بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، ونصلي ونسلم على رسولنا الأمين، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
هذا اللقاء أيها الإخوة وأيتها الأخوات هو لقاؤنا الرابع والعشرون، وهو آخر لقاء بهذه الدورة اليسيرة والجدول الذي رسم في هذه الأكاديمية، التي أسأل الله عز وجل أن يبارك فيها، ويبارك بشيخنا الشيخ محمد المنجد، ويبارك بكل من ساهم في إظهارها وتيسير وصولها للناس. وإن شاء الله يكون لنا لقاء معكم مع فصل دراسي قادم نواصل فيه دروسنا، ونواصل فيه مسائلنا في علم النحو، فإن الأكاديمية هذه قائمة على أربعة فصول دراسية، فنسال الله عز وجل كما أاننا ويسر لنا الفصل الدراسي الأول أن ييسر لنا بقية الفصول الدراسية.
وهذا هو آخر درس في هذه المدة وفي هذا الفصل الدراسي، وهو في التاء المربوطة، وأشرنا إليه في اللقاء السابق لمناسبته مع التأنيث، ولا باس من إعادته إجمالا، وذلك لأنه هو آخر درس في هذه المدة التي رسمها لكم من كان يبرمج ويخطط ويجدول لهذه الدروس المباركة بإذن الله. وعرفنا أن التاء المربوطة هي علامة من علامات التأنيث، وأن الكلمات المشتقة إنما يفصل فيها بين المذكر والمؤنث بهذه التاء المربوطة، فيقال: عالم وعالمة، ودارس ودارسة، ونحو ذلك.
ولكن هناك كلمات مشتقه على أوزان محددة يستوي فيها المذكر والمؤنث؛ فمن هذه الأوزان ما كان على وزن فعول بمعنى فاعل، يعني هو الذي يفعل هذا الشيء، مثل عجوز؛ فإن كلمة عجوز هي بمعنى فاعل، يعني العجز يفعل هذا ويقع منه هذا العجز، فيستوي فيها المذكر والمؤنث، فتقول: رجل عجوز، وامرأة عجوز، ولهذا الله عز وجل قال: ﴿قَالَتْ يَا وَيْلَتَىٰ أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَٰذَا بَعْلِي شَيْخًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ [هود: 72]، فكلمة عجوز هنا لامرأة، فلم يقال عجوزة ليفرق بينها وبين الرجل، وإنما يقال عجوز هنا ويقال عجوز هنا؛ لأن القاعدة أن كل كلمة كانت على وزن فعول وهي بمعنى الفاعل فانه يستوي فيها المذكر والمؤنث.
كذلك ما كانت من الكلمات على وزن فعيل بمعنى مفعول؛ لاحظ هناك فعول بمعنى فاعل، هنا فعيل بمعنى مفعول، فالكلمات التي تأتي على وزن فعيل وهي بمعنى مفعول يستوي فيها المذكر والمؤنث، فتقول: رجل جريح وامرأة جريح، جريح على وزن فعيل وبمعنى مفعول، يعني بمعنى مجروح فهو مجروح، وكذلك المرأة مجروحة، لكن عندما نقول جريح: لا، نعم مجروح مجروحة، لكن جريح وجريح؛ لأن هذه الكلمة على وزن فعيل وهي بمعنى مفعول، فيستوي فيها المذكر والمؤنث، نقول: رجل جريح وامرأة جريح.
كذلك ما كان على وزن مفعال وهي تدل على الكثرة، مِهْد؛ يعني كثير أن يهدر وقته، وهذا للأسف الشديد ترى مثل هذا في بعض الناس، لا أقول بإذن الله أنه كثير، لكن في بعض الناس وخصوصا عندما يكون مستقيما وعنده خير، وهو أصلا حريص على الخير، لكنه يهدر الوقت العظيم، والوقت هو الحياة، وقتك هو حياتك، هذا الوقت هو العمر الذي سوف تسأل عنه، فأنت تسأل عن هذا الوقت سؤالان: تسأل عن عمرك وتسأل عن شبابك، وكلاهما في الوقت، لكن لأن الشباب وقت خاص من العمر، وفيه العطاء وفيه البدل وفيه الحياة، وفيها يكون السؤال عن هذه الفترة سؤالا خاصا لأهميته، بينما أنت تسأل عن عمرك عن كل وقتك، لكن تسأل أيضا عن شبابك فيما أبليته.
