دخولتسجيل الدخول

يا راغبا في كل علم نافع ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي، أكاديمية زاد، الفقه الميسرة، عاملاً بالشرع دون تعصب لفلان، بالعلم كالازهار في البستان. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما يا رب العالمين، اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، اللهم يا مفهم سليمان فهمنا.

إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الثاني والثلاثون من سلسلة دروس الفقه بأكاديمية زاد في المستوى الرابع، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس وفي هذه الأكاديمية، أن يبارك بمدرسيها وطلابها والعاملين فيها، وأن يجعلنا وإياكم جميعاً مباركين حيثما كنا.

إخواني وأخواتي، كنا قد تحدثنا عن عدد من الموضوعات ذات العلاقة بالمعاملات المالية، ثم تحدثنا كذلك عن عدد من الموضوعات ذات العلاقة بفقه الأسرة: النكاح والطلاق. نريد اليوم أن ننتقل إلى موضوع جديد، ألا وهو موضوع الأيمان والنذور.

الأيمان والنذور هي نوع من الالتزامات التي ينشئها العبد المكلف على نفسه ولها أحكامها الشرعية. ومناسبة ذكرها بعد أبواب المعاملات وبعد أبواب النكاح، ثم ذكرت الأيمان ثم النذور، أن هذه كلها تعد من أنواع الالتزامات. لاحظوا معنا في عقود البيع، في الأصل تكون ذمة الإنسان بريئة، ولكن إذا عقد عقد البيع أنشأ على نفسه التزاماً بتسليم شيء ما في مقابلة شيء ما. وفي عقد النكاح ينشئ الإنسان على نفسه هذا الالتزام، الالتزام مثلاً بعقد النكاح: الالتزام بالدخول وإنشاء هذه الأسرة.

لاحظوا أن هذه الالتزامات التي تنشأ على العبد المسلم قد تنشأ عليه ابتداء بأمر الله سبحانه وتعالى، كما أن الله سبحانه وتعالى فرض الصلاة على عباده. فالله سبحانه وتعالى لما فرض الصلاة نشأ على العباد المسلمين التزام بفعل الصلاة، فهي دين عليهم حتى يؤدوها. وكذلك أمر الله سبحانه وتعالى بالزكاة، وكذلك أمره بالصيام، وكذلك أمره بالحج، وكذلك أمره بذكره وعبادته وطاعته، تنشئ على العبد المسلم في ذمته نوعاً من الالتزام والتكليف، لكن هذا الالتزام والتكليف نشأ بأمر الله سبحانه وتعالى.

هناك التزامات تنشأ عن العبد المسلم بسبب فعله نفسه أو بسبب قوله نفسه، فالآن هو كونه يقول: إني التزمت بكذا، أو فعلت كذا، هو أنشأ كونه يقول: بعت كذا، تزوجت، هذا ينشئ الالتزام على نفسه بهذه الألفاظ وبهذه النيات وبهذه العقود التي دخل فيها. والجميع سواء كانت هذه العقود التي دخل فيها عقوداً التزم بها التزاماً ثنائياً كالبيع والنكاح، أو كانت التزاماً فردياً مثل ما سيأتينا الآن في الأيمان والنذور، التزام ينشئه المكلف على نفسه. الجميع داخل في مسمى العقود التي أمر الله سبحانه وتعالى بالإيفاء بها، قال الله سبحانه وتعالى بافتتاح سورة المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1].

وامتدح الله سبحانه وتعالى عباده الذين يوفون بالنذر: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: 7]. وقال الله سبحانه وتعالى في سورة الحج: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطُوفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29]. وأمر الله سبحانه وتعالى بالوفاء بهذه الأيمان: «لا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم».

