دخولتسجيل الدخول

المحاضرة 19 - النوازل المالية المعاصرة (بيع الأسهم)

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغباً في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدر بتقنياته ومجالاته، ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي: أكاديمية زاد. الفقه الميسر عاملاً بالشرع دون تعصب لفلان، بالعلم كالآزهار في البستان.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً يا كريم. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، اللهم يا مفهم سليمان فهمنا.

إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس التاسع عشر من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد في المستوى الرابع. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس وفي هذه الأكاديمية، أن يبارك في معلميها وطلابها والقائمين عليها وداعميها، وأن يجعلنا وإياكم جميعاً من المتعاونين على الخير والبر والتقوى.

إخواني وأخواتي، سيكون حديثنا في هذا اللقاء إن شاء الله تعالى عن مسألة من المسائل المعاصرة ذات العلاقة بالمعاملات المالية. من المهم لطالبي وطالبة العلم أن يكونوا في درسهم للفقه أبناء زمانهم؛ فلا يتحدث فقط عن مسائل قديمة، وإنما يتحدث عن النوازل المعاصرة ويبين أحكام الله سبحانه وتعالى فيها. ما الفائدة إذا كان طالب العلم أو طالبة العلم لا يستطيع أن يجيب من يسأله عن هذه النوازل التي تنزل بالناس في كل يوم وليلة؟

إن أهم فوائد الفقه أن يستطيع طالب العلم وطالبة العلم أن يبينوا حكم الله، وأن يعملوا به فيما يقومون به في حياتهم المعاصرة؛ في المعاملات المالية، أو المعاملات الطبية، أو المعاملات التجميلية، أو الاقتصادية، أو غيرها. هذه هي فائدة الفقه وبيان الأحكام الشرعية فيما يقوم به المسلم والمسلمة من أعمال، سواء كانت هذه الأعمال قديمة أو كانت أعمالاً معاصرة من النوازل المعاصرة التي نزلت في المعاملات المالية، ما يسمى بأسهم الشركات المساهمة والسندات.

أسهم الشركات المساهمة في واقع الأمر هي لا تسمى نازلة بمعنى النازلة؛ لأنها حدثت قبل قرن تقريباً، ولكن مرادنا بكلمة نازلة أنها حدثت بعد المدونات الفقهية، وإلا فإن هذه المعاملة لم تنزل في زماننا هذا، وإنما في زمان من قبلنا، ربما من الأجداد أو آبائهم أو أجدادهم.

أسهم الشركات المساهمة، حتى نتحدث عنها حديثاً شرعياً، لا بد لنا أن نتفهم صورتها، وأن نعرف تكييفها، ثم نبين الأحكام الشرعية المتعلقة بها. وهذه منهجية مهمة لنا في دراسة المعاملات المالية المعاصرة، أو في دراسة أي مسألة؛ لا بد عند الحديث عن أي مسألة من تصورها تصوراً تاماً حتى يكون الحكم عليها حكماً دقيقاً واقعياً. لاحظوا لو أن إنساناً تصور المسألة تصوراً خاطئاً، من الطبيعي أن يكون بناؤه للأحكام الشرعية خاطئاً؛ إذ سيرد عليه أي شخص ويقول: يا أخي، أنت حديثك في هذه الأحكام الشرعية أصلاً ليس عن هذه الصورة وعن هذه النازلة، أنت فهمت هذه النازلة فهماً خاطئاً، وحديثك عنها وهذا الحكم الشرعي أصلاً ليس وارداً في محله.

لذلك أثر عن الحكيم ياسين معاوية رحمه الله تعالى أنه قال: «إذا بُني الشيء على عوج لم يكد يستقم»، وهذا صحيح. لذلك أول قضية أننا حين نتحدث عن النازلة المعاصرة، أن نتصورها تصوراً صحيحاً. تأملوا، ما هي طرقنا واستمداداتنا لهذا التصور الصحيح؟ التصور الصحيح للنازلة كما هي في واقع الأمر يحتاج إلى رأي أهل الخبرة بهذه النازلة، أهل الواقع بهذه النازلة؛ أهل الاقتصاد مثلاً، أو الطب، أو أهل المعاملة المالية، أو أصحاب البنوك، أو غيرهم، حتى يتفهم طالب العلم ما الذي يجري؟ وكيف يجري؟

ما هي الأطراف ذات العلاقة بهذه النازلة؟ ما هي علاقات بعضهم ببعض؟ ما هي مسؤولياتهم؟ ما هي التزاماتهم؟ ما هي المخاطر المترتبة عليها؟ ما هي الأرباح الناتجة منها؟ ما هي المسؤوليات القانونية لكل طرف؟ هذا كله يفيد في تصور هذه النازلة.

