يا راغبا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه مطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد ينبوعها صافٍ، الفقه الميسر أمنا للشرع دون تعصب لفلان، كالأزهار في البستان.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما يا كريم. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، اللهم يا مفهم سليمان فهمنا.
أما بعد؛ إخواني وأخواتي الكرام، ها نحن في الدرس الثاني من سلسلة دروس الفقه في المستوى الرابع في أكاديمية زاد. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الأكاديمية، وأن يبارك في القائمين عليها، والعاملين فيها، وفي من يعلم فيها ويتعلم فيها. اللهم اجعل ما يذكر فيها من العلم من العلم النافع الذي ينفع ملقيه وسامعه يا رب العالمين.
إخواني وأخواتي الكرام، هذا المستوى كما قد ذكرنا مخصص لأحكام المعاملات وما يتعلق بها، ولا شك أن أحكام المعاملات الاقتصادية مما يندرج تحت نظر الشريعة، وللشريعة طريقتها في تنظيم أحكام هذه المعاملات. وكنا قد ابتدأنا بالحديث عن أهم معاملة اقتصادية تدور بين الناس، ألا وهي معاملة البيع.
ذكرنا تعريف هذه المعاملة (البيع)، ثم ذكرنا بعد ذلك أركان هذه المعاملة؛ فقلنا إن معاملة البيع معاوضة، والمعاوضة تتم بين جهتين: الجهة الأولى البائع، والجهة الثانية المشتري. البائع قد يكون فردا وقد يكون شركاء، والمشتري قد يكون فردا وقد يكون شركاء كذلك.
المعاوضة تكون بدفع عوضين؛ الأول نسميه الثمن، والثاني نسميه المثمن، أو نسمي هذا المال ونسمي هذه السلعة. هناك صيغة وهي إيجاب من البائع وقبول من المشتري، أو إيجاب من المشتري وقبول من البائع، أو فعل يدل على انعقاد البيع بتراض من الطرفين. أهم شيء عندنا أن يكون فعلهما أو قولهما دالا على التراضي بينهما؛ هذه القضية المهمة لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَّا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 29]. إذا هذه هي صفة البيع وأركان البيع.
من المهم لنا بعد أن نتصور هذا الأمر أن نفهم شيئا؛ الشيء الأول أن المسميات هذه لا أثر لها في الحكم الشرعي أو في الحلال والحرام. فلو جاء واحد وقال يا أخي هذا الشخص بائع وهذا مشتري مثلا؛ نفترض أنه ثمة شخص يبغى يبيع سيارة عنده مقابل أن يدفع له الشخص الآخر مثلا ألف دولار، أو مقابل أن يدفع له مقابل السيارة هذه سيارة أخرى أو بيتا آخر، فقال: يا أخي خلاص أنا أبغى أبيعك سيارتي، فقال الآخر: خلاص أنا سوف آخذ سيارتك مقابل هذه السيارة. جاء واحد قال: يا أخي ترى البائع هو الأول، قال الثاني: لا، البائع هو الثاني. ما في إشكال عندنا، هذا بائع وهذا مشتري.
تريد أن تجعل هذا هو البائع وهذا هو المشتري لا إشكال. قال يا أخي طيب؛ قول «بعت» هو الإيجاب وقوله «اشتريته» هو القبول، قال الآخر: لا يا أخي قول «بعت» هو القبول وهذا هو الإيجاب، إذا قال هذا «اشتري»، لابد أن يبدأ هذا. نقول ما هي قضية هذه؟ ليست قضية مهمة أن هذا يسمى إيجاب أو هذا قبول، المهم أن يتصادف هذا الإيجاب والقبول، أو يتصادف هذان اللفظان الصادران منهما على شيء تراضيا عليه؛ أن السلعة مقابل كذا.
