دخولتسجيل الدخول

المحاضرة 31 - الطلاق السني والبدعي، والرجعة

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغباً في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي: أكاديمية زاد. الفقه الميسر، عاملاً للشرع دون تعصب لفلان، بالعلم كالآزهار في البستان. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، اللهم يا مفهم سليمان فهمنا، اللهم فقهنا في دينك يا رب العالمين.

إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الواحد والثلاثون من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد في المستوى الرابع، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس قائلها وسامعها وناشرها ومعدها، وأن يجعلنا جميعاً من المتعاونين فيها على الخير والبر والتقوى.

إخواني وأخواتي، كنا قد بدأنا حديثنا عن الطلاق، وبينا تعريفه وحكمة مشروعيته، وأنه مباح ومكروه، وربما اقترن هذا الحكم بأحوال أخرى تجعله محرماً، وربما مستحباً أو واجباً. وذكرنا كذلك صيغ الطلاق، وأنه يكون بلفظ صريح وبلفظ كنائي، والفرق بينهما، وأن لفظ الطلاق الصريح هو الذي لا يحتمل غير الطلاق، وأن اللفظ الكنائي هو الذي يحتمل الطلاق وغيره، فهذا يستفصل فيه الناطق به عن مراده من اللفظ، وذكرنا أن هذا اللفظ يدخل المرأة في العدة.

إلا أننا نريد أن نتحدث عن أنواع الطلاق وأقسامه باعتبارات متعددة؛ فباعتبار ثبوت الرجعة فيه وعدم ثبوتها، الطلاق إما أن يكون رجعياً وإما أن يكون بائناً. الطلاق الرجعي هو الطلقة الأولى والثانية التي يحل للرجل فيها أن يراجع امرأته. والطلاق البائن هو الطلقة الثالثة التي لا يحل للرجل، أو ليس للرجل طريق أن يراجع امرأته إلا إذا نكحت رجلاً آخر.

وقد بين الله جل جلاله في كتابه الكريم مراحل الطلاق، فصل أحكامها تفصيلاً شافياً وبياناً كافياً؛ فقال جل جلاله: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229]. لاحظوا في هذه الآية الشريفة أنها دلت على أن الطلاق مرتان. لا شك أن ما يفعله بعض الناس من جمع الطلاق الثلاث بلفظ واحد، دون أن يكون على المرات التي ذكرها الله وفصل أحكامها، وهو: مرة ثم إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان في عدة المرأة، ثم بعد ذلك يكون الطلاق مرة أخرى، فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، ثم بعد ذلك طلقة ثالثة بعد الطلقتين الأوليين تكون هي التي لا يحل له أن ينكحها أو أن يراجعها حتى تنكح زوجاً غيره، هذا معنى الطلاق مرتان.

للأسف أن بعض الناس اليوم، وهذا بسبب تأثير بعض المسلسلات الإعلامية والتمثيليات أو غيرها، نجد أنه يرمي بألفاظ الطلاق مرة واحدة، فيقول: «أنت طالق ثلاثاً»، أو «أنت طالق بالثلاث»، أو «أنت طالق ثم طالق ثم طالق»، أو غيرها من الألفاظ التي يجمع فيها التطليقات الثلاث على امرأته في مرة واحدة. نقول أول ما نقول إن هذا مخالف لكتاب الله سبحانه وتعالى.

وهذا في الحقيقة يقودنا إلى مسألة، وهي: كيف يكون الطلاق موافقاً لشرع الله، ومتى يكون الطلاق مخالفاً لشرع الله سبحانه وتعالى؟ اصطلح أهل العلم على تسمية الطلاق الذي يوافق كتاب الله ويوافق سنة رسول الله ﷺ بالطلاق السني. ليس معنى هذا أن الطلاق مستحب أو مسنون، لا، وإنما المراد بلفظهم "السني" أنه قد وقع موافقاً للكتاب والسنة على الطريقة المسنونة المشروعة، وليس مراد هذا الاستحباب، وإنما أي وقع موافقاً لما شرع في صيغة الطلاق وفي طريقته. والطلاق البدعي هو الطلاق الذي يقع مخالفاً لأمر الله سبحانه وتعالى ولأمر رسوله ﷺ في صيغته وفي طريقته.