ثم بعد ذلك، إذا فُهمت فهماً صحيحاً، ينتقل بعد ذلك إلى مرحلة ثانية تسمى مرحلة التكييف، وهي أن يرد هذه النازلة إلى أصلها الشرعي الصحيح؛ فيقول: هذه النازلة ينبغي لنا أن ننظر فيها إلى الأبواب الآتية: باب الغرر مثلاً، باب أكل المال بالباطل، باب الربا، باب الجهالة، وهكذا. وينظر في هذه الأبواب التي قد ذكرنا سابقاً، وهي محرمات المعاملات المالية. نحن قد ذكرنا أن الأصل في المعاملات الحل والإباحة، إلا إذا ورد عليها سبب من أسباب التحريم.

فطالب العلم ينظر إلى هذه المعاملة، وينظر إلى هذا العقد إلى حقوقه والتزاماته الواقعة على كل طرف، ثم بعد ذلك ينظر: هل يرد هذه المسألة إلى أصل؟ مثلاً، هل يرد عليه إشكال غرر؟ هل يرد عليها إشكال أكل مال بالباطل؟ هل يتخلف فيها شرط من شروط البيع؟ هل يتخلف فيها شرط من شروط الشركة؟ هل هذه المعاملة من جنس المعاوضات؟ هل هي من جنس التبرعات؟ هل هي من جنس المبادلات؟ ينظر هل هي من جنس التوثيقات كالرهون والضمانات والكفالات، أم هي جنس آخر؟ يتفحص ما هو مرجع هذه المعاملة، ما هو أصلها؛ بمعنى آخر، بعد أن يتأملها ويتعرف عليها يحاول أن يردها إلى أصول شرعية.

طبعاً ليس المراد بالتكييف معناه أنه يردها إلى عقد مسمى من العقود السابقة، مثلاً يقول إن هذه لا بد أنها تكون عقد بيع، أو أن هذه لا بد أنها تكون عقد إيجار. لا، قد يكون عقداً جديداً، ما في إشكال، ولكن لا بد في هذا العقد الجديد أن يتعرف: هل يطبق عليه قواعد المبادلات والمعاوضات، أم يطبق عليه قواعد التبرعات؟ هل يطبق عليه قواعد الربا أم قواعد الغرر؟ وهكذا، قواعد المشاركات أم الوكالات؟ أم الرهونات والتوثيقات والضمانات؟ يعني لا بد أن يتعرف على الجنس الذي ترجع إليه هذه المسألة، أو هذا العقد، أو هذه الصورة.

إذاً، هذه المرحلة الثانية هي مرحلة التكييف. ثم بعد ذلك ننتقل إلى قضية ثالثة وهي مسألة الدراسة الفقهية. الآن، بعد أن تصور هذه النازلة المعاصرة، وقال: هذه النازلة ترجع إلى مسألة مثلاً المشاركات، أو إلى مسألة التوثيقات، أو إلى مسألة المعاوضات، وهي معاوضة أطرافها مثلاً اثنان أو ثلاثة، وحقوق كل طرف كذا وكذا، وهذه هي الالتزامات التي على كل طرف؛ هذه الالتزامات منها التزامات جائزة، ومنها التزامات ممنوعة، فيها التزام بشيء مجهول، فيها التزام بأجل مجهول؛ إذاً هذا يندرج في قواعد الغرر، وهكذا حتى يدرس هذه المعاملة المالية دراسة صحيحة.