لهذا الوقت لأسف الشديد ترى كثيرا من الناس يقول كما يسمع كثيرا: اريد أن أقضي وقتي، اريد أن أقطع الوقت؛ يعني بعض الناس يبحث عن الوقت، وحقيقة الوقت عنده مزدحم؛ مزدحم جدا بين حقوق البيت، وبين حقوق العمل، وبين حقوق المكاسب الدنيوية، وبين حقوق العلم وطلبه، وبين حقوق الاحتساب، والناس يتمايزون ويختلفون، وكل واحد عنده مشاربه ومشاغله، فيزدحم الوقت أحيانا عليه، بينما تجد من الناس من لا يجد ما يشغل وقته من الفراغ الذي عنده؛ ولهذا الوقت هو حياتك، وأجمل ما يعينك على قضاء هذا الوقت بما ينفعك وبما يفيدك، إياك أن تنظر إلى كثرة ما تريد أن تصل إليه؛ يعني أنا أرغب مثلا أن أقرا كتاب منهاج السنة لشيخ الإسلام ابن تيمية، فتستسلم: لا لا لا، اقرأ جزءا يسيرا اليوم، اجعل لك في اليوم جزء يسير، في الاسبوع جزء يسير، ما تدري إلا وقد فرغت من الكتاب، لا تنظر إلى المآلات حتى لا تحبط الهمه التي عندك وتعجز بعد ذلك عن أي شيء.
هذا الأمر عام في كل حاجة، إنسان عنده نظرة في المكاسب الدنيوية، لا تنظر إلى ما هذا الأمر الذي أنت تخطط أن تصل إليه، انظر ماذا تفعل اليوم، ماذا تفعل الأسبوع، ماذا تخطط، وسوف تصل، سوف تفصل بالنهاية، ولهذا جزء الأهداف جزء الأوقات؛ القرآن كثير من الناس عنده رغبه يريد أن يحفظ القرآن، فينظر القرآن: كيف أحفظ 30 جزء؟ أحفظ اليوم يسرا قليلا، وغدا مثله، وبعد ذلك ستجد أنك في النهاية حققت ما تريد، فالمقصود أن عملية الوقت استغلالها تحتاج إلى ترو وتحتاج إلى تأن وتحتاج إلى انتباه وفطنة من المرء.
فكلمه مِهْد يعني هذا يهدر وقته بكثرة، فتقول: هذا رجل مِهْد، وهذه امرأة مِهْد، وهذا لا شك أنه يعتبر خلل عند المرء في حياة الإنسان. كذلك مِعْطَار، كثير العطر أيضا، أحيانا العطر في الأصل طيب، وهو المقصود به الطيب، والنبي صلى الله عليه وسلم يحبه حب بليغا من دنياكم: الطيب والنساء، لكن كل شيء يتجاوز حده لا شك أنه ينقلب إلى ضده من حيث المقصود فيه، فالإنسان يتوازن في حياته كلها، لا يعطي الاهتمام لهذا الجسد وهذا أكبر من حجمه: إن الله جميل يحب الجمال، ولا ينسى نفسه؛ نحن بين امرين: أهمتهم أنفسهم نسوا أنفسهم، فأنت لا تكون مع من تهمه نفسه ولا يعنيه إلا نفسه والاهتمام بشكله والانحدار في هذا الشكل على حساب الروح. يا خادم الجسم كم تشقى لخدمته، أتعبت نفسك فيما فيه خسران، أقبل على الروح واستكمل فضائلها، فأنت بالروح لا بالجسم إنسان.
إياك أن بعض الناس تجده لا هم له إلا في هذه المظاهر الدنيوية، هذه المظاهر أخذت جل حياته وجل وقته، ولا شك أن الانسان يكون جميلا يكون نظيفا يكون حريصا على هذا الأمر، فلا ينسى نفسه أيضا، وفي المقابل من الناس من نسوا أنفسهم، نسوا حظوظهم، نسوا هذه الدنيا وما فيها أيضا من متعه، فعاشوا، والانسان كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: 77]. يهتم الإنسان بما يريد من هذه المقاصد وهذه الأمور التي يرغب أن يحققها بتوازن وباعتدال، فلا ينغمس في الدنيا وشهواتها ولا يبتعد، لأن هذه النفس لها حقوق، فأحيانا ربما التفريط في حقوقها ينعكس على التقدم في العلم والتقدم في الحياة، ولهذا الإنسان عندما يتوازن دائما فإنه بإذن الله يتقدم شيئا فشيئا.