لاحظتم؟ لو قال شخص إن هذا يسمى المال، وهذه السيارة تسمى السلعة، والنقود تسمى المثمن، والنقود تسمى الثمن؛ نقول لا بأس. ولو قال شخص إن السلعة الأولى هذه تسمى الثمن وهذه تسمى المثمن، السلعة الثانية؛ نقول لا بأس، لو تبغى تخلي هذه الثمن وهذا المثمن، لا مشاحات. من حيث الحكم الشرعي لا يتعلق بكون هذا اسمه بائع وهذا اسمه مشتري، وهذا اسمه ثمن وهذا اسمه إيجاب وهذا اسمه قبول؛ لأن الحكم الشرعي هو الإباحة، سواء كان الثمن هذا أو هذا.
هذا الجانب الأول الذي أردت التنبيه عليه. الجانب الثاني من الحسن لنا كطلبة علم في درس الفقه أن نتعلم اصطلاحات الفقهاء للدلالة على المعاني التي أرادوها في البيع. فالفقهاء مثلا سموا اللفظ الصادر أولا إيجابا، وسموا اللفظ الصادر ثانيا قبولا. فلو قال البائع للمشتري: «بعتك هذه السيارة بألف»، فقال المشتري: «قبلت» أو «وافقت»؛ يقولون هذا الإيجاب صدر من البائع والقبول صدر من المشتري.
لو قال المشتري: «اشتريت منك هذه السيارة بألف»، فقال البائع: «وافقت»؛ قالوا إن ما صدر من المشتري هذا إيجاب وما صدر من البائع قبول. هناك بعض الفقهاء يقول: إن ما يصدر من البائع يسمى إيجابا سواء تقدم أم تأخر، وما يصدر من المشتري يسمى قبولا سواء تقدم أم تأخر. إذا نحن نقول هو من حيث الحكم الشرعي ما في إشكال عندنا في الجواز، لكن هذه اصطلاحات فقهية من المهم لنا أن نعرفها حتى نفهم كلام الفقهاء.
إذا أردنا فيما بعد مثلا مراجعة مدونات الفقهاء وكتب الفقهاء، سوف تجد أنه يقول: الإيجاب هو اللفظ الصادر من البائع أو المشتري، والقبول هو اللفظ الصادر للمشتري وهكذا تجد عندهم تعريفات. كذلك مثلا يقولون الصيغة؛ يقولون هذه الصيغة فعلية وهذه الصيغة قولية. ليس معنى هذا أن هذه ممنوعة وهذه حرام، لا، الأصل فيها الإباحة، لكن هذه تقسيمات واصطلاحات من المهم لنا أن نعرفها وأن نعرف ماذا يريدون بهذه الألفاظ.
لماذا هذه اصطلاحات؟ لأنه كل الناس عندهم اصطلاحات فيما بينهم؛ أهل التربية عندهم اصطلاحات في علم التربية، أهل علم النفس عندهم اصطلاحات في علم النفس، أهل الطب عندهم اصطلاحات في الطب، أهل الاقتصاد عندهم اصطلاحات في الاقتصاد، وهكذا كل علم من العلوم فيه اصطلاحات. فحتى تتقن هذا العلم وتفهم الكتب الواردة في هذا العلم لابد أنك تفهم هذه المصطلحات. فلذلك نحن تحدثنا عن هذه الاصطلاحات بهذا الاعتبار، ليس باعتبار أنه لو اختلف هذا المصطلح صار مثلا الإيجاب هو اللفظ الصادر من المشتري على ذلك أنه حرام، لا، ولكن حتى نفهم لغة الفقه ولغة الفقهاء.
إذا ما هي الاصطلاحات المتعلقة بأركان البيع؟ يقول العاقدان (البائع والمشتري) بمحل البيع أو محل العقد. وش معنى محل العقد؟ محل العقد يعني الشيء الذي وقع عليه العقد، وليس محل العقد هو المكان الذي تعاقدوا فيه؛ بعض الناس قد يظن أن محل العقد معناته الدكان، لا. التعاقد هو الإيجاب والقبول ورد على شيء أو محل؛ هذا المحل هو مثلا هذا الكأس هنا، أو هذا الكتاب هنا، أو هذه الأوراق هنا، أو هذا القلم هنا؛ هذا محل العقد. طيب هذه مقابل ماذا؟ مقابل مثلا مئة دولار، مئتين دولار، مئة ريال.
