يا راغبا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي؛ أكاديمية زاد. الفقه الميسر بالشرع دون تعصب لفلان، كالأزهار في البستان.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما يا كريم. إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الثالث عشر من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد في المستوى الرابع. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الأكاديمية وفي هذه الدروس قائلها وسامعها، وأن يجعلنا وإياكم ممن يتعاون على الخير والبر والتقوى، وممن يعلم ويتعلم العلم النافع.
أما بعد، إخواني وأخواتي، كنا قد شرعنا في درسنا السابق أو الذي قبله للحديث عن الربا، وهو أحد أهم المحرمات في أبواب المعاملات. ذكرنا تحريم الربا والآيات الواردة فيه والأحاديث الواردة فيه، وتحدثنا عن تاريخ تحريمه، وكيف أنه محرم على الأمم الكتابية قبل بعثة محمد ﷺ، واستبشاعه في النفوس والفطر كما كان أهل الجاهلية يستبشعونه. وتحدثنا بعد ذلك عن تعريفه ومن أين نشأ الاصطلاح اللغوي للفظ الربا، ثم تحدثنا عن أقسامه وذكرنا أن أخطر أقسامه ربا الجاهلية.
بينا أن ربا الجاهلية هو أن يزيد الدائن على مدينه عند حلول الأجل، وربا الجاهلية هو الربا المقصود في آيات سورة البقرة وفي آيات سورة آل عمران؛ فإن الله سبحانه وتعالى قال في آيات سورة البقرة: ﴿قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]. هذه في واقع الأمر شبهة المشركين، والحقيقة أنها ليست شبهة، وإنما الأولى أن نسميها اعتراض المشركين؛ لأنه ليس في هذا الأمر شبهة أو إشكال، وإنما هو نوع من الاعتراض لأنهم لم يمتثلوا لنهي الله جل جلاله واستشكلوا هذا الأمر.
لا، وإنما استمروا في أكل الربا ولكنهم يعترضون على حكم الله جل جلاله مع استمرارهم في أكل الربا، وهم يقولون: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾، كأنه نوع من الاعتراض على الله جل جلاله. لذلك الله سبحانه وتعالى لم يجبهم على اعتراضهم هذا؛ لأنه اعتراض عناد واستكبار، لا سؤال استفسار وتعلم وإذعان وانقياد. الإنسان إذا سأل سؤال إذعان وانقياد وأراد التعلم، فإن الله سبحانه وتعالى يجيبه، وكم قد استفتى أصحاب النبي ﷺ فأجابهم الله جل جلاله، وهذا موجود في سورة البقرة: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾، ﴿يَسْتَفْتُونَكَ فِي الْكَلَالَةِ﴾، ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ إلى غير ذلك.
أما الاعتراض على الله جل جلاله كما فعل المشركون، فحري بعدم الإجابة، بل إن الله سبحانه وتعالى لا يُسأل عما يفعل ولا يعترض عليه جل جلاله. ذلك المشركون استمروا في أكل الربا والعياذ بالله وقالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾. الله سبحانه وتعالى أخبر، قال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾، وهددهم: ﴿فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 275].
﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾. وذكرنا أن هذا الاعتراض في واقع الأمر ليس اعتراضًا سديدًا ولا سليمًا، والإجابة عليه واضحة وسهلة. فإن اعتراضهم أنهم يقولون إن الزيادة في الربا زيادة على المدين إذا حل الأجل ولم يستطع الوفاء، هي زيادة مثل الزيادة في المبيعات بين الناس في ابتداء الأجل. تفوق الأمر، ذكرنا أن الزيادتين ليستا سواء؛ فإن زيادة الربا زيادة على المدين المعسر، فالزيادة على المدين المعسر زيادة عليه وإرادته منقوصة، وهو لا يجد له أحدًا إلا الدائن، وهو تحت رحمته الدائم، وهو محتاج إلى الإنظار.