طيب، كيف نموذج الدراسة الفقهية؟ يقول مثلاً: إن هذه أحد الالتزامات القائمة على أحد أطراف العقد مثلاً التزام بشيء مجهول من حيث المدة؛ طيب هل هذا جائز شرعاً ولا لا؟ إذا نحن الآن تصورنا ثم كيفنا، وقلنا إنه لا بد أن نرجع إلى جهالة المدة، فينتقل بعد ذلك للدراسة الفقهية وينظر ما هي أقوال الفقهاء في جهالة المدة.

وما هو الغرر المقبول فيها؟ وما هو الغرر الممنوع؟ وما هو الغرر المتوسط المتردد بين طرفين؟ وهل له معايير تحكمه؟ فإذا وجد أن هذا الغرر يندرج في الغرر الجائز حُكم على هذه المعاملة بالجواز، وإذا وجد أن هذا الغرر يندرج في الغرر الممنوع حُكم على هذه المعاملة بالتحريم.

وهكذا، أول شيء يتصور تصورًا صحيحًا، ثم بعد ذلك يردها إلى أصولها، ثم بعد ذلك يدرسها فقهيًا. وبالرد إلى هذه الأصول -تخيلوا لو أن أحد هذه المراحل انحرف النظر فيها إلى مسألة أخرى أو تصور تصورًا خاطئًا- فلا شك أن تكييفه سيكون خاطئًا ودراسته سوف تكون خاطئة. ولو تصورها تصورًا صحيحًا ولكن ردها إلى أصول خاطئة، فلا شك حينئذ كذلك أنه سوف تكون دراسته دراسة منقوصة؛ لأنه سوف يدرس مسألة فقهية ليست ذات علاقة بهذه النازلة.

ففي واقع الأمر من أخطر المراحل مراحل التكييف؛ التكييف هو الربط بين الصورة المعاصرة وبين الخلاف الفقهي أو الآية والحديث الشرعي، وبين أقوال العلماء الواردة في المسألة قديمًا. الآن هذا التكييف هو أشبه بالرابطة التي تقول: هذه المسألة المعاصرة ينطبق عليها الكلام الفقهي هذا، أو تنطبق عليها الآية هذه، أو ينطبق عليها الحديث هذا، يردها إلى أصلها في كتاب الله وفي سنة رسوله ﷺ وفي كلام أئمتنا من الفقهاء. هذه باختصار مراحل دراسة والتفقه والحكم على أي نازلة مالية من النوازل المالية المعاصرة.

فاصل قصير ونعود إليكم إن شاء الله تعالى بعد هذا الفاصل.

للعلم كالأزهار في البستان، هل كرم المرأة أحد مثلما كرمها الإسلام؟ فالنساء شقائق الرجال، وإنما خصت المرأة ببعض الأحكام كإعفائها من الجمع والجماعات مراعاة لأنوثتها لا تحقيرًا لها. فللمرأة حقها في التعليم، وقد خصص النبي ﷺ درسًا لتعليم النساء، ولا يمنعها الحياء من طلب العلم. قالت عائشة رضي الله عنها: «نعم النساء نساء الأنصار، لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين».

والتعليم حق للمرأة على أبيها وزوجها، عن علي ابن أبي طالب في قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ أَنْتُمْ وَأَهْلُوكُمْ عَلَىٰ نَارٍ ۖ وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6]. قال: «علموهم وأدبوهم». وتعلم المرأة زوجها إن كانت أعلم منه؛ قال النبي ﷺ لأبي رافع حين علمته زوجته بعض الأحكام: «يا أبا رافع، إنها لم تأمرك إلا بخير».

والتاريخ الإسلامي زاخر بالنساء العالمات المعلمات، كعائشة أم المؤمنين. قال عطاء بن أبي رباح: «كانت عائشة أفقه الناس وأعلم الناس وأحسن الناس رأيًا في العامة». ومنهن عمارة بنت عبد الرحمن الأنصارية، وحفصة بنت سيرين البصرية، وفاطمة بنت عباس البغدادية. فتعلمي واعملي وأبشري، قال تعالى: ﴿فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ﴾ [النساء: 34].

