دخولتسجيل الدخول

يا راغبا في كل علم نافع ينمو العلم ويتقدم، بتقنياته ومجالاته، ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد ينبوعها الفقه الميسر، عاملا بالشرع دون تعصب لفلان، بالعلم كالأزهار في البستان.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما يا كريم. اللهم بارك لنا في علومنا ومعارفنا وأعمالنا وأعمارنا يا رب العالمين.

إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس العاشر من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد في المستوى الرابع. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس وفي هذه الأكاديمية، أن يبارك في طلابها ومعلميها والقائمين عليها، وأن يجعلنا وإياكم جميعا من المتعاونين على الخير والبر والتقوى.

إخواني وأخواتي، كنا قد استفتحنا هذا الفصل بحديثنا عن المعاملات المالية، وتحدثنا عن أهم المعاملات المالية المباحة وهي عقد البيع وعقد الإجارة. وقد ذكرنا في ثنايا حديثنا السابق أن الأصل في المعاملات الحل والإباحة.

مما ينبني على هذه القاعدة التي ذكرناها، وهي أن الأصل في معاملات الناس الحل والإباحة، أن نتبين ونتعرف على الأصول التي تكون سببا في تحريم هذه المعاملة. ما دام أن الأصل في معاملات الناس هو الحل والإباحة، فمعنى ذلك أن التحريم عارض على هذا الأصل وأن له سببا لذلك. لابد أن يتعرف طالب العلم وطالبة العلم على أسباب تحريم المعاملات؛ هذه الأسباب إذا وردت على معاملة من معاملات الناس فإنها تحرم.

قد يقول قائل: وما الجديد في هذا الأمر؟ نقول إن هذه طبيعة الشريعة في النظر في جوانب المعاملات، فلو أن الناس استحدثوا معاملة جديدة نقول الأصل فيها أنها مباحة ما دام أنه لم يتوفر أو لم يتحقق فيها مانع من الموانع التي تجعلها محرمة. لو أن الناس استحدثوا طريقة جديدة للاتصال بالإيجاب والقبول بين الطرفين نقول لا مانع، لو أن الناس حدثت لهم حاجات جديدة لا مانع، لو أن الناس حصلت لهم سلع جديدة وأنواع جديدة من الأثمان نقول إن هذا كله لا بأس به؛ لماذا؟ لأنه يندرج تحت قاعدة الأصل في معاملات الناس الحل والإباحة.

مثلا من أنواع النقود الجديدة التي استحدثت بين الناس الورق النقدي والحسابات البنكية مثلا. الورق النقدي الناس سابقا في عهد النبوة، كانوا في عصر النبوة وقرون بعد ذلك، يتعاملون بالعملات المعدنية: الذهب والفضة، الدنانير والدراهم الذهبية والفضية. لكن استحدثت الأوراق النقدية في القرن المتأخر، وفي القرن السابق والذي قبله استحدثت الأوراق النقدية في عدد من بلدان العالم إلى أن انتشرت وصارت هي الآن الأصل في جميع بلدان العالم.

ما هو حكم التعامل بالورق النقدي؟ نقول نطبق عليها الأصل، القاعدة: الأصل في معاملات الناس الحل والإباحة ما لم يرد عليه عارض من عوارض التحريم. مثل ماذا؟ مثلا نقول لو أن إنسانا أقرض آخرا نقودا بزيادة، مثلا أقرضه مئة دولار أو مئة ريال أو مئة درهم بأن اشترط عليه زيادة، نقول هذا حرام؛ لوجود عارض الربا.

لو قال لنا قائل: إذا لم يوجد عارض الربا ما حكم أن أشتري مثلا قلما بدولار أو بريال أو أيا كان؟ نقول هذا جائز لأنه لا يوجد عارض الربا. لو قال قائل: ولكن هذا الدولار أو هذا الريال أو هذه العملة لم تكن موجودة؟ نقول إن الأصل في معاملات الناس الحل والإباحة، إذا هو تطبيق لهذه القاعدة.