هذا محل عقد؛ إذ محل العقد هو العوض الذي وقع عليه التعاقد أو وقع عليه التبادل. العاقدان هما الشخصان اللذان قاما بالتعاقد والتبادل. الصيغة هي الألفاظ الصادرة منهما الدالة على تراضيهما على هذا البيع، إيجاب وقبول. الإيجاب هو اللفظ الصادر من البائع، وبعض الفقهاء يطلقه على اللفظ الصادر من المشتري. والقبول هو اللفظ الصادر من المشتري، وبعض الناس يجعله على اللفظ الصادر من البائع. أياً كان، هذه مصطلحات فقهية نعرفها حتى إذا أردنا قراءة كتب الفقه لا يكون الإنسان القارئ جاهلاً بهذه المعاني وهذه الاصطلاحات.
فاصل قصير ونعود إليكم إن شاء الله تعالى. بعد هذا الفاصل، بشرى لنا؛ زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان، لا يكاد يوم يمر إلا ويعرض لنا أمر نحتار في حكمه الشرعي، فكيف نتصرف؟ الحل أن نستفتي العلماء: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].
ثم أداب ينبغي أن يتحلى بها المستفتي؛ آداب في نفسه، وآداب مع العالم، وآداب في طريقة السؤال. فيستفتي أهل الذكر المتبعين للأدلة، ويتجنب من يفتون بالجهل أو الهوى. قال النبي ﷺ: «إن من أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلين». ويعرض السؤال على حقيقته دون كذب أو كتمان، وليعلم أن تدليسه لا يحل له الحرام، فإنما يفتيه المفتي على حسب ما يسمع، ويوقر مفتيه.
قال النبي ﷺ: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه». ويتحين الوقت والحال المناسب للسؤال، ولا يقاطع الشيخ ولا يلح عليه إذا اعتذر عن الإجابة، ولا يضيع وقته بما لا علاقة له بالسؤال، ويترك السؤال عما لا يعنيه؛ قال النبي ﷺ: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». ويتقبل الحكم الشرعي ولو لم يكن على هواه، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65].
نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن البيع. ذكرنا تعريف البيع وأركانه وصورته وحكم البيع. حكم البيع أن نقول إن البيع من المعاملات المباحة بين الناس التي تعامل بها الرسل والأنبياء والصحابة والتابعين، ومن بعدهم أجمع المسلمون على جواز البيع. قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: 275]. والنبي ﷺ كذلك قد اشترى، وهذا ثابت في السنة النبوية. إذن هذه كلها تدل على أن الأصل في البيع هو الإباحة والحِلّ.
وقد ذكرنا أصلاً قبل ذلك في درسنا الماضي أن الأصل في معاملات الناس الحل والإباحة ما لم يرد تحريم شرعي. لذلك لو سألكم سائله: ما حكم الإجارة؟ نقول الأصل فيها الإباحة. ما حكم السلف؟ الأصل فيه الإباحة. ما حكم القرض؟ الأصل فيه الإباحة. ما حكم الهدية؟ ما حكم الهبة؟ هذه كلها معاملات الناس الأصل فيها الإباحة، ولكن بشرط أن تخلو من الموانع التي تحرمها شرعاً. هذا الضابط الذي ينبغي لنا دائماً أن نركز عليه؛ أن تخلو من الضوابط التي تمنعها شرعاً.
هذا يطرح حقيقة سؤال: ما هي الضوابط التي تمنع صحة البيع؟ أليس هذا السؤال مهماً؟ لأننا قد ذكرنا أن الأصل في البيوع الحل والإباحة إلا إذا ورد عليه أحد الموانع التي تمنع صحته. من هنا نشأ عند العلماء ما يسمى بشروط البيع، وهي الموانع التي تمنع صحة البيع، إذا وقع أي شيء منها فمعنى ذلك أن البيع باطل ولا يصح. وإذا استكملنا هذه الشروط وانتفت هذه الموانع كلها، فمعنى ذلك أن هذا البيع صحيح.
