دخولتسجيل الدخول

المحاضرة 22 - النوازل المالية المعاصرة (التأمين)

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغبا في كل علم نافع ينمو العلم ويتقدم، بتقنياته ومجالاته، ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي؛ أكاديمية زاد. الفقه الميسر، عادما بالشرع دون تعصب لفلان، بالعلم كالازهار في البستان.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، اللهم يا مفهم سليمان فهمنا. إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الثاني والعشرون من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد في المستوى الرابع، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس قائلها وسامعها ومن أعدها وشارك فيها، اللهم اجعلنا جميعا من المتعاونين على الخير والبر والتقوى يا رب العالمين.

أما بعد، إخواني وأخواتي، سوف نأخذ في هذا الدرس معاملة من المعاملات أو النوازل المعاصرة والتي ربما كان لها شبه ببعض الصور القديمة. هذه المعاملة هي معاملة التأمين. التأمين لفظ أصله الثلاثي مشتق من الهمز والميم والنون: أمينة أو الأمن، والأمن ضد الخوف. والتأمين المراد به في الاصطلاحات المعاصرة تقديم الضمانات والتعويضات التي تغطي مخاطر شيء معين في حال حصوله، وذلك بتقديمها للطرف المؤمن له من قبل الطرف المؤمن.

إذا نلاحظ في عقد التأمين أن ثمة طرفا يخاف من حصول بعض الحوادث أو الأعراض؛ مثلا كمرض أو حريق أو زلزال أو شيء معين. تتنوع عقود التأمين بحسب المخاطر التي تغطيها، فمن الناس من يختار عقد تأمين يغطي مثلا حوادث السيارات، ومن الناس من يختار عقد تأمين يغطي مثلا عدم الإيفاء بالالتزامات الواقعة على شخص معين، ومن الناس من يختار تأمينا في حال حصول حريق مثلا على مصنعه، ومن الناس من اختاروا تأمينا في حال حصول سيل أو شيء من هذا من العوارض أو الأقدار أو غير ذلك. إذا التأمين يتنوع بحسب المخاطر التي تتم تغطيتها.

غالبا ما يكون في التأمين أطراف: الطرف الأول "المؤمن" وهو الشركة أو الجمعية أو أيا كان أو المنظمة التي تقدم التعويض التأميني في حال حصول المخاطر التي تم تغطيتها. الطرف الآخر هم "المؤمن له"، سواء كان فردا أو كانوا مجموعة "المؤمن لهم"؛ لأن أحيانا يكون عقد التأمين بين طرفين وأحيانا يكون بين عدة أطراف في جانب المؤمن لهم، ويكون المؤمن شخصا مديرا للتأمين كما سوف نستعرضه إن شاء الله تعالى بعد قليل.

فالآن ينقسم التأمين -كما ذكرنا باعتبار المخاطر التي تتم تغطيتها- إلى: تأمين ضد مخاطر الحريق، ضد مخاطر الحوادث، ضد مخاطر المرض مثلا كالتأمين الصحي، أو ضد حوادث مثل السيول أو غير ذلك من الحوادث. ومن حيث الأطراف، عندنا "مؤمن" وهو الشخص الذي يقدم التعويضات التأمينية عند حصول الأخطار، و"مؤمن له" أو "مؤمن لهم" بحسب الحال إذا كانوا مجموعة أو إذا كان فردا، وهو الشخص الذي يستحق هذه التعويضات عند حصول الأخطار.

ومن حيث الطبيعة الإلزامية للتأمين، هناك تأمين إلزامي وهناك تأمين اختياري. غالبا في جميع دول العالم تتبنى تأمينا إلزاميا في بعض المخاطر كالحوادث أو غير ذلك، وهناك تأمينات اختيارية. فمثلا من التأمينات التي تكون غالبا إلزامية في كثير من دول العالم هي التأمينات على الموظفين بالنسبة لمعاشاتهم التقاعدية أو بعد حال الوفاة لورثتهم، هذا نوع من التأمينات التي اصطلح الناس على تسميتها بالتأمين الاجتماعي. وهناك بعض الدول كذلك تلزم بالتأمين ضد مخاطر حوادث السيارات، مثلا ضد الالتزامات الحاصلة لطرف ثالث في حوادث السيارات، وهناك بعض الدول التي تلزم بالتأمين الشامل على السيارة، وهناك بعض الدول التي تلزم مثلا بالتأمين الصحي وهكذا. من حيث المخاطر، هناك دول تلزم بتغطية بعض المخاطر وهناك دول تجعل هذا التأمين من الناحية الاختيارية.