هذا في الحقيقة إذا عرفنا هذا الأصل واتضح لنا مما يزيده إيضاحا وبيانا أن نقارن بينه وبين طبيعة الشريعة في غيره من الجوانب. فمثلا في الجوانب العبادية التعبدية، الأصل في العبادات والتعبدات التوقيف، فلا يعبد الله إلا بما شرع. لو قال قائل إنه يريد أن يتعبد لله سبحانه وتعالى بالوقوف في الشمس، أقول هذه عبادة بدعة ومردودة عليك ولا تقبل منك. وليس الأصل في العبادات أن الإنسان يعبد الله كما يشاء بأي طريقة يشاء وبأي وسيلة يشاء، لا، وإنما يعبد الله بما شرعه الله سبحانه وتعالى، إما في كتابه أو على لسان رسوله محمد ﷺ. هذا لاحظوا أن هذا أصل التوقيف والحظر، وفي المعاملات أصل عندنا وهو أصل الإباحة والحل حتى يرد في الشريعة ما يحظر.

هذا في الحقيقة إذا عرفنا هذا الأمر في المعاملات يستدعي ذلك أهمية كبيرة أن ندرس الأصول والقواعد التي تحرم هذه المعاملات، إذا نريد أن ندرس أسباب تحريم المعاملات؛ لأنه الآن ما دام الأصل هو الحل والإباحة، فلا نستطيع الآن أن نعدد ما هي السلع المباحة، يعني لن نعدد مثلا في كتب الفقه فنقول إن السلع المباحة هي الأقلام مثلا والأوراق والكتب والخشب والحديد، لا حصر للسلع المباحة، ولكن نعدد السلع المحرمة، فنقول لا يجوز بيع الخمور والخنزير والأصنام مثلا، لاحظتم؟

إذا أردنا أن نحدد مثلا أنواع التعامل المباح نقول لا حصر للتعامل المباح، والشخص الذي تتعامل معه تعاملا مباحا هذا لا حصر له، ولكن هناك حصر للمحرمات في التعامل؛ فتقول لا يجوز لك مثلا أن تتعامل مع شخص يستعين بهذه المعاملة على الإثم والعدوان، لا يجوز لك أن تتعامل مع شخص بعقد الربا أو بعقد مشتمل على الغرر أو الجهالة، هذا مثال.

لو قال قائل: ما هي صيغ الإيجاب والقبول المقبولة شرعا؟ نقول لا نستطيع أن نعدد ألفاظ الإيجاب والقبول أو ألفاظ العقود الجائزة شرعا، فهي كثيرة لا تنتهي؛ هذا يقول بعت، وهذا يقول اشتريت، هذا يقول سأقدم لك مقابل كذا، هذا يقول أتنازل عن كذا مقابل كذا، نصطلح على كذا؛ كثيرة جدا والمبادلات واللغات مختلفة، هذا يتحدث باللغة كذا وهذا يتحدث باللغة كذا. إذا العقود ليس لها ألفاظ محددة، ولكن ما هو الممنوع من هذه الألفاظ؟ نقول الممنوع من هذه الألفاظ هو ما لم يدل على الرضا الصريح الذي هو المطلوب بين المتعاقدين.

ثم من هم الأشخاص الذين يحق لهم التعامل بعقود المعاملات؟ لا نستطيع أن نعدد الأشخاص فهم كثير جدا، لكن نقول إن الممنوعين من التصرفات في المعاملات هم مثلا الشخص الصغير، أو الشخص المجنون، أو الشخص السفيه في القدر الكبير من المال. أما في المحقرات فقد ذكرنا الأشياء التافهة والسهلة، فهذه أشياء بسيطة يتعامل بها أي إنسان، ولكن الأشياء الكبيرة من الأموال والقدر الكبير من الأموال التي جعلها الله قياما للناس، هذا لا يتعامل به الصغير أو المجنون أو السفيه أو غير ذلك.

