دخولتسجيل الدخول

المحاضرة 23 - النوازل المالية المعاصرة (المسابقات)

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغباً في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي؛ أكاديمية زاد، الفقه الميسرة، عاملاً بالشرع دون تعصب لفلان، بالعلم كالأزهار في البستان.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً يا رب العالمين. إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الثالث والعشرون من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد في المستوى الرابع، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس قائلها وسامعها ومن قام عليها ومن نشرها، وأن يجعلها في حقنا جميعاً من التعاون على الخير والبر والتقوى.

إخواني وأخواتي، سوف نأخذ في هذا الدرس معاملة متعلقة بشيء من الأشياء المعاصرة وكان لها نظير من النظائر السابقة القديمة، هذه هي المسابقات. المسابقات هي نوع من المعاملات يحصل بين الناس، الهدف منه التحفيز والتسابق على تحصيل أمر ما، فهي تجعل بينهم تنافساً على أمر من الأمور. فلنفترض أن ثمة تسابقاً على الحفظ مثلاً، أو على الجري، أو على اللعب، أو على مثال تدريبي، أو أياً كان نوع هذه المنافسة بين طرفين أو ثلاثة أطراف أو أربعة أطراف أو عشرة أطراف، أو ربما مئات من الناس، هذا هو نوع هذه المسابقات، نوع من أنواع التنافس؛ قد تكون تنافساً محموداً، وقد تكون تنافساً مباحاً، وقد تكون تنافساً مذموماً والعياذ بالله.

إذاً هذا التنافس وهذا التسابق بين الناس له أحكام شرعية سوف نستعرضها بإذن الله تعالى في هذا اللقاء. نقول إن هذه المسابقات والمنافسات التي تحصل بين الناس على نوعين: مسابقات تشتمل على أعواض وجوائز، ومسابقات لا تشتمل على أعواض ولا جوائز.

مثال المسابقات التي تشتمل على أعواض وعلى جوائز وهدايا مثلاً: أن يكون هناك مسابقة الفائز فيها يحصل على ألف دولار مثلاً، والمركز الثاني يحصل على خمسمئة دولار، والمركز الثالث يحصل على مئة دولار مثلاً، أو يحصل على هدايا، أو يحصل على سيارة، أو يحصل على مكافأة أياً كان نوع هذه الهدية أو الجائزة. هذا هو النوع الأول.

النوع الثاني: المسابقات والمنافسات التي لا يكون فيها هدايا ولا أموال؛ مثالها أن يتسابق اثنان على الجري إلى محل معين، ولا يحصل الفائز فيها على جائزة أو هدية، وإنما يغلب الطرف الآخر ويعتبر نفسه أسرع منه، لكن تنتهي عند هذا الحد دون مكافآت أو هدايا، كأن يكون هناك مثلاً مسابقة بين طفلين أو بين كبيرين. أياً كان من هذه أنواع المسابقات التي تحصل بين الناس، الضابط الشرعي في المسابقات التي فيها أعواض لها نوع من أنواع المسابقات يجوز فيه العوض، وهناك ضوابط شرعية للمسابقات التي ليس فيها أعواض.

من المهم ذكره قبل أن ندخل إلى الضابط الشرعي، وهو أن هذه المسابقات والجوائز والهدايا في هذه المنافسات قد تكون مدفوعة من طرف خارجي مثلاً راعي هذه المسابقة، وقد تكون هذه الجوائز أو الهدايا مدفوعة من اشتراكات هؤلاء المتسابقين؛ كأن يقال لكل متسابق ادفع مثلاً مئة دولار وهناك عشرة متسابقين، فكل واحد منهم سيدفع مئة دولار، فيقولون الفائز الأول سوف يحصل على ألف دولار، من أين حصل هذا الألف دولار؟ حصلت له من اشتراكات هؤلاء المتسابقين. إذاً أحياناً في المسابقات ذات الأموال والمكافآت قد تكون هذه الأموال والهدايا من أطراف المسابقة، أو من بعض أطراف المسابقة، أو من طرف ثالث، أو تجمع شيء من هذا وشيء من هذا؛ كل هذه الصور واردة.