إذاً الالتزامات التي ينشئها العبد على نفسه قد تكون التزامات ينشئها على نفسه منفرداً، مثل النذر أن يقول: نذرت أن أفعل كذا، أو مثل اليمين أن يقول: والله لتفعلن أو لأفعلن كذا؛ هذه التزامات ينشئها المسلم على نفسه، وينشأ عليه بها أعمال أو أقوال يكون هدفها الحظ أو المنع، وفي حالة النذر يكون هدفها التعبد والتقرب لله سبحانه وتعالى بفعل شرع الله سبحانه وتعالى لكن لم يوجبه على عباده، فهذا العبد أوجبه على نفسه.

كل هذه الالتزامات في الأصل داخل تحت مسمى قاعدة العقود، وقاعدة العقود الأصل أنه يجب الوفاء والالتزام بها إلا بضوابط معينة. فإن القاعدة العامة، ولو التزم الإنسان عقداً، كان هذا العقد ثنائياً أو منفرداً وكان فيه محرم، فإنه يحرم عليه أن يوفي به وأن يلتزم به. فلو أن إنساناً نذر أن يعصي الله -والعياذ بالله- نقول: لا توفِ بنذرك. حلف أن يعصي الله نقول: لا تقم هذه اليمين وكفّر عنها. لو أن إنساناً باع شخصاً والتزم في ذمته بعقد ربا نقول: لا يجوز لك أن تدفع الربا ولا يجوز لك أن تأخذ الربا.

لماذا؟ لأن هذه الالتزامات التي ينشئها المكلف على نفسه، ينشئها العبد المسلم على نفسه، مقيدة بالتزام أعلى منه وأجل وحاكم لكل الالتزامات الأخرى، ألا وهو التزام بعبودية الله سبحانه وتعالى وطاعته. فلو قال الإنسان مثلاً: لقد التزمت أن أفعل كذا من المعاصي، نقول: يحرم عليك الوفاء بهذا الالتزام؛ لماذا؟ لأن قد أخذ عليك الميثاق بطاعة الله جل جلاله قبل أن تخلق، وأنت ما خلقت إلا لعبادة الله جل جلاله.

إذاً هناك ترتيب بهذه الأولويات وفي هذه الالتزامات، لذلك الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59]. ومن الفوائد اللطيفة في هذه الآية الشريفة أن الله سبحانه وتعالى أمر بطاعته أولاً، ثم ذكر رسوله ثانياً، ثم ذكر أولي الأمر ثالثاً.

ومن الفوائد اللطيفة في هذه الآية الشريفة الكريمة أن الله سبحانه وتعالى أفرد لنفسه ولرسوله عاملاً وهو الفعل، أمر بالطاعة: «أطيعوا الله وأطيعوا الرسول»، ولم يفرد عاملاً لأولي الأمر؛ لماذا؟ وجاءت الآية: «أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأطيعوا أولي الأمر». لا، لم يفرد لهم عاملاً، وهذا فيه فائدة لطيفة، وهو أن طاعة أولي الأمر تابعة لطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ.

إذاً هذه كلها تفيدنا أن التزام الإنسان بطاعة الله جل جلالة دائماً تكون هي الأصل، هذه قاعدة يسير عليها المسلم والمسلمة في حياتهم دائماً، وهو أن طاعة الله جل جلالة ثم طاعة رسوله ﷺ لا شيء يدانيها ولا شيء يقاربها في حياة المسلم، ولا شيء يعلو عليها أبداً البتة.

فاصل قصير ثم نعود إليكم بعد الفاصل.

بشرى لنا زاد، أكاديمية بالعلم كالازهار في البستان. أين أنت من العلم؟ وقد قال النبي ﷺ: «طلب العلم فريضة على كل مسلم». فهناك مقدار من العلم يجب أن يتعلمه المتخصص وغير المتخصص؛ فعلى كل مسلم أن يتعلم ما تصح به عقيدته وعبادته. وعلى غير المتخصص أن يبدأ بالكتب الميسرة ثم يتدرج، ففي التوحيد مثلاً يبدأ بالأصول الثلاثة والواسطية ثم كتاب التوحيد ثم الطحاوية وهكذا سائر العلوم.