دعونا نستعرض الآن شيئاً من الموانع التي تمنع صحة البيع، وهي ما يسمى بالشروط التي تشترط لصحة البيع. ما الفرق بين الشرط والمانع؟ الشرط هو عكس المانع؛ أن تقول من شروط الصلاة صحة الصلاة الطهارة، كأنك تقول إن الحدث يمنع صحة الصلاة. إذن الشرط والمانع، الشرط هو ما يقابل المانع.
أول شرط من شروط البيع أن يكون عن تراضٍ بين الطرفين؛ معنى هذا أن الإكراه أو الغصب مانع يمنع صحة البيع، إذا لم يقع التراضي فهو مانع يمنع صحة البيع. وهنا مسألة نرغب في الحديث عنها: ما هو الدليل على هذا الشرط؟ قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُم﴾ [النساء: 29]. إذن هذا مانع يمنع صحة البيع وهو كون التجارة عن غير رضا.
هل هناك استثناءات من هذا الشرط؟ نقول نعم، هناك استثناءات من هذا الشرط. قد يقول قائل إن ثمة بيوعاً تصح أو لابد من إيقاعها ولو كان الطرف الآخر غير راضٍ. نضرب لذلك بعض الأمثلة؛ مثلاً لو أرادت الحكومة أن تقوم بتوسعة للحرم الشريف لأجل اكتظاظ الناس وازدحامهم، فحتى تنفذ هذه التوسعة لابد من شراء البيوت المجاورة للحرم الشريف. تخيلوا معي لو أن واحداً من أصحاب هذه المنازل أو البيوت قال: أنا لا أريد أن أبيع بيتي، كيف تنفذ هذه التوسعة؟ لابد من إجباره على البيع، لاحظتم؟ إذن هذا إكراه بحق.
نضرب مثالاً آخر؛ لو أن شخصاً مديناً استدان مثلاً ألف ريال ورهن الطرف المقابل شيئاً يساوي ألف ريال كتوثقة للدين، مثل جهاز كمبيوتر. أو استدان من شخص مثلاً مليون دولار ورهن للطرف الآخر الذي أقرضه أو سلفه البيت أو العقار، وقال له: هذا العقار يساوي مليون دولار، ابقهِ رهناً عندك، فإذا لم أسددك فإننا نبيع هذا البيت وتستوفيه منه. هذه معاملة الرهن وهي معاملة جائزة.
لما جاء الدائن يريد السداد قال: يا أخي سددني، قال: اصبر شهراً، قال: طيب صبرت شهراً، سددني، قال: اصبر شهراً آخر، فملَّ الدائن وقال: يا أخي خلاص أنا لن أصبر وقتاً إضافياً، وأنت يا أخي موسر وتماطلني، فسأبيع هذا البيت الذي رهنته لي وسأسددني. قال: لا، أنا لا أريد بيع البيت. فإذا رفعت هذه القضية للمحكمة، هل يجوز للقاضي أن يجبره على بيع البيت لوفاء الدين الذي عليه ولو كان هو غير راضٍ؟ نقول نعم.
لماذا؟ لأن هذا البيت إما أنه مرهون أو لأجل الوفاء بديونه، في حال كون لم تكن هناك معاملة رهن. حتى لو لم تكن هناك معاملة رهن، يعني إذا وصلت القضية للمحكمة، من حق المحكمة أنها تجبر هذا الشخص على بيع شيء من أمواله لأجل وفاء الديون التي عليه. لاحظتم؟ إذاً هذا نوع من الإجبار.
ما هي الأحوال التي يتم الاستثناء فيها من هذا الشرط، شرط التراضي؟ ونقول إنه يجوز البيع ولو كان مجبرًا إذا كان هذا إكراهًا بحق. لو كان إكراهًا بغير حق، كيف إكراه بغير حق؟ جاء شخص مثلاً صاحب تنفيذ أو سلطة فقال: يا أخي بعني هذا البيت لأني أريده لأهلي أو لعيالي أو أياً كان. أقول: لا، ما يجوز لك أن تجبر على البيع؛ لأن هذه مصلحة شخصية لك. لو جاء شخص وقال: يا أخي أنا بيتي هنا وبجواري بيت ولدي وبجواره بيت الولد الثاني، ونريد أن نرفع في المحكمة أن نأخذ البيت هذا الثالث الذي هو معك لأجل ولده الثالث، كلنا نبغى نجتمع العائلة مع بعض. نقول: ليس من حقك أن تكره هذا الشخص، اشتروا شراءً برضاهم، أما أن تلزمه؛ فإما أن يقول: يا أخي طيب أنا أريد أن أجتمع مع الأولاد ونكون قريبين من بعض، نقول: هذه مصلحة شخصية لك أنت وأولادك، هذه غير معتبرة، المعتبر هو المصلحة العامة.