متى يكون الطلاق موافقاً للطلاق المشروع في الكتاب والسنة؟ إذا اكتملت فيه هذه الأوصاف التي سنذكرها، حتى يكون الطلاق مشروعاً؛ فلا بد أن يكون مراراً، لا يكون مرة واحدة، فإذا جمع الألفاظ في مرة واحدة فهذا طلاق بدعي محرم، وقد أخذنا هذا من قول الله سبحانه وتعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾. كذلك يكون الطلاق بدعياً إذا طلقها في حيض، أو طلقها في طهر قد جامعها فيه، فإن الطلاق السني أن يطلق الرجل امرأته في طهر لم يجامعها فيه.

طبعاً هذا بخلاف الحامل، فالحامل يحلق لها أن يطلقها في أي وقت في حملها، إذا كانت حاملاً فإنه يطلقها في حملها، وإذا لم تكن حاملاً فإنه يطلقها في طهر لم يجامعها فيه. أما إذا طلقها في حيض وهي حائض، أو طلقها في طهر قد جامعها فيه، فإن هذا الطلاق طلاق بدعي غير مشروع، طلاق محرم. وقد جاء في القرآن الكريم هذا الشرط في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: 1]. ومعنى قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي مستقبلات عدتهن.

ولما طلق أحد أصحاب رسول الله ﷺ امرأته وهي حائض، غضب رسول الله ﷺ وأمره أن يراجعها، كما قد جاء في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وقد روى لنا قصته وهي مروية في الصحيحين؛ أمر رسول الله ﷺ أن يراجعها ثم يمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم إن شاء أن يفارقها فارقها، وإن شاء أن يمسكها أمسكها. لاحظوا هنا أن طلاق المرأة وهي حائض يعتبر طلاقاً محرماً، وكذلك تطليقها في طهر قد جامعها فيه.

متى يكون الطلاق مباحاً؟ إذا طلقها في طهر لم يجامعها فيه، قد أخذنا هذا الحكم من قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ أي مستقبلات عدتهن. كذلك إذا طلقها ثلاثاً بلفظ واحد، فإن هذا الطلاق طلاق مخالف لما أباحه الله، والطلاق الذي أباحه الله هو أن يكون مرتين، ثم تكون المرة الثالثة التي تنبني عليها البينونة الكبرى.

إذاً هذا هو الطلاق السني، أي الطلاق المباح الذي يكون على وفق كتاب الله وعلى سنة رسول الله ﷺ، نلخصه فنقول: أن يكون طلقة واحدة، لا أن يجمع التطليقات جميعاً؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾، فإذا جمعها وجعلها في مرة واحدة فهذا قد خالف كتاب الله جل جلاله. إذاً هذا فيما يتعلق بلفظ الطلاق؛ ينبغي أن يكون طلقة واحدة فقط.

الأمر الثاني: أن يطلق المرأة وهي في طهر لم يجامعها فيه، إلا إذا كانت حاملاً، فإنه يحل له أن يطلقها وهي حامل ولو كان قد جامعها في حملها. هذا إذاً أن يطلقها في طهر لم يجامعها فيه، فإن طلقها في حيض، أو طلقها في طهر قد جامعها فيه، أو طلقها ثلاثاً بلفظ واحد أو بألفاظ في مرة واحدة، فإن هذا يعد طلاقاً بدعياً محرماً، مخالفاً لما أمر الله به وشرعه، ومخالفاً لما شرعه رسوله الكريم صلوات الله وسلامه عليه. إذاً هذا فيما يتعلق بتقسيم الطلاق أو بحكم الطلاق.

من حيث كونه طلاقًا سنِّيًّا أو طلاقًا بدعيًّا، فاصل قصير ونعود إليكم إن شاء الله تعالى.