بالعلم كالأزهار في البستان، نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن نازلة من النوازل المعاصرة. ذكرنا منهجية دراسة النوازل المالية المعاصرة، وسوف نأخذ بعض النوازل المعاصرة في عدد من اللقاءات. من هذه النوازل: أسهم الشركات المساهمة. ما هو شكل هذه النازلة؟ ما هي صورتها؟ ما هي حقيقتها؟

نحن نريد الآن تصور الشركة المساهمة، ما الذي تختلف به عن الشركات القديمة التي كان الناس يتشاركون من خلالها قبل وجود الشركة المساهمة؟ الشركة المساهمة أصلاً بدأت في أواخر القرن التاسع عشر تقريبًا الميلادي، ونشأت في عدد من الدول الأوروبية، كان بدايتها بريطانيا، فكرتها كانت تحديد المسؤولية وجمع أكبر قدر من الأموال.

دعونا نتصور بداية شكل الشركة المساهمة، لأن السهم مرتبط بالشركة المساهمة. الشركة المساهمة نوع من الاشتراك بين طائفة كبيرة من الناس. الشركات قديمًا، قبل نشوء شكل الشركة المساهمة في نهاية القرن التاسع عشر، كانت تعتمد بشكل كبير وبالغ على المعرفة الشخصية وعلى الثقة بين أطرافها؛ لذلك يغلب فيها الجانب الشخصي بشكل كبير. لا يمكن للإنسان أن يشارك إنسانًا لا يعرفه سابقًا، فيشتركان ويكون بينهم قواعد في هذه الشركة، ويعمل هذا في المال ويعمل هذا في المال، وربما وكلوا طرفًا ثالثًا يعمل في المال، ثم يظهر فيها الجانب الشخصي.

غالبًا الإنسان يشارك صديقه أو قريبه أو الشخص الذي يثق فيه، أو يكون قد أعطى ماله لقريب شارك شخصًا آخر يثق فيه ذلك القريب، يعني لو لم يكن يعرفه فلابد أن نتوصل إليه من خلال شخص يعرفه. المهم أنه ثمة معرفة وثمة ثقة في هذا الأمر في إدارة هذه الشركة، هذا جانب بناء على الجانب الشخصي فيها. لا نتصور سابقًا -وإن كان ثمة شركة تجارية يعمل فيها الأشخاص الشركاء أو وكلوا طرفًا يعمل فيها- لا يتصور بناء على هذا الجانب الشخصي أن يكون هناك شركة مثلاً أكثر من عشرين شخصًا أو ثلاثين شخصًا أو مئة شخص؛ الغالب -وتقدروا تصوروا هذا، طبعًا نادرا أو شاذًا لكن إحنا نتكلم عن الغالب- بحكم أنه لابد أن يكون هناك معرفة بين الشركاء ومعرفة لتصرفاتهم وثقة بها، فغالبًا إن الشركات هذه تتشكل من شخصين أو ثلاثة أشخاص أو خمسة أشخاص، في الغالب لا يزيدون على عشرة، يكونوا شركاء يطرح كل واحد منهم المال، ويثق بعضهم في بعض، ويتصرف كل في المال بحسب ما أعطي له من صلاحيات، أو ربما وكلوا أحدهم للتصرف في المال.

وهكذا إذا ثبتت ديون على الشركة، فغالبًا أن الناس الذين عاملوا هذه الشركة في واقع الأمر إنما يعاملون هؤلاء الأشخاص؛ لذلك لا تنفك هذه الشركة عن شخصية شركائها الذين يملكونها، لذلك من عاملهم في واقع الأمر فإنما يعامل الشركة، ومن داين الشركة في واقع الأمر فإنما يداينهم.

ما هو الجديد في الشركة المساهمة؟ الشركة المساهمة أتت بعدد من المبادئ الجديدة، أول هذه المبادئ أنها شركة أموال وليست شركة أشخاص، بمعنى أنه لا ينظر فيها للجانب الشخصي البتة، فكأنها أشبه بالنظام؛ هذا نظام الشركة وهذا شروطها وهؤلاء الذين سيتصرفون فيها، فمن شاء أن يشترك على هذا الأساس فليشترك. فيشترك أناس كثر لا يعرف بعضهم بعضًا، ويكون أساس المفاضلة بينهم ليس قضية معرفتهم فلان أو فلان أو الثقة بينهم، وإنما قواعد تنظيمية من قبلها فإنه يشترك، وهذه تسمى عقد تأسيس الشركة أو النظام الأساسي للشركة.