في هذه الحالة لك أن تجبر، أو إذا كان الإكراه بحق، بمعنى أنه لك حق، مثلاً الدين عليه، فتجبره على البيع لأجل هذا الدين واستيفاء هذا الدين؛ فهذا إكراه بحق. أما لأجل أن والله هذه مصلحة شخصية أو أنك تريد أن تكون قريبًا من فلان، فهذا ليس من حقك أن تلزم إنسانًا بالبيت.
إذا لاحظتم الفرق، إذا كان التراضي شرطًا من شروط البيع، وعدم التراضي يمنع صحة البيع؛ لذلك كل بيع بالغصب أو بالإكراه فهذا بيع باطل ومحرم شرعًا. متى يكون صحيحًا؟ لو كان هذا الإكراه بحق، كان يلزم بوفاء الدين الذي عليه، أو كان لأجل مصلحة عامة، قلنا مثلاً توسعة الحرم الشريف، هذه مصلحة عامة، يعني لا نستطيع أن نعطل انتفاع المسلمين كلهم لأجل أن هذا الشخص لا يريد أن يبيع بيته؛ لابد أن يجبر على بيع البيت. ليست مصلحة لفلان أو لعائلة فلان أو لأولاد فلان، لا، وإنما هي مصلحة عامة. كذلك مثلاً لو جاءت الحكومة وقالت إن هنا خطًا سريعًا مثلاً، وهذا مخطط، هذا الخط السريع من خارج المدينة يمر بكذا ويدور على محيط أو فلك المدينة أو فلك بلد من البلدان أو قرية من القرى، جاء صاحب أرض أو مبنى في الطريق وقال: لا، إذا وصل الخط السريع هنا فلفوه على بيتي وما أسلمكم البيت، نقول: لا، هذه مصلحة عامة للناس كلها، أن هذا طريق سريع لابد أن يمر من هذا المكان.
إذاً لاحظتم، نقول الأصل في البيع أن يكون عن تراضٍ، ولا يجوز البيع عن غير تراضٍ إلا إذا كان إكراهًا بحق فإنه يجوز. ومن الإكراه بحق إجباره على البيع لوفاء الدين الذي عليه، ومن الإكراه بحق إجباره على البيع لأجل المنفعة العامة وهو ما يسمى اليوم في الأنظمة المعاصرة نزع الملكية لأجل المصلحة العامة. ومن الإكراه بغير حق نزع الملكية لأجل المصلحة الخاصة، فإن هذا يعد من الإكراه بغير حق ولا يجوز شرعًا.
فاصل قصير ونعود إليكم بعد هذا الفاصل.
إن أردت النجاح في الدنيا والسعادة في الآخرة فاسلك طريق العلم، لكن الآفات على هذا الطريق كثيرة. منها الرياء، بأن يراد بالعلم الشهرة وثناء الناس. قال ﷺ: «من طلب العلم ليماري به السفهاء، أو ليباهي به العلماء، أو ليصرف وجوه الناس إليه، فهو في النار». ومنها الكبر والعجب، قال مجاهد: «لا يتعلم العلم مستحي ولا مستكبر». ومنها الحسد، قال تعالى: ﴿بَيْنَهُمْ أَيُّ بَغْيٍ﴾ [النساء: 48]، أي بغى بعضهم على بعض، فاختلفوا في الحق لتحاسدهم وتباغضهم. ومنها الانشغال بالدنيا وملهياتها وأشغالها عن تحصيل العلم النافع. ومنها التعالم والتصدر قبل التأهل؛ فإن التصدر يمنع من تلقي العلم. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «تفقهوا قبل أن تسودوا». ومنها الفتور والكسل، قال ﷺ: «إن لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت شرته إلى سنتي فقد أفلح، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك». فالزم طريق العلم ولا تصدنك الآفات، واحذر من قطاع الطريق، قال تعالى: ﴿لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [البقرة: 90]. للعلم كالآثار في البستان. نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن شروط البيع.