كذلك المِطْيَار على وزن مِفْعَال، ونفس المعنى أيضا على وزن مِفْعَال، ومثل مِغْشَم كثير الإقدام، ونحن تكلمنا على جانب من هذه الجوانب وهو الإقدام، وهذا مطلب لطالب العلم: ﴿ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ﴾ [المائدة: 23]. مجرد أحيانا والله ما بقي إلا أن تلج أن تدخل، وسوف تجد النتائج التي لا تتوقعها، والله تجد النتائج لا تتوقعها. بعض طلاب العلم يعني بس فقط لو يعلن درسا في مسجده وبجانب بيته، قد يحضر عنده شخص، قد يحضر شخصان، ولا ضير ولا ريب، لكن سيجد بركة هذا العلم، والله سيجد بركة هذا الدرس، وسيجد أن الله عز وجل بارك له في علمه ونفع نفسه ونفع غيره، ثم درسا، ثم يلقي درسا ثانيا، ثم يلقي ثالثا، ويفتح الله عليه وينور قلبه، وسيحضر عنده؛ من جلس للناس جلسوا له، من جلس للناس جلسوا له.
شيخنا ابن عثيمين رحمه الله تعالى يذكر عنه بعض طلبته أنه حضر عنده مرة وكان في بداية علمه وطلب العلم صغيرا، وأظنه الأخ عبد الرحمن الدهش إن لم أنس حفظه الله، وهو من طلاب الشيخ ابن عثيمين رحمه الله، الطلاب البارزين المؤثرين الذي نفع الله بعلمهم. المقصود أنه الشيخ جلس في المسجد ينتظر ولم يحضر أحد، انتظر، ثم صعد على سطوح المسجد ليقرا حتى يحضر الطلاب، فلما حضر الأخ عبد الرحمن ولم يجد أحدا تراجع، كان صغيرا في السن، وهاب ربما أن يحضر مع الشيخ وحده، حتى حضر طالب فنزل الشيخ ثم جاء. المقصود أن الشيخ جلس ينتظر، وهو العلامة محمد بن صالح بن عثيمين رحمه الله تعالى، قد يكون في البدايات يحصل مثل هذا الأمر، وليست العبرة بنقص البدايات، وإنما العبرة بكمال النهايات. ناخذ فاصلا يسيرا ثم نعود إليكم أيها الإخوة وأيتها الأخوات، جزاكم الله خيرا، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
هل أنت حريص على راس مالك؟ هل تحافظ عليه من الضياع؟ فراس مالك الحقيقي هو الوقت؛ قال الحسن البصري: ابن آدم، إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك. ومن أهمية الوقت أقسم الله به في كتابه فقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ * وَالنَّهَارِ إِذَا تجَلَّىٰ﴾ [الليل: 1-2]. وسوف نسال عن الوقت يوم القيامة؛ قال صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسال عن عمره فيما أفناه». الحديث، وإذا أراد الله بالعبد خيرا اعانه بالوقت، وإذا أراد به شرا جعل وقته عليه.
وفي سيرة السلف أروع الأمثله على استغلال الوقت، فقد كان داوود الطائي يستف الفتيت ويقول: بين سف الفتيت وأكل الخبز قرآءة خمسين آية. وقال ابن القيم: أعرِف من أصابه مرض، وكان الكتاب عند رأسه، فإذا وجد إفاقة قرأ فيه، فإذا غُلب وضعه. ومن آداب الطالب ألا يسوف في تحصيل فائدة؛ لأن للتاخير آفات، ولانه في الزمن الثاني يحصل غيرها. ومن المحافظة على الوقت البعد عن البطالين الذين يقضون أعمارهم في المسامرات؛ فلا تكن ممن لا يشكرون نعمة الوقت، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ».