ما هو الضابط الشرعي في هذه المسابقات التي يؤخذ عليها هذه الأعواض؟ جاء في الحديث الشريف أن رسول الله ﷺ قال: «لا سَبَقَ إلا في نَصْلٍ، أو خُفٍّ، أو حافِرٍ». السبق هو العوض الذي يدفع للفائز في هذه المسابقة. قال النبي ﷺ: «إلا في خف» أي في الإبل، مسابقات الإبل، «أو نصل» وهي مسابقات الرمي، «أو حافر» وهي مسابقات سرعة الخيل.

إذاً هذا الحديث الشريف يفهم منه حكم شرعي، وهو أن الأصل بالمنافسات التي تكون بين الناس بعوض أنها ممنوعة، إلا إذا كانت في هذه الثلاثة وما قيس عليها؛ لا يجوز للإنسان أن يدخل في نوع من هذه المسابقات أو المراهنات التي يدفع فيها مالاً للفائز إلا إذا كانت من جنس هذه المسابقات الثلاث التي سماها النبي ﷺ في الحديث أو ما يقاس عليها.

ما هي المسابقات التي سماها النبي الكريم ﷺ في الحديث الشريف؟ النصل، يعني المسابقة في الرماية، وهذا لا شك أنه نوع من أنواع الإعداد للجهاد في سبيل الله المأمور به في كتاب الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60]، و﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ﴾ [الأنفال: 60]. فهو نوع من أنواع الإعداد للجهاد في سبيل الله، المسابقة على الرمي، طبعاً هذا الرمي الذي هو رمي السهام، ويقاس عليه كذلك الرمي بالسلاح؛ لو أن جعل هناك مسابقة للإصابة في الرمي بالسلاح مثلاً، فهذا كان نوعاً من أنواع الإعداد للجهاد في سبيل الله.

النوع الأول أو الخف أو حافر؛ الخف الذي هو مسابقات الإبل، كذلك لأنه يستعان بها للجهاد في سبيل الله، أو حافر وهو مسابقات الخيل لأنه يستعان بها على الجهاد في سبيل الله. أخذ أهل العلم من هذا قاعدة، وهو أن ما كان من المسابقات معيناً على الجهاد في سبيل الله وما أشبه الجهاد في سبيل الله من أبواب البر والخير، فإنه يجوز دفع العوض والمراهنة فيه.

كأن يدفع إنسان عوضاً، يدفع اثنان أو ثلاثة أو أربعة مثلاً عوضاً للدخول في مسابقة "أيهم أحفظ لكتاب الله سبحانه وتعالى"، ويأخذ الحافظ لكتاب الله، الفائز في هذه المسابقة أو أجودهم حفظاً لكتاب الله في هذه المسابقة، يأخذ مكافأة وهدية تقديراً له؛ فإن هذا من الأمور الجائزة بل المندوبة المستحبة لما فيها من الإعانة على الخير والبر والتقوى، أو ما كان من الجوائز الذي يؤخذ بين المتسابقين لأجل إثبات دين الله وشرعه.

وقد أُثر عن الصديق أبي بكر رضي الله تعالى عنه لما نزل قول الله سبحانه وتعالى: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: 2-3]. ورد فيها قصة نذكرها لكم إن شاء الله تعالى ولكن بعد فاصل قصير.

قد وصل بي الحال إلى الغفلة عن الطاعة والتكاسل في أدائها وكأني لا أشتاق إلى جنة ولا أرهب ناراً، ولا أخشى أن يتخطفني الموت في أي لحظة ولا أدري ماذا أفعل. كانت هذه رسالة من شاب أصيب بضعف الإيمان.

نتيجة تكاسله في طاعة ربه وغفلته عنها ورأى من نفسه كثرة الوقوع في المعاصي، التدرج إلى معاصٍ جديدة، التهاون في أداء الصلوات والتكاسل عن الطاعات، قلة ذكر الله ودعائه، عدم التأثر بآيات القرآن، عدم ذكر الموت أو التأثر به.

كل هذه أعراض لها أسباب، منها: التواجد في وسط تكثر فيه الغفلة وارتكاب المعاصي، التسويف وطول الأمل، شدة التعلق بالدنيا والغفلة عن الآخرة وحسابها، الإفراط في المباحات والإكثار من الكماليات.

فمن أراد النجاة والفلاح فلينفض عن نفسه غبار التكاسل والتهاون والتسويف، وليبتعد عن أهل الغفلة والسوء والهوى، وليلتزم طاعة ربه ومرضاته وذكره ودعاءه، وليحرص على صحبة صالحة تذكره إذا نسي، وتعينه عند الفتور والكسل؛ فإن الله تعالى يقول: ﴿وَمِنَ الْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُذْكَرُونَ﴾، ولا تعدُ عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا، ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28].

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن المسابقات ذات العوض والمكافأة والهدية والجائزة. للمتسابق الأول ذكرنا أن الأصل فيها المنع، وأنه لا يجوز الدخول في المسابقات ذات العوض إلا إذا كانت من جنس المسابقات المعينة على الجهاد في سبيل الله، أو ما شابه الجهاد في سبيل الله من الدعوة إلى الله وحفظ كتاب الله وتعليم الخير والبر والعلم الشرعي وغير ذلك.

لما نزل قول الله سبحانه وتعالى: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: 2]، هذه كانت في المرحلة المكية، والنبي صلى الله عليه وسلم كان بمكة، فارس هجمت على الروم في موقعة عظيمة وكسرت الروم كسرة بالغة، قال الناس بعدها لن تقوم للروم بعد ذلك قائمة، فأنزل الله سبحانه وتعالى سورة الروم: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ * فِي أَدْنَى الْأَرْضِ ۖ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: 2-3].

لله الأمر من قبل ومن بعد، ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ * بِنَصْرِ اللَّهِ ۚ يَنصُرُ مَن يَشَاءُ﴾ [الروم: 4-5]. أنزل الله سبحانه وتعالى هذه الآيات وأخبر، وخبره حق ووعده صدق؛ أخبر سبحانه وتعالى أن الروم ستغلب في بضع سنين، وهذا خلاف ما كان متوقع في ذلك الحين بين الناس، فالمشركون كانوا يقولون خلاص لن تقوم للروم بعد هذه الكسرة.

فأبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، المؤمن الذي امتلأ قلبه يقينا وإيمانا وتصديقا، ألم يقل الصديق يوما من الأيام عن النبي الكريم بعد حادثة الإسراء والمعراج، لما قال المشركون له مستهزئين: "ألا تعلم ما يقص صاحبكم؟ إنه قد وصل إلى بيت المقدس وعرج به إلى السماء ورجع إلى بيت المقدس ثم رجع إلى سريره في ليلة واحدة"، فقال الصديق رضي الله تعالى عنه وأرضاه: «إن قال ذلك فقد صدق».

الصديق رضي الله تعالى عنه الموقن بكتاب الله قال للمشركين: «بلى، سوف تغلب الروم في بضع سنين»، فراهنه المشركون على ذلك، فراهنهم أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، إلا أنه راهنهم أنهم سيغلبون في سبع سنين، فجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «زدهم وزد في الأجل حتى يقع قول الله سبحانه وتعالى في بضع سنين».

البضع هو رقم يصل إلى التسعة، النبي صلى الله عليه وسلم أرشده إلى أن يزيد في الأجل إلى تسع سنين وأن يزيدهم في هذا الرهان، فقبل المشركون ذلك وصدق أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وغلبه. وكان المقصود من هذه المسابقة التي هي في شكل مراهنة بين الطرفين إثبات صدق وعد الله وصدق دين الله سبحانه وتعالى، وكذلك حصل، وقد كان هذا آية من آيات نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

فإن من آيات ودلائل صدقه ونبوته صلى الله عليه وسلم إخباره بالأمور المستقبلية ووقوعها كما أخبر صلى الله عليه وسلم. إخواني الكرام، هذا نوع من أنواع المسابقة المشروع لبيان صدق الإسلام والدعوة إليه والدلالة عليه وإثبات فضله وصحته وإثبات صدق نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ففي مثل هذا تشرع المسابقة، وفي مثل هذا يشرع الرهان وهو السبق.

أما غير ذلك من المسابقات التي لا تقوم على هذا الغرض فإنه لا يجوز أن يدفع فيها مكافأة أو سبق، ومن ذلك مثلا المسابقات التي هي للتسلية والترفيه، فإنها وإن كانت جائزة في الأصل إلا أنه لا يجوز أن يدفع فيها عوض أو مكافأة، سواء كانت هذه المكافأة مدفوعة من أطراف المسابقة أو مدفوعة من طرف ثالث خارجي عنها.

ومن ذلك مثلا المسابقات في ألعاب الكرة، أو المسابقات التي تحصل مثلا في جمال الخيل، أو المسابقات التي تحصل مثلا في جمال الإبل؛ فإن هذه المسابقات وإن أُبيحت في أصل الأمر إلا أنه لا يجوز أن يدفع فيها مكافأة أو سبق للخيل أو الإبل أو للشخص أو الفريق أو غيرها، لأنها داخلة في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا سبق إلا في رمح أو إبل».

فلا تجوز إلا المسابقات التي تكون معينة على الجهاد في سبيل الله، والمراد -وهذا ينبغي التذكير والتنبيه إليه- المراد بالحافر والخف الوارد في الحديث أي سباق الخيل الذي يستعان به على الجهاد في سبيل الله أو الكر والفر للخيل، وكذلك الإبل، وليس المراد به غير ذلك مما يتعلق بالخيل والإبل.

ننتقل بعد ذلك إلى القسم الثاني من المسابقات، وهو القسم الذي لا يكون فيه عوض ولا هدايا ولا مكافأة، وإنما هي مسابقة من أجل الوصول إلى أفضل متنافس، أو معرفة من هو الأجود، أو من هو الأقوى، أو من هو الأشعر، أو من هو إلى غير ذلك من أنواع المسابقات.

فما هي الأحكام الشرعية المتعلقة بهذا النوع من المسابقات؟ نقول: إن كانت هذه المسابقات مما يعين على الخير والبر والتقوى فهي إن شاء الله تعالى مأجور صاحبها ومن يدخل فيها ومن ينظمها، وإن كانت هذه المسابقات من الأمور المباحة التي لا تصل إلى حد التحريم فإن هذه المسابقات تكون مباحة بشرط ألا يكون فيها عوض مالي.

لأن العوض المالية والمكافأة والهدية لا تصح إلا في المسابقات التي تكون معينة على الخير والجهاد في سبيل الله وعلى دين الله. إذًا تجوز المسابقة في الأمور المباحة بدون عوض، مثل ماذا؟ مثل أن يكون هناك مثلا مسابقة بين فريقين أو ثلاثة فرق في لعبي كرة القدم مثلا أو كرة السلة مثلا دون أن يكون هناك أعواض أو مكافآت، سواء كانت هذه الأعواض من مكافآت مدفوعة منه أو من طرف ثالث أو آخر خارجي عنه.

أو مثلا مسابقة بين عدد من الشعراء في معرفة من هو أشعرهم ومن هو أجودهم شعرا ومن هو أفضلهم شعرا، هذا مثال آخر للمسابقات الجائزة، أو مسابقة للآدباء أو مسابقة للمؤلفين مثلا.

أو المسابقة المتعلقة بجمال الخيل أو الإبل أو غير ذلك من المسابقات المباحة بين الناس، فهذه إن شاء الله تعالى مباحة، بشرط ألا يكون فيها عيوب. وهناك نوع آخر من المسابقات، وإن كانت بدون عوض، إلا أنها محرمة كذلك، وهي المسابقات التي يكون فيها تعاون على الإثم والفسوق والعياذ بالله.

مثال ذلك مسابقة في الغناء المحرم؛ فالغناء محرم بدون مسابقة، فإذا كانت في مسابقة ازداد تحريماً والعياذ بالله، لأنه تنافس على المحرم وليس على الخير والبر والتقوى. أو المنافسات التي يكون فيها انكشاف لجسد المرأة، أو المنافسات التي لا تلتزم فيها المرأة بحجابها الشرعي، كأن تكشف حجابها مثلاً في ألعاب ككرة أو سباحة أو أياً كان؛ هذه المسابقة ممنوعة شرعاً لما فيها من الأمور التي احتفت بها، مثل الموسيقى أو الغناء، أو مسابقة والعياذ بالله على التبرج للنساء أو سفورهن، أو يترتب عليها تبرج النساء؛ فهذه مسابقات محرمة في الشريعة.

هذه أصلاً في واقع الأمر محرمة بدون مسابقة، فإذا كان فيها تسابق صارت وازدادت تحريماً، وإذا كان فيها أعواض ومكافآت ازدادت تحريماً على تحريم والعياذ بالله، فجمعت أنواع هذه المحرمات. والذي أنصح به نفسي وإخواني جميعاً أن نحرص على التنافس على الخير والبر والتقوى، حيث الله سبحانه وتعالى أمر بالتسابق إلى مغفرته ورضوانه: ﴿سَابِقُوا﴾، وفي الآية الشريفة: ﴿سَارِعُوا﴾ في سورة آل عمران، وفي آية سورة الحديد: ﴿سَابِقُوا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ * أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُم مَّغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [آل عمران: 133-148].

إخواني الكرام، في طاعة الله بل يتنافس المتنافسون إلى جنة الله ورضوانه، فليتسابق المتسابقون. لذلك فإن النبي ﷺ لعلمه بحرص النفوس على التسابق وعلى التنافس، دلها على التنافس إلى ما فيه رضوان الله وطاعته، وهذا التنافس ممدوح في الشريعة ومأذون فيه بالعوض والهدية والمكافأة.

وأما التنافس المباح فهو مأذون في الشريعة، إلا أنه لا يجوز فيه العوض ولا السبق ولا المكافأة، سواء دفعت من طرف ثالث أو دفعت من أحد أطراف التنافس. وأما المنافسة في معصية الله فهي حرام، ويزداد إثماً بالتنافس، ويزداد إثماً بالأعواض التي تحث المتنافسين على ارتكاب هذه المعاصي والإثم والعدوان.

الزواج هو الصلة التي ارتضاها الإسلام لإعفاف النساء والرجال واستمرار النسل لمواصلة إعمار الأرض وإصلاحها، وهو عقد مودة فيه سكن للنفس وارتياح للقلب؛ قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾. والمرأة المسلمة حين تقبل على الزواج فهي تقدم على مرحلة جديدة في حياتها، تعد مرحلة مهمة وجليلة الشأن، فلا بد أن تعرف متطلبات نجاحها؛ فإن جزءاً كبيراً من سعادة بيتها واستقراره بيديها إن هي أحسنت التهيؤ والاستعداد لهذا الأمر.

ومن حسن الاستعداد الاهتمام بحسن الاختيار على أسس صحيحة، وأهمها الدين والخلق، والاستخارة والاستشارة للوصول إلى القرار الأقرب إلى الصواب، والاستفادة من فترة الخطبة في التأكد من مصداقية الخاطب وسلوكه، والاستعداد نفسياً وبدنياً لمسؤوليات وشؤون بيت الزوجية، وإثراء فهمها ووعيها بمرحلة الزواج ومتطلبات نجاحها سواء بالقراءة أو بتجارب الناجحات ووصاياهن أو بالالتحاق بدورات تثقيفية في هذا الأمر، ومعرفة حقوقها وما يجب عليها تجاه زوجها، وإن حسن تبعلها لزوجها ليس لنجاح زواجها فقط، بل هو قربة وعبادة لله تعالى. ولتعلم المرأة أن بيت الزوجية هو مملكتها الجميلة ومستقر سعادتها ومحضن أطفالها، وبحسن تصرفها في تدبيره ورعايته تتضاعف سعادتها وتنال رضا الله وجميل ثوابه.

نعود إليكم ونتابع حديثنا معكم عن المسابقات والمنافسات المشروعة والمباحة والمحرمة. ذكرنا تقسيم المسابقات وكيف أن ثمة منها جزءاً مشروعاً مستحباً، ومنها جزء مباح، إلا أن شرط إباحته أن يكون عملاً مباحاً بدون أن يدخله عوض ومكافأة، والمسابقات والمنافسات المحرمة هي المنافسات التي تكون على الإثم والفسوق وغير ذلك.

إخواني الكرام، إن من صور دفع المال في المسابقات أن يكون دفعاً مباشراً للمتسابق، أو أن يكون هذا الدفع من خلال رسالة "SMS" مثلاً ترسل إلى رقم محدد تكلفتها كذا وكذا؛ فإن أحياناً تكون المسابقة بين مثلاً عشرة متسابقين أو مئة متسابق، ويشارك في دفع العوض فيها آلاف من الناس من خلال دفع رسائل يؤخذ من كل واحد منهم دولار واحد مثلاً أو ريال واحد، فيجتمع عند منظم المسابقة مثلاً مئة ألف ريال أو مئة ألف دولار تدفع للشخص الفائز. هذا نوع من أنواع دفع الأعواض بطريق محرم شرعاً، هذا لو كان أصلاً في مسابقة مباحة، فكيف إذا كان في مسابقة محرمة والعياذ بالله؟ كذلك من صور دفع المال في هذه المسابقات أن يدفع من خلال اتصال هاتفي، هذا نوع من أنواع المسابقات والمراهنات المحرمة.

إخواني وأخواتي، من صور القمار المعاصرة ما يسمى باليانصيب. ما هي فكرة اليانصيب؟ أن يدفع كل إنسان مشترك في هذا النصيب دفعة معينة مثلاً ريالاً أو ريالين أو ثلاثة أو أربعة، ثم بعد ذلك تجمع هذه الأموال ويعمل لها قرعة، الفائز في هذه القرعة يعطى هذه الأموال أو جل هذه الأموال أو أغلبها. طبعاً هذه نوع من أنواع تسمى في دول العالم يسمونها القمار الوطني مثلاً أو الميسر الوطني، بحيث أن كل شخص في هذا الوطن يدفع جنيهاً إسترلينياً واحداً، أو دولاراً واحداً، أو ريالاً واحداً، أو درهماً واحداً أياً كان، وفي الأخير يعمل قرعة، الفائز يأخذ هذا المجموع أو يأخذ جل هذا المجموع.

تأتي الأمور والمشتركون يكونون بالآلاف بل بالملايين، والذي يدفع هؤلاء الناس للاشتراك بأموالهم؟ يدفعهم حقيقة أنه يقول إني سوف أدفع جزءاً يسيراً جداً، يعني أدفع دولاراً واحداً وآخذ التذكرة الخاصة بالاشتراك في هذا، لها نصيب في هذا الأسبوع مثلاً أو في هذا الشهر مثلاً، فهو مبلغ زهيد بالنسبة له. وقد رأينا حقيقة بعض الناس اشترك في هذا اليانصيب شهوراً وسنين، وهو يدفع في كل أسبوع دولاراً ثم دولاراً ثم دولاراً ولا يحصل في النهاية شيئاً.

