بأل كالرجل، وبالإضافة كطالب العلم. والإعراب هو تغيير أواخر الكلم لاختلاف العوامل الداخلة عليها لفظاً أو تقديراً، وعكسه البناء. وأقسام الإعراب أربعة؛ الرفع وعلامته الأصلية الضمة، والنصب وعلامته الأصلية الفتحة، والجر وعلامته الأصلية الكسرة ويختص بالأسماء، والجزم وعلامته الأصلية السكون ويختص بالأفعال.

والفعل ثلاثة أقسام؛ ماض كذهب، ومضارع كيذهب، وأمر كاضرب. والماضي والأمر مبنيان، والمضارع يعرب ويبنى. والجملة إما اسمية وهي مبتدأ وخبر، وإما فعلية وهي فعل وفاعل. فتعلم النحو واللغة لتفهم نصوص الوحي, فانه نزل إلينا بلسان عربي مبين.

بسم الله الرحمن الرحيم. أيها الإخوة، نواصل الحديث عن حروف الجر، وهو باب واسع كبير. تحدثنا قبل الفاصل عن معاني هذه الحروف، حينما تأتي هذه الحروف في تركيب في جملة، ماذا تفيد؟ ما المعنى الذي تضيفه هذه الحروف؟ تحدثنا عن ذلك وذكرنا أمثلة لذلك، ولم نستوف الحديث عن معاني حروف الجر لأن الكلام يطول.

لكن ثمة مسألة مشهورة بين العلماء وفيها خلاف، نحب أن نشير إليها إشارة، وهي: هل يجوز أن يأتي حرف بمعنى حرف آخر؟ يعني نستعمل حرفاً وهو يدل على معنى حرف آخر. بمعنى: هل يصح أن أستعمل في بمعنى على؟ يعني أقول: جلست في الكرسي، بمعنى على الكرسي؟

هذه مسألة تسمى تناوب حروف الجر. يعني هل يجوز أن ينوب حرف عن حرف؟ نأتي بحرف عن حرف. قد يقول قائل: طيب، لماذا نأتي بذلك الحرف ولا نأتي بالحرف الأصلي؟ يعني لماذا أقول جلست في الكرسي وأنا أقصد جلست على الكرسي، لماذا لا أقول جلست على الكرسي؟

المسألة هي مسألة خلافية بين العلماء. هناك فريق يرى أنه لا تتناوب حروف الجر، لا يجوز أن ينوب حرف مكان حرف. إذا أرادنا معنى الحرف، معنى هذا الحرف، نأتي بالحرف نفسه ولا نأتي بحرف آخر ليدل على معنى ذلك الحرف. الأصل أن اللفظ يدل على معنى، وإذا دل على هذا المعنى فهو أولى به أن يذكر، ولا يأتي بحرف لا يدل على المعنى ليكون في مكانه، نأتي بكلمة تدل على معنى آخر لتكون في موضع هذه الكلمة.

وأيضاً مما يأتي بهذا الخلاف أو يجعل هذا الخلاف خلافا سائغاً أو خلافا يذكر كثيراً، أننا نجد بعض آيات القرآن لا يأتي فيها الحرف بالمعنى المتبادر إلى الذهن، ودعا ذلك بعض العلماء إلى أن يقولوا إن هذا الحرف هو بمعنى كذا، بمعنى الحرف الآخر، بمعنى الحرف الآخر. لكن الصحيح والمشهور والذي عليه كثير من أهل العلم أنه لا تناوب بين حروف الجر. لا تتناوب حروف الجر، وإن ذهب إليه بعض العلماء، لكن لا تتناوب، يدل على معاني، لكنها لا تتناوب بمعنى أنه لا استعمل هذا الحرف مكان هذا الحرف فيدل على معنى دون زيادة ودون نقصان.