إذن لدينا تقسيم باعتبار المخاطر، وتقسيم باعتبار الأشخاص، وتقسيم باعتبار الإلزام وعدم الإلزام. يبقى عندنا تقسيم باعتباره الحكم الشرعي: ما هو حكم التأمين شرعا؟ هذه المسألة حقيقة من المسائل التي ناقشتها عدد من المجامع الفقهية، مثل مجمع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، ومجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وناقشها عدد من اللجان الشرعية والمجالس الشرعية والندوات والمؤتمرات الفقهية.

هذه المجامع فرقت بين نوعين من التأمين في نظرها للحكم الشرعي للتأمين الذي اصطلحت على تسميته: التأمين التجاري، والتأمين الآخر أو النوع الثاني وهو التأمين التعاوني أو التأمين التبادلي. وسوف نستعرض الآن لهذين النوعين وكيف اختلف حكمهما الشرعي. كعادتنا أولا نبدأ بتصور فقهي لهذه النازلة من الناحية الواقعية، تصور واقعي، ثم ننطلق بعد ذلك إلى التكييف الفقهي، ثم ننطلق بعد ذلك إلى الحكم الشرعي.

ما هو تصور واقعة التأمين التجاري؟ التأمين التجاري هو معاوضة تجارية بين طرفين، فهو عقد بيع. وعقد البيع ما هما عوضا البيع، لابد أن يكون بينهما عوض؛ هذا يدفع شيئا وهذا يدفع شيئا. طرفا البيع هما المؤمن والمؤمن له، إذا هذا عقد بيع. ما الذي يبيعه المؤمن إلى المؤمن له؟ وما هو الثمن؟ الثمن الذي يدفعه المؤمن له هو قسط التأمين، سواء كان قسط التأمين شهريا أو سنويا أو نصف سنوي أو أيا كان.

فلنفترض أن هذا الشخص المؤمن له اشترى تعويضا تأمينيا على سيارته ضد مخاطر الحوادث بشكل شامل للسيارة، سواء كانت هذه الالتزامات لطرف ثالث أو على نفس السيارة لإصلاح نفس السيارة ولو لم يكن ثمة طرف ثالث؛ هذا يسمى التأمين الشامل للسيارات. بكم اشترى هذا التعويض التأميني؟ اشتراه بثلاثة آلاف مثلا ريال أو بألف دولار مثلا، هذا هو الثمن. ما هو الشيء المبيع؟ ما هو الشيء الذي اشتراه بهذه الألف دولار؟ نلخص هذا الشيء فنقول: هو التعويض النقدي عند حصول حادث بقدر قيمة ذلك الحادث، بحد أقصى قدره مائة ألف ريال للإصلاحات مثلا، وبحد أقصى قدره مثلا مليون ريال للديات مثلا والتعويضات المتعلقة بالأشخاص، وبحد قدره مثلا مائة ألف ريال لإصلاح السيارات الأخرى ومائة ألف ريال لإصلاح سيارته. هذه حدود ائتمانية للتغطية التأمينية، حدود تأمينية لهذه التغطية. إذا هذا تصور عن واقعة ونازلة التأمين التجاري.

فاصل قصير ونعود إليكم بعد الفاصل لمزيد من التصور إن شاء الله تعالى.