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، ونصلي ونسلم على رسولنا الأمين، عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
من المسائل التي كنا نشير إليها في كلمة مِغْشَم أن أحيانا الإقدام غير المنضبط يترتب عليه مفاسد، ولهذا ينبغي أن يكون الإنسان فطنا لهذا الإقدام؛ لأن الإقدام مطلب، الإقدام مطلب، لكن يكون إقداما بنداء لا تجاوز فيه ما لا يكون حقا، وتكون العاقبة لا تحمد عقباها. ولهذا بعض الإقدام يترتب عليه الجرأة العجيبة على النصوص، والكلمات العجيبة التي أحيانا نسمعها الآن: كلمة لا تقصي الآخر، كلمة أنت وصاية علينا، كلمات أحيانا نسمعها وهي في سياق الجرأة على النصوص، بل أحيانا من الجرأة أن يصل الإنسان إلى أن يهدر دما ويقتل أخاه المؤمن، ولا شك أن هذا الإقدام إقدام فاسد، وإقدام باطل، وإقدام لا تكون النتائج فيه إلا النتائج التي هي تخالف الحق وتخالف المنهج السليم.
وأحيانا والله يتعجب الإنسان ويتذكر مثل قول نوح عليه السلام: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَآتَرْنِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ [هود: 28]. يعني أنا من توفيق الله لي، أنا على حق، وهذه رحمة من الله عز وجل لي ولكم، ولكم إن كنتم اتبعتهم هذه الرحمة، فالامر واضح جلي عند هذا النبي وبقية الأنبياء واتباع الأنبياء، الحق واضح كالشمس ساطعة، ما مات النبي صلى الله عليه وسلم إلا تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. ولهذا لسان حال اتباع الأنبياء: فعُميت عليكم، هذا الحق الذي من فضل الله عز وجل واضح عندنا من حيث المعتقد من حيث المنهج، لا يضيرنا من خالف، لا يضير، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، من خالف وخذل. ونسال الله عز وجل الثبات، ونستعين بالله، ونتعلق بالله، ووالل لولا الله ما اهتدينا، ولا لولا الله ما تقدم الإنسان خطوة، ولهذا لا حول ولا قوة إلا بالله.
لكن هذا من توفيق الله أن يكون الحق عندك جليا واضحا وعمي على غيرك: فعُميت عليكم، أنلزمكموها وأنتم لها كارهون؟ كيف نجبر عليها وأصل أنتم كارهون لها؟ أنت كاره لهذا الفهم، أنت كاره لتعليم هذا الدين، أنت كاره لكون المرأة محجبة، أنت كاره لفصل الرجال على النساء، أنت كاره لهذه المعاني، كيف يلزمك بها ونجبرك ونحن نقنع بها وأنت كاره لها؟ هذا من عمل قلب، أنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور. ولهذا الله يقول: فعُميت عليكم، فعُميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون؟
ومن توفيق الله للأنبياء ولاتباع الأنبياء: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف: 108]. على بصيرة، من توفيق الله عز وجل: البصيرة هي علم وحكمة يكون عند الإنسان، يضع الأمور في مواضعها في الميزان السليم الصحيح، وهذا من توفيق الله، ويكون ثابتا راسخا مطمئنا على يقين بالحق الذي معه، على يقين بالعقيدة والمنهج السليم، ويرى والحمد لله أن فضل الله عليه عظيم، ويرى غيره.
إنها عميت عليه، عميت عليه، لم يتبين له. والله عز وجل لا يظلم أحداً، فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم، نسوا الله فنسيهم. لا يمكن يكون العبد إلا أن يبدأ بالزيغ، يبدأ بالنسيان، فلما ينسى الله ينساه الله، فلما يزيغ فإن النتيجة: ﴿وَزَاغَ قُلُوبُهُمْ﴾ [الصف: 5].
ولهذا فضل الله عز وجل عظيم على من يوفق للعقيدة الصحيحة والمنهج السليم. الله عز وجل أفعاله كلها تدور بين الفضل والعدل، وغير وارد الظلم إطلاقاً: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: 46]. «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً». الظلم غير وارد إطلاقاً على الله عز وجل، أعماله تدور بين الفضل والعدل.
ولهذا أنت سبب، أنت سبب في زيغ قلبك، أنت سبب في نسيان الله لك عندما أنت تبدأ هذا الأمر، فتنسى، فتزيغ، فتزداد والعياذ بالله ضلالة، وتزداد بعداً، فعميت عليهم، فعميت عليهم.