فيشترك الناس بناء على هذا النظام الأساسي للشركة وبناء على عقد التأسيس للشركة، ويتم التمايز بين الناس هؤلاء والمفاضلة بينهم بناء على رؤوس الأموال. إذاً لا ينظر للأشخاص فيها، فكل شخص لا يعرف الآخر ولا يعرف إلا رؤوس الأموال؛ فلذلك لا يقال إن شريكنا فلان الفلاني وفلان الفلاني وهو كذا، وإنما يقال هذا رأس ماله، هذا مشارك بكذا سهم.

وهذا سهم، لذلك نلحظ التصويت في الجمعية العمومية. ما هي الجمعية العمومية؟ هي الملتقى الذي يلتقي فيه جميع ملاك الشركة. الشركات المساهمة غالباً ملاكها يكونون بالآلاف، وهذا الملتقى الذي يلتقي فيه ملاك الشركة يعطى لكل مالك حق تصويت؛ كل سهم يملكه له بمقابله صوت، فإذا كان شخص يملك مثلاً مليون سهم فإن له مليون صوت، وإذا كان شخص آخر يملك سهماً أو سهمين فإن له صوتاً أو صوتين بحسب ملكيته.

إذاً غالباً الشركة المساهمة هذه تدار من قبل كبار الملاك، ولا تدار من قبل المساهمين العاديين البسطاء الذين يملك كل واحد منهم سهماً أو سهمين أو عشرة أو مئة سهم، وإنما تدار من قبل الأغلبية المالكة التي تملك حصصاً تسمى في الواقع الاقتصادي الحصص المؤثرة، وغالباً تكون عشرة بالمئة، خمسة بالمئة، عشرين بالمئة، ثلاثين بالمئة. أغلب الشركات المساهمة يكون هناك حصص تأثيرية فيها تملك عشرة بالمئة وعشرين بالمئة، ثم بعد ذلك تطرح للعموم ليساهم الناس فيها من جميع الأجناس والأشكال.

لذا لاحظوا، تسمى الشركة المساهمة بشركة أموال؛ لأن المغلف فيها الجانب المالي وليس المغلف فيها الجانب الشخصي والمعرفة والثقة وغير ذلك، وإنما تحكمها قواعد وأنظمة تجمع أموال الناس وفقاً للوائح معينة واجتماعات معينة وتعيينات معينة إلى غير ذلك.

يترتب على هذا الفرق فرق آخر، وهو أن من يعامل الشركات سابقاً كان كأنه يعامل الشركاء، في واقع الأمر هنا أصلاً الشركاء لا يعرف بعضهم بعضهم في الشركة المساهمة؛ لذلك من يعامل الشركة فهو يعامل الشركة مجردة عن الشركاء. وهذا أنشأ عندنا مبدأً مسمى اليوم في حياتنا المعاصرة، مبدأ تحديد المسؤولية، وهو أن هذه الشركة ذمتها تستقل عن ذمم ملاكها وشركائها، فهذه الشركة كأنها كيان أو إنسان اعتباري جديد مستقل الذمة عن ذمم ملاكه وشركائه.

فإذا ثبتت ديون على هذه الشركة فمعنى ذلك أنها لم تثبت على هؤلاء الشركاء، وإذا ثبت لها ديون فمعنى ذلك أنها لا تثبت لصالح هؤلاء الشركاء، كأن ملكيتها ملكية مستقلة، وهو ما يسمى في حياتنا المعاصرة بمبدأ الشخص الاعتباري أو الإنسان الاعتباري أو الكيان الاعتباري ذي الذمة المالية المستقلة. لاحظوا هذا نشأ من كونه أنها شركة أموال وليست شركة أشخاص وصار لها كيان اعتباري مستقل.

لذلك نفترض مثلاً أن هذه الشركة أفلس وصار عليها ديون، فمعنى ذلك أن دائنيها كأنهم أقرضوا إنساناً أفلس، ثم أغلقت هذه الشركة، فمعنى ذلك أنه هذا موت لهذا الإنسان الذي أقرضوه، وليس من حقهم أن يطالبوا ملاك هذه الشركة الآخرين؛ لأن الشركة إنسان اعتباري مالي مستقل عن هؤلاء الملاك. وهذا الإنسان الاعتباري لو كان هناك ثمة داء له، فخسر هذا الإنسان الاعتباري، يعني هذه الشركة خسرت وتم تصفيتها وإغلاقها، كأننا نقول للدائنين: أنتم أقرضتم أو داينتم إنساناً أفلس هذا الإنسان ثم مات ودفن، فليس لكم الحق في مطالبة الأشخاص الآخرين الذين يملكون هذه الشركة.