أكاديمية للعلم كالازهار في البستان. اقرأ؛ إنها أول كلمة نزلت من القرآن الكريم على قلب النبي الأمين ﷺ. إن الأمم تقرأ، هي الأمم القائدة؛ لأن القراءة والمعرفة تطرد الجهل والتخلف والخرافة. وقد بلغ حب العلماء للقراءة مبلغا عظيما؛ قيل لأحدهم عند موته: ما تشتهي؟ قال: النظرة في حواشي الكتب. وقد أظهرت بعض الدراسات أن حوالي سبعين بالمئة من معلومات الإنسان يحصل عليها عن طريق القراءة ويتعلم الباقي بالاستماع والتجربة وغير ذلك. ولكي تكون قراءتك واعية...

فابدأ بالمرحلة التأسيسية، حيث تنتقي كتب أهل السنة التي تضمن بها سلامة العقيدة. وإذا قابلتك مصطلحات غامضة فاسأل عنها العلماء. ولدفع النفور من القراءة، ابدأ بالكتب السهلة قبل الصعبة، وبالمختصرات قبل المطولات. ولدفع الملل استرح وارح عينيك وتحرك بين الحين والآخر، ويمكن إذا مللت من كتاب أن تقرأ في غيره.

ولدفع شرود الذهن، عليك بالصبر والمجاهدة والبعد عن المؤثرات الخارجية، واستخدم الترقيم والتلوين لتمييز العبارات المهمة، واكتب الحواشي والتعليقات، ولخص الكتاب واستفد بما تقرأ، لتكون ممن قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 18]. فالعلم كالأزهار في البستان.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن التأمين. أولًا: تصور التأمين. ذكرنا أن التأمين يقوم على مبدأين: تأمين تجاري وتأمين تعاوني. فلنبدأ بتصوير التأمين التجاري؛ التأمين التجاري هو عقد معاوضة بين طرفين، عقد بيع بين طرفين: الطرف المؤمن وهي شركة التأمين، والطرف المؤمن له وهو الشخص الذي يطلب التعويض أو يطلب التأمين.

هذا الشخص الذي يطلب التأمين يدفع ثمنًا، ولنفترض أنه سوف يطلب تأمينًا لمدة سنة على سيارته وهذا التأمين شامل، أو لنفترض أنه يدفع تأمينًا صحيًا على مخاطر الأمراض وغير ذلك لمدة سنة. ستطلب منه الشركة مثلا أن يدفع ثلاثة آلاف ريال، وفي التأمين الصحي ربما طلبت منه الشركة مثلا عشرة آلاف ريال. يدفع هذا الثمن في التأمين التجاري، والثمن فيه ثلاثة آلاف ريال مقابل ماذا؟ ما هو المثمن؟ ما هو العوض الآخر؟

العوض الآخر هو التغطية التأمينية بحدود قدرها مثلا مليون أو مليونين أو ثلاثة للديات، ومليون مثلا لإصلاح سيارة المؤمن له، ومليون لإصلاح سيارات الأطراف الأخرى؛ هذه حدود معينة إذا حصل حادث وكانت نسبة الخطأ مثلا على الطرف الآخر، أو كانت نسبة الخطأ على الطرف المؤمن له بحدود معينة، بشرط ألا يكون هناك مثلا قطع إشارة، أو يكون هناك كذا وكذا، فيجعل هناك شروطًا للتغطية التأمينية، فكأنهم يقولون: إذا انطبقت هذه الشروط فإنه يحصل لك التعويض.

إذا حصل حادث لا تنطبق عليه هذه الشروط فإنه لا تحصل على شيء. أيها المؤمن له، إذا لم يحصل حادث فإنه لا تحصل على شيء تمامًا. إذًا يمكن أن نقول إن عقد التأمين التجاري هو عقد معاوضة وبيع بين طرفين؛ يدفع أحد الطرفين للطرف الآخر مبلغًا هو قسط التأمين، وهو مبلغ يقيني يدفع عند التعاقد، ويحصل في مقابل ذلك على مبلغ احتمالي عند حصول حدث من الحوادث وفقًا لشروط متفق عليها، ومقدار هذا المبلغ التعويضي يتحدد بحسب هذا الحادث وبحسب هذه الشروط وله حدود قصوى لا يتجاوزها.