اقرأ: «اقرأ»، إنها أول كلمة نزلت من القرآن الكريم على قلب النبي الأمين ﷺ. إن الأمم رئة، هي الأمم القائدة؛ لأن القراءة والمعرفة تطرد الجهل والتخلف والخرافة. وقد بلغ حب العلماء للقراءة مبلغًا عظيمًا، قيل لأحدهم عند موته: «ما تشتهي؟»، قال: «النظر في حواشي الكتب».

وقد أظهرت بعض الدراسات أن حوالي سبعين بالمئة من معلومات الإنسان يحصل عليها عن طريق القراءة، ويتعلم الباقي بالاستماع والتجربة وغير ذلك. ولكي تكون قراءتك واعية، فابدأ بالمرحلة التأسيسية؛ حيث تنتقي كتب أهل السنة التي تضمن بها سلامة العقيدة. وإذا قابلتك مصطلحات غامضة فاسأل عنها العلماء.

ولدفع النفور من القراءة، ابدأ بالكتب السهلة قبل الصعبة، وبالمختصرات قبل المطولات. ولدفع الملل، استرح وارح عينيك وتحرك بين الحين والآخر، ويمكن إذا مللت من كتاب أن تقرأ في غيره. ولدفع شرود الذهن، عليك بالصبر والمجاهدة والبعد عن المؤثرات الخارجية، واستخدم الترقيم والتلوين لتمييز العبارات المهمة، واكتب الحواشي والتعليقات، ولخص الكتاب واستفد بما تقرأ؛ لتكون ممن قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 18]. فالعلم كالأزهار في البستان.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن الطلاق وأحكامه. ذكرنا أن الطلاق ينقسم من حيث كونه رجعيًّا أو بائنًا إلى قسمين: طلاق رجعي وهو الطلقة الأولى والثانية، وطلاق بائن وهو الطلقة الثالثة. ومن حيث حكمه؛ هل هو طلاق مشروع أو طلاق بدعي غير مشروع، إلى طلاق مشروع وهو ما كان طلقة واحدة في طهر لم يجامعها فيه، أو طلقة واحدة وهي حامل. فأما لو طلقها ثلاثًا بلفظ واحد، أو طلقها وهي حائض، أو طلقها في طهر قد جامعها فيه، فإن هذا الطلاق طلاق بدعي.

إذن هذا الطلاق البدعي يرجع إلى أحد أمرين: إما إلى عدد الطلاق لأنه جمع طلقات متعددة في مرة واحدة، وإما راجع إلى وصف المرأة حال وقوع هذا الطلاق؛ هل هي حائض أو هل هي في طهر قد جامع فيه؟ فهذا معناه أن هذا طلاق بدعي.

إذن هذا فيما يتعلق بحكم الطلاق. قد يقول قائل: كيف يفعل من أراد أن يفارق زوجته مرة واحدة؟ أليس في حقه أنه يطلق ثلاثًا؟ هذا للأسف مفهوم منتشر عند كثير من الناس بسبب الإعلام أو بسبب غيره، يظنون أنه إذا طلق طلقة واحدة فإن المرأة لا تبين منه، وإنما لا تبين منه إلا إذا طلقها ثلاثًا. وهذا خطأ؛ المرأة تبين بينونة صغرى إذا طلقها طلقة واحدة ولم يراجعها، وهذا سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه.

الآن كيف يقع الطلاق؟ وكيف يقع الافتراق؟ ما هو الطلاق المشروع؟ الطلاق المشروع أن يطلقها طلقة واحدة ثم تتربص المرأة عدتها. الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: 228]. فلا يحل للمرأة أن تكتم ما خلق الله في رحمها، وهو أحد أمرين: إما الحمل وإما الحيض، فهي مستأمنة على هذا الأمر؛ إذا قالت خلاص تمت ثلاثة حيض أو ثلاثة أطهار على التفصيل الذي قد ذكرناه سابقًا، فإن هذا يعد -إذا تمت هذه ولم يحصل من الرجل فيها مراجعة- بينونة بين الرجل والمرأة، ولكنها بينونة صغرى وسوف نأتي إلى تفصيلها.