هذا تصور الشركة المساهمة؛ الشركة المساهمة هي شركة أموال تقوم على نظام معين، وتقوم على شيء يسمى عقد تأسيس الشركة، وهذا هو العقد الذي ينشئ هذا الإنسان وهذا الكيان الاعتباري، وتتمتع بذمة مالية مستقلة. هذه الذمة المالية المستقلة صالحة لتحمل الديون وصالحة لملكية الحقوق والديون والنقود وغيرها، وهي مستقلة عن ذمم ملاكها والشركاء فيها.

هذا الإنسان الاعتباري أو هذه الشخصية الاعتبارية أو هذه الشركة تتشكل من عدد من الأسهم، كل إنسان يملك سهماً فمعنى ذلك أنه يملك حصة مشاعة في هذه الشركة. فما هو تعريف السهم إذاً؟ تعريف السهم هو حصة مشاعة في الشركة التي تملك هذه الموجودات والحقوق والالتزامات، وتتمتع بذمة مالية مستقلة ولها كيان اعتباري مستقل؛ السهم حصة مشاعة في الشركة التي تتمتع بهذه الذمة المالية المستقلة ولها هذه الحقوق والالتزامات.

فاصل قصير ونعود إليكم.

عن أي شيء تبحث؟ وفي أي شيء ترغب؟ وماذا تطلب؟ وما هي همتك في هذه الحياة؟ فالمسلم يحب المعالي ويسعى إليها. قال النبي ﷺ: «إن الله يحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها». واعلم أن طلب العلم لا ينتهي بل هو مستمر إلى آخر العمر؛ قيل للإمام أحمد وهو يحمل محبرة: إلى متى؟ فقال: «مع المحبرة إلى المقبرة». ولا يعوق كبر السن عن طلب العلم، فإذا توافرت الهمة فلا أن تموت طالباً للعلم خير من أن تموت قانعاً بالجهل.

وذو الهمة في الطلب يهتم بجمع الفوائد وقراءة المطولات. قال أبو عبيد: «ربما كنت أستفيد الفائدة من أفواه الرجال فأضعها في الكتاب فأبيت ساهراً فرحاً بتلك الفائدة». وقال الخطيب البغدادي: «قرأت على إسماعيل بن أحمد صحيح البخاري جميعه في ثلاثة مجالس». ومن المهم المداومة على طلب العلم، فالقليل مع المداومة خير من الكثير مع الانقطاع؛ قال عكرمة: «طلبت العلم أربعين سنة». وقال أبو العباس النحوي: «ما فقدت إبراهيم الحربي من مجلس لغة منذ خمسين سنة». فاطرح عنك الكسل واحرص على دراسة العلم وإحسان العمل. قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69].

بشرى لنا زاد أكاديمية بالعلم كالأزهار في البستان. نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن الشركة المساهمة وعن السهم. ذكرنا أن السهم حصة مشاعة في الشركة، والشركة هي الكيان الاعتباري ذو الذمة المالية المستقلة التي تملك الموجودات والصالحة للتملك والصالحة لتحمل الالتزامات والديون.

هذا تعريف السهم، والآن عندنا هذا التصور إن شاء الله تعالى عن الشركة المساهمة وعن شروطها. ولا شك أن من أراد تصوراً أوفى فإن عليه مراجعة الأنظمة ذات العلاقة بالشركة المساهمة سواء في أي بلد من البلدان؛ لأن غالباً الشركة المساهمة تتخذ اصطلاحاً على هذا الاسم في جميع بلدان العالم، فالتصور عنها في بلدان العالم غالباً تصور متقارب بنسبة تفوق تسعين أو خمسة وتسعين بالمئة. وكذلك عليه أن يطالع سوق الأسهم حتى يبني عنده تصوراً عن الشركة المساهمة وعن الأسهم.