بينما الأنبياء لسان حالهم: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ﴾ [هود: 28]. فهو على بينة من ربه، ورحمة الله عز وجل أعطاه من هذا النور، وهذا الوحي، وهذه الروح. وهذا النور إنما هو بالوحي الذي جاء من الله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: 52]. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ﴾ [يونس: 57].
فهذا شفاء، وهو موعظة ونور وروح وحياة، إنما بهذا الوحي، بالعلم، بهذا الوحي وبهذا النور الذي جاءك. ولهذا يزداد الإنسان بفضل الله عز وجل ثم بسلوكه طلب العلم يزداد ثباتاً ونوراً واستقراراً وطمأنينة وراحة.
بينما آخرون عميت عليهم، عميت عليهم، وهم السبب في ذلك في زيغ قلوبهم، نسأل الله السلامة والعافية. يجادلون في أمور جاءت في ديننا، ما يجادل فيها إلا من كان في قلبه هوى، أو انغمس في الشهوات، وكان على جهل في قواعد هذا الدين، فعميت عليهم، فعميت عليهم.
هذا الأمر في هذه الآية فيه هذه الدلالة العظيمة التي ينبغي أن نقف معها، ونستشعر فضل الله، ونستشعر رحمة الله على من يوفق لهذا العلم وهذه العقيدة وهذا المعنى. بينما يجد الآن من الناس الذين صوروا، ومن الناس الذين هم قبل ذلك، من يأتي بمثل الكلمات العجيبة والحرب العجيبة على هذا الدين، وياتي بكلمات يريد فيها أن يغير المعاني الحقيقية، فتسمى بعض الامور بكلمات إنما هي زخرفة لها: يسمى الخمر مشروباً روحياً، والزنا حقوقاً شخصية وحرية خاصة، وكلمات والعياذ بالله.
وفي المقابل يسمى من يقف ويثبت على الحق: هذا رجعي، هذا متخلف. بعض الناس لأسف الشديد، لأسف الشديد لضعف بصيرته وعقله وفهمه، مثل هذه الكلمات قد تنحيه وقد ترده وقد تؤثر عليه، بينما الإنسان الذي وفقه الله عز وجل ونور الله قلبه وبصيرته وفهمه وعلمه، فانه بإذن الله ما تؤثر.
قل ما شئت، أهل البدع ما تركوا شاردة ولا واردة إلا وغمزوا على أهل السنة والجماعة، قالوا مجسمة، قالوا مشبهة، قالوا يحدون الله، قالوا جعلتم الله عز وجل في حيز. فهم يتكلمون على أهل السنة والجماعة، لا يؤثر في سلف هذه الأمة.
قل ما شئت، لسان حالهم: الحق عندنا واضح جلي، نثبت عليه، ونصبر عليه، ونستمر عليه، ولا تؤثر هذه الاقوال وهذه الكلمات، ولا نكون ممن قال الله عز وجل: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 47]. تريد أن تقص الآخر؟ تريد تجعل وصاية لك علينا؟ كلمات ما كانت موجودة، ونحن نرفض بعض المعاني التي ربما يكون فيها جزء من هذا المعنى، لكنهم هم يريدون بذلك ما وراءه؛ أن يفلت الحرية للإنسان فيما يريد وفيما يشاء.
وإلا لا شك ما في أحد وصي على أحد، ما أحد يقص أحدا، وإنما الإنسان أعطاه الله، ونحن لسنا نسخاً من بعض، ولا يتبع بعضنا بعضاً إلا بالحق، ولا نكون كما قال ابن قتيبه: الناس يعني كثير منهم كاسراب القطا، مثل أنواع بعض الطيور يتبع بعضهم بعضاً، يعني قال فلان وعلان شيئاً نسوق ونساق خلفه.
لا، وإنما طالب العلم أعطاه الله عز وجل بصيرة وعلما وفهما وعقلا، الحق يقبله والباطل يرده، الحق يقبله من اي شخص والباطل يرده ولو كان يفعله الشخص الذي يرمز له ويشار إليه. لسنا نحن نسخاً يتبع بعضنا بعضاً على كل ما يققال.