بخلاف ابتداء البيع الأول الذي تكون فيه إرادة الطرفين كاملة، والذي يمكن لأحد الطرفين فيه الخروج عن العقد كما يشاء، أو عدم ابتداء العقد بالأصح. وأما الزيادة الربوية عند حلول الأجل، فهي زيادة لا يستطيع فيها المدين إلا أن يقبل بما يفرضه الدائن. ومع هذا الوضوح والظهور، إلا أن المشركين قد اعترضوا اعتراض استكبار وعناد.
وإنما قلنا إن آيات سورة البقرة جاءت في ربا الجاهلية لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 280]. هذه الآية الشريفة دلت على أن الربا الذي تتحدث عنه الآيات هو ربا في الديون؛ فإن العقد ابتداءً -مثلاً- في بيوع ربا الفضل أو بيوع ربا النسيئة، لا يسمى العاقد فيها ذو عسرة. المعسر هو المدين الذي لا يستطيع الوفاء، أما العاقد في أول أمره فلا يسمى معسرًا ولا يقال إنه يُنظر.
تقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾، دليل على أن ثمة دينًا، وقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ﴾، الدليل على أن ثمة دينًا يُطالب به هذا المعسر. فلذلك استنتجنا من هذه الآية الشريفة الكريمة أن هذه الآيات، آيات سورة البقرة، واردة في ربا الجاهلية، وهو المسمى بربا الديون، أو يسميه بعض أهل العلم ربا "زدني أنظرك"، أو ربا النسيئة عند حلول الأجل؛ كل هذه المسميات تصف واقع الربا عند حلول الأجل.
الأمر الثاني: الآيات الواردة في سورة آل عمران كذلك وردت في الربا نفسه، نفس النوع؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: 130]. قول الله سبحانه وتعالى "أضعافًا مضاعفة" معناها أن هذا الدين يتنامى ويزيد، وهذا هو شأن ربا الجاهلية؛ يتنامى ويزيد أضعافًا مضاعفة، يعني يتضاعف ثم يتضاعف ثم يتضاعف، يزيد حتى يسقى الكاهن المدين.
لا شك أن هذا النوع من أنواع الربا أقبح وأبشع أنواع الربا، وفي الواقع الأمر هذا حقيقة يؤدي إلى ربما أسباب جرائم نفسية واجتماعية وأمنية، وقبل ذلك كله يفسد نفسية وحياة الدائن، فيجعلها حياة مادية لا تراعي فقيرًا ولا مسكينًا، وإنما لا تفكر إلا في طريقة جمع الأموال من حلال أو من حرام والعياذ بالله.
هذا هو ربا الجاهلية. النوع الثاني من أنواع ربا الديون هو ربا القروض؛ ربا القروض هو الزيادة التي يتفق عليها الدائن والمدين عند ابتداء القرض النقدي أو قرض الطعام كما سيأتينا، يتفقون على فائدة يزيدها المدين عند وفاء الأجل، أو يدفعها ابتداءً، أو يدفعها أثناء الدين. الفوائد هذه التي على القروض النقدية متنوعة الأشكال: أحيانًا تدفع ابتداءً، وأحيانًا تدفع على فترات متفاوتة، وأحيانًا تدفع في نهاية المدة، لكنه قرض نقدي بزيادة.
ومن أشكال هذا الربا المعاصرة: القروض البنكية، حيث يقوم البنك بإقراض بعض العملاء قرضًا نقديًا ويشترط عليه أن يسدده بزيادة في هذه النقود، أو العكس أحيانًا بحيث يأخذ العميل فوائد على الودائع والقروض التي يقرضها للبنك؛ هذا قرض ربوي بفائدة، إما تدفع في أول المدة أو في آخر المدة أو فائدة مستمرة في أثناء المدة.
فاصل قصير ونعود إليكم إن شاء الله تعالى بعد هذا الفاصل.
حرص الإسلام على زرع المحبة والود بين المسلمين وعلى اقتلاع أسباب التباغض والشحناء من بينهم. ومن المعاملات التي تورث البغضاء بين المسلمين بيع المسلم على بيع أخيه أو شراؤه على شراء أخيه؛ لذلك نهى عنها الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: «لا يبع بعضكم على بيع أخيه». والشراء مثل البيع فيحرم شراء المسلم على شراء أخيه.