هذا من حيث التصور، فما هو أصل هذه الشركة؟ نحن نقول في واقع الأمر إن هذه الشركة إذا أردنا أن نردها إلى أصولها فكأنها شركة أملاك في ملكية إنسان اعتباري يتصرف بهذه التصرفات. يبقى عندنا سؤال: ما حكم إنشاء هذه الشركة وتأسيسها وتملكها؟ نقول إن الظاهر والله تعالى أعلم أن تأسيس إنسان اعتباري بهذه المواصفات يتحمل الحقوق والالتزامات، وتأسيس شخصية اعتبارية، أن هذا المبدأ وإن لم يكن مثلاً معروفاً في كتب الفقه عند المتقدمين إلا أننا نطبق عليه قاعدة أن الأصل في المعاملات...

الحل والإباحة؛ هذا يعني أن الأصل في تأسيس الشركات المساهمة الحل والإباحة، إلا أننا ينبغي أن نقيد هذا الأصل بالضوابط الشرعية المعهودة المعروفة. فمثلاً لا يجوز تأسيس شركة مساهمة لممارسة الأعمال المحرمة؛ أليس معنى كون الشركة شخصاً اعتبارياً فمعنى ذلك أنها تؤسس لمزاولة الأعمال المحرمة؟ فلا يجوز تأسيس شركة تتاجر في الخمر مثلاً، أو تتاجر في الربا، أو تقرض وتقترض بالربا، أو تتعامل بالتأمين المحرم، أو تتعامل في القمار والميسر وغير ذلك، أو تكون هذه الشركة متملكة مثلاً لوسائل ترفيه محرمة، أو أن هذه الشركة مثلاً تتعامل في الأفلام والإعلام الهابط، هذا كله لا يجوز شرعاً، إذاً لابد أن يكون نشاط الشركة نشاطاً مباحاً شرعاً.

لابد أن تتميز العلاقة كذلك، ما الشروط المتعلقة بالشركة المساهمة؟ لابد أن تكون العلاقة بين الشركاء قائمة بينهم على أساس عدل ومساواة، لا على أساس أكل المال بالباطل. لذلك الصحيح -والله تعالى- أن الأسهم الممتازة في الشركات المساهمة التي يتمتع حاملوها بضمان رأس مالهم في الشركة، إنها أسهم غير مجازة شرعاً؛ لماذا؟ لأنه لا يجوز أن يضمن الشريك رأس مال الشريك الآخر. هذا مثال، ولكن بعض صور الأسهم الممتازة التي لا تقوم على ضمان رأس المال، وإنما تقوم على معاملة تفضيلية، بمعنى مثلاً أن يكون له حق بالأرباح أعلى من نصيب فلان الآخر، بسبب أنه شارك مثلاً في مرحلة تأسيسية، أو بسبب أنه شارك في مرحلة إنقاذية، أو أياً كان لأسباب معتبرة شرعاً؛ فإن هذا إن شاء الله تعالى من الجائز شرعاً.

إذاً هذا فيما يتعلق بأسهم الشركة المساهمة، وهذا فيما يتعلق بتأسيسها. ما حكم شراء الأسهم من أسواق الأسهم والاكتتاب في هذه الشركات المساهمة؟ نقول إن الأصل في الاكتتاب في الشركات المساهمة وشراء أسهمها وبيع أسهمها هو الجواز، إلا إذا كانت هذه الشركة تمارس نشاطاً محرماً. إذا صارت هذه الشركة مثلاً تتاجر في الخمر، أو صارت هذه الشركة تمارس أعمال البنوك الربوية، أو صارت هذه الشركة مثلاً من شركات الإعلام الهابط، فلا يجوز المشاركة فيها، وهذا نوع من الإعانة على الإثم والعدوان وأكل المال بغير وجه حق؛ لأن الإنسان يأكل العوائد لتعود إليه من هذه الشركة.