ما الذي يجعله يدفع هذا الأمر؟ إنه يقول ربما تحصل له. الإعلام يزين هذا القمار والميسر، كيف يزينه؟ يظهر هذا الشخص الذي فاز في هذا النصيب الوطني أو في هذا القمار أو الميسر، يظهره ويعمل معه المقابلة، وكيف كان حاله قبل هذا اليانصيب؟ كيف كان فقيراً تعيساً ثم حصل له مليون دولار مثلاً دفعة واحدة وكيف تغيرت أحواله؟ يظهر الإعلام المقابلة مع هذا الشخص ويظهر سعادته وفرحته.

ويمني الناس أن يكونوا مثل هذا الشخص باشتراكهم في الأسبوع القادم، أو الأسبوع الذي يليه؛ كيف أنه لم يكن مهتماً؟ كيف أن مشاركته بالصدفة؟ كيف أن مشاركته بالحظ؟ وللأسف الإعلام لا يظهر تسعمئة وتسعة وتسعين ألفاً وتسعمئة وتسعة وتسعين شخصاً خسروا هذا النصيب وضيعوا أموالهم في هذه، وإنما يظهر هذا الشخص فيتعلق الناس بالسراب وبالأوهام.

إخواني الكرام، تذكروا قول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: 90-91].

إخواني الكرام، ألا ينتهي هؤلاء القوم الذين تعلقوا بمثل هذا السراب ومثل هذه الأوهام؟ لماذا حرم الإسلام هذه الأمور؟ كما قال الله سبحانه وتعالى لتوقي العداوة والبغضاء، ولما فيها من تضييع الأموال، ولما فيها من التعلق بالسراب بالخرافة بالوهم؛ فيبقى الإنسان مضيعاً لأمواله دون أن يحصل منها كد حقيقي وإنتاج حقيقي وعمل حقيقي، وإنما تبقى حياته قائمة على التعلق بالحظ والصدفة وعلى التعلق بغيرها من الأوهام والخرافات.

إخواني الكرام، إن أحكام المعاملات المالية إنما شرعت لما فيه صلاح الخير والبشرية، والله لن يجد الناس في أحكام الله سبحانه وتعالى فساداً يلحق بهم، وإنما هي صالحة مصلحة لكل زمان ولكل مكان. تنقل الناس إلى العمل والجد والاجتهاد، تنقلهم إلى التعاون والإحسان والخير والبر والتقوى، تنقلهم إلى السعادة الأخروية والسعادة الدنيوية، تنقلهم إلى البعد عن المادية من خلال الإحسان.

لذلك حرم الربا ووجبت الزكاة تنقلهم إلى الجد والعمل، ولذلك حرم القمار والميسر ونهي عن الغرر وشرع الوضوح والبيان تنقلهم إلى الصدق والبعد عن الغش، ولذلك قال النبي ﷺ: «من غش فليس منا»، تنقلهم إلى الأمانة وأبعدهم عن الخيانة، لذلك حرم النجس وحرم التدليس والغش والخداع. إن تشريعات الإسلام في المعاملات المالية كمال، أي ما كمل.

فلنحرص إخواني الكرام وأخواتي الكريمات أن نستمسك بشعائر ديننا في هذه المعاملات المالية، وفي طغيان هذه المادية المعاصرة، وفي طغيان هذه المعاملات التي ربما جر بعضها إلى الربا أو إلى القمار أو الميسر، ولنحرص على المعاملات المشروعة ولنحرص على التفقه في دين الله، وليحرص التاجر على أن يستمسك بأحكام شرع الله.

نكون بهذه المحاضرة أو بهذا اللقاء قد انتهينا من قسم المعاملات المالية. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الرزق الحلال وأن يجنبنا وإياكم الحرام في مكاسبنا وفي حياتنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

متطلعاً لزيادة الإيمان: صف ليروي غلة الظمآن .. وتعلم الفقه الميسر عامداً بالشرع دون تعسر .. اطلب أني فلاني بشري لنا زاد لكاذبية للعلم .. كالازهار في البستان.