نضرب على ذلك مثلاً قول الله عز وجل في حكاية عن فرعون: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: 71]. في جذوع النخل هنا، هل المقصود بفي هنا الظرفية؟ هل المقصود بها الظرفية؟ لأن في تفيد الظرفية، فهل المقصود الظرفية أو أن لها معنى آخر؟ هناك من ذهب إلى أن في هنا بمعنى على: ولأصلبنكم على جذوع النخل. فهل هنا هذه الآية تدخل في باب التناوب فيكون في نابت مناب على مثلاً؟

الذين يقولون بجواز التناوب يقولون: نعم، في هنا بمعنى على. والذين لا يجيزون ذلك يقولون: لا، إن في هنا ليست نائبة عن على، وإنما هي مقصودة، تفيد الظرفية لكنها ليست الظرفية الحسية، بمعنى ليس المقصود أنه يصلبهم وهم داخل جذوع النخل، لأن هذا لا يتصور، ولكن قالوا إن استعمال الحرف هنا في له دلالة خاصة، دلالة كبيرة جداً، لو كانت على لما دلت عليها. بمعنى أنه لو جئنا بعلى لا تدل على المعنى الذي جاءت به في.

ماذا يقولون؟ يقولون إنه من شدة تهديده لهم أنه سيصلبهم حتى يظن الرائي أنهم بداخل جذوع النخل. حتى يظن الرائي أنهم بداخل جذوع النخل، حتى كأنهم فيها وليسوا مبتعدين عنها أو عليها، وإنما فيها، من شدة تهديده لهم وصلب يصلبهم حتى يظن الرائي أنهم في داخل هذه الجذوع، في داخل هذه الجذوع.

إذاً هذه دعوة للتدبر في كتاب الله عز وجل، أن الإنسان إذا رأى الآية ووجد فيها حرفاً قد يدل على معنى حرف آخر، لا شك أن المعنى مختلف، معنى مختلف، وأن هناك حكمة من إيراد هذا الحرف، وإن جاء على غير المعنى المتبادر أو المعروف أو المشهور لهذا الحرف، وإن جاء بمعنى أو بما يدل على أنه كأنه بمعنى حرف آخر، فإننا لا نقول بالتناوب، لا نقول بالتناوب.

وهناك أيضاً يذهب بعض العلماء إلى أن القول بالتضمين، أن ضمن الفعل معنى فعل آخر، ليتناسب مع هذا الحرف. هذه مسألة أخرى، مسألة التضمين أيضاً. تجعل القائلين بعدم التناوب يتمسكون بالتضمين، ويقولون إن القول بالتضمين أن هذا الفعل يدل على المعنى الذي يدل عليه لفظه، ويدل على معنى آخر لفعل آخر يتناسب مع حرف الجر الذي يأتي بعده، فكأننا جئنا بمعنيين.

فكأننا جئنا، ولا نريد أن نطيل في هذا، لكن خلاصة الكلام أن هذه الحروف، حروف الجر، تأتي على معان مشهورة ومطردة وكثيرة فيها. فإذا جاءت وكأنها تدل على معنى حرف آخر، فهل نقول بالتناوب أو نقول ليس هناك تناوب، نقول مثلاً بالتضمين؟ هذه المسألة كما ذكرنا مسألة خلافية، لكن القول بعدم التناوب هو الأصح، وهو الذي يتوافق مع طبيعة الكلام ودلالة الكلام، وهو أولى من التناوب.

بهذا القدر أيها الإخوة نكون قد أتينا على جزء كبير من حروف الجر، تعريف هذه الحروف والمقصود بها ومعاني هذه الحروف، إلى أن نلتقي في درس قادم، استودعكم الله والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

يا راغباً في كل علم نافع متطلعاً لزيادة الإيمان, وتريد سهلاً يأتيك ميسوراً بأي مكان. زاد زاد لغة الفصيحة ورعها بطريف أسلوب وحسن بيان, تحية للعلم كالأزهر في البستان.