ومثال البيع على البيع: اشترى زيد من عمرو سيارة بعشرة آلاف، فذهب رجل إلى زيد وقال له: أنا أعطيك مثلها بتسعة، أو أعطيك أحسن منها بعشرة، أو أبيعك مثلها بعشرة؛ فهذا بيع على بيع المسلم لا يحل. ومثال الشراء على الشراء: باع زيد لعمرو بتسعة، فجاء آخر وقال للبائع: بعتها على فلان بتسعة؟ قال: نعم. قال: أنا أعطيك فيها عشرة، أو بعها لي أنا بتسعة ودعك منه. والراجح أن البيع على البيع حرام، سواء كان ذلك في زمن الخيار أو بعد تمام البيع؛ لأنه مما يورث الشحناء والبغضاء بين المسلمين.
بشرى لنا زادنا كاذبية بالعلم كالأزهار في البستان. نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن ربا الديون. وذكرنا النوع الأول منه وهو ربا الجاهلية، وهو الربا الذي يكون في الدين عند حلول أجله، وربا القروض، وهذا الذي يكون في الديون النقدية مثلا عند ابتداء الأجل. فالذي لا يقرض غيره نقداً إلا بزيادة على هذا النقد، لا شك أن هذا نوع من أنواع الربا الذي جاء تحريمه في سنة النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال صلى الله عليه وسلم: «الذهب بالذهب ربا، إلا هاء وهاء».
والذي قد جاء في كلام أهل العلم والفقه في تقريرهم لقاعدة: «أن كل قرض جر نفعاً فهو ربا». وقد جاء كذلك في عدد من الأحاديث عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أن من أهدى إليك شيئاً في قرض أقرضته فهو باب من أبواب الربا. هذه حكمتها كما قال الإمام جعفر الصادق رحمه الله تعالى: «لئلا يتمانع الناس المعروف»؛ إذا كان الإنسان لا يقرض غيره قرضاً نقدياً إلا بربا أو بزيادة على هذا القرض، فإن هذا لا شك أن هذا دليل على قلة الإحسان والمعروف الذي بين الإنسان وبين أخيه المسلم.
هل يعني هذا أن البيع ممنوع؟ نقول لا، إن البيوع قد أباحها الله سبحانه وتعالى وأباحها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، إلا أنها ينبغي أن تنضبط بضوابطها الشرعية التي قد ذكرنا بعضها وسنذكرها الآن. فالمتاح أولاً والمقرب للمسلم تجاه أخيه المسلم أن يقرضه القرض الحسن، فإن لم يجد أو لم يرد أن يقرضه القرض الحسن، فإن يباح له أن يبيعه بيعاً يربح فيه، إلا أنه لا يجوز له أن يربي عليه إذا لم يستطع هذا المدين أن يوفي عند حلول الأجل.
يعني هذا شرط من شروط البيع؛ أن نقول يجوز لك أن تبيع السلعة مثلا بعشرة أو بعشرين أو بثلاثين، أو أياً كان السعر الذي تتفقون عليه، يوفيه لك بعد سنة، ولكن لا يجوز لك إذا حل الأجل ولم يستطع هذا المدين المشتري لهذه السلعة وفاء، لا يجوز لك بأي حال من الأحوال أن تزيد عليه الدين عند حلول الأجل.
لاحظتم إخواني الكرام؟ إذاً إن أقرضه ابتداءً قرضاً إحسانياً، هذا لا شك أن هذا هو الأفضل والخير والبركة. وإن أراد أن يبيعه سلعة بأجل يربح فيه، فهذا مباح إلا أنه أقل رتبة من القرض الحسن الذي لا يستفيد فيه، إلا أنه من العدل المباح في شريعة الإسلام بشرط ألا يتعدى إلى الظلم، وهو أنه إذا حل الأجل يزيد عليه، فالدين هذا ظلم.