إذا لاحظتم هنا نحن نعدد دائما جوانب المنع؛ لماذا؟ لأن الأصل في معاملات الناس الحل والإباحة. قد يقول قائل: لماذا درسنا إذا عقد البيع وعقد الإجارة؟ درسنا عقد البيع والإجارة باعتبار أنها عقود مشهورة.

ليس باعتبار أنه لا يباح في الشريعة إلا عقد البيع وعقد الإيجار فقط، لا؛ فالعقود المباحة في الشريعة كثيرة جدا، لكن نحن قد درسنا في بداية كتاب المعاملات عقد البيع وعقد الإجارة باعتبارهما أهم العقود المتداولة بين الناس والمشهورة بينهم.

هناك عقد الشركة، عقد المضاربة، القيراط، عقد الرهن، عقد الضمان، الكفالة، عقد الصلح، إلى آخره من العقود الكثيرة جداً التي لا يستطيع الإنسان لها إحصاء، وخصوصاً الآن المعاملات المعاصرة تستجد فيها العقود وهياكل المنتجات وتطوير المنتجات بشكل كبير جداً، فنحن قد درسنا باعتبارهما مثالاً مشهوراً بين الناس طبقنا عليه بعض قواعد تحريم المعاملات.

ولكن ما هو المهم عند دراستنا للمعاملات؟ المهم أن نعرف أسباب تحريم المعاملات حتى نحذرها ونجتنب هذه الأسباب. فاصل قصير ونعود إليكم بعد الفاصل إن شاء الله تعالى.

لا يكاد يوم يمر إلا ويعرض لنا أمر نحتار في حكمه الشرعي، فكيف نتصرف؟ الحل أن نستفتي العلماء. قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].

ثم هناك آداب ينبغي أن يتحلى بها المستفتي؛ آداب في نفسه وآداب مع العالم، وآداب في طريقة السؤال. فيستفتي أهل الذكر المتبعين للأدلة، ويتجنب من يفتون بالجهل أو الهوى. قال النبي ﷺ: «إن من أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلين».

ويعرض السؤال على حقيقته دون كذب أو كتمان، وليعلم أن تدليسه لا يحل له الحرام، فإنما يفتيه المفتي على حسب ما يسمع، ويوقر مفتيه. قال النبي ﷺ: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه».

ويتحين الوقت والحالة المناسبة للسؤال، ولا يقاطع الشيخ ولا يلح عليه إذا اعتذر عن الإجابة، ولا يضيع وقته بما لا علاقة له بالسؤال، ويترك السؤال عما لا يعنيه. قال النبي ﷺ: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». ويتقبل الحكم الشرعي ولو لم يكن على هواه، قال تعالى: ﴿فَلَا وَلِيَّ لَهُمْ وَلَا شَفِيعَ يُجَادِلُونَ﴾ [البقرة: 254]، أو كما في قوله: ﴿وَلَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65].

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن قاعدة الشريعة في معاملات الناس والأصول التي يدور عليها تحريم المعاملات. بعد أن بينا أهمية هذا الأصل الأصيل وأهمية هذه القاعدة في الشريعة، نريد أن نتعرف ما هي الأصول التي تحرم لأجلها المعاملات؟

هناك عدد من أسباب التحريم في واقع الأمر، هذه الأسباب محصورة في الشريعة وجاءت في الشريعة. تطبيقات هذه الأسباب نطبقها في عقود البيع، في عقود الإجارة، نطبقها في عقود الشركة، في عقود المضاربة، في عقود الرهن، نطبق هذه الأسباب في أي عقد يستحدثه الناس فيما بينهم؛ نطبقها في البطاقات الائتمانية، نطبقها في تداولات الأسهم، نطبقها في بطاقات الصراف، نطبقها على الحسابات الجارية، هذه كلها معاملات مستحدثة نطبق عليها أصول التحريم.

ما هي أصول التحريم؟ نضرب أمثلة لأصول تحريم المعاملات. فمن أسباب تحريم المعاملات وجود الربا؛ إذا وجد الربا في معاملة من المعاملات بين الناس فلا شك أن هذه المعاملة معاملة محرمة شرعاً. هل يوجد الربا في عقد البيع؟ نقول نعم. نفترض أن الإنسان باع لشخص سلعة بمئة ريال يسددها هذا الشخص بعد ستة أشهر، فلما حل الأجل قال البائع لهذا الشخص المشتري: سددني مئة ريال، قال: ما عندي مئة ريال، قال: خلاص إذاً أنا أؤجلك إلى ستة أشهر أخرى وأزيد عليك الثمن؛ نقول هذا لا يجوز، هذا هو الربا.

هل يوجد الربا في عقد الإجارة؟ نقول نعم، وقد يوجد الربا في عقد الإجارة. كيف؟ شخص أجر إنسان سيارته وقال سددني، أو جرى إنسان بيته وقال إذا أجر البيت هذا لمدة ستة أشهر، بعد ستة أشهر مطالب هذا الشخص بالسداد مثلاً، يفترض أنه مطالب بسداد ألف درهم، فقال له: سددني ألف درهم، قال: ما عندي ألف درهم، قال: خلاص إذاً سوف نضاعفها عليك، نجعلها ألفاً وخمسمائة أو ألفين أو أكثر أو أقل؛ نقول هذا لا يجوز، لاحظوا دخل الربا في عقد الإيجار. هل يدخل مثلاً في عقود السلم والاستصناع أو غيرها؟ نعم، يدخل بأي دين نقدي تأخر سداده أو أديته من الديون وتأخر الوفاء به فإنه يدخل فيه الربا.

مثال آخر لسبب من أسباب تحريم المعاملات بين الناس، وهو وجود الغرر في العقد؛ الغرر يعني عدم الحصول على الشيء أو الجهالة الفاحشة الكبيرة. فمثلاً لو أن إنساناً باع شخصاً آخر شيئاً محتملاً الحصول، كأن يقول له: إن حصل لك حادث ما فسأدفع لك مقدار كذا، أو إن حصل مثلاً مطر فسأدفع كذا، أو يقول: بعتك ما بداخل هذا الدرج ولا يعلمان ما بداخله، أو بداخله أشياء عديدة، أو بعتك مثلاً الشيء الذي سيأتيني من فلان ولا أعلم قدره؛ هذه كلها بيوع فيها غرر وجهالة فاحشة، فلذلك هذا يعتبر من بيوع الغرر المحرمة شرعاً.

هل الغرر ممكن يقع في عقد من عقود الإجارة؟ نعم، كأن يقول شخص لآخر: يا أخي أجرتك هذه الدار بشيء سنحدده لاحقاً، هنا لاحظ أن هذا غرر، أو أن يقول شخص لآخر: إنني استأجرتك لتعمل عندي وسوف أعطيك الشيء الذي أعتقد أنه مناسب لك مثلاً؛ نقول هذا نوع من أنواع الغرر، لا بد أنهم يتفقوا، إلا إذا كان هذا الشيء سيعطيه مثلاً مثل السوق واتفقوا على ضبطه بضبط السوق فهذا لا يعد من الغرر، لكن إذا لم تكن ثمة مرجع للتنازع أو مرجع للتحديد فيما بينهم فهذا لا شك أنه مثار للتنازع ويكون هذا نوعاً من أنواع الغرر.

لاحظتم؟ هذا سبب من أسباب التحريم، لاحظوا كيف وقع في البيع ووقع في الإجارة، وقد يقع في الاستصناع وقد يقع في غيرها. كيف يقع في الاستصناع؟ من أمثلة الاستصناع عقود المقاولات مثلاً؛ نفترض أن شخصاً قابل شخصاً آخر ليُبني له مسكناً، وقال ذلك الشخص الآخر: ما هو المطلوب مني؟ قال: بناء مسكن، أنت ستعطيني ألف ريال وتبني لي أو مائة ألف أو مليون مثلاً وتبني لي الشيء الذي أحدده لك، قال: ابني لي الدور الأول، ثم قال: ابني الدور الثاني، ثم قال الثالث ثم الرابع، وما اتفقوا على شيء محدد في الشيء الذي أطلبه منك فإنت مطلوب منك أن تبنيه، قد يبني له عشرة أدوار وقد يبني له دوراً؛ هذا لا شك أن هذا نوع من أنواع الغرر، وهذا مثال للغرر في عقود المقاولات التي هي نوع من أنواع الاستصناع.

من أمثلة أسباب التحريم ذكرنا سبب الربا وذكرنا سبب الغرر، ومن أمثلة أسباب التحريم الغش؛ ما رأيكم في بيع يغش فيه البائع؟

الشخص الذي يشتري منه، أو أن المشتري يغش في البيان، نقول هذا لا يجوز؛ فالغش من الأسباب التي تدخل على أي معاملة فتجعلها محرمة. لذلك النبي ﷺ جاء في الحديث عنه أنه قال: «من غش فليس منا».

واستنكر النبي ﷺ البائع الذي جعل أعلى البضاعة غير أسفلها، أُدخل يده في الطعام فقال: «ما هذا يا صاحب الطعام؟»، قال: أصابته السماء، قال: «من غش فليس منا». إذاً هذا مثال من الأمثلة، من الأمثلة أسباب التحريم.

كذلك التغرير أو التدليس، وهو نوع من أنواع الغش أو الخداع؛ يوهم الشخص أو الطرف الآخر أن هذه السلعة فيها مزايا غير المزايا الحقيقية لها، وهذا نوع من أنواع الغش أو التدليس أو الغرر من أسباب تحريم المعاملات.

أكل المال بالباطل، كيف أكل المال بالباطل؟ كان يطرح شخص على آخر مثلاً مساهمة وهمية، فهذه المساهمة الوهمية يكتتب فيها الناس وغير ذلك، ثم بعد ذلك يفاجئون بأن هذا الشخص الذي جمع هذه المساهمات أنه أكل مالهم بالباطل وفر وهرب، هذا نوع من أنواع السرقة، نوع من أنواع السرقة من أسباب تحريم المعاملات.

البيع والشراء عند نداء الجمعة الثاني لمن يجب عليه الحضور للجمعة؛ هذا البيع والشراء على الشخص الذي يجب عليه الحضور للجمعة، لا شك أن هذا يشغله عن صلاة الجمعة الواجبة، فهو من أنواع المعاملات ومن أنواع أسباب التحريم.

من أسباب التحريم التي تحرم لأجلها المعاملات: أن يبيع الرجل على بيع أخيه، وأن يشتري الرجل على شراء أخيه، وأن يؤجر الرجل على إجارة أخيه، وأن يستصنع الرجل على استصناع أخيه؛ أي عقد من العقود هذا الذي يضر فيه أخاه المسلم، فهذا لا شك أنه من العقود التي تدخل في التحريم.

من الأسباب التي تحرم لأجلها المعاملات النجش، وهو أن يرفع في السعر من لا يريد الشراء، وهذا نوع من أنواع التأثير الوهمي على الأسعار. ومن أنواع أو أسباب التحريم الاحتكار مثلاً، هذا نوع من أنواع التأثير على السعر، فهو يؤثر على السعر بسبب الاحتكار؛ يشتري ما في السوق من سلعة أساسية مهمة يحتاجها الناس، ثم بعد أن يحتكرها يرفع الأسعار على الناس، وفي الحديث: «لا يحتكر إلا خاطئ».

لذلك هذه أسباب للتحريم، إذا وجدت في معاملة من المعاملات فإنها تكون محرمة، وإذا خلت المعاملة بين الناس من هذا السبب المحرم فإنها تكون معاملة مباحة. أرجو أن نتعرف على أسباب التحريم وأن نتعرف عليها تفصيلاً، وأن نتعرف على طريقة تطبيقها في معاملات الناس، وبعد هذا سيكون بإمكاننا الحكم على هذه المعاملات سواء كانت هذه المعاملات قديمة أو معاصرة، ثم نرد سبب الحل لكونه هو الأصل، أو نرد سبب التحريم لأحد أسباب تحريم المعاملات التي سوف ندرسها إن شاء الله تعالى.

فاصل قصير ونعود إليكم.

بعد هذا الفاصل، بشرى لنا زادنا، جاذبية للعلم كالآزهار في البستان. إن أردت النجاح في الدنيا والسعادة في الآخرة فاسلك طريق العلم، لكن الآفات على هذا الطريق كثيرة؛ منها الرياء بأن يراد بالعلم الشهرة وثناء الناس، قال ﷺ: «من طلب العلم ليماري به السفهاء أو ليباهي به العلماء أو ليصرف وجوه الناس إليه فهو في النار».

ومنها الكبر والعجب، قال مجاهد: «لا يتعلم العلم مستحٍ ولا مستكبر». ومنها الحسد، قال تعالى: ﴿بَيْنَهُمْ أَيۡ بَغَىٰ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ﴾ [البقرة: 258]، فاختلفوا في الحق لتحاسدهم وتباغضهم. ومنها الانشغال بالدنيا وملهياتها وأشغالها عن تحصيل العلم النافع. ومنها التعالم والتصدر قبل التأهل، فإن التصدر يمنع من تلقي العلم، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «تفقهوا قبل أن تسودوا». ومنها الفتور والكسل، قال ﷺ: «إن لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت شرته إلى سنتي فقد أفلح، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك»، فالزم طريق العلم ولا تصدنك الآفات، واحذر من قطاع الطريق.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن الأسباب التي تكون سبباً لتحريم المعاملات بين الناس. ذكرنا مثلاً الربا، الغرر، الغش والتدليس والخداع، ذكرنا بيع الرجل على بيع أخيه، ذكرنا النجش، ذكرنا الاحتكار، ذكرنا البيع والشراء بعد نداء الجمعة الثاني.

كذلك من الأسباب التي تكون سبباً لتحريم المعاملة، سواء كانت هذه المعاملة بيعاً أو إجارة أو سلماً أو استصناعاً أو شركة أو غير ذلك، عدم وجود الرضا بين طرفي العقد، وقد جاء في القرآن الكريم قول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ لَا تَأۡكُلُوٓا۟ أَمۡوَٰلَكُم بَيۡنَكُم بِٱلۡبَٰطِلِ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمۡ﴾ [النساء: 29]. لذلك إذا لم يكن ثمة تراضٍ فإن هذه المعاملة من المعاملات المحرمة، وتكررها بعض الاستثناءات لهذا الأصل، مثل أن يكون الإنسان ملزماً أو مكرهاً بسبب شرعي صحيح، فهذا لا يعتبر رضاه.

ومن الأسباب التي تكون سبباً لتحريم المعاملات: تصرف السفيه أو المجنون أو الصغير في المال الكبير، هذا جاء في القرآن الكريم النهي عنه، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا۟ ٱلسُّفَهَآءَ أَمۡوَٰلَكُمُ ٱلَّتِي جَعَلَ ٱللَّهُ لَكُمۡ قِيَٰمًا وَٱرۡزُقُوهُمۡ فِيهَا وَٱكۡسُوهُمۡ وَقُولُوا۟ لَهُمۡ قَوۡلًا مَّعۡرُوفًا﴾ [النساء: 5]. ذلك التصرف السفيه أو المجنون أو الصغير يعتبر باطلاً، ولا ينتج آثاره الشرعية من انتقال الملك أو انتقال المنفعة أو غير ذلك.

هذه أمثلة، وكذلك من أسباب التحريم في المعاملات، وقد يدرجه بعضهم ضمن الغرر، أن يبيع الإنسان ما لا يقدر على تسليمه، وهذا كأنه نوع من أنواع الغرر؛ كون الإنسان يبيع طيراً في الهواء أو سمكاً في الماء. أو كون الإنسان يبيع مثلاً كما جاء في حديث ابن عمر رضي الله عنه، نهى النبي ﷺ عن بيع حبل الحبلة، يعني نتاج الناقة، هذا الإنسان لا يدري هل تنتج ولا لا تنتج، هل تنتج ذكراً أم أنثى؟ صحيحاً سليماً أم مريضاً أم معيباً أم ميتاً؟ هذا ما يجوز، هذا نوع من أنواع الغرر والجهالة.

إذاً لاحظوا أنها قواعد في التحريم وأسباب في التحريم، يجب عند نظرنا لأي معاملة أن نطبق هذه الأسباب وأن نسلم منها، عند ذلك تكون هذه المعاملة معاملة مباحة. طيب، أهم أسباب التحريم حقيقة ونريد أن نقف معه وقفة في تفصيله وتبيينه وتعريفه وبيان عظيم خطره وتطبيقاته، هو سبب الربا.

الربا جاء في القرآن الكريم وفي سنة النبي ﷺ تحريمه بأشد الألفاظ وأشد العبارات، لذلك بل قال بعض أهل العلم -الذين هم الماوردي رحمه الله تعالى وغيره-...

إن تحريم الربا جاء في جميع الشرائع السماوية، لم تحله شريعة قط؛ تحريم شديد، فينبغي لنا أن نتعرف على هذا التحريم، وأن نتعرف على أسبابه، وأن نتعرف كيف نحذر من هذا التحريم؛ لأنه تحريم شديد الخطر وعظيم الشأن.

قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم في سورة آل عمران: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 130]. وقال سبحانه وتعالى في سورة البقرة: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ * يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: 275-276].

هدد الله سبحانه وتعالى بمحق الربا، قال الله جل جلاله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾، ووعد الله جل جلاله بزيادة وتنمية وتعظيم الصدقات، قال الله: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾.

إذًا إخواني وأخواتي، لا شك أن من أهم أسباب المعاملات التي ينبغي لنا دراستها والحذر منها سبب الربا، وسوف نعقد إن شاء الله عددًا من اللقاءات، سلسلة من اللقاءات حول تعريف الربا، والأدلة على تحريمه، والحكمة من تحريمه، وأنواع الربا وأشكاله، وكيف يقع، وتطبيقاته المعاصرة؛ لعلنا نحذر من هذا المحرم الذي حرمه الله سبحانه وتعالى وحرمه رسوله ﷺ.

عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان يمنع التاجر أن يدخل السوق حتى يتعلم أحكام الربا وبقية أنواع المحرمات؛ لابد أن يتعلم أحكام الربا وبقية المحرمات إذا عرفها؛ لئلا يدخل في السوء. لماذا هذه وصية؟ حقيقة لنفسي ولإخواني وأخواتي: نتعلم أحكام ديننا، وهي وصية بالأخص للتجار الذين يتاجرون في السوق أن يتعلموا أحكام دينهم حتى لا يقعوا في المحرمات.

يجب على الإنسان أن يستشعر عبودية الله جل جلاله في كل حكم وفي كل شأن من شؤون حياته. نقف عند هذا القدر، ونأخذ إن شاء الله تعالى في لقائنا القادم ما يتعلق بتعريف الربا وشأنه. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يحذر الوقوع فيه وممن يجتنب الربا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

يا راغبًا في كل علم نافع، متطلعًا لزيادة الإيمان، يأتيك ميسورًا بأي مكان، وتعلم الفقه الميسر، عاملًا بالشرع دون تعصب، اطلب أنني فلان؛ بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالآزهار في البستان.