لذلك لا شك أن هذا من الأمور المحرمة التي اتفق العلماء المعاصرون على تحريمها، وهو أن الشركة المساهمة إذا كانت تزاول النشاط المحرم، وكان هذا النشاط -يعني من أنشطتها هذا النشاط المحرم- قائماً على هذا النشاط المحرم، فإنها يكون محرماً الاكتتاب فيها أو تأسيسها أو المساهمة فيها أو شراؤها أو غير ذلك. ومن ملك هذه الشركة بهذا الشكل، أو ملك أسهم من هذا النوع، فإن عليه التوبة إلى الله سبحانه وتعالى فوراً، ويتخلص من هذه الأسهم ببيعها في السوق، ونقول بيعها في السوق تخلصاً منها، لا من قبيل أنه يبيعها في السوق لأجل أن يتربح منها أو شيء من هذا.

يبقى عندنا صورة ثانية، وهي صورة الشركة التي لا تمارس هذه الأنشطة المحرمة؛ فنقول حينئذٍ إن تأسيس هذه الشركة التي لا تمارس هذه الأنشطة المحرمة بهذا الشكل جائز، ويجوز المساهمة فيها، ويجوز بيع أسهمها، ويجوز شراء أسهمها والمتاجرة فيها. صارت عندنا الشركات نوعان: شركة تقوم على نشاط محرم فهذه لا تجوز، وشركة تقوم على نشاط مباح ولا تمارس أي نشاط أو عمل محرم، هذه شركة جائزة إن شاء الله تعالى.

أشكل على بعض المعاصرين نوع ثالث من الشركات متوسط بينهما، اصطلحوا على تسميته بالشركات المختلطة، وهو الشركة التي تمارس النشاط المباح في الأصل إلا أن بعض أنشطتها شابه عمل محرم، فهي لم تقم في الأصل لمزاولة الأعمال المحرمة وإنما قامت لمزاولة الأعمال الجائزة. مثلاً كأن تكون شركة ذات نشاط أساسي في البتروكيماويات، أو تكون الشركة نشاطها الأساسي في الاتصالات، أو تكون الشركة نشاطها الأساسي في العقار والمقاولات؛ ليست شركة كالبنوك الربوية أو كشركات القمار والميسر، ولكن نشاطها نشاط حلال في الأصل، أو شركة زراعية أو صناعية، هذه أنشطة مباحة في الأصل إلا أنها في سبيل مزاولتها لهذه الأعمال قد قامت ببعض الأعمال المحرمة؛ كأن اقترضت مرة أو مرتين، أو اقترضت بشكل دائم بالربا، أو استثمرت أموالها في ودائع، وهذا النشاط المحرم يشكل جزءاً يسيراً من أعمالها.

فهذه المسألة بعض العلماء المعاصرين الحقها بالشركات المحرمة باعتبار مزاولتها لعمل محرم، وبعض العلماء الحقها بالشركات الجائزة باعتبار أن الأصل في نشاطها الحل والإباحة، واشترط من الحقها بالشركات المباحة أن يتم استبعاد العنصر المحرم منها. وفي واقع الأمر لا شك أن الأبرأ لدين الإسلام لدين المسلم، والأسلم لذمته، أن يبتعد عن هذه الشركات المختلطة لما فيها من الاشتباه ولما يدخل فيها من العنصر المحرم. هذا ملخص فيما يتعلق بحكم المساهمة في الشركات المساهمة.

هناك ورقة مالية تصدر كذلك عن بعض الشركات المساهمة يختلف حكمها عن حكم السهم، ألا وهي السندات. السندات هي قروض بفائدة تصدر من الشركة المساهمة أو تصدر من الحكومات، الهدف منها اقتراض أموال الناس بفائدة محددة مسبقاً. هذه السندات هي صورة قروض بفائدة موثقة بورقة مالية يتم تداولها، وقد أفتى فيها مجمع الفقه الإسلامي وعدد من هيئات الفتوى الجماعية بأن هذه السندات محرمة شرعاً، سواء صدرت من شركات أو من حكومات أو غيرها لأجل تمويل أعمالها؛ لأن القرض بفائدة يندرج في الربا المحرم كما قد قررناه سابقاً. لذلك على الشركات والحكومات حين أرادت الاستدانة أن تتجه إلى الصكوك الإسلامية البديلة عن السندات بفائدتها المحرمة شرعاً.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم للرزق الحلال، وأن يجعلنا وإياكم مباركين حيثما كنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.