فالسؤال الآن: كيف يقع الافتراق بين الرجل والمرأة؟ نقول: يطلق طلقة واحدة، إذا طلق طلقة واحدة تدخل المرأة في عدة. هذه العدة فصلناها وبينّا أنها ثلاثة أشهر للمرأة التي لا تحيض، وبالنسبة للمرأة التي تحيض فهي ثلاثة حيض أو ثلاثة أطهار، وبالنسبة للمرأة الحامل فإنها حتى تضع حملها. وإن كان هذا الرجل لم يدخل بامرأته بعد، فإنها تطلق بمجرد الطلاق لفظ الطلاق وليس لها عليها عدة؛ إذ لا يوجد عدة يراجعها فيها، لقوله تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: 49].

إذن الرجل إذا طلق، هناك أربعة أحوال للمرأة: أولًا: إن لم يدخل بها بعد، فهذه تطلق مباشرة وليس لها عليه عدة، ولا يحتاج أن يطلق ثلاثًا ولا غيرها، طلقة واحدة تبين منه. ثانيًا: إن كان قد دخل بها وعاشوا سويا في بيت واحد، فإن طلقها، نقول: هل هي حامل؟ فإن كانت حاملًا فأجلها أن تضع الحمل، وعندك فرصة أيها الرجل أن تراجع المرأة في هذه المدة. ثالثًا: إن كانت المرأة ليست بحامل، وإنما تحيض وتطهر، فنقول: أجلها ثلاثة حيض أو ثلاثة أطهار، فإذا انتهت هذه الثلاثة ولم يراجعها الزوج في هذه الفترة فإنها تبين كذلك. رابعًا: التي ليست بحامل ولا تحيض (أيست من المحيض)، كم عدتها؟ قلنا عدتها ثلاثة أشهر.

وبالمناسبة، العدد حتى يسهل عليكم حفظها وفهمها لابد أن ترسموها في مشجرة. العدة الناشئة بسبب الطلاق، والعدة الناشئة بسبب المتوفى عنها زوجها؛ الأحوال: هل هذه تحيض؟ لا تحيض؟ هل هي حامل؟ ليست حاملة؟ لمدخول بها؟ غير مدخول بها؟ تفصلونها في تشجير واحد بحيث يسهل عليكم مذاكرته حتى لا يخطئ الإنسان أو يسهو -جل من لا يسهو-. الإنسان أحيانًا قد يسهو فيخلط، فيجعل مثلاً عدة المتوفى عنها زوجها هي عدة المطلقة، أو عدة المدخول بها هي عدة غير المدخول بها، وهكذا. ينبغي لكم أن تفصلوها في شجرة حتى تتضح لكم.

الشاهد أن الرجل إذا طلق امرأته طلقة واحدة، إما أن تكون ممن يعتد أو لا يعتد. التي لا تعتد هي غير المدخول بها. أما التي تعتد فهي المدخول بها، وعدتها ما هي؟ إما أن تضع الحمل، وإما أن تكون بالأشهر ثلاثة أشهر إذا كانت لا تحيض، وإما أن تكون بثلاثة حيض أو ثلاثة أطهار.

ويحق للرجل في هذه الفترة أن يراجع امرأته، وهي في هذه الفترة تعد زوجة له، ترثه ويرثها، ولا يجوز لها أن تخرج من بيته. هذا فيما يتعلق بفترة العدة؛ الرجل مخير بين أن يراجعها وبين أن يستمر دون مراجعة، فإذا انقضت العدة دون مراجعة فإنها تبين منه بينونة صغرى. لماذا نقول بينونة صغرى؟ لأنه سيأتينا أن ثمة ما يسمى بالبينونة الكبرى.

وما هي المراجعة؟ المراجعة أن يقول الرجل لامرأته: «راجعتك»، ويستحب له أن يشهد على هذه المراجعة، والمراجعة جدّها جدّ وهزلها جدّ؛ لا يجوز التلاعب فيها، وضابطها الشرعي أنه لا يحل له أن يمسكها.

إلا بمعروف، ولا يجوز له أن يمسكها إضرارًا. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229]. وقال جل جلاله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 231]. إذاً هذا فيما يتعلق بالطلقة الأولى.

فإذا أراد أن يمسكها، فإن من حكم الرجعة أنه يستحب له الإشهاد. هل يشترط رضا المرأة في هذه الرجعة؟ لا يشترط رضاها. تعود زوجة له ويرجعون إلى حياتهم الزوجية، ولكن الرجل محسوب عليه طلقة، حسبت الآن عليه تطليقة.

فلنفترض أنه لم يراجعها حتى بانت منه، فلما بانت منه خلاص الآن تصبح امرأة أجنبية عنه، وإذا أراد أن يتزوجها فلا يجوز له أن يتزوجها إلا بعقد جديد يحضر فيه وليها لينكحها وبشاهدين وبمهر جديد، ولا تحتاج أن تتزوج المرأة زوجًا آخر لأن هذه بانت منه بينونة صغرى. غير البينونة الكبرى التي تكون بعد التطليقات الثلاث.

فإذا انقضت عدتها بعد الطلقة الأولى ولم ترجع إليه ولم يراجعها، فإنه حينئذ تبين منه بينونة صغرى ويحق له نكاحها كما يحق لغيره، كذلك أن ينكح باعتبارها امرأة أجنبية عنه، ويكون هذا النكاح بعقد جديد وبمهر وولي وشاهدي عدل كما هو شأن النكاح الجديد، وليس له أولوية على غيره، وإنما المرأة من رضيته ورضيه وليها فإنها تنكح، بخلاف فترة العدة فله الأولوية في أن يراجعها دون رضاها: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: 228].

فاصل قصير ونواصل إن شاء الله تعالى معكم بعد الفاصل ما يتعلق بطريقة الفراق في هذا الطلاق.

أنيق المنظر، المخبر، مجالسته أنفع مجالسة، ومؤانسته أمتع مؤانسة؛ إنه الكتاب، من خلاله نجالس العلماء والصالحين. قيل لابن المبارك: ألا تجلس معنا؟ قال: «ما أجلس إلا مع الصحابة والتابعين»، يعني قراءة سيرهم. وقد كان العلماء مشغوفين بالكتب شراء وقراءة. قال ابن الجوزي: «ما أشبع من مطالعة الكتب، وإذا رأيت كتابًا لم أره فكأني وقعت على كنز، ولو قلت إني طالعت عشرين ألف مجلد كان أكثر».

طالب العلم لا تخلو مكتبته من الكتب الأساسية في شتى العلوم؛ ففي التفسير مثلاً تفسير السعدي وتفسير ابن كثير، وفي العقيدة كتاب التوحيد والطحاوية والواسطية مع بعض الشروح، وفي الحديث الكتب الستة مع أهم شروحها، وهكذا بقية العلوم. وقبل الشراء استشر أهل الخبرة ليدلوك على أهم الكتب وأفضل الطبعات، لا سيما ما حققه العلماء الثقات كالالباني وبكر أبي زيد. احرص على التنويع في شراء الكتب ولا تقتصر على فن واحد أو فنين، واعتن بكتب النوازل الفقهية والعقدية، ولا تبخل بإعارة الكتاب وحافظ عليه إن استعرته، ولا تستكثر ما تنفقه في شراء الكتب، وصدق من قال: تلك النفائس لو تباع بوزنها ذهبًا لكان البائع مغبونًا.

بشرى لنا زاد أكاديمية بالعلم كالأزهار في البستان. نعود إليكم بعد الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن طريقة الفراق في هذا الطلاق وكيف يكون الطلاق السني.

أولًا أنه طلقة واحدة، هذه الطلقة ينشأ عنها عدة. للرجل أن يراجع امرأته دون رضاها، فإن راجعها فهي زوجة له. ما الفرق بين كونها زوجة له بعد هذه المراجعة وبين ما قبلها؟ نقول إنهما حسبت عليه تطليقة، هذا الفرق فقط، وترجع زوجة له وتستمر حياته الزوجية. فإن لم يراجعها فإنها بانتهاء العدة تبين منه وتصبح أجنبية، ولكن هذه البينونة يسميها الفقهاء البينونة الصغرى.