ولكن ليس معنى هذا الامر ان الانسان تكون عنده هذه المعاني ولا يريد ان يكون فوقه وصي عليه ولا يريد ان يجعل من يقصيه، معنى ذلك أنه ينفلت من هذا الدين ويترك قواعد وأصول ومبادئ هذا الدين، ثم ينساق وياتون بعض الأحيان بعض الأشخاص نسمع منهم بعض الكلمات التي تاثروا فيها من سماعهم لبعض الاعلاميين أو بعض المتحدثين عبر القنوات، والسبب في ذلك هو عدم اتزانهم وعدم ثباتهم وعدم معرفتهم لطريق العلم.
فليسلك الانسان طريق العلم، وليسلك طلب العلم، وليسلك بإذن الله هذا الطريق، فسيجد باذن الله عونا من الله له بالتوفيق.
ونتحدث بإذن الله، إن شاء الله، بعد أخذ فاصل يسير، نتحدث إن شاء الله ونختم هذا اللقاء بكلمات نوصي فيها انفسنا على العلم وعلى طلب العلم، وذلك أننا في آخر لقاء في هذه الفترة الزمنية في الفصل الدراسي، فيحسن بنا إن شاء الله أن نختم بوصايا سريعة لكي نستمر ونزداد في طلب العلم بإذن الله. اعود إليكم إن شاء الله بعد أخذ فاصل يسير، جزاكم الله خيراً، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
لقد شرع الله الدين للناس رجالاً ونساءً، ووعد الجميع الجنة والحياة الطيبة إذا قام بواجبه، فقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97].
وقد جاء الاسلام فأكرم المرأة وحملها مع الرجل مسؤولية النهوض بالمجتمع وحسن الرعايه له، فقال عليه الصلاة والسلام: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». وقد شغلت المرأة في العهد النبوي وما بعده مكانا رفيعا بمشاركاتها العلمية والاجتماعية والتربوية، وتصدر اسمها في قائمة المساهمين في بناء المجتمع وصياغة هوية الأمة والمحافظة على ثوابت الدين.
ولا زال التاريخ يذكر أم المؤمنين خديجة، وأم المؤمنين عائشة، ونسيبة بنت كعب، وأم حرام بنت ملحان، وحفصة بنت سيرين، وفاطمة بنت عبد الملك، وزبيدة بنت جعفر، وغيرهن رضي الله عنهن ورحمهم.
ومن هنا كان للمرأة المسلمة دورها المهم والخطير في صياغة المجتمع، ما أكسبها قيمة واعتبارا واحتراما لا مثيل له في المجتمعات الاخرى، كما اعتراف بذلك المنصفون من الغربيين وبانهم إنما تعلموا احترام المرأة من مسلمي الأندلس. يقول المفكر الفرنسي مارسيل بويزار: إن الشعراء من المسلمين هم الذين علموا مسيحي أوروبا عبر إسبانيا احترام المرأة.
فللمرأة على ثغر الحياة الزوجية أثر خطير، وفي التربية على الدين والخلق دور كبير، وفي التعليم والدعوة والطب والرعاية مكانة ومسؤوليات، وقيام المرأة المسلمة بهذا وغيره له أثره الايجابي في اصلاح المجتمع كله أسراً وأفراداً، وصدق عليه الصلاة والسلام حين قال: «إنما النساء شقائق الرجال».
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد. إخوتي في الله، ها نحن نصل إلى ختام هذا الدرس في الفصل الدراسي الأول الذي نسأل الله عز وجل فيه أن يجعله فصلا دراسيا حافلا جميلا استفدنا منه جميعا من هذا العلم وهذا الفن.
وقد درسنا ما يتعلق في بدايات هذا العلم وفي الأصول التي يعتمد عليها من حيث الإعراب، وعلامات الإعراب الأصلية والفرعية، والأسماء والأفعال والحروف، وما يتعلق في ذلك من معرفة إعراب هذه الكلمات والكلمات المبنية ونحو ذلك.
وإن شاء الله، كما أشرت إليكم وكما هو معروف لديكم، أن هناك ثلاثة فصول دراسية تبقى في هذا الفن، ولهذا إن شاء الله، بإذن الله، نستمر في طلبنا للعلم، ونحاول أن نثبت وأن نستمر. لا يمكن أن تنال العلم إلا بالاستمرار والمحاولة.