وليسأل العلماء عما يشكل عليه، ويقلدهم في الفتوى لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]. وليتواصل مع طالب علم متخصص ليشرح له ما صعب عليه فهمه، إذ لا يتيسر له التواصل مع العلماء في كل حين. وليهتم بوسائل التقنية الحديثة لتعوض انشغاله عن حضور مجالس العلم أو الالتحاق بالكليات الشرعية. ويحتاج غير المتخصص إلى علو الهمة.

وقوة العزيمة، فمع ضيق الوقت لن يحصل العلم إلا بالمواصلة والاستمرار. وليستفد من تخصصه في إتقان العلم الشرعي، فالطبيب مثلا تسهل عليه مسائل الحمل والجراحات، والمهندس تسهل عليه الفرائض لإتقانه الرياضيات، وليُسخر ذكاءه في فهم دينه وخدمته. قال تعالى: ﴿تِلْكَ أَمْثَالُنَا نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ ۖ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: 43].

بشرى لنا، زاد أكاديمية بالعلم كالأزهار في البستان. نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عما ابتدأنا فيه من الحديث عن الإيمان والنذور. ما هو الإيمان؟ الإيمان جمع يمين، واليمين معناها القسم. القسم بمعناه قد يحتاج الإنسان بعض المرات إلى أن يؤكد خبره بتوكيد من التوكيدات، أو أن يؤكد طلبه أو حظه أو منعه بتوكيد من التوكيدات.

الأخبار ليست متفاوتة في توكيدها؛ أحياناً يكون الخبر عادياً كأن تقول فلان قد جاء، أحياناً تؤكده بمؤكدات. هذه المؤكدات لها دواء بلغة العرب، في لغة الناس عموماً، يؤكد الخبر كأن يكون مثلاً الخبر محل شك أو محل إشكال، فربما ترتقي في المؤكدات؛ فمثلاً بلام التوكيد تقول: لقد جاء فلان، أو: إن فلاناً قد جاء، هذا نوع من أنواع التوكيد. أعلى درجات التوكيد هو أن تقسم القسم، تقول: والله إن فلاناً قد جاء. مثلاً، وأحياناً يكون هناك توكيد أبلغ منه في القسم كأن أقسم بالله جل جلاله وتصف الله جل جلاله بالصفات التعظيم، كأن تقول: والله الذي لا إله غيره إن فلاناً قد... لاحظوا هنا درجات للتوكيد.

ما الداعي أصلاً لهذه التوكيدات، أو لـ "لتفعلن كذا" أو "لتمتنعن عن كذا"؟ ما الداعي لهذه التوكيدات؟ الداعي للتوكيدات يعني في حياة الناس كلما ازداد الشك بشيء ما، أو ازداد الامتناع عن تصديقه أو الامتناع عن فعله، ازداد الحاجة إلى توكيده، وهذا أمر طبيعي في ألفاظ الناس وفي حياتهم وفي معاشهم.

لذلك اليمين في الأصل مشروعة ومباحة، لا نقول إن استخدام اليمين محرم، واستخدام اليمين كاستخدام أي توكيد من التوكيدات، بل نقول إن الله جل جلاله قد أقسم في كتابه الكريم بعدد من الأشياء. أقسم الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم بأشياء وأقسم على أشياء سبحانه وتعالى. نحن نقول أقسم، وأقسم على ما هو المقسم به، وما استخدم في التعظيم؛ كأن يقول المسلم: والله، هذا أقسم بالله، وكان يقول النصراني أو الكافر يقول: والمسيح مثلاً يقسم، استخدم المسيح في التعظيم، هذا ذكر المعظم، هذا هو المقسم به.

ما هو المقسم عليه؟ هو ما قصد به اليمين؛ كأن تقول: والله لتفعلن كذا، إذاً هذا المقسم عليه، المقسم عليه أن تفعل كذا، أو أن تقول إن الخبر الفلاني صحيح أو إن الخبر الفلاني خاطئ، أو أقسمت أن تمتنع عن كذا، إذاً هذا ذكر المقسم عليه الذي هو هدف القسم. الهدف من القسم: الله سبحانه وتعالى أقسم في كتابه الكريم بأشياء عظمها جل جلاله، اكتسبت تعظيمها من قسمه سبحانه وتعالى. قول الله جل جلاله أقسم بشيء، هذا دليل على أنه شيء معظم.