إذًا هذا هو التأمين التجاري. ومن حيث تكييف هذا التأمين التجاري ما هو؟ نلاحظ أنه عقد بيع؛ عقد بيع فيه ثمن قدره ثلاثة آلاف ريال، وفيه مثمن وهو تعويض احتمالي إذا حصل حادث بحد أقصى قدره مليون ريال، وإذا لم يحصل حادث فإنه صفر، وإذا حصل حادث مخالف للشروط فإن التعويض يكون صفرًا. إذًا هذا عقد بيع، فمن هو المشتري؟ هو المؤمن له، ومن هو البائع؟ هو شركة التأمين أو المؤمن.

إذا أردنا أن ننظر في الحكم الشرعي، ما هو حكم التأمين بهذه الصفة؟ والله تعالى أعلم، إن التأمين التجاري بهذه الصفة عقد من عقود البيع الممنوعة شرعًا لدخول الغرر فيها. تذكرون أننا استعرضنا الأصول المحرمة التي إذا دخلت على عقد من العقود فإنها تجعله عقدًا محرمًا، وذكرنا من هذه الأصول الغرر. وقد جاء في حديث الرسول ﷺ -حديث ابن عمر وحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم أجمعين في الصحيح- أن النبي ﷺ: «نهى عن بيع الغرر».

ذكرنا أمثلة للغرر كانت قديمة؛ مثل بيع الحمل في البطن، ومثل بيع البعير الشارد أو غير ذلك من الأمثلة، أو بيع ما لا يقدر على تسليمه، أو بيع ما كان فيه جهالة فاحشة، فهذه كلها كانت أمثلة لعقود بيع الغرر سابقًا، وكانوا يستخدمون بيع الملامسة وبيع المنابذة وبيع الحصاة، وكل هذه منها في الصحيح.

ما هو إشكال الغرر في عقود التأمين؟ عقد التأمين هو دفع ثمن يقيني في مقابل مثمن احتمالي؛ قد يحصل وقد لا يحصل، قد يحصل بشكل مبالغ فيه، وقد يحصل بشكل متوسط، وقد يحصل بنفس القدر، وقد يحصل بأقل، وقد يحصل تمامًا، وبالتالي يخسر هذا الشخص الذي دفع ماله. هذا هو معنى الغرر؛ خطر الحصول وعدم الحصول. وبذلك فإن الأصل في عقود التأمين التجاري أنها عقود مندرجة في الغرر الكبير الممنوع شرعًا.

لماذا يلجأ الناس في واقع الأمر إلى عقود التأمين التجاري؟ يلجأ الناس إلى عقود التأمين التجاري رغبة في محاولة تقليل المخاطر الواقعة عليهم أو غير ذلك، وسوف نأتي لعلاج هذه المشكلة المتعلقة بالمخاطر وما هو علاجها الشرعي، وإن علاجها الشرعي الصحيح يكون من خلال عقود التأمين التعاوني.

هل يعد التأمين التجاري عقدًا سليمًا وصحيحًا محققًا لمقاصد تغطية المخاطر؟ في واقع الأمر، إننا عندما نتأمل الواقع الاقتصادي والواقع الدولي في قضية عقود التأمين، نجد أن التأمين التجاري هو من أسوأ الطرق من الناحية الاقتصادية في قضية درء المخاطر؛ لماذا؟ لأن الطرف الذي يدفع عوضًا تأمينيًا، في واقع الأمر بعد أن يدفع هذا العوض التأميني، يتكون لديه إقبال على هذه المخاطر باعتبار أنه قد أمن ضدها.

فمثلاً تجد أن ربما سائق السيارة لا يبالي بالطريقة التي يقود بها سيارته. كذلك إذا دفع هذا الطرف مثلاً مبلغًا تأمينيًا للتأمين الصحي، فإننا بعد أن يحصل على هذا التعويض الصحي مثلاً، نجده حين العلاج يذهب إلى أفضل المستشفيات الغالية جدًا. ما الذي يترتب على هذا في واقع الأمر؟ يترتب على هذا غلاء أسعار التعويضات التأمينية شيئًا فشيئًا.