عندنا ذكرناها ثلاث رتب: الرتبة الأولى أن يقرضه قرضاً حسناً يوفيه المدين متى وجد وفاء، فإن لم يرد هذه الرتبة فإن عنده العدل والتوسط، وهو أن يبيعه بيعاً بربح إلى أجل، ولكن لا يجوز له أن يتعدى إلى حالة الظلم، وهي أنه إذا حل الأجل ولم يقدر على الوفاء فإنه يطالبه بزيادة مقابل تأجيل إضافي؛ فإن هذا محرم وهو ربا الجاهلية.
إذا صار عندنا الآن الحديث عن ربا الديون، نريد أن ننتقل للقسم الثاني من أنواع الربا ألا وهو ربا البيوع. ربا البيوع ورد تحريمه في سنة النبي صلى الله عليه وسلم في عدد من الأحاديث: حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، حديث عثمان بن عفان، حديث عبادة بن الصامت، هذه كلها أحاديث مشهورة في ربا البيوع من الشرع.
حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الذهب بالذهب ربا، إلا هاء وهاء، أو يداً بيد، والفضة بالفضة ربا، إلا هاء وهاء، أو يداً بيد، والمثل بالمثل، والملح بالملح ربا، إلا هاء وهاء، يداً بيد، مثلاً بمثل، والشعير بالشعير ربا، إلا هاء وهاء، مثلاً بمثل، يداً بيد، والتمر بالتمر ربا، إلا هاء وهاء، مثلاً بمثل، يداً بيد».
فالنبي صلى الله عليه وسلم ذكر ستة أصناف اصطلح أهل العلم على تسميتها بالأصناف الربوية. ما هي هذه الأصناف الستة؟ الذهب والفضة والتمر والشعير والملح والبر. هذه الأصناف الستة هي الأموال الربوية التي جاءت في حديث عبادة رضي الله تعالى عنه، وهذه الأصناف الستة لا يجوز الزيادة فيها عند بيعها بمثلها نصاً كما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم، وذكرنا أنه يقاس عليها غيرها، ولا يجوز التأجيل فيها عند بيع بعضها ببعض نصاً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، ويقاس عليها غيرها كما سيأتينا إن شاء الله تعالى. هذه الأصناف الربوية تسمى الأصناف الستة، ويسمى هذا الربا بربا البيوع.
نريد أن نستعرض الآن أهم الفروق بين ربا الديون وبين ربا البيوع؛ هذا الجانب الأول. الجانب الثاني نريد أن نستعرض بعض القواعد المهمة في ربا البيوع.
أول فرق من الفروق بين ربا الديون وربا البيوع هو أن ربا الديون يجري في كل الأموال، بينما ربا البيوع يجري في الأموال الربوية. ما هي الأموال الربوية؟ هي الأصناف الستة وما وافقها في العلة. إذاً هذا الفرق الأول: أن ربا الديون يجري في كل الأموال، بينما ربا البيوع لا يجري إلا في الأموال الربوية وهي الأصناف الستة وما وافقها في العلة. كيف؟ لنفترض أن إنساناً مدين لآخر بمئة ريال، هذه يجري فيها الربا، ربا الديون وربا البيوع؛ لماذا؟ لأن النقود الورقية يجري فيها ربا النقود، ربا الديون وربا البيوع. طيب، نفترض أن شخصاً مدين لآخر مثلاً بمئة كيلو من البر.
نقول البرء يجري فيه ربا الديون ويجري فيه ربا البيوع. نفترض أنك قد دفعت عشرة ريالات في مقابل قلم يسلم لك غداً، أو بعد أسبوع، أو كتاب، أو سيارة، أو أياً كان؛ فالمدينة الآن مدين بماذا؟ مدين بسيارة أو بقلم أو بكتاب حسب الثمن الذي دفعته. إذا لم يوفِ لك السيارة في الأجل، قال له: يا أخي تسلم لي السيارة بعد سنة، أو تسلمني هذا الكتاب بعد شهر، أو تسلمني هذا القلم بعد أسبوع، فتعذر عليه التسليم بسبب إعساره مثلاً، فانت قمت بمضاعفة هذا الدين عليه؛ نقول هذا نوع من أنواع ربا الجاهلية.