ذكرنا أول شرط من شروط البيع وهو التراضي، نريد أن ننتقل الآن إلى الشرط الثاني من شروط البيع وهو أن يكون العاقد جائز التصرف، بمعنى أنه يكون أهلاً للتصرف؛ أهلية العاقد للتصرف. ما معنى أهلية العاقد للتصرف؟ بمعنى أن نبالغ: وعاقل ورشيد، بالغ وعاقل ورشيد. فالشخص مثلاً المجنون ليس أهلاً للتصرف في ماله. نفترض أن شخصًا قد توفي وترك إرثًا، أحد الورثة مجنون، هذا المجنون ربما يقول بعت أو اشتريت وهو لا يعلم، فهو ليس أهلاً للتصرف في ماله. ما معنى هذا؟ معنى هذا أنه يضيع عليه المال؟ نقول لا، هذا الشخص ماله يُحجر عليه؛ لأنه مجنون لا يستطيع التصرف، وملك له هذا المال ملكًا له، لا نستطيع أن نسلبه ملكه، لكن نحن نمنعه من التصرف في هذا المال حفظًا له، حفظًا لماله وحفظًا لحقه حتى لا تضيع أمواله.
من الذي يتصرف في ماله؟ يتصرف فيه الولي أو الوصي عليه، يعني هذا الشخص مجنون لا يستطيع أن يتصرف. أضرب لكم مثالًا آخر، لماذا نقول إن الطفل الصغير لا يصح تصرفه؟ تخيلوا معي لو شخص مات وترك إرثًا، واحد الورثة طفل عمره مثلاً خمس سنوات أو ست سنوات أو سبع سنوات، ورث عن أبيه مثلاً برجًا فندقيًا جميلًا من عشرة أدوار وإيرادات كبيرة جدًا ومربح جدًا، فجاء شخص وقال: هل تبيعني هذا البرج بمثل هذه الشوكولاتة أو بهذه الحلاوة أو بهذا الآيسكريم؟ فالطفل سيقول: خلاص خذ الورقة هذا الصك وأعطني هذه الحلاوة، تضيع أموال الطفل. إذاً نحن نقول تصرف الطفل، هل معنى هذا أنه لا يملك هذا البرج؟ لا يملك هذا البرج لكن لا يصح تصرفه في هذا المال، لماذا؟ حفظًا لماله. هو إذاً لماذا نحن نمنعه من التصرف؟ ليس عدوانًا عليه أو عقوبة عليه، وإنما لحقه ولحفظ ماله.
لاحظتم هذا؟ من الذي يتصرف؟ نقول الذي يتصرف عن هذا الطفل هو وليه أو وصيه، وسيأتينا إن شاء الله تعالى تفصيل لهذا في لقاءات قادمة، الولي أو الوصي.
هو الذي يتصرف نيابة عن هذا الطفل فيبيع ويشتري في ماله، هذا الطفل اليتيم؛ لأنه مثلا قد توفي والده أو ربما توفي والداه. إذاً هذا ذكرنا شرط البلوغ والعقل والرشد، والرشد في المال بمعنى أن تكون تصرفاته تصرفات حكيمة في المال. قد يكون الإنسان بالغاً بلغ سن خمس عشرة سنة وعاقلاً ليس بمجنون، ولكنه ليس برشيد في تصرفه، فيتصرف تصرفات تدل على سفهه.
ما هو الشيء المقابل للرشيد أو الرشد؟ مقابلها السفه. ما هو الشيء المقابل للبلوغ؟ الصغر. ما هو الشيء المقابل للعاقل؟ نقول الجنون. إذا كان مجنوناً أو صغيراً أو سفيهاً فإنه لا ينفذ تصرفه في ماله. كيف يكون سفيهاً؟ أن يكون بالغاً وعاقلاً ولكنه لا يحسن التصرف في المال، قد يبيع مثلاً بيته ومسكنه مقابل أنه يسافر مثلاً إلى رحلة ترفيهية، ثم يرجع، تقول يا أخي أين تسكن بعد ما ترجع؟ يقول خلاص سوف نستأجر أو سوف نسكن في مكان عند أصدقائي أو أقاربي، نقول لا يا أخي هذا تصرف غير رشيد.
لذلك الرشد هي مرحلة بعد البلوغ. نفترض أن الإنسان بلغ وعمره خمس عشرة سنة، لا يستطيع أن يتصرف في كل الثروات التي ورثها مثلاً عن والده أو والدته أياً كان؛ لا، وإنما يحتاج إلى أن يمارس البيع والشراء شيئاً فشيئاً حتى يصبح رشيداً في البيع والشراء. ما الدليل على هذا الأمر؟ قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا ۖ وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ [النساء: 5]. إذاً هو يأكل منها ويرزق منها ويكسى منها من أمواله، لكن لا يتصرف فيها، لا تعطيه المال يتصرف فيه، وإنما يمنع من التصرف إلا بإشراف الولي والوصي حتى يصبح بالغاً عاقلاً رشيداً.
هل هناك استثناءات من هذا الشرط؟ نقول نعم، من هذه الاستثناءات المحقرات. كيف المحقرات المالية؟ يعني لو شخص وقال سوف أعطي هذا الصبي الصغير الذي عمره سنة أو سنتين ريالاً أو ريالين أو دولاراً أو دولارين ليشتري به مثلاً من البقالة أو من الدكان أو السوبر ماركت عصيرًا أو شوكولاتة مثلاً، هل يجوز هذا؟ نقول جائز هذا، ولا يعد هذا من تضييع مال السفيه أو تضييع مال الصغير أو تضييع مال المجنون؛ كونك تعطيه ريالاً أو ريالين أو ثلاثة أو عشرة لأجل أن يتصرف في المال فهذا لا يعد من تضييع المال الذي جعله الله قياماً له.
بناءً على هذا، لو قال قائل: يا أخي نحن نعطي الأطفال مصروف المدرسة، أطفال الابتدائي أو أطفال الروضة والتمهيدي، نقول هذه المحقرات؛ يشتري بها ريالين، يشتري بها عصيرًا وسندوتشًا أو شوكولاتة حتى يأكلها في أثناء الدوام المدرسي. ولكن ليس معنى هذا أن أعطيناه ريالاً أو ريالين عشان السندوتش وعشان الشوكولاتة معنى هذا أنه يصح تصرفه في برج أو عمارة أو فيلا أو أرض، لا.
يعني هناك فرق؛ فنقول يشترط أن يكون جائز التصرف، وما هو جائز التصرف؟ البالغ العاقل الرشيد، فإذا كان صغيراً أو مجنوناً أو سفيهاً فإنه لا ينفذ تصرفه إلا في الأشياء الصغيرة ويتدرج. فأنت تعطي الطفل مثلاً الذي عمره خمس سنوات أو أربع سنوات يذهب إلى الروضة تعطيه ريالاً أو ريالين، فإذا وصل عمره إلى ست سنوات أو سبع سنوات يأخذ خمسة ريالات أو ثلاثة ريالات أو عشرة ريالات، فإذا وصل إلى سادسة ابتدائي مثلاً عمره اثني عشر سنة فإنه يستطيع أن يتصرف في عشرين ريالاً أو ثلاثين ريالاً، فإذا وصل عمره أكثر من ذلك يستطيع أن يشتري مقاضي البيت مثلاً بمئة ريال أو مئتي دولار، وتتدرج به شيئاً فشيئاً.
وهذا نوع من التمرين له، إلا أنه في كل هذه المراحل التدرجية لا يعطى المال الذي جعله الله قياماً، يعني لا يعطى مالاً عظيماً كبيراً جعله الله قياماً للناس. إذاً لاحظنا الفرق في هذا الشرط. بقي معنا شروط أخرى من شروط البيع ولكننا سوف نأخذها إن شاء الله تعالى في حلقتنا القادمة. نقف عند هذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي