دخولتسجيل الدخول

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علمًا يا كريم. اللهم يا معلم إبراهيم علمنا، اللهم يا مفهم سليمان فهمنا، اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه.

أما بعد؛ إخواني وأخواتي الكرام، هذا هو الدرس الأول من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد، المستوى الرابع، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يمن علينا وعليكم بالمزيد من فضله. إخواني وأخواتي، هنيئًا لنا جميعًا، هنيئًا لكم ما قد أنجزتموه من دراسة المستويات الثلاثة السابقة، والله إنه لعلم عظيم كثير ونافع؛ كون الإنسان ينجز ثلاث مستويات دراسية درس فيها العلم الشرعي، سواء في مادة الفقه أو العقيدة أو التفسير أو الحديث، علوم عظيمة وكثيرة نافعة.

إخواني وأخواتي، إن الشأن كل الشأن في تفهم هذا العلم، إن الشأن كل الشأن في العمل بهذا العلم، إن الشأن كل الشأن أن يظهر أثر هذا العلم علينا في حياتنا وسلوكنا وأعمالنا وأخلاقنا وآدابنا، وهي مرحلة تتلو فهم العلم وتلقيه؛ لابد أن نحرص على العمل به حتى يكون في حقنا علمًا نافعًا.

إخواني وأخواتي، كانت المستويات الثلاثة الماضية في مادة الفقه تتحدث عن أحكام القربات أو أركان الإسلام الخمسة؛ تحدثنا فيها عن الصلاة والزكاة والصوم والحج، ولما كانت الصلاة تحتاج إلى طهارة وضوء وغسل أو تيمم عند عدمهما، تحدثنا عن أحكام الطهارة. فبعد أن انتهينا من أحكام أركان الإسلام الخمسة بفضل الله سبحانه وتعالى في هذه المستويات الثلاث، وهي أركان ومباني قام عليها دين الإسلام، هي الأسس التي يقوم عليها تقرب المسلم وتقرب العبد إلى الله سبحانه وتعالى؛ كيف يصل العبد إلى الله سبحانه وتعالى إلا بالتقرب إليه بالصلاة والزكاة والصيام والحج؟

إخواني وأخواتي، بعد أن انتهينا من هذه الأحكام المتعلقة بأركان الإسلام الخمسة، لا شك أن ثمة أحكامًا شرعية عظيمة كثيرة في دين الإسلام تتبع هذه الأحكام الخمس، وإن كانت لا تصل رتبتها ركنية الإسلام، ولكنها واجبات شرعية أو محرمات شرعية يجب على المسلم أن يجتنبها، وربما كان بعضها من الكبائر، وربما كان بعضها من أكبر الكبائر.

فلذلك لا يقف المسلم في تعبده لله سبحانه وتعالى، ولا يقف طالب العلم أو طالبة العلم عند دراسة هذه الأركان الخمسة، بل يزيد عليها تعلم أحكام دين الإسلام. وهنا مسألة نرغب في التنبيه عليها، ألا وهي أن دين الإسلام الذي أنزله الله سبحانه وتعالى وشرعه لنبيه محمد ﷺ، بل شرعه لأنبيائه ورسله، هو دين شامل يشمل جميع مناحي الحياة.

هناك بعض المفكرين الغربيين أو الشرقيين الذين لا يعرفون قدر الإسلام، ربما استغربوا كون الإسلام له أحكام متعلقة بأحكام المعاملات المالية، أو أن لدين الإسلام أحكامًا متعلقة بأحكام العلاقات الاجتماعية أو السياسية أو الاقتصادية أو الطبية أو غير ذلك، ويقولون: ما شأن دين الإسلام وما شأن الدين عمومًا بهذه العلاقات البشرية؟ إن دين الإسلام دين شامل لكافة مناحي الحياة.

قال الله سبحانه وتعالى لنبيه الكريم: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَٰلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: 162-163].

إخواني الكرام، إن العبد المسلم في هذه الحياة الدنيا يسير فيها لتوصله إلى الدار الآخرة، فحياة المسلم في هذه الدنيا إنما هي ممر، وعنده يقين أن الآخرة هي المقر. إن المسلم عنده قناعة بأن هذه الأرض خلقها الله وأودعها الله، وأن كل ما فيها ملك لله جل جلاله، هو الخالق وهو المالك، وهو على كل شيء قدير، وهو المتصرف والمدبر، ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: 54]، تبارك الله رب العالمين.

من هذه المنطلقات؛ منطلق أن الإنسان مأمور وعبد مخلوق مربوب لله الرب الواحد المعبود، من منطلق أن هذه الحياة الدنيا ممر، من منطلق أن الله هو المالك، كل هذه المنطلقات تفيدنا أن الله سبحانه وتعالى له أن يأمر عباده بما يشاء في حياتهم الدنيا، إن دين الإسلام دين يحكم العلاقات الدنيوية، إن دين الإسلام ليس دينًا مقتصرًا فقط على المسجد أو على الصلاة.

انتشر عند النصارى مقولة يقولون فيها: "دع ما لله لله وما لقيصر لقيصر"، أما المسلمون فكل شيء لله، وليس هناك شيء خارج عن أمره، ولا عن دينه، ولا عن شرعه، ولا عن قدرته، ولا عن ملكه سبحانه وتعالى؛ كل حياتنا وتصرفاتنا وأمرنا ونهينا وعلاقاتنا لله سبحانه وتعالى.

لذلك إذا تشكك بعض المسلمين الذين لم يعلموا دينهم بهذه الحقيقة، فإننا ينبغي أن نقول لهم: ألا تعلمون أن الله سبحانه وتعالى قد شرع أحكامًا متعلقة بالربا؟ ألا تعلمون أن الله سبحانه وتعالى قد شرع أحكامًا متعلقة بالزنا؟ ألا تعلمون أن الله قد شرع أحكامًا متعلقة بشرب الخمر؟ ألا تعلمون أن الله قد شرع أحكامًا متعلقة بالغرر في المعاملات، بالقمار، بالميسر، بالعلاقات الاجتماعية، بصلة الرحم، ببر الوالدين؟ ألا تعلمون أن الله قد شرع أحكامًا متعلقة بالجهاد والصلح؟ ألا تعلمون أن الله قد شرع أحكامًا متعلقة بالأنظمة وإقامة الحدود والقضاء وما يتعلق بها من الجنايات والإثباتات والحدود؟ كل هذه أمور موجودة في القرآن الكريم محكمة وثابتة، المسلم يوقن بها ويعلم أن دين الإسلام دين شامل لشتى مناحي الحياة.

هذه القضية فيها أبلغ رد على من ادعى العلمانية وفصل دين الإسلام عن شؤون الحياة؛ شؤون الاقتصاد، شؤون السياسة، شؤون الأمن، شؤون النظام، شؤون القضاء، شؤون الحدود، نقول: لا، إن الإسلام دين شامل لكافة مناحي الحياة.

ها نحن الآن سوف ندرس أحكامًا في هذا الفصل في هذا المستوى الرابع، أحكامًا متعلقة بهذا الجانب، هذه هي القاعدة الأساسية التي ننطلق منها، وهي أن دين الإسلام دين شامل لكافة مناحي الحياة. لذلك سوف ندرس أحكام دين الإسلام المتعلقة بالبيع والإجارة، وبالمعاملات، وبالأسرة، وبالحدود. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم لما فيه الخير.

فاصل قصير ثم نعود إليكم بعد هذا الفاصل.

بشرى لنا زاد، أكاديمية للعلم كالآزهار في البستان. هل أنت حريص على تصحيح عباداتك؟ هل ترجو أن يتقبلها الله؟ اطلب العلم؛ إذ لا تصح العبادة إلا به. وشرط قبول طلب العلم الإخلاص فيه، ألا تريد به إلا وجه الله، قال تعالى: ﴿خَالِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: 3]. وبالإخلاص ترزق صحة الفهم وقوة الاستنباط، قال النبي ﷺ: «من يُرد الله به خيرًا يُفقهه في الدين». وبالإخلاص يذعن المتعلم للحق ويقبل النقد. قال الذهبي...

علامة المخلص أنه إذا عاتب لا يبرئ نفسه بل يعترف ويقول: «رحم الله من أهدى إلي عيوبي». ويجب أن يتوفر الإخلاص في التعلم والتعليم والتأليف؛ قال أبو داود الطيالسي: «ينبغي للعالم إذا حرر كتابه أن يكون قصده بذلك نصرة الدين، لا مدحه بين الأقران لحسن التأليف، فأخلص النية واحذر من فسادها، كطلب العلم لأجل المال والثروة، أو بالجاه والشهرة، أو المراء والجدل، فإن ذلك يفسد العمل».

قال تعالى: ﴿جَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23]. بشرى لنا، زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان، نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن أحكام المعاملات المالية، التي سوف نستفتحها إن شاء الله تعالى بحديثنا عن كتاب البيع أو أحكام البيع.

ذكرنا أن المعاملات المالية هي حكم من الأحكام الشرعية، وهي مندرجة في تنظيمات الإسلام وأحكامه، كما هو الشأن في غيرها من أحكام القربات وأركان الإسلام وغيرها من العلاقات الاجتماعية الأخرى. ولكن عندما نتحدث عن المعاملات المالية، فإن تنظيم الإسلام لهذا الجانب له طريقته وله أسلوبه، وهذا الأسلوب ينبغي لطالب العلم وطالبة العلم أن يعرفوا طريقة تنظيم الإسلام لأحكام المعاملات المالية.

ذكرنا في المقدمة لا شك أن أحكام المعاملات المالية تندرج تحت نظر الإسلام وتحت عين الشريعة، ولكن السؤال: هل تنظيم الإسلام بهذه الأحكام؟ أحكام المعاملات المالية، هل التنظيمات المتعلقة بها على نفس طريقتي تنظيم أحكام الصلاة والزكاة والصيام والحج؟ فمثلاً في الحج أو في الصلاة كما قد درسنا في المستويات السابقة، تأتي التنظيمات الشرعية فيها تنظيمات تفصيلية تحديدية؛ فجاءت صفة القيام في الصلاة وتكبيرة الإحرام، ثم ماذا يقرأ المصلي إذا قام في صلاته؟ وهل يجهر بصلاته وقراءته أم يسر بها؟ ثم بعد ذلك السورة التي يقرأها بعد فاتحة الكتاب، ثم يكبر رافعاً يديه، ثم يركع ويكون ظهره مستوياً في ركوعه، ولا يشخص رأسه ولا يصوبه، ويضع يديه على ركبته، وهكذا في أحكام الصلاة.

فهل جاءت أحكام معاملات البيع والإجارة بنفس هذه الطريقة؟ يعني هل جاءت الأحاديث أو الشريعة فتقول: عليك أن تقول كذا في البيع، وأن تسر بهذا اللفظ، وأن تجهر بهذا اللفظ، ثم ما تقول هذا اللفظ، ثم ترفع يدك، ثم تصافح المتعاقد الآخر؟ نقول: لا، لم ترد بهذه الصفة ولا بهذه الطريقة. قد يقول قائل: ألم نقل نحن إن أحكام المعاملات المالية مندرجة تحت نظر الشريعة وتحت أعين الشريعة؟ نقول: نعم هي مندرجة تحت نظر الشريعة، ولكن طريقة الشريعة في النظر إلى هذه المعاملات وتنظيمها وبيان أحكامها وحلالها وحرامها ليست كطريقة الشريعة في تنظيم أحكام الصلاة وتفاصيلها وبيان مشروعها ومسنونها وواجبها ومكروهها.

ما هو الفرق بين طريقة الشريعة في تنظيم الأحكام المتعلقة بأركان الإسلام الخمسة، وطريقة الشريعة في تنظيمها لأحكام المعاملات المالية؟ نقول إن الشريعة في نظرها إلى أركان الإسلام الخمسة، القربات إلى الله سبحانه وتعالى، تعطي تفصيلاً لطريقة التعبد، وما خالف هذه الطريقة الشرعية فإنه يعد من البدع في العبادات التي لا يقبلها الله جل جلاله. هذا في العبادات وهي أركان الإسلام الخمسة.

فلو جاء قائل وقال إن صلاة الفجر بينها وبين صلاة الظهر فترة طويلة بدون صلاة، فلو أننا نضيف صلاة مفروضة سادسة في هذا الوقت الطويل وتكون ركعتين أو ثلاث ركعات، نقول: لا، هذه مردودة؛ هذه البدعة في الدين لأنك ابتدعت في هذه القربات إلى الله سبحانه وتعالى ما لم يشرعه الله سبحانه وتعالى. لو جاءنا شخص وقال: أريد أن أتقرب بالحج ولا بالعمرة إلى مكان آخر غير الكعبة، مثلاً إلى مكان نريد أن نحج إلى المسجد الأقصى، أو نريد أن نحج إلى جبل الطور، نقول: لا، هذه بدعة؛ الحج إنما شرعه الله سبحانه وتعالى، والعمرة إنما شرعها الله سبحانه وتعالى لبيت الله الحرام، وأي تعبد لله سبحانه وتعالى لم يشرعه الله فإنه مردود على صاحبه. كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها في الصحيحين: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد»، وفي رواية: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».

أما طريقة تنظيم الشريعة في المعاملات فهي كالاتي: أن الأصل في المعاملات التي يتعامل بها الناس فيما بينهم، المعاملات التجارية والاقتصادية وغيرها، الأصل فيها الإباحة والحل إلا ما حرمته الشريعة. فلو قال لنا قائل: ما حكم بيع البر والشعير والتمر؟ نقول إنه جائز؛ لأن الأصل في المعاملات الإباحة والحل. لو قال لنا قائل: ما حكم بيع مثلاً جهاز المكيف؟ وجهاز المكيف لم يكن موجوداً في زمن النبوة وما بعدها، فهل معنى هذا أننا نحتاج إلى دليل يقرر جواز بيع المكيفات مثلاً؟ نقول: لا، الأصل في معاملات الناس الحل والإباحة، إذاً لا نحتاج دليلاً على جواز مثلاً بيع المكيف، أو تصنيع المكيف، أو تصنيع السيارة، أو تصنيع الطائرة، أو بيع الطائرة؛ لا نحتاج لأن الأصل في معاملات الناس الحل والإباحة.

وجاءت الشريعة طريقة تنظيمها في قسم المعاملات المالية بتحريمات شرعية، حرمت الربا. فنقول حينما تبيع هذه السيارة بالأجل، فحل الأجل على هذا المدين، فإذا قلت للمدين وهو معسر: إما أن تقضي الدين وإما أن أزيد عليك في الدين ونزيد في الأجل، إما أن تقضي وإما أن نرمي، نقول: هذا ربا ما يجوز. طيب، ما حكم بيع السيارة؟ نقول بيع السيارة جائز، حكم الربا نقول: لا، حرام. احفظوها؛ إذاً لاحظوا أحكام الشريعة في قسم المعاملات جاءت بصيغة المنهيات، بصيغة المنهيات.

يمنع على الإنسان أن يبيع مال غيره بغير حق لأنه عدوان على ماله، هذا تحريمه. يمنع على الإنسان أن يبيع بيعاً على شخص بكرة، أو أن يغصب مالاً ليبيعه، نقول: هذا فيه إكراه أو فيه غصب، هذا محرم. يمنع بيع الطفل الصغير مثلاً لأنه لم يرشد بعد، هذا لاحظوا تحريمه. وش معنى هذا؟ معناته أنه غير الطفل الصغير، اللي هو البالغ الرشيد العاقل، فهذا يجوز تصرفه، ما نحتاج أنا أقول فلان هذا يجوز صرفه، لا خلاص، هذه القاعدة العامة؛ يحرم أو يبطل بيع الطفل الصغير غير المميز مثلاً لما يبيع بعض الأشياء، سوف نذكرها إن شاء الله تعالى في الضوابط.

إذاً الأصل في معاملات الناس الحل والإباحة. لو جاءنا قائل وقال: هناك حدثت معاملة جديدة، مثلاً الشركات، نشأ عندنا نوع جديد من أنواع الشركات اسمه الشركة ذات المسؤولية المحدودة أو الشركة المساهمة، ما حكمها في الشريعة؟ تقول: الأصل في الشركات الإباحة. هذا الأصل، قاعدة الشريعة، الأصل في المعاملات الحل والإباحة، ولكن هذه الشركات ينبغي أن نراعي فيها ألا يكون فيها ربا، وألا يكون فيها غرر، وأن لا يكون فيها أكل للمال بالباطل، وأن لا يكون فيها ظلم بين الشركاء.

الضوابط الشرعية المحرمة في المعاملات، إذا كانت الشريعة طريقة تنظيمها لمعاملات الناس كالاتي؛ قالت هذه الأمور المحرمة: واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، خمسة. ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُم﴾ [النساء: 29]. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً﴾ [آل عمران: 130].

قال النبي صلى الله عليه وسلم، كما جاء في حديث أبي هريرة وحديث ابن عمر: «نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن بيع الغرر». ومثلًا جاء في حديث كذلك النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يبع الرجل على بيع أخيه»، «لا يبع بعضكم على بيع بعض». إذا هذه تحريمات، وبخلاف هذه التحريمات الأصل هو الحل والإباحة.

هذه قاعدة الشريعة في المعاملة. لاحظتم الفرق بين قاعدة الشريعة في العبادات والقربات، أركان الإسلام الخمسة، وبين قاعدة الشريعة في المعاملات الاقتصادية بين الناس؟ إذا لو جاء قائل وقال: يا أخي، في العبادات اخترع من العبادات ما تشاء، إلا ما نهت عنه الشريعة، نقول: لا، العبادات ما تخترع فيها ما تشاء، لا تعبدوا الله إلا بما شرعه الله. أما في المعاملات، اخترع فيها ما تشاء ولكن بشرط أن تنضبط، ولا يكون في هذه المعاملات التي تخترعها ربا، ولا غرر، ولا يكون فيها أكل المال بالباطل، ولا يكون فيها ظلم، ولا يكون فيها عدوان، ولا يكون فيها غصب، ولا يكون فيها بيع الرجل على بيع أخيه، إلى آخر التنظيمات المحرمة. لاحظتم الفرق؟ إذا هذه طريقة تنظيم الشريعة لهذه المعاملات المالية.

فاصل قصير ونعود إليكم إن شاء الله تعالى بعد هذا الفاصل. العلم كالازهار في البستان، لا يكاد يوم يمر إلا ويعرض لنا أمر نحتار في حكمه الشرعي، فكيف نتصرف؟ الحل أن نستفتي العلماء. قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].

ثم أداب ينبغي أن يتحلى بها المستفتي: آداب في نفسه، وآداب مع العالم، وآداب في طريقة السؤال. فيستفتي أهل الذكر المتبعين للأدلة، ويتجنب من يفتون بالجهل أو الهوى. قال صلى الله عليه وسلم: «إن من أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلين». ويعرض السؤال على حقيقته دون كذب أو كتمان، وليعلم أن تدليسه لا يحل له الحرام، فإنما يفتيه المفتي على حسب ما يسمع، ويوقر مفتيه.

قال صلى الله عليه وسلم: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه». ويتحين الوقت والحال المناسب للسؤال، ولا يقاطع الشيخ ولا يلح عليه إذا اعتذر عن الإجابة، ولا يضيع وقته بما لا علاقة له بالسؤال، ويترك السؤال عما لا يعنيه. قال صلى الله عليه وسلم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». ويتقبل الحكم الشرعي ولو لم يكن على هواه. قال تعالى فيما شجر بينهم: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِيهِ أَنفُسَهُمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ ۖ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65].

بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم، العلم كالازهار في البستان، نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن أحكام المعاملات المالية. ذكرنا ابتداء أن كل شيء من مناحي الحياة يدخل تحت نظر الشريعة، ثانيًا نظر الشريعة في أحكام المعاملات يختلف عن طريقتها ونظرها في أحكام العبادات والقربات.

نريد أن نتحدث الآن عن أهم معاملة تجري بين الناس، يمكن أهم معاملة تجري بين الناس اليوم من المعاملات المالية الاقتصادية هي البيع والإيجار. سنتحدث إن شاء الله تعالى عن البيع في عدد من الدروس، ثم ننتقل بعدها عن الإجارة. البيع كل إنسان اليوم في حياته المعاصرة يبيع ويشتري؛ تبيع مثلاً سيارة، تشتري قلماً، تشتري كتاباً، تشتري دفتراً، تبيع ملابس إلى غير ذلك، هذه أشياء منتشرة بين الناس.

ما حكم البيع في الإسلام؟ نقول قاعدة الشريعة أن الأصل في المعاملات الحل، هذا طبيعي أن البيع والشراء بين الناس، هذا الأصل فيها الإباحة. النبي صلى الله عليه وسلم باع واشترى، الصحابة رضي الله تعالى عنهم باعوا واشتروا، الرسل باعوا واشتروا، لذلك الآية الشريفة، قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَقَالُوا مَالُ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [المؤمنون: 33]؛ أكل الطعام والمشي بالأسواق هذه من المعاملات المباحة التي أباحتها الشريعة.

هل معنى هذا أن كل بيع مباح؟ نقول الأصل أن كل بيع مباح إلا البيوع التي حرمتها الشريعة؛ البيع المشتمل على ربا، البيوع المشتملة على مثلاً بيع الخمر، بيع الخنزير، بيع الأصنام، هذه لا تجوز، هناك بيوع محرمة. لذلك نريد أن نتعرف الآن على أحكام البيع وما يتعلق به من ممنوعات ومحرمات حتى نمارس البيع وفقاً للجانب الشرعي.

الخلفاء الراشدون رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، منهم عمر الفاروق رضي الله تعالى عنه، كان يمنع الإنسان ينزل السوق حتى يتعلم محرمات البيع حتى لا يقع فيها. وهذه حقيقة نصيحة للتجار: لابد أن تتعلموا أحكام البيع والشراء حتى لا يقع التاجر فيما حرم الله؛ يحلف ويغش ويدلس في بيعه وشرائه، أو ربما وقع في الغرر، أو وقع في الربا، أو وقع بسبب المنافسة مع التجار الآخرين في بيع الرجل على بيع أخيه، أو وقع في التدليس على الناس مثلاً في أحكام ما يتعلق ببيان مواصفات السلع أو غيرها. لابد أن يتعلم أحكام البيع والشراء قبل أن ينزل السوق، وهذه طريقة وسنة الخليفة الراشد عمر الفاروق رضي الله تعالى عنه، كان يأمر التجار أن يتعلموا أحكام دينهم المتعلقة بالبيع والشراء.

أول شيء، ما هو البيع؟ البيع نقول هو مبادلة مال بمال، هذا معروف. إذا لما نقول مبادلة مال بمال معناها أنه أنا أدفع شيئاً عوضاً لشيء آخر، بخلاف مثلاً الهبة؛ الهبة الإنسان يدفع مالاً لطرف أو مثلاً منفعة أو أي شيء ولا يطلب منه مقابلاً، اطلب أجره من الله سبحانه وتعالى إذا كان في الصدقة مثلاً إذا كان في الهبة.

لاحظوا إذا هناك شيء يسمى في المعاملات أحكام المعاوضات، المعاوضات التي هي نوع مبادلة، مثل البيع؛ أنا أعطيك هذه السيارة مقابل عشرة آلاف. أحكام الإجارة من أحكام المعاوضات؛ أنا أقدم لك هذا العمل، هذه المنفعة أنا أعمل هذا العمل، أشتغل هذه الشغلة، أقوم بهذه الوظيفة مقابل مثلاً ألف أو ألفين أو ثلاثة آلاف أو كذا شهرياً أو كذا سنوياً أو أياً كان، هذه أحكام مبادلة ومعاوضة، بخلاف أحكام التبرعات التي لا يطلب الإنسان فيها مقابلاً. إذا هذه لها طبيعة وهذه لها طبيعة.

نريد أن ننتقل بعد ذلك، ما هو الشيء المتبادل في البيع؟ ما الفرق بين البيع والإجارة؟ البيع والإجارة غالباً يتم في البيع التبادل فيه لشيء عيني أو منفعة ولكنها على وجه التأبيد، فأقول أنا أبيعك السيارة هذه بمعنى أنك قلت ملكية السيارة هذه إليك. طيب، والإجارة لما أنا أقول أجرتك هذه السيارة أو أجرتك هذا المنزل معناها أني أنقل المنافع إليك.

على وجه مؤقت وليس على وجه التأبيد وليس على وجه التأقيت. إذاً البيع، لاحظوا من خلال هذه الأمثلة نستطيع أن نستخرج ما يمكن أن نقول: تعريف البيع أنه مبادلة، الأمر الثاني أنه بين مالين، الأمر الثالث أن هذه المبادلة غالباً تكون على وجه التأبيد وليست على وجه التعقيد؛ لأن لو كانت على وجه التعقيد صارت من جنس الإجارة. لاحظتم؟ إذاً هذه هي ما يتعلق بتعريف البيع.

ما هي أركان البيع؟ أركان البيع وفقاً لهذا التعريف سوف يكون عندنا عاقدان: شخص يدفع شيئاً والشخص الآخر يدفع شيئاً آخر في المقابل. إذاً هذا عاقدان، كذلك عندنا من أركان البيع مالان: ثمن ومثمن، سلعة مقابل سلعة، سلعة مقابل مال، مال مقابل سلعة، أياً كان، مال مقابل مال مثلاً في الصرف.

إذاً عندنا عاقدان من أركان البيع، وعندنا كذلك مالان، وعندنا كذلك الصيغة. ما الصيغة؟ التي هي الرابط بين هذين المالين وبين هذين العاقدين، فأقول لك: خذ هذا الكتاب وأعطني هذه العشرة، قبلت؛ بيع هذا الكتاب، تقول أنت: قبلت شراء هذا الكتاب بهذه العشرة.

سؤال: هل جاءت الشريعة في البيع بصيغة معينة لابد أن يقول الإنسان بعت أو قبلت أو اشتريت بكذا؟ يعني لو قال غير هذا اللفظ ما يصح؟ نقول لا، الشريعة جاءت الأصل في الإيجاب والقبول، الأصل في المعاملات الإباحة. لو جاء شخص قال: ما حكم أن يكون عاقد من طرف والطرف الآخر يكون عاقدين شريكين، يعني مع بعض يبيعون لطرف؟ نقول لا بأس. لو شريكين يبيعون ويشتري منهم شريكين؟ نقول لا بأس، كذلك ما في إشكال.

لو جاء وقال: يا أخي هذا نوع مال جديد مثلاً الاسم التجاري، ما حكم أني أبيع الاسم التجاري؟ نقول لا بأس، جائز إن شاء الله تعالى؛ لأنه مال جديد، لأن الأصل في المعاملات الحل والإباحة.

بالنسبة للإيجاب والقبول، هل يلزم أني أقول بعت أو اشتريت؟ إذا قلت بعته واشتريت، أو ما قلتها أو قلت شيئاً يؤدي وظيفتها بدل بعت واشتريت، مثلاً أعطيته عشرة ريال وأخذت منه مثلاً الكتاب بدون كلام، هل يصح البيع؟ نقول يصح البيع هذا.

القضية المهمة عندنا أنه لا بد من التراضي. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ﴾ [النساء: 29]. إذاً ما دامت هذه الصيغة، يقول والله تفضل يا أخي، قال لك تفضل، يقول خلاص جائز حتى لو قال تفضل وما قال بعت أو اشتريت، ما دام قال تفضل وهذا قال تفضل، فالحمد لله حاصل التراضي، حصل التراضي إذا تحقق الشرط.

نقول لو أنه قال بعت مثلاً وهدده بالسلاح ليقول اشتريت، نقول هذا وإن كان لفظ بعت أو اشتريت لكن ما حصل التراضي، لن نهدده بالسلاح حتى يقول اشتريت، صح ولا لا؟ إذاً هذا لا ينعقد البيع، ليس بيعاً صحيحاً لأنه واقع تحت وطأة الإكراه، لاحظتم ولا لا؟

إذاً نحن نقول صيغة البيع سواء كانت قولية بأن قال بعت واشتريت، أو كانت فعلية بأن دفع إليه شيئاً بيده دون أن يتكلم وأخذ منه شيئاً بيده دون أن يتكلم، فإن هذا إن شاء الله تعالى كله جائز بإذن الله تعالى، ما دام دالاً ومحققاً للتراضي بين العاقدين الذي دلت عليه الآية الشريفة الكريمة.

نقف في درسنا هذا عند هذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.