أقسم الله سبحانه وتعالى كما جاء في كتابه الكريم: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَالنَّفْسِ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 1-10]. لاحظوا هذه الحقيقة، أكدها الله سبحانه وتعالى بهذه الأقسام، أحد عشر قسماً ليبين حقيقة هذا، هذا دليل على تعظيم هذه الأشياء التي أقسم بها الله جل جلاله، لأن الله أقسم بها وتعظيم الحقيقة التي أقسم الله عليها لأنه أكدها بأقسام متنوعة.

﴿وَالنَّفْسِ وَمَا سَوَّاهَا * فَالْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾، ما هو المقسم عليه؟ أن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا﴾. هذا نوع تعظيم لهذه الحقيقة، أن الله سبحانه وتعالى أقسم عليها وهي لا شك حقيقة عظيمة، هي هذه الحقيقة التي أقسم الله سبحانه وتعالى عليها في هذه الآية الشريفة الكريمة، هي سبب هذا الوجود البشري: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّى نَفْسَهُ * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّى نَفْسَهُ﴾، زكاها بطاعة الله ودساها بمعصية الله والعياذ بالله.

هناك أقسام أخرى في القرآن الكريم، الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ * وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: 38-39]. هذا قسم عظيم لأنه أقسم بكل شيء تبصره العين أو لا تبصره العين من مخلوقات الله العظيمة الجليلة. أقسم الله سبحانه وتعالى كذلك أشياء أخرى، مثلاً: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ * النَّجْمُ الثَّاقِبُ * إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: 1-4].

أمر الله سبحانه وتعالى نبيه الكريم ﷺ بأن يقسم على حقيقة البعث: ﴿قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [الإسراء: 60]، وأقسم الله جل جلاله بحياة النبي الكريم: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: 72]. أبي أنواع من الأقسام الموجودة في القرآن الكريم، حقائق عظيمة أقسم الله جل جلاله عليها: حقيقة البعث والنشور، حقيقة الفلاح والخسارة، حقيقة تعذيب الكفار وقرب عذابهم، حقائق كثيرة، صدق النبي الكريم، نزول القرآن الكريم، كل هذه الحقائق عظيمة أقسم الله جل جلاله عليها.

لكن ثمة فرق بين قسم الخالق جل جلاله وقسم المخلوق. ما هو الفرق؟ أن الله جل جلاله الخالق له أن يقسم بما شاء من مخلوقاته، وله أن يقسم بنفسه وبذاته العلية، وأما المخلوق فليس له أن يقسم إلا بالله جل جلاله. إنه لا يجوز للإنسان أن يحلف، وقد جاء في الحديث الصحيح حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه ذات يوم أقسم بأبيه وقال: «وأبي أو بأبي لأفعلن كذا وكذا»، فقال النبي ﷺ: «لا تحلفوا بآبائكم، من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليسكت».

فالنبي ﷺ نهى عن الحلف بالآباء، والحديث الصحيح الآخر كذلك في سنن أبي داود وفي مسند الإمام أحمد أن النبي ﷺ قال: «من حلف بغير الله فقد أشرك». وأشرك المراد بها هنا الشرك الأصغر الذي لا يخرج من ملة الإسلام ولكنه يعد محرماً من المحرمات، أن الإنسان عظم غير الله في قلبه وفي نفسه. المسلم تعظيمه لله جل جلاله، وإذا أراد أن يقسم فإنه يذكر اسم الله جل جلاله باعتباره أن الله هو المعظم وهو المقسم به وهو المحلوف به على طاعة الله أو على الحث على أمر معين أو على صدق خبر من الأخبار أو غير ذلك. لكن المهم عندنا الآن المقسم به لا يكون في حق المخلوق، يعني لا يكون إلا أن يقسم بالله جل جلاله، وهذا للأسف يخطئ فيه بعض الناس.