لكن لاحظوا، السيارات والأقلام هذه لا يجري فيها ربا البيوع لأنها ليست من الأصناف الستة وما وافقها في العلة. إذاً نحن عندنا الآن نوعان رئيسان للربا: الأول ربا الجاهلية، وهذا يجري في كل الأموال، أي دين. نفترض أن إنساناً مدين للآخر ببعير يسلمه إليه، أو بمائة بعير، فقال: إن تأخرت في وفائها في اليوم المحدد تصبح عليك مئتين؛ نقول هذا ربا. قد يقول قائل إن الإبل ليست من الأموال الربوية؛ نقول هي ليست من الأموال الربوية في ربا البيوع، ولكن ربا الديون يجري في كل الأموال. أما ربا البيوع فإنه لا يجري إلا في الأموال الستة وما وافقها في العلة.
كيف لا يجري إلا في الأموال الستة وما وافقها في العلة؟ نفترض الأقلام، الأقلام ليست من الأموال الربوية، معنى ذلك أنه يجوز أن أبيع قلماً جيداً مثلاً بقلمين أقل منه جودة. قد يقول قائل إن هذا واحد باثنين، نقول واحد باثنين، لكنها أقلام ليست من الأموال الربوية. لكن الأموال الربوية لا يجوز بيع واحد منها باثنين؛ لا يجوز مثلاً أن أبيعك ريالاً الآن بريالين مؤجلة، هذا نوع من أنواع ربا البيوع.
لاحظتم الفرق بين ربا البيوع وربا الديون؟ الفرق الأول أن ربا الديون يقع في كل مال ما دام أنه دين وثبت في الذمة أياً كان نوع هذا المال، فإنه إذا تأجل بزيادة فهذا ربا الديون. أما ربا البيوع فهو لا يقع إلا في الأصناف الستة التي ذكرها النبي ﷺ وما يوافقها في العلة، يعني بعض الأصناف وهي التي اصطلح أهل العلم على تسميتها بالأموال الربوية، وأما الأموال غير الربوية فلا يقع فيها ربا البيوع وإنما يقع فيها ربا الديون. إذاً هذا هو الفرق الأول.
فاصل قصير ونعود إليكم بعد هذا الفاصل. العلم مراتب؛ فمنه فرض عين، وهو تعلم ما لا يتأتى الواجب إلا به، كتعلم صفة الوضوء والصلاة. ومنه فرض كفاية، كعلوم الحديث. ومنه نفل، كالتبحر في أصول الأدلة. فلا بد من التدرج فيه خطوة خطوة، فإن من رام أخذه جملة ذهب عنه جملة، ولكن الشيء بعد الشيء مع الليالي والأيام.
ونراعي الأولويات في التعلم، فنبدأ بالعلوم الأصلية كالتفسير والفقه قبل علوم مثل مصطلح الحديث وأصول الفقه. ونبدأ بتعلم الفروض قبل النوافل. وفي الحديث القدسي: «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه»، وقد قيل: «من شغله الفرض عن النفل فهو معذور، ومن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور». ونبدأ بالأسهل قبل الأصعب، وبالمختصرات قبل المطولات. قال تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [المائدة: 66]، والرباني هو الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره.
ونبدأ بتعلم ما تترتب عليه ثمرة قبل المسائل النظرية البحتة، ونبدأ بالتعلم قبل التصدر للتعليم؛ فإن فاقد الشيء لا يعطيه. ونهتم بالفهم والتدبر ولا نقتصر على الحفظ والتلقين، فتدرج في طلب العلم حتى تكون من الراسخين. قال ﷺ: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين». بشرى لنا، زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.
نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن ربا البيوع. ذكرنا الفرق الأول بين ربا البيوع وربا الجاهلية؛ الفرق الأول في نوع الدين أو السلعة أو النقد أياً كان الذي هو محل التعاقد. فقلنا إن ربا الديون يقع في كل مال؛ لو إنسان مدين للآخر بنقود، أو مدين للآخر بناقة، أو مدين للآخر بكتب، أو مدين للآخر ببر أو شعير أو تمر أو فواكه أو خضروات، أو مدين له بأشياء مصنوعات حديثة أو سيارات أو أياً كان، وتأخر بسبب إعساره، فإن الزيادة عليه تكون نوعاً من أنواع الربا. ربا الديون إذاً يقع في كل مال يعد ديناً ثابتاً في الذمة. أما ربا البيوع فهو لا يقع إلا في الأموال الربوية، هذا الفرق الأول.