لماذا تسمى البينونة الصغرى؟ لأن له الحق أن يتزوج هذه المرأة بعقد جديد وبنكاح جديد وبولي وشاهدي عدل وبمهر جديد وبرضاها، إذا رضيت بشرط رضاها كما هو الشأن في غيره من الأزواج، يعامل كغيره من الأزواج. فلنفترض الآن أنه قد تزوجها بعقد جديد، فإن الظاهر والله تعالى أعلم من كلام أهل العلم أن هذه التطليقة التي قد طلقها محسوبة عليه كذلك.

فلنفترض أن هذا الرجل راجع امرأته في العدة أو أنه تزوجها بعد العدة، فنقول إن الطلقة محسوبة عليه، ترجع حياته الزوجية ويرجع إلى بيته وترجع المرأة إلى بيتها وأولادها، إذا كانت طبعًا بعد العدة نكحها نكاحًا جديدًا. ترجع إلى بيتها، ويكون الرجل الآن محسوبًا عليه تطليقة، فإن طلقها مرة أخرى دخلت المرأة في عدة.

ما هي العدة؟ نفس تفصيل العدة الأولى؛ نقول إن كانت هذه المرأة حاملًا فاجلها أن تضع الحمل، وإن كانت المرأة ممن يحيض ويطهر فاجلها ثلاثة قروء، وإن كانت المرأة لا تحيض أية من المحيض فإن أجلها ثلاثة أشهر. فإن راجعها الرجل في فترة عدتها فهو أحق بذلك ولا يلزم رضاها لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: 228]، بشرط أن يريد الإصلاح، وإن أراد الإضرار فإن هذا محرم. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: 231].

فإذا انقضت العدة، الآن نحن في الطلقة الثانية، إذا انقضت العدة ولم يراجعها فإنها تبين منه بينونة صغرى. لماذا نسميها بينونة صغرى؟ لأنه ستأتينا أن ثمة بينونة كبرى. ما هي البينونة الصغرى وما هو حكمها؟ نقول إذا بانت منه المرأة بينونة صغرى فإن حكمها أنها لا ترجع إليه إلا برضاها وبولي وشاهدي عدل وبمهر وبعقد جديد، وحكمه كحكم غيره من الرجال؛ إن أرادت المرأة أن ترجع إليه رجعت وإن لم تشأ ذلك فإنها لا ترجع، ويعامل هذا الرجل كغيره من الرجال.

فلنفترض أن هذا الرجل قد راجعها في أثناء العدة أو أنه قد تزوجها بعد ذلك بعقد جديد، نقول إن هذا الرجل محسوب عليه الآن تطليقتين؛ ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229]. إذاً هناك فرصة للمرتين أن يمسك بمعروف أو أن يسرح بإحسان، الإمساك بالمعروف يكون بالمراجعة، والتسريح بإحسان يكون بانقضاء العدة دون مراجعة.

إذا طلق الطلقة الثالثة، هذه يسميها الفقهاء طلقة بائنة أو تطليق بائن، لماذا؟ لأنه الآن تبين منه بينونة كبرى. تعتد المرأة بعد التطليقة الثالثة في بيت أهلها إلى أن تنقضي عدتها، وما هي عدتها؟ نقول نفس العدة الأولى؛ إذا كانت امرأة حاملًا فإن أجلها أن تضع الحمل، وإذا كانت المرأة ممن يحيض ويطهر فإن أجلها ثلاثة قروء، وإذا كانت المرأة ممن لا يحيض فإن أجلها ثلاثة أشهر.

فإذا انقضت عدتها بعد التطليقة الثالثة فإنها تبين منه بينونة كبرى. ما معنى قولنا بينونة كبرى؟ معناه أنه لا يجوز له أن يراجعها بعقد جديد ولا بمهر جديد ولا بولي ولا بشاهدين كما هو في البينونة الصغرى، ما يجوز له أن يراجع تمامًا إلا في حالة واحدة وهي أن تنكح رجلًا آخر نكاح رغبة، لا نكاح تحليل. ما معنى قولنا نكاح رغبة لا نكاح تحليل؟ يعني لا يجوز أن تنكح المرأة على جهة التحليل لزوجها الأول.