تخيلوا معي؛ الشخص لو صار عليه حادث سيارة مثلاً وكان سيصلح سيارته، فإنه ربما يصلح القطع الموجودة فيها عند شخص ميكانيكي أو سمكري أو كهربائي سيارات بأجور بسيطة وزهيدة باعتبار أنه هو الذي يصلح سيارته، وإذا أصلح من خلال التأمين التعاوني -باعتبار أن ثمة مجموعة من الناس تعاهدوا أو تعاقدوا على درء المخاطر عنهم- فإنهم سوف يصلحون سيارته بأقل الأثمان باعتبار أنهم هم ملاك هذا العقد. لكن إذا كان يصلح سيارته من خلال تأمين تجاري، فكيف سوف تصلح السيارة؟ سوف تصلح السيارة من خلال أغلى أسعار قطع غيار السيارات، فيأخذ قطع الوكالة الجديدة ويصلحها لدى أعلى الميكانيكيين أو السمكريين أجرًا، وبالتالي.

لو كان سيصلح سيارته بأمواله الخاصة ربما أصلحها بألف، ولكن أصلحها بالتأمين فإنه سوف يصلحها بعشرة آلاف وعشرين ألفًا. ما الذي يترتب على هذا؟ شركة التأمين التي باعت هذا التأمين في السنة القادمة سوف ترفع أسعار التأمين باعتبار الخسائر الإضافية التي زادت عليها. لذلك نجد دائمًا في عقود التأمين الإلزامي أن الأسعار تبدأ دائمًا بسعر معين وتبقى في ارتفاع، وهذا الارتفاع يتزايد لا ينقص؛ لماذا؟ لأن التكاليف تزيد عليها باعتبار أن الناس يدفعون الآن ويريدون أن يستوفوا حقوقهم بأفضل طريقة ممكنة، لأن الطرفين الآن -المؤمن والمؤمن له- طرفان متعارضان المصالح، بائع ومشتري.

فبحكم أنه دفع ثمنًا يريد أن يستوفي المثمن بأفضل الوجوه، ما الذي يترتب على هذا؟ إن سعر التأمين سوف يغلى في السنة التي تليها، وهذا في الحقيقة ملاحظ. لذلك نجد في بعض البلدان مثلا أن تأمين السيارات كان بما يعادل مئة دولار، والسنة التي تليها صار بما يعادل مئتين، ثم مئتين، ثم خمسمئة، إلى أن أصبح التأمين في خلال خمس سنوات أو عشر سنوات قد تضاعف تقريبًا أكثر من خمسة أو ستة أضعاف.

بسبب ماذا؟ بسبب غلاء التأمين شيئًا بعد شيء، ولن يزال يرتفع؛ لأن كل طرف يريد أن يصلح سيارته بسبب التأمين سوف يصلحها عند أغلى الوكالات وبأفضل القطع وغير ذلك، ولا يبالي لأنه ليس مالكًا لهذا التأمين وإنما هو طرف تعاقدي يريد أن يستوفي من الطرف الآخر أقصى المنافع الحاصلة له. لذلك نجد في كثير من دول العالم، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، صار هناك خطة للتأمين الطبي الإلزامي، ولكن تزايدت أسعار هذا التأمين الطبي شيئًا بعد شيء.

لماذا؟ لأن الشخص إذا مرض مثلا، فإنه لو كان بدون تأمين سوف يعالج نفسه في المستشفيات الحكومية أو يذهب إلى مستوصف صحي مناسب لدخله ومعاشه، لكن إذا كان هناك تأمين صحي فإنه سوف يذهب إلى أعلى المستشفيات. كيف تستوفي شركات التأمين هذه الخسائر والتكاليف؟ تستوفيها برفع أسعار التأمين الصحي في السنة التي تليها، وهكذا وهكذا ترتفع أسعار التأمين الصحي إلى أن تصل إلى مستويات خيالية جدًا تثقل كاهل عموم الناس.