الفرق الثاني أن ربا الديون يقع متى؟ ربا الجاهلية يقع عند حلول الأجل وليس في البداية. فمثلاً نفترض أن شخصاً قد باع على شخص آخر مثلاً مئة ريال مقابل مئة وخمسين ريالاً مؤجلة بعد سنة، نقول هذا نوع من أنواع ربا البيوع. طيب، إذا جاء نهاية السنة فلم يسدد المئة والخمسين فقال: زدني، فقال: خلاص أنا أؤجلك شهراً بمئة وسبعين؛ نقول هذه العشرين من ربا الجاهلية.
لاحظتم الفرق بين النوعين؟ ربا الجاهلية هو الذي يقع عند نهاية الأجل، وربا البيوع هو الذي يقع في بداية الأجل، في بداية العقد. هذا ربا البيوع يقع في بداية العقد. فلنفترض أنه قد باعه شيئاً بيعاً مباحاً مثلاً، باعه سيارة بمئة ألف، هل هو الآن وقع في ربا البيوع؟ نقول لا، لم يقع في ربا البيوع. طيب لما حل الأجل بعد سنة وقال: يا أخي سدد لي مئة ألف، قال: ما عندي، قال: خلاص أنا بأجلها عليك مئة وعشرين ألف؛ نقول هنا وقع في ربا الجاهلية.
لكن ما دام في بداية العقد كان العقد صحيحاً وسليماً لم يقع في ربا البيوع، ولكن في نهاية العقد وقع في ربا الجاهلية، وهو شرط من الشروط الربوية المحرمة. لاحظتم الآن أم لا؟ إذاً أحياناً بداية العقد تكون صحيحة وسليمة، لكن يقع الإنسان لاحقاً في ربا الجاهلية. وهكذا أحياناً الإنسان يجمع والعياذ بالله بين نوعي الربا، فيقول: يا أخي أنا أبيعك المئة هذه أو أقرضك هذه المئة بمئة وعشرين؛ هذا العقد الأول نوع من أنواع الربا، ربا القروض والبيوع. فإذا أتت بعد سنة ولم يسدد المئة والعشرين وقال: أوجهها لك مئة وثلاثين، هذا ربا الجاهلية؛ صارت العشرة هذه نوعاً من أنواع ربا الجاهلية. الأنصار أضافوا للربا الأول ربا البيوع، وأضاف له ربا الجاهلية، فجمع بين نوعي الربا والعياذ بالله.
إذاً هذا الفرق الثاني، وهو توقيت وقوع العقد الربوي؛ ربا البيوع يقع في بداية العقد عند التعاقد ابتداءً، طيب ربا الجاهلية متى يحصل ويقع؟ عند نهاية العقد عند حلول الأجل، فإذا زاد عليه فإن هذا نوع ربا الجاهلية. هذان الفرقان يظهر بهما الفرق بين ربا الجاهلية من ناحية...
وبين ربا البيوع من ناحية أخرى، هناك عدد من التفصيلات المهمة في ربا البيوع نذكرها كقواعد قبل أن نبين أنواع ربا البيوع. ذكرنا من قبل ربا الجاهلية، ونريد أن نتحدث الآن عن ربا البيوع، فما هي هذه القواعد؟
القاعدة الأولى: ربا البيوع لا يقع في كل الأموال، وإنما في بعض الأموال دون بعض. القاعدة الثانية: الأموال التي يقع فيها ربا البيوع اصطلح الفقهاء على تسميتها بالأموال الربوية. القاعدة الثالثة: هذه الأموال الربوية -كرِبا البيوع- مأخوذة من حديث عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه الذي نص على ستة أموال: الذهب والفضة، والبر والشعير، والتمر والملح. هذه ستة أصناف نص عليها حديث عبادة رضي الله تعالى عنه.
القاعدة الرابعة أو الفائدة الرابعة: هذه الأصناف الستة قاس عليها أهل العلم غيرها من الأصناف بجامع توافقها في العلة. فمثلا الذهب والفضة حُرّم فيها ربا البيوع؛ لأنهما كانا أثمان الناس التي يستخدمونها في معاملاتهم في زمن النبوة، فلما صارت معاملات الناس اليوم لا تجري بالذهب والفضة، لا بالدنانير الذهبية ولا بالدراهم الفضية، وصارت تجري بالورق النقدي، استُبدل الذهب والفضة اليوم بالأثمان وهي الأوراق النقدية، فصار الورق النقدي من الأموال الربوية التي يجري فيها ربا البيوع.
قد يقول قائل: هل يجري في الورق النقدي ربا الجاهلية؟ نقول: ربا الجاهلية يجري في كل مال، سواء كان منصوصًا عليه من الأصناف الست هذه، أو مما يوافقها في العلة، أو لا يوافقها في العلة. ربا الجاهلية يجري في كل مال؛ كل إنسان حلَّ عليه دين ولم يستطع وفاءه، أو لم يقدر على الوفاء، أو قيل له: «تقضي أم تربي؟»، أو تزيد في الأجل وأزيد في الثمن، تزيد عليه في الأجل مقابل الزيادة في الثمن، ربا الجاهلية أيا كان نوع هذا المال.
إذا ذكرنا في ربا البيوع عددًا من الفوائد، أنه لا يجري في كل الأموال وإنما يجري في الأصناف الستة وما وافقها في العلة، وأن الذهب والفضة يقاس عليها غيرها وهو الأثمان المعاصرة؛ فكل ما اتخذه الناس ثمنًا وجرى بينهم ثمن فإنه يقاس على الذهب والفضة. وأما البر والشعير والتمر والملح، فإن أهل العلم قد ذكروا أنه يقاس عليها كل مقتات مدخر؛ هذه الأصناف الأربعة جمعت وصفين: أنها مقتاتة ومدخرة. مقتاتة يعني أنها قوت للناس، أو تصلح أقواتهم، فالبر والشعير والتمر أقوات، والملح مصلح للقوت. والادخار يعني أنها لا تتلف سريعًا وإنما تبقى.
فصار الآن استنبط أهل العلم منها؛ فبعض أهل العلم يقولون إن العلة في هذه الأصناف الأربعة هي كونها مطعومة، وبعض أهل العلم يقول كونها مكيلة أو مدخرة. يعني هناك خلافات بين أهل العلم في تقدير العلة التي تكون محلًا للإلحاق والقياس، ولكن هذه الأموال هي محل جريان ربا البيوع. وأما ربا الجاهلية كما قد ذكرنا من قبل، فإنه يجري في كل مال دون اعتبار لهذه الأصناف الستة أو غيرها.
هنا سؤال أريد أن أختم به هذه الحلقة: هل معنى اختلاف العلماء في هذه الأصناف الستة وما هي علتها، هل يعني هذا أن فوائد ربا البنوك فيها خلاف بين العلماء؟ نقول: كلا، إن ربا البنوك في واقع الأمر هو من ربا الجاهلية المحرم شرعًا؛ لأنه إذا حلَّ فيه الدين على المدين يقول له البنك: «تقضي أم تربي؟»، فإن وفى دينه وإلا زاد عليه في الأجل مقابل الزيادة في الثمن، وهو يجري في كل مال، سواء كان من الأصناف الستة أو لم يكن، وسواء كان موافقًا للأصناف الستة في العلة أو لم يكن موافقًا، لا، هذا تنبيه مهم أحببنا أن ننبه إليه في ختام هذه الحلقة.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا وإياكم ما ينفعنا، وأن يجعلنا وإياكم مباركين حيثما كنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يا راغبًا في كل علم نافع، متطلعًا لزيادة وتريد ميسورًا بأي مكان، صف لتروي غلة الظمآن، وتعلم الفقه الميسر عامدًا بالشرع دون تعصب، اطلب أني فلاني، بشرى لنا زاد لك للعلم كالأزهر في البستان.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي