دخولتسجيل الدخول

المحاضرة 11 - الربا والحكمة من تحريمه

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغبا في كل علم نافع ينمو العلم ويتقدم، بتقنياته ومجالاته ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي، أكاديمية زاد. الفقه الميسرة، عاملا بالشرع دون تعصب لفلان، بشرى لنا زادنا كاذبين بالعلم كالأزهار في البستان.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، اللهم يا مفهم سليمان فهمنا، اللهم اجعلنا مباركين حيثما كنا يا رب العالمين.

أما بعد، إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الحادي عشر من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد في المستوى الرابع، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الأكاديمية في معلميها وطلابها والقائمين عليها وداعميها، وأن يجعلنا وإياكم ممن يتعاون فيها على الخير والبر والتقوى يا رب العالمين.

أما بعد، إخواني، كنا قد تحدثنا في لقائنا السابق عن الأصول التي يدور عليها تحريم المعاملات، وبينا أهمية هذه القاعدة، وبينا أمثلة لهذه الأصول، وبينا أن أهم أسباب تحريم المعاملات وأعظمها خطرا الربا. ما هو الربا؟ وما حقيقته؟ وما أدلة تحريمها والآيات الواردة فيه؟ نريد أن نستعرض هذا إن شاء الله تعالى في عدد من اللقاءات.

أولا، جاء الربا وحصل في قديم الزمان، ونزل بتحريمه عدد من التشريعات السماوية؛ فقد نزل تحريمه في التوراة على اليهود، حكى الله لنا ذلك في القرآن الكريم، فقال سبحانه وتعالى معددا مساوئ بني إسرائيل: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ ۚ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء: 161]. قول الله جل جلاله في كتابه الكريم في القرآن عن بني إسرائيل: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾، هذا دليل على أنه محرم عليهم.

واستمر هذا التحريم على أتباع عيسى عليهم السلام، فإن عيسى عليه السلام كان يعمل بشريعة موسى صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ثم نزل القرآن الكريم وأكد هذا التحريم. جاء في القرآن الكريم عدد من الآيات التي تحدثت عن تحريم الربا، من أهمها الآيات الواردة في سورة البقرة، والآيات الواردة في سورة آل عمران، وهذه الآية في سورة النساء.

قول الله سبحانه وتعالى في سورة آل عمران: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: 130-132]. هذا نهي صريح عن أكل الربا، وفي هذه الآية الكريمة الشريفة تمشيع للربا، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً﴾، كان نوعا من الاستنكار وبيان بشاعة هذا الفعل، وأن الإنسان يأكل بسبب هذا المال أضعافا مضاعفة من أموال المدين.

ثم جاءت آيات سورة البقرة، وقد أطالت في الحديث عن الربا، وبيان أحكامه، وبيان أحوال المدين، وما هو الواجب في حق الدائن، والتهديد والوعيد الشديد في حق المرابي. قال الله سبحانه وتعالى في سورة البقرة: ﴿الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 274]. تأملوا هذه الصورة، صورة المنفقين الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية، فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

كملوا الصورة المقابلة في الآية التي تليها، قال الله سبحانه وتعالى بعدها مباشرة: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: 275]. الله سبحانه وتعالى صور أكل الربا وكيف يبعث يوم القيامة؛ يقوم يوم القيامة من قبره كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس لأنه ممسوس، والعياذ بالله. صورة بشعة لأكل الربا، وكأن هذه الصورة لأنه جشع في الحياة الدنيا، لا يراعي حق فقير ولا مسكين، يأكل أموال المدين، فكأن هذه العقوبة جاءت من جنس حاله في الدنيا، والعياذ بالله.

﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾، ذلك بأنهم قالوا: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا ۗ وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ۚ فَمَن جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىٰ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَمَنْ عَادَ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 275].

ثم يقول الله سبحانه وتعالى في الآية التي تليها: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: 276]. بهذه الآيات الثلاث الحقيقة بيان لعدد من الأمور. الأولى: صورة المنفق الذي ينفق أمواله بالليل والنهار سرا وعلانية، فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، هذا المنفق يعطي من ماله للمحتاج.

الصورة المقابلة: الذين يأكلون الربا، هذا الذي يأخذ مال المحتاج. بين الله جل جلاله أن هذا الذي ينفق ما له، وفي الآية الثالثة بين الله أن هذا الذي ينفق ماله، من الناحية العددية عند الناس نقصت أرقام المال؛ هذا كان عنده مثلا مئة، صار عنده تسعين، لكن رقميا نقص، لكن الله جل جلاله أخبر وقال -وقوله الحق ووعده الصدق- إن الله سوف يربي هذا المال ويعظمه وينميه ويربي الصدقات، فهو إن كان نقص عدديا، لكن هذا الباقي يباركه الله وينميه ويعظمه، يجده الإنسان في الدنيا قبل الآخرة. يربي الصدقات، لذلك جاء في الحديث الشريف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما نقص مال من صدقة». لذلك هذا الذي تراه نقصا من ناحية المحاسبية الرقمية، في واقع الأمر هو زيادة بالبركة والتعظيم والنماء والأجر والثواب، يجدها الإنسان الموقن بوعد الله، يجدها الإنسان في دنياه وفي أخراه، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من أهل هذا الصنف.

يقابل هذا الصنف الصنف الآخر، الطرف الآخر النقيض، والعياذ بالله، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجنبنا وإياكم هذا النقيض وهذا الطرف الآخر. قال الطرف الآخر المرابي: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾. المرابي من الناحية الرقمية العددية كان ماله مثلا مئة، صار ماله مئة وعشرة، هذا من الناحية العددية الرقمية، لكن الله سبحانه وتعالى جل جلاله أخبر -وخبره حق ويقين ووعده وإيعاده سبحانه يقين- أخبر أن هذه الزيادة يمحقها سبحانه وتعالى، وهذا المحق مشاهد في الدنيا وفي الآخرة. هذا المحق مشاهد في الدنيا ووعود به في الآخرة، كذلك يمحق بركة هذا المال في الدنيا، بل ربما يمحق المال كاملا، وفي الآخرة هو متوعد بالعقاب العظيم.

إذن هاتين الصورتين متناقضتين ذكرها الله جل جلاله في سورة البقرة، لا شك أن هاتين الصورتين تحتاجان إلى تأمل من المسلم، من طالب العلم وطالبة العلم، للاستفادة من حكمها وأحكامها، ولعلنا نتطرق إلى شيء من ذلك ولكن بعد هذا الفاصل القصير.

يحرص كثير من الآباء والأمهات على تعليم أبنائهم شتى العلوم، ويبذلون في ذلك الغالي والنفيس من أوقاتهم وأموالهم، وهذا مما يؤجرون عليه من الله تعالى، ولكن هل اعتنوا مع ذلك بتعليمهم أدب...

بالعلم وسمته فهو الذي يهذب أخلاقهم، ويحسن طباعهم. فحاجة الأطفال إلى الأدب وحسن الخلق أشد من حاجتهم إلى كثير من العلم، لهذا كان السلف يحرصون على تعليم أبنائهم الأدب قبل العلم.

قال سفيان الثوري: «كانوا لا يخرجون أبناءهم لطلب العلم حتى يتأدبوا». وقال عبد الله بن المبارك: «طلبت الأدب ثلاثين سنة، وطلبت العلم عشرين سنة». وهذا ما جعل الآباء والأمهات قديما يدفعون أولادهم إلى المؤدبين والعلماء حتى يقتبسوا من أخلاقهم وآدابهم قبل علومهم. قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى: «كانت أمي تعممني وتقول لي: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه».

وذلك أن العلم لا ينتفع به إلا بطهارة القلب عن مساوئ الأخلاق. ولعل هذا الأمر هو ما دفع العلماء لاشتراط أن يتتلمذ طالب العلم للعلماء لا للكتب فحسب، وذلك حتى يتأكدوا من تخلقه بأخلاق العلماء، وتحليه بأدبهم، ويظهر عليه سمت العلم وأدبه ونوره. قال عبد الله بن وهب: «ما تعلمناه من أدب مالك أكثر مما تعلمناه من علمه». ومما يدل على منزلة الأدب والأخلاق أن النبي ﷺ قد جمع بين العلم والأخلاق والأدب، ولما أثنى عليه ربه سبحانه وتعالى، أثنى عليه بالأخلاق والأدب.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن تحريم الربا. ذكرنا الصورتين المتقابلتين في سورة البقرة: صورة المنفق لماله بالليل والنهار سرا وعلانية، وسورة الأكل للربا، ثم ذكرنا حكم الله عليهما: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة: 276].

ثم جاء في الآيات بعد ذلك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 277]. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ * وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 278-281].

في هذه الآيات في سورة البقرة فيها تهديد بالغ ووعيد شديد، وصف الله سبحانه وتعالى هذا المرابي بأنه محارب لله ولرسوله ﷺ، وتهدده الله بالحرب عليه، وهذا فيه كأن هذه الآية فيها أمر للنبي الكريم ﷺ بمحاربته: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. ثم قال الله جل جلاله: ﴿وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾.

ما هو الواجب إذا في حق هذا المدين المعسر الذي لا يستطيع الوفاء؟ جاء في الآية التي تليها: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ﴾؛ معنى نظرة إلى ميسرة أي أنه يجب إنظار هذا المدين المعسر إنذارًا مجانيًا دون أن يزاد عليه زيادة لأجل عدم قدرته على الوفاء، فنظرة إلى ميسرة. ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، يعني وإن تتصدقوا تتنازلوا عن شيء من الدين الذي على هذا المعسر فهو خير.

إذن هذا الدين إذا حل على المعسر، عندنا ثلاثة أشخاص: شخص يقوم بالفضل فيتصددق على هذا المدين المعسر، وعندنا في الطرف الآخر المرابي الذي يزيد على هذا المدين المعسر ويستغل ضعفه وحاجته ويزيد عليه، وعندنا القدر الواجب وهو العدل الوسط؛ هذا ينظره مجانًا، فأعلى الأحوال أن يتصدق عليه، فإن لم يتصدق عليه فإنه ينظره مجانًا. الحالة الثالثة أن يزيد عليه، وهذه حالة الربا، وحالة الربا حالة محرمة، وهذا هو ربا الجاهلية الذي نزل بتحريمه هذه الآيات، وتهدد الله سبحانه وتعالى وتوعد عليه ووصف فاعله بأنه ظالم.

إذن عندنا حالة ظلم وهي ربا الجاهلية، وعندنا حالة فضل وهي الصدقة ﴿وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾، وعندنا حالة عدل وهي الإنذار المجاني دون أن يزيد عليه ودون أن ينقص له، هذه ثلاثة أحوال متقابلة في هذه الآية الشريفة الكريمة.

كذلك من الآيات التي جاءت في القرآن الكريم في تحريم الربا قول الله سبحانه وتعالى في سورة النساء: ﴿وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ﴾ [النساء: 161]. وجاء في سورة الروم كذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ ۖ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: 39]. وعد الله سبحانه وتعالى بأن هذا المال الذي دفع ليربو عند الناس إنه لا يربو عند الله، وهذا المال الذي دفع على وجه الزكاة وعد الله سبحانه وتعالى فيه بالخير العظيم والبركة العظيمة.

إذن إخواني وأخواتي الكرام، هذه أربعة مواطن في القرآن الكريم تحدثت عن أحكام الربا. وأما السنة النبوية الشريفة المطهرة فقد جاء عدد من الأحاديث التي تحدثت عن الربا، ومنها حديث رسول الله ﷺ: «اجتنبوا السبع الموبقات»، قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال: «الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات». إذاً أكل الربا هو أحد السبع الموبقات، يعني أكبر الكبائر المحرمة.

كذلك جاء في حديث جابر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ: «لعن آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهده»، والعياذ بالله. إذاً هذا في الحقيقة يدلنا على أن الربا حقيقة هو من كبائر الذنوب، من الموبقات المهلكات، ومن أهم ما يجب على المسلم اجتنابه والبعد عنه، والعياذ بالله. حكى أهل العلم كذلك الإجماع على تحريم الربا.

ما هي حكمة تحريم الربا حقيقة؟ أولاً نحن ننبه أنفسنا وإخواننا وأخواتنا جميعًا إلى أننا ينبغي أن نتعلم الانقياد لأوامر الله وأوامر رسوله، سواء علمنا حكمتها أو لم نعلمها؛ لماذا؟ لأننا عبيد لله جل جلاله الذي أمر بهذا الأمر أو نهى عن هذا النهي. ومن تعبد لله حق التعبد فإنه لا يسأل ربه ومالكه وخالقه لمَ؟ لأن الله جل جلاله ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: 23].

إلا أن الله سبحانه وتعالى قد ذكر شيئًا من الحكم في كتابه الكريم، أهم هذه الحكم أن فعل الربا ظلم وعدوان على المدين بغير حق، لذلك الله سبحانه وتعالى قال في كتابه: ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾. وذكر بشاعة الربا في النفوس، وهذه البشاعة مستقرة في الفطر وفي النفوس، هل هي متدينة لله والمتعبدة لله؟ بل حتى الكافرة الجاهلة بالله. تذكرون في السيرة النبوية قصة قريش لما أرادوا إعادة بناء الكعبة قبل مبعث النبي الكريم ﷺ، اجتمعت قريش ورأوا أن أجزاء من الكعبة قد تهدمت وأنها تحتاج إلى إعادة بناء، فقالوا إننا نعيد بناءها ولكن...

لا يدخل في إعادة بنائها الأموال التي تدخل في إعادة بنائها؛ لا يدخل فيها مهر بغي ولا بيع ربا. لاحظوا أن الكفار في جاهليتهم يعرفون قبح الربا، وعظموا ونزهوا بيت الله جل جلاله عن أن يدخل فيه أي مال ربوي.

هذا يدل على ماذا؟ يدل على بشاعة الربا في النفوس، وأن الفطرة قد فطرت على قبحه وبشاعته. وهل حقيقة ملاحظ ومشاهد ومعروف بعد ذلك نجد دائما في كثير من المجتمعات، سواء إسلامية أو غير إسلامية، نجد أنهم يستبشعون أكل الربا، وتجد أنهم يستنكرون أكله، ويستنكرون على من أكله وأخذه؟

ما هي الحكمة الظاهرة في هذا الأمر؟ نقول ما فيه من الأضرار بالمحتاج المدين، واستغلال ضعفه عند يوم الوفاء بالمضاعفة عليه وزيادة الدين عليه. هذا هو أصل الربا، أصل التحريم وأصل الحكم. طبعاً لا شك أن هذا التحريم يتفرع عنه فروع، وهذه الحكمة يتفرع عنها عدد من الفروع.

فاصل قصير ونعود إليكم بعد هذا الفاصل. هل تظن أن أهل العلم يتعمدون مخالفة السنة؟ كلا، بل لهم في ذلك أعذار كاعتقاد ضعف الحديث أو نسخه. لكن كيف يتعامل العامي مع اختلاف العلماء؟ الراجح أنه يأخذ بفتوى أوثق المفتيين في نفسه وأعلمهما؛ لأن قول المفتي للعامي كالدليل للمجتهد. ويعرف العامي الأعلم بأخبار الثقة وبالمشاهدة، كأن يرى أحدهم يذعن له العلماء، وبالقرائن كأن يدعم أحدهما دون الآخر فتواه بالدليل، وتوافق أكثر العلماء على أحد القولين، وتصريح كثير من العلماء بتخطئة أحدهما في هذه الفتوى، ومنها تخصص أحدهما في موضوع السؤال؛ كأن يشتهر بعلم الفرائض والسؤال في توزيع تركة، وهكذا.

وإذا تساوى عند المستفتي المفتيان من كل وجه أخذ بالأيسر؛ لأن هذا موافق ليسر الإسلام، ولأن الأصل براءة الذمة. ولا يجوز للسائل أن ينتقي من الأقوال بهواه ولا أن يتتبع رخص العلماء؛ قال سليمان التيمي: «لو أخذت برخصة كل عالم، اجتمع فيك الشر كله». وإذا عمل السائل بالفتوى ثم ترجح بعد ذلك غيرها، فلا تنقض الفتوى الأولى؛ لأن الاجتهاد لا ينقض بمثله، فاتبع العلماء الربانيين واحذر الجهلاء وأصحاب الهوى. قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: 48].

بشرى لنا، زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان. نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن حكمة تحريم الربا. نتلمس هذه الحكمة كذلك، وهي حكمة الإضرار بالمدين المحتاج، نتلمس هذه الحكمة في سياق آيات سورة البقرة. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً﴾، ثم قال الله جل جلاله: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا﴾، ثم قال الله جل جلاله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾.

كأن هذه الآيات فيها مقابلة بين الربا والصدقة؛ فالربا ظلم وعدوان، والصدقة فضل وإحسان. وفي ثنايا هذه الآيات جاءت إباحة البيع، والبيع كأنه عدل وتوسط. كذلك جاءت المقارنة والمقابلة بين الربا والصدقة في كتاب الله سبحانه وتعالى؛ قال الله جل جلاله: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: 280]. هذا القدر الواجب، ﴿وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 280].

وفي الآية التي قبلها: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 278-279]. كذلك جاءت المقابلة بين الربا وبين الصدقة في سورة آل عمران في الآيات الشريفة الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 130].

لاحظوا هذه الصورة البشعة؛ الذي يأكل الربا أضعافاً مضاعفة، ثم قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: 131-134].

مقابلة بين هؤلاء المرابين وهؤلاء المتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين. عندهم إحسان؛ إحسان بصفاتهم الشخصية يعفون عن الناس، وإحسان بأموالهم بإنفاقهم في السراء والضراء، وإحسان بكظم الغيظ عن الناس. كل هذه أوجه من أوجه الإحسان التي ذكرها الله سبحانه وتعالى أنها صفات.

كذلك جاءت المقابلة بين الربا والزكاة في سورة الروم، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿مَا آتَيْتُم مِّن رِّبًا لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ ۖ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: 39]. إذن هذا في الحقيقة يدلنا على حكمة عظيمة من حكم تحريم الربا، وهي أن الربا منافٍ للإحسان، وأن الربا فيه أضرار وظلم بالمحتاج.

لذلك سئل جعفر الصادق رحمه الله تعالى ورضي عنه، من أئمة أهل السنة والجماعة -الإمام جعفر بن محمد بن علي بن الحسين زين العابدين رضي الله تعالى عنهم ورحمهم وأرضاهم- سئل: لما حرم الله الربا؟ فقال: «لئلا يتمانع الناس المعروف». هذه الحكمة الجليلة التي ذكرها رحمه الله تعالى تدلنا على أن الربا إذا وقع في أمة من الأمم، فإن الناس تتحول إلى المادية المحضة التي يقل فيها الصدقة والإحسان والتبرع، وتنعدم فيها الأخلاق، وتصبح المادة هي ركن الحياة الركين.

وهذا قد قاله الإمام جعفر الصادق رحمه الله تعالى في القرن الثاني من الهجرة، إلا أننا اليوم نعيشه ونشاهده واقعاً في أمم الكفر التي استباحت الربا في بلدانها. تجد أن هذه الأمم الكافرة التي استباحت الربا واستحلته تقوم على المادية في كل شيء، لا يوجد عندهم إحسان وفضل إلا بالقدر اليسير والنزر اليسير، صار كل شيء قائم على المادة.

لماذا؟ تمانعوا المعروف وصارت المادة عندهم، النقود والحياة الدنيا طارت يشترى بها كل شيء؛ يشترى بها النقود والأموال والأعراض والأنفس وغيره، صار كل شيء خاضع لهذه المادة، وهذا الحقيقة مشاهد. الحياة المادية المحضة التي لا تعرف إحساناً ولا أخلاقاً ولا كرماً. لا شك أن من عاش هذه الحياة المادية، إنه وإن كان يعيش في زيادة في المال أو رغد، إلا أنه يعيش حياة تعيسة.

لماذا؟ لأن الإسلام وآيات القرآن الكريم وأحاديث السنة النبوية قد قررت بوضوح في عدد من آيات القرآن وأحاديث السنة أن المادة والنقود ليست هي كل شيء في حياة المسلم، بل هناك مكان للفطرة وللخلق وللكرم وللعفة وللحياة الزوجية وللتراحم ولصلة الرحم ولبر الوالدين، وقبل ذلك كله الأصل كله عبودية الله جل جلاله. ولا يمكن أن يسعد القلب ولا أن يطمئن إذا كان هذا القلب عبداً للدنيا، وقد دعا النبي ﷺ على عبد الدنيا: «تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد الخميصة، تعس عبد الخميلة، تعس وانكس».

وإذا شيك فلا انتقش، إنهم تعساء بسبب هذه الحياة المادية؛ لا يراعون فقيراً ولا ضعيفاً ولا مسكيناً، لا يراعي إلا نفسه، ولا يراعي إلا نماء ماله. بينما انظر في تشريعات الإسلام التي حرمت الربا وأوجبت الزكاة.

من أهم أسباب تشريع وجوب الزكاة على المسلم أن يطهر نفسه من الشح والبخل وحب الدنيا؛ فإن المسلم إذا كان لا يستطيع أن يخرج من ماله ربع العشر، اللي هو اثنين ونصف بالمئة، حباً في الدنيا، فمعنى ذلك أن حب الدنيا قد طغى في قلبه طغياناً محرماً. لذلك جاء في القرآن الكريم في سورة التوبة قول الله سبحانه وتعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾ [التوبة: 103].

هذه الصدقة النفع الأول يعود فيها للمتصدق المنفق؛ ﴿تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾، يعني تطهر وتزكي نفوسهم وقلوبهم من حب المال والجشع، حب المال والدنيا. إذا طغى في قلب الإنسان، تفسد عليه حتى حياته الزوجية، وتفسد عليه حتى حياته الوظيفية، وتفسد عليه حتى علاقاته مع أصدقائه؛ لماذا؟ لأنه يصبح يراعي الدرهم والدينار، ولا يعطي اهتماماً أو مجالاً للتراحم وللأخوة وللكرم وللإحسان، فتفسد علاقاته الاجتماعية، وتصبح الحياة كلها حياة مادية.

ولا شك أن هذا الشأن هو شأن المرابي، لذلك وصف الله سبحانه وتعالى المرابي بأنه يقوم يوم القيامة كما وصفه في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: 275]. أي في يوم القيامة لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان بالمس؛ فكما أنه كان شبه الممسوس في حياته الدنيا يلهث وراء المال ولو كان يسيراً، ولو كان من جيب الفقير والمسكين والضعيف مستغلاً لضعفه ولحاجته، فصار يوم القيامة عقوبته من نفس جنس فعله. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعافينا وإياكم من الربا.

اطمأن للربا إخواني وأخواتي، وقد ذكر هذا بعض أهل الاقتصاد بعض الآثار الاقتصادية أو غيرها التي تؤثر على الناس في معيشتهم وفي حياتهم. وهناك بعض الكتابات حتى من الاقتصاديين الغربيين أو غيرهم التي تنفر من الربا، وتدعوهم بعض عقلائهم الذين يدعون أقوامهم إلى ترك الربا. هذي كلها لا شك وإن كان عندنا في كتاب الله سبحانه وتعالى وفي سنة رسوله ﷺ الغني عن كل هذا، ولكن هذا كله لا شك أنه مما يزيد المسلم طمأنينة ومعرفة حكمة تشريع الله سبحانه وتعالى، أحكم الحاكمين.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم موفقين ومباركين حيثما كنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

يا راغباً في كل علم نافع متطلع لزيادة الإيمان، يأتيك ميسوراً بأي مكان، صف اليوم غلة الظمآن، وتعلم الفقه الميسر، عاملاً للشرع دون تعصب.