فاصل قصير ونعود إليكم لمتابعة الحديث عن التأمين. أنيق المنظر، مخبره مجالسته أنفع مجالسة، ومؤانسته أمتع مؤانسة؛ إنه الكتاب، من خلاله نجالس العلماء والصالحين. قيل لابن المبارك: ألا تجلس معنا؟ قال: «ما أجلس إلا مع الصحابة والتابعين»؛ أي قراءة سيرهم. وقد كان العلماء مشغوفين بالكتب شراءً وقراءة. قال ابن الجوزي: «ما أشبع من مطالعة الكتب، وإذا رأيت كتابًا لم أره فكأني وقعت على كنز، ولو قلت إني طالعت ألف مجلد كان أكثر».

وطالب العلم لا تخلو مكتبته من الكتب الأساسية في شتى العلوم؛ ففي التفسير مثلا تفسير السعدي وتفسير ابن كثير، وفي العقيدة كتاب التوحيد والطحاوية والواسطية مع بعض الشروح، وفي الحديث الكتب الستة مع أهم شروحها، وهكذا بقية العلوم. وقبل الشراء استشر أهل الخبرة ليدلوك على أهم الكتب وأفضل الطبعات، لا سيما ما حققه العلماء الثقات كالالباني وبكر أبي زيد. واحرص على التنويع في شراء الكتب ولا تقتصر على فن واحد أو فنين، واعتن بكتب النوازل الفقهية والعقدية، ولا تبخل بإعارة الكتاب وحافظ عليه إن استعرته، ولا تستكثر ما تنفقه في شراء الكتب؛ وصدق من قال: تلك النفائس لو تباع بوزنها ذهبًا لكان البائع مغبونًا.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن التأمين. ذكرنا أن التأمين التجاري مندرج في عقد البيع وهو مشتمل على الغرر الممنوع شرعًا، وذكرنا أنه من الناحية الاقتصادية هو من أسوأ الحلول لمعالجة المخاطر، وذكرنا أن التكاليف تزيد فيه على المؤمن لهم شيئًا بعد شيء وعامًا بعد عام، وخصوصًا عند إلزامية التأمين.

نضرب مثالًا آخر لزيادة المخاطر والتكاليف: إذا اتجه شخص عنده تأمين صحي إلى مستوصف أو مستشفى من المستشفيات، فإننا نجد أن هذا الشخص إذا ذهب إلى هذا المستشفى فإن المستشفى يبيعه خدمات لا يحتاجها، فمثلاً يقوم بعمل أشعة وتحاليل ويصرف له أدوية، كل هذا بزعم أنه لا يدفع شيئًا وأن شركة التأمين هي التي تدفع. شركة التأمين نعم ستدفع في هذه الحالة، ولكن من أين ستستوفيها؟ سوف تستوفيها في العام القادم برفع أسعار التأمين.

فإذا ارتفعت أسعار التأمين شيئًا فشيئًا، تظل هذه المستشفيات تبيع خدمات لا يحتاجها هذا الشخص المريض، وربما أحياناً تُجرى عمليات جراحية لا داعي لها بسبب رغبة هذه المستشفيات في بيع هذه الخدمات لهؤلاء المؤمن لهم. لذلك نجد دائمًا أنه إذا اتجه الشخص إلى مستشفى فإنه يُسأل: هل ستدفع من حسابك الشخصي أو تدفع بحساب شركة التأمين؟ فإذا قال: من حسابي الشخصي، يعطونه الشيء اللازم له فقط وربما تجاوزوا شيئًا يسيرًا، لكن إذا قال: إنني سوف أحاسب من خلال شركة التأمين، فمعنى ذلك أنه لا يوجد سقف للخدمات التي سوف يبيعها هذا المستشفى، فيحملون على هذا المريض تكاليف أشعة ومختبرات وتحاليل ومعالجات وأدوية ومضادات طبية وعمليات، كلها لا يحتاج إليها بسبب أنه سوف تدفع من خلال شركة التأمين، وشركة التأمين ترفع الأسعار شيئًا فشيئًا.