«والنبي»، أو «حياتي»، أو «شرفي»، أو «أبي»، أو «قبر أبي»، أو «الولي الفلاني»؛ لا يجوز للإنسان أن يقسم بغير الله جل جلاله، وأشد من ذلك وأشد والعياذ بالله أن الإنسان ربما استهان بيمينه بالله، فإذا طُلب منه أن يقسم بالولي الفلاني أو بالنبي أو بشرفه أو بكذا، عظم عليه أن يحلف بها كاذباً، وهان عليه أن يحلف بالله كاذباً والعياذ بالله.

لماذا نشأت اليمين عند الناس؟ باعتبار أن التوكيد بها هو أعلى درجات التوكيد؛ لأن الإنسان يقسم كأنه يؤكد الخبر بقسمه ويمينه بالله جل جلاله وهو المعظم عندهم. فإذا كان الإنسان يحلف كاذباً، فلا شك فيأتينا -إن شاء الله تعالى في أنواع اليمين- أن هذا نوع من أنواع اليمين يسمى اليمين الغموس، والعياذ بالله؛ تغمس صاحبها في الإثم، وقيل تغمس صاحبها في النار.

اليمين الغموس كبيرة من الكبائر؛ فالنبي ﷺ قال في صحيح البخاري: «الكبائر: الإشراك بالله»، وذكر منها اليمين الغموس. وهو أن الإنسان يقسم ويحلف بمعظم وهو الله جل جلاله كاذباً، وهذا لا شك أنه من الكبائر المحرمة. وأقول إن من الأخطاء أن الإنسان ربما استهان بيمينه بالله فحلف كاذباً بالله، وأشد منها إثماً وتحريماً أن يتحاشى أن يحلف بمعظم آخر كذباً؛ لاحظ كأنه استهان بالله جل جلاله وعظم في نفسه تعظيم هذا الشيء الذي حلف به. إذن هذه قضية، وهي أن الحلف بالمخلوق لا يكون إلا بالله جل جلاله.

فاصِل قصير ونعود إليكم بعد الفاصل إن شاء الله تعالى. الحلف تعظيم للمحلوف به، لذا لا يجوز إلا بالله وأسمائه وصفاته. وفي الحديث: «من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت»، والحلف بغير الله شرك، وهو شرك أكبر إذا قصد تعظيمه كتعظيم الله، وإلا فهو أصغر. ومن حلف على ترك شيء ثم رأى فيه الخير فليفعله وليكفر عن يمينه.

قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: 224]. أي لا تجعلوا أيمانكم مانعة من فعل الخير. ومن حلف بغير قصد فلا كفارة عليه، قال تعالى: ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89]. واليمين على نية الحال، إلا أن يخشى ظالماً فله أن يتأول. ومن فعل ما حلف على تركه ناسياً أو مخطئاً أو مكرهاً فلا شيء عليه.

والكذب في اليمين من صفات المنافقين، وغصب المال به من الكبائر؛ قال ﷺ: «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة». والنذر عبادة، وابتدائه مكروه، والوفاء به واجب. ومن نذر لغير الله كقبر أو ولي فقد أشرك شركاً أكبر. ونذر الغضب والمباح يخير بين فعله وبين كفارة اليمين، ونذر المعصية يحرم فعله وتجب الكفارة، ونذر الطاعة المطلق يجب فعله، وكذا المعلق إذا حصل الشر. فاحرص على الوفاء لتكون ممن قال الله فيهم: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: 7].

بشرى لنا زادنا كأبية، بالعلم كالأزهار في البستان. نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم حول موضوع الإيمان والنذور. تحدثنا عن كون اليمين مشروعة في الأصل، وهذا لا يعني أنه يجب على الإنسان إذا حلف على شيء محرم أن يفعله، أو إذا نذر شيئاً محرماً أن يفعله؛ هي مشروعة ويشرع الوفاء بها في الأصل شريطة ألا تعارض أصلاً أعظم منها وهو طاعة الله جل جلاله.