بل لا يجوز إلا أن يكون النكاح الثاني نكاح رغبة، يدخل فيه الزوج الجديد عليها وتعيش معه، فإن طرأ له طلاق وطلقها، فحينئذ تكون المرأة كغيرها، تكون المرأة مباحة لزوجها الأول لو شاء أن يتزوجها بعد أن ينكحها الرجل الثاني ويطلقها، ينكحها نكاح رغبة ويطلقها.

إذاً هذا شأن الرجعة. أما أحوال رجوع المرأة لزوجها، فنقول: رجوع المرأة لزوجها إن كان في عدتها بعد الطلقة الأولى وبعد الطلقة الثانية، وهي عدة الرجعية، فإن من حق الرجل أن يراجعها دون رضاها. وإن كانت الحالة الثانية قد فارقها بسبب انقضاء العدة الأولى أو العدة الثانية، فإنه لا يحق له أن يراجعها إلا بعقد جديد.

فإن كانت البينونة كبرى، فإنه لا يحق للرجل أن يتزوجها حتى تنكح زوجاً غيره كما جاء في الآية الشريفة؛ قول الله سبحانه وتعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ ۖ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: 229]. ثم قال في الآية التي تليها: ﴿فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىٰ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: 230].

فإن طلقها يعني الثالثة، فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره. وإذا طرأ له الطلاق بعد نكاحها، وهذا دل وهذا تفسير أصحاب النبي الكريم رضي الله تعالى عنهم أجمعين، قالوا: حتى ينكح نكاح رغبة لا نكاح تحليل. فنكاح التحليل محرم وباطل، ولا يحل للمرأة لزوجها، ونكاح التحليل جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم عند ابن ماجه، وصفه المحلل هذا وصفه بالتيس المستعار، ولعنه النبي صلوات الله وسلامه عليه.

إذاً نكاح التحليل محرم، فإذا نكحها شخص آخر نكاح رغبة فهي تعيش معه، إن طلقها بعد سنة، سنتين، ثلاث، عشر، عشرين، أو توفي عنها، فحينئذ يجوز للزوج السابق الذي قد بانت منه بينونة كبرى أن يراجعها.

حينئذ هذا فيما يتعلق بالأحكام الشرعية المتعلقة بالطلاق، والمتعلقة بالبينونة، والمتعلقة بالتسلسل الشرعي. لاحظوا في هذه الأحكام قول الله سبحانه وتعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّةٌ﴾ [الطلاق: 1]. فلا يجوز للرجل أن يتعجل الطلاق. إذا أراد سأل شخص قال: كيف يفارق امرأته؟ قلت: طلقها طلقة واحدة، ثم اصبر عليها حتى تنقضي عدتها وتخرج إلى بيتها، يعني وتبين منك، لا يحتاج الإنسان أن يطلق ثلاثاً.

بعض الناس يفهم أنه لا تبين منه المرأة إلا إذا طلقها ثلاثاً، لا خطأ، هذا تبين منه المرأة بطلقة واحدة إذا انقضت عدتها، وتبين منه المرأة بالطلقة الثانية إذا انقضت عدتها، وتبين منه المرأة بالطلقة الثالثة، ولكن الفرق بين البينونة في الطلقتين الأوليين أنها بينونة صغرى يمكنه أن يراجعها بعقد جديد، وأما البينونة التي تحصل بالطلقة الثالثة فهي بينونة كبرى لا يحق له أن يراجع بعقد جديد، وإنما لابد أن تنكح زوجاً آخر نكاح رغبة.

وبهذا يتبين لنا أن البينونة على قسمين: بينونة صغرى وهي التي تكون بعد العدة الناشئة من الطلقة الأولى والثانية، وبينونة كبرى وهي التي تحصل بالطلقة الثالثة وحكمهما مختلف. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا في دينه، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

يأتيك ميسوراً بأي مكان، صف اليوم غلة الظمآن، وتعلم الفقه الميسر عاملاً بالشرع دون تعصب، كالأزهار في البستان.