وهكذا، هذا في الحقيقة ملاحظ في جميع دول العالم؛ أن التأمين الإلزامي يبدأ بسعر ثم لا يلبث أن تتضاعف أسعاره شيئًا فشيئًا. سؤال: إذاً ما هو طريق درء هذه المخاطر؟ وهل معنى ذلك أن الإنسان إذا أصيب بحادث سيارة هل لابد أن يقبع في السجن حتى يأتي المتصدق ليخرجه من السجن؟ ألا توجد طريقة شرعية لمعالجة هذه المخاطر؟

نقول بلى، توجد طريقة شرعية؛ لأن هذه المخاطر هي مخاطر بشرية فطرية، بل إنها كانت موجودة حتى في زمن النبوة وما بعد زمن النبوة، وكانت هناك طرق شرعية لعلاجها ولحلها. أول هذه الطرق وأهمها التأمين التعاوني. كيف هو؟ ما فكرة ومبدأ التأمين التعاوني؟

التأمين التعاوني هو فكرة تقوم على مبدأ تعاون مجموعة من الأشخاص لدرء المخاطر الحاصلة عليهم، هذه المجموعة من الأشخاص تتعرض لمخاطر متشابهة. فرضًا مثلاً: هناك مجموعة من التجار الذين يستوردون بالبحر، فيكونون بينهم جمعية، هذه الجمعية مثلاً يدفع كل شخص منهم عشرة آلاف ريال أو خمسة آلاف ريال شهريًا أو سنويًا أياً كان، يكونون بينهم صندوق، هذا الصندوق يعالج المخاطر التي تقع على أحد منهم، ولكن هذا الصندوق ملك لهم هم وليس ملكًا لطرف آخر يتعاقدون معه. إذاً كون هذا الصندوق ملكًا لهم، وكلهم يحرص على أن يوفر أموال الصندوق، وكلهم يحرص على تنمية أموال هذا الصندوق، وكلهم يحرص على تقليل المخاطر التي تستهلك أمواله.

ثم بعد ذلك الصندوق؛ إما أن يقتسموه بينهم بالسوية كما اشتركوا في الابتداء أو على الطريقة التي اشتركوا بها، وإما أن يتصدقوا به لغيرهم، وإما أن يجعلوه لهم، وإما أن يستمر، وإما أن يخفضوا بالأقساط اللاحقة. المهم أن هذا الصندوق ملك لهم جميعًا.

مثلاً لو كان هناك قبيلة من القبائل أرادت أن تجتمع، فقالوا: خلاص، إذاً كل فرد من أفراد هذه القبيلة يدفع مثلاً مئة دولار أو عشرة دولارات في الشهر أو في السنة أياً كان، ونكون صندوقًا. إذا حصل على أحدنا حادث أو حريق في منزله، أو أراد قرضًا، أو أراد تزويج أحد أولاده؛ فإن هذا الصندوق يساهم بمساهمة لهذا الفرد من أفراد القبيلة. وبالتالي هذا الصندوق ملك لمن؟ ملك لجميع المشتركين فيه، وكلهم يحافظون عليه، ويوجد بينهم رابطة اجتماعية تجعلهم حريصين على نماء هذا الصندوق وعلى توفير أمواله وعلى استثمار أمواله، وتعود عوائد الاستثمار إليهم.

ما الفرق بين هذا التأمين والتأمين التجاري؟ التأمين التجاري معاوضة بين طرفين، ومعاوضة بين فرد وشركة. الفرد يدفع ماله للشركة ويريد أن يستوفي أقصى ما يستطيع من هذه الشركة، والشركة أخذت مالًا من هذا الفرد وتريد أن تقدم أقل ما يمكن تقديمه لهذا الفرد؛ فلذلك نجد أنها دائماً تخترع الشروط وتحاول أن تخرج بالتعويض التأميني من اندراجة في الشروط المتفق عليها. بخلاف هذا الصندوق الذي يكون اشتراكًا بين فئة من الناس، مثلا الأطباء؛ كل واحد منهم يدفع مثلاً ألف ريال أو ألف دولار في فترات معينة لتغطية مخاطر الأخطاء الطبية التي قد تحصل منهم، لكن هذا الصندوق لهم، لا يدفعون هذه الأموال لطرف آخر يحاول أن يغطيهم من الناحية التأمينية، لا؛ هذا الصندوق لهم واستثماراته تعود إليهم، وكل ما يدفع يدفع منهم.

ما هو مآل هذا الصندوق في النهاية؟ معنى هذا الصندوق في النهاية؛ إما أنه كما ذكرنا عدد من النماذج؛ فمن يرجع إليهم مثلاً إذا انسحب شخص فإنه يأخذ الحصة الباقية من أمواله أو ترد إلى ورثته بعد وفاته، أو أنه يتصدق به، أو أنه يجعل وقفًا لتغطية هذه المخاطر على أناس آخرين، ويحصل للإنسان صدقة التبرع بهذا الأمر.

هذا في الحقيقة نظام، وبهذه الطريقة التأمين التعاوني يشبه نظام العاقلة المعروف في التاريخ الإسلامي. ما هو نظام العاقلة؟ أن الإنسان إذا ثبت عليه دية بسبب قتل خطأ مثلاً، فإن القبيلة تدفع معه هذه الدية؛ أي تعقلوا هذه الدية. كما أن هذا الشخص يدفع عن أي فرد، فالقبيلة العاقلة إذا حصل على واحد منهم. هذا نوع من أنواع التبادل، نوع من أنواع التبادل والتعاون على درء المخاطر فيما بينهم.

وقد جاء في الحديث الشريف أن الأشعريين -الذين منهم أبو موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه القارئ المعروف بالصوت الشجي- أن الأشعريين كانوا إذا أرملوا في الغزو أو قل طعام عيالهم بالمدينة، جمعوا ما عندهم من الطعام ثم اقتسموه بينهم بالسوية. هذه العائلة المباركة، عائلة قرآنية، عائلة الأشعريين، كانوا عندهم أشبه بالتأمين التعاوني ضد مخاطر قلة الطعام؛ إذا حصل عليهم خطر قلة طعام أو أرملوا في الغزو أو افتقروا أو شيء، كل واحد يأتي بالطعام الذي في بيته ثم يقتسموا فيما بينهم بحسب حاجتهم.

لاحظوا، هذا نوع من أنواع التأمين التعاوني لدرء المخاطر، لكن كل واحد منهم حريص على هذا الصندوق يتعامل معه كأنه مال له، ولا يتعامل معه كأنه معاوضة بين طرفين كل طرف يحاول أن يستوفي أقصى ما يمكنه من المنافع من الطرف الآخر، وهذان الطرفان مصالحهما متعارضة. أما في التأمين التعاوني فإن مصالح أطراف هذا التأمين مصالح مشتركة، نسير في مسار واحد وليست مصالح متقابلة تسير على وجه متعادل. لذلك فإن التأمين التعاوني هو الحل لدرء هذه المخاطر التي تقع في المجتمعات.

أنصح إخواني الأطباء أن يكون عندهم جمعية تعاونية لدرء مخاطر الأخطاء الطبية. أنصح إخواني مثلاً سائقي التاكسي والليموزين أن يكون بينهم جمعية تعاونية لدرء مخاطر مثلاً حوادث السائق أو التاكسي. أنصح إخواني مثلاً الذين في قبيلة معينة أن يكون بينهم صندوق لدرء المخاطر التي تقع على أحد أفراد القبيلة من حريق أو غير ذلك، أو شيء من هذه كلها تدرأ المخاطر عن هذه الفئة وتجعلهم يواجهون هذه المشكلات الاقتصادية وهذه الحوادث وهذه الحالات بمزيد من التعاون والاجتماع.

التأمين التعاوني هو الحل لدرء مخاطرنا، وليس التأمين التجاري الذي تزيد تكاليفه على الناس شيئًا فشيئًا، والذي ينتهي بطرف خاسر وطرف رابح. ولنتذكر نهي رسول الله ﷺ عن بيع الغرر. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لما فيه الخير والبر والتقوى، وأن يجعلنا وإياكم ممن يتعاونون على البر لا ممن يتعاون على الإثم والعدوان. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.