هذا في الحقيقة يقودنا إلى سؤال: ما الأحكام التي ترد على اليمين؟ هل تكون اليمين واجبة؟ وهل تكون مستحبة؟ وهل تكون مكروهة؟ وهل تكون محرمة؟ نعم، قد ترد بعض الأحوال التي تجعل اليمين واجبة؛ فاليمين وسيلة لإثبات الحقوق في التقاضي مثلاً. جاء في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قضى بالشاهد واليمين. الأصل في القضاء أن يكون بشاهدين بينة أو بالقرائن، لكن أحياناً قد لا يتحقق الشاهدان في القضية، أو لا تتحقق البينات التي تقطع، فيصح القضاء من اليمين والشاهد في بعض الأحكام الشرعية وفي بعض الأقضية، كأن اليمين قامت مقام شاهد آخر في التعزيز، وكذلك في القسامة، فالشاهد أن اليمين أحياناً قد يحتاج إليها بالتقاضي عند النزاع. فإذا كان ثبوت الحق لشخص لا يتحقق إلا باليمين، نقول: احلف اليمين حتى لا يضيع حق هذا الشخص.

طيب، لو كان الحق لك أنت، هل يلزمك أن تحلف اليمين لإثبات الحق الذي لك؟ لا، ليس بالضرورة أن يثبت الإنسان الحق الذي له، فقد يتنازل الإنسان عن الحق الذي له، لكن نحن نقول لو كان هذا حقاً لشخص آخر وسيضيع بدون يمينك، وصارت هذه اليمين متعينة عليك، فإنه يقسم اليمين في مجلس القضاء لأجل ألا يضيع الحق على هذا الشخص.

أحياناً قد تكون مستحبة، مثل اليمين التي يقسمها الإنسان في سبيل الإصلاح، كأن يؤكد الإنسان لشخص آخر أنه ما سمع عن فلان إلا الخير، فيحاول أن يصلح بين النفوس؛ لأن أحياناً إذا تنافرت النفوس يحتاج إرجاعها إلى شيء من التوكيدات والتطمينات، فاستخدام اليمين في هذه الحال نوع من الأمور المستحبة لأن المقصد والغرض منها هو الإصلاح.

وأحياناً تكون اليمين مباحة وهي الأصل؛ الأصل في اليمين أنها مباحة، كأن يقسم الإنسان أو يحلف أن فلاناً جاء أو أن فلاناً ذهب لمن شك في خبره مثلاً. وأحياناً تكون اليمين مكروهة، والأصل في كثرة الأيمان الكراهة؛ فالإنسان ينبغي له ألا يقدم على اليمين إلا عند الحاجة إليها، كون الإنسان قد يستهين باليمين ويحلف في كل شأن من شؤونه. وهذا حقيقة وصية نوصي بها إخواننا التجار في البيع والشراء؛ ألا يكثروا من الأيمان في تجارتهم، فإنك أحياناً لا تكاد تجلس مع التاجر لحظة حتى يحلف لك أنه اشترى هذه السلعة بكذا، وإن كلفته عليه كذا، وإنها أجود ما في السوق، وإلى غير ذلك. لا يجوز للإنسان أن يتخذ اليمين منفقة لسلعته، وهذا لا شك أنه نوع من الاستهانة بتعظيم الله جل جلاله؛ أن يقسم بالله جل جلاله في كل شأن حقير وصغير وكبير.

الإنسان لا يتخذ اليمين منفقة لسلعته، لا يتخذ اليمين في كل أمر من أموره، يحلف بها في كل صغيرة وكبيرة، فهذا نوع من عدم تعظيم الله جل جلاله. إن الإنسان يجب أن يقتصر فقط على الأمور العظيمة الجليلة فيقسم فيها الأيمان، إذاً اليمين في البيع والشراء، إذا كان التاجر صادقاً فهذا مكروه، أما إذا كان كاذباً والعياذ بالله فهذا لا شك أنه يدخل في التحريم، وهو اليمين الغموس التي يحلفها صاحبها وهو يعلم أنه كاذب فيها، والعياذ بالله.