ما الذي يفرق بين هذا وهذا في نتائج العلم؟ ذكرنا لكم هو الصبر. ومن معاني الصبر هو أن هذا المرء كرر واستمر وقرأ، والاخر ربما اقتصر على معلومة أو معلومتين أو كتاب أو كتابين، فواصل القراءة واستمر في القراءة. كثره هذا العمل توصل الإنسان إلى اليقين وإلى الرسوخ وإلى الثبات. ما فاز سلفنا الصالح وما تقدم سلفنا الصالح إلا بثباتهم واستمرارهم.
فالعمل الذي يكون دائما مستمرا ولو كان قليلا لا شك أنه افضل وأعظم من العمل الكثير إن كان منقطعا، فقليل دائم خير من كثير منقطع. فلئن تقرا في كل يوم صفحة أو صفحتين خير من أن تقرا في الشهر عشر صفحات أو نحو ذلك، فلئن تقرا أيضا في كل اسبوع وتواصل في العلم لمادة معينة خير من أن تجتهد في شهر ثم تنقطع ثلاث سنوات. ولهذا الاستمرار.
وكن فطنا وكن نبيها، واعلم أن الشيطان إذا راى من الإنسان إقبالاً للعلم سوف يسخر كل ما يستطيع في صده، لعلمه بأنه بالعلم يعرف خططه، بالعلم يعرف خطواته، ولهذا الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [النور: 21].
الشيطان يشق عليه إلا إذا كان خصمه طالب علم، لأنه بزياده هذا العلم يعرف أنه له خطط، له بعض الامور التي في غايتها صدك عن الخير. يعني عندما ترى انك أقبلت على درس علمي، ثم أتى لك بصورة وأخرى بان يصدك عن هذا الدرس، فاعلم أن هذه خطوة من خطوات الشيطان.
قد ياتيك احيانا من جهة والديْك وحاجة والديْك، قد ياتيك احيانا من جهة أسرتك، قد ياتيك احيانا من جهة أخرى، فهو فطن ما الذي يستطيع أن يصدك به. ولهذا كلما ازداد الإنسان علما كلما عرف أن هذه خطوة من خطط الشيطان.
أقبلت أنت الان على القرآن، أتى لك بألف خطوة ليردك عنها. أقبلت الآن على الصلاة والحرص على الصلاة والحرص على الصف الأول والحرص على تكبيرة الإحرام، أتى لك بخطوات عديدة حتى يجعلك ما تنتبه وكأن الأمر طبيعي.
وللأسف الشديد، للأسف الشديد، يعني من الإخوة الصالحين من يتاخر عن الصلاة دائما وكأن الأمر يعتبر أنه لم يفعل شيئاً والامر طبيعي جدا. الصلاة مقياسك في الالتزام، الصلاة طريق معرفتك لالتزامك، الصلاة هي الميزان الذي تعرف فيه هل أنت جاد في استقامتك أو لم تكن كذلك. فالصلاة مقياس عجيب وأمرها عظيم.
قس نفسك بالصلاة، كيف أنت مع الصلاة؟ كيف أنت والحرص عندك على الصلاة وعلى تكبيرة الإحرام وعلى الصف الأول؟ وكذلك القرآن، كيف أنت مع القرآن؟ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [فاطر: 29-30]. الصدقة برهان.
فلاحظ معي الصلاة والقران هما الميزان لحقيقة الاستقامة، الصلاة والقران هما الميزان لحقيقة استقامة المرء. فلهذا لابد أن نكون جادين حريصين منتبهين، الأعمار تمشي والأيام تمضي والسنون متسارعة، والإنسان الموفق الذي يغتنم وقته بما ينفع به نفسه وبما ينفع به أمته.
أسأل الله عز وجل في ختام فصلنا الدراسي هذا وفي ختام دروسنا هذه أن يعيننا على أنفسنا، وأن لا يكلنا إلى أنفسنا. يا حي يا قيوم برحمتك نستغيث، اصلح لنا شأننا كله ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين. اللهم نور قلوبنا، اللهم نور بصائرنا، اللهم ارزقنا العلم النافع والعمل الصالح، اللهم افتح علينا بباب طلب العلم والثبات عليه، اللهم زدنا علما وهدى وتقى برحمتك يا أرحم الراحمين. واخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
وجزاكم الله خيراً، ولقاؤنا بكم بإذن الله مع الفصل الدراسي الثاني، جزاكم الله خيراً، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
الشيخ ناصر بن حمدان عودة الجهني