فكيف إذا كان يغر بها الشخص الذي أمامه ويحاول أن يشتري الشخص الذي أمامه السلعة؟ حقيقة أنا أوصي إخواني التجار جميعاً أن يكفوا عن اليمين، يا أخي الكريم اذكر سعر السلعة كذا، فإن شاء أن يأخذها فليأخذها، وإن شاء أن يتركها فليتركها، وإن شئت أن تخفض له فخفض له دون حلف الأيمان. وأوصي إخواني المتسوقين وأخواتي الذين يذهبون للأسواق، إذا وجدوا شخصاً يحلف أن يتركوا هذا المحل الذي يحلف صاحبه على هذه الأيمان على إنفاق السلع، حتى لا يستهان بالله جل جلاله في مثل هذه الأمور الحقيرة والأمور التافهة.

لاحظوا الآن الأحكام الشرعية كيف ثبتت في اليمين؛ نحن قلنا الأصل أنها مشروعة، لكن يرد عليها من العوارض ما يجعلها واجبة، ليس الأصل فيها واجباً ولكن يرد عليها عارض، مثلاً ألا يضيع بها حق إنسان مسلم، هذا لاحظ أن تستخدم بقصد الإصلاح صارت مستحبة، الآن إن تستخدم لغرض إنفاق السلع وغيرها صارت مكروهة، أو أن يكذب فيها والعياذ بالله فهذه صارت محرمة، أو أن يحلف بغير الله فهذا معناه يمين محرمة. إذاً نحن نقول الأصل في اليمين أنه قد يرد على هذا الأصل عوارض تنقلها إلى حكم آخر من الأحكام.

نريد أن ننبه إلى كذلك نوع من أنواع اليمين، ولعلنا نفسر إن شاء الله تعالى أنواع اليمين في لقائنا القادم، لكن لا مانع أن نبينه هنا، وهو لغو اليمين الذي قال الله سبحانه وتعالى فيه: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89]. ما هو اللغو في اليمين؟ لا شك أن من الآثار والحرج الذي رفعه الله جل جلاله عن هذه الأمة هو عدم مؤاخذتها باللغو في اليمين، فالله سبحانه وتعالى رفع هذا الإصر وهذا الحرج عن هذه الأمة.

اللغو في اليمين هو اليمين التي يرد فيها لفظ الجلالة على لسان الإنسان عرضاً دون أن يقصد انعقاد اليمين. مثلاً تجي وهذا منتشر عند الناس، تجي تقول مثلاً: «كيف حالك يا فلان؟» قال: «والله الحمد لله إني بخير»، لاحظ كلمة قال: «والله إني بخير». أو قال: «تحب تشرب هذا الشيء؟» قال: «لا والله»، لاحظ هذا اللفظ، لفظ الجلالة يأتي دارجاً في لفظ الإنسان دون أن يشعر في تلفظه، هذا هو اللغو في اليمين.

فالله سبحانه وتعالى رفع عن عباده الحرج والإصر في لغو اليمين، ولكن أخذهم جل جلاله بما عقدتم الأيمان، يعني قصدت من عقودها وعقدها، يعني عقد اليمين؛ أن يقسم الإنسان فيقول قاصداً، وهو يعني ما يقول والله إن هذا الأمر من الأمور المهمة، وإن فلاناً سيفعله وإن لم يفعله فلان، لاحظوا هذا قصد انعقاد اليمين، هذه اليمين المنعقدة، لكن الأول ما قصد انعقاد اليمين وإنما جاءت في لفظه عرضاً، فهذا لغو اليمين.

سنأتي إن شاء الله تعالى لتفصيل أنواع اليمين في لقائنا القادم، ولكن نقف عند هذا القدر الآن. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.