يا راغبا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه تتطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد، الفقه الميسر، عامدا للشرع دون تعصب لفلان. بشرى لنا، زادنا كالجرس للعلم كالأزهار في البستان. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم فقهنا في الدين، اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، اللهم يا مفهم سليمان فهمنا.
إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الثلاثون من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد في المستوى الرابع. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس وفي هذه الأكاديمية، وأن يبارك في قائلها وسامعها وناشرها ومن أعدها ومن ساهم فيها، وأن يجعلنا جميعا من المتعاونين فيها على الخير والبر والتقوى يا رب العالمين.
إخواني وأخواتي، كنا قد ابتدأنا في درسنا الماضي الحديث عن الطلاق. الطلاق هو حل عقدة النكاح بعد انعقادها، وتحدثنا عن كونه مباحا ومكروها إلا أنه قد ينتقل لبعض الأحكام الأخرى لبعض الأسباب العارضة. وتحدثنا عن حكمة مشروعيته، وعن طريقة عرض القرآن لأحكام الطلاق، وعن الحكمة في عرض أحكام الطلاق بهذا الشكل.
نريد أن ننتقل الآن إلى وقوع الطلاق، كيف يقع الطلاق؟ يقع الطلاق بأن يتلفظ الرجل بلفظ الطلاق في حق زوجته، وألفاظ الطلاق أو صيغة الطلاق إما أن تكون بصيغة صريحة، وإما أن تكون بصيغة كناية. فإن كانت بلفظ صريح كأن يقول الرجل لامرأته: طلقتك، أو أنت طالق، أو أنت مطلقة؛ فهذا لفظ صريح لا يستفصل فيه الرجل. ومما يجدر ذكره في هذا المقام حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة». الطلاق لا يدخله هزل، لذلك فلو قال الرجل لامرأته أنت طالق ثم قال بعد ذلك: إنما كنت أمزح، أو كنت أخيفك، أو كنت أريد كذا أو كذا؛ فإن هذا لا يقبل ويقع طلاقا في حقه وفي حق المرأة. هذا فيما يتعلق باللفظ الصريح.
أما الطلاق بلفظ كناية؛ كأن يقول الرجل لامرأته لفظا يحتمل الطلاق وعدمه، فهذا يستفصل فيه الرجل، فإن أراد الطلاق فهو طلقة واقعة، وإن لم يرد الطلاق فإنه لا يقع طلاقا. ما هي ألفاظ الكناية؟ هي الألفاظ غير الصريحة في الطلاق، كأن يقول الرجل لامرأته مثلا: اذهبي لأهلك، أو يقول: اخرجي من البيت ولا تعودي، أو لا أريد أن أراك أمامي، وهكذا من الألفاظ التي قد تحتمل الطلاق وتحتمل غير الطلاق. إذا قال هذه الكلمة وهو يريد طلاقها نقول يقع طلاقا، وإذا قال هذه الكلمة من باب الغضب أو العقوبة أو أيا ما كان، فهذا لا يقع طلاقا لأنه لم يرد الطلاق. هذا كله في ألفاظ الكناية. أما اللفظ الصريح فهذا يقع أيا ما كانت إرادة الرجل، لو قال الرجل: إنما طلقت أريد الزجر أو أريد التهديد أو أريد العقوبة أو أريد كذا، نقول هذا يقع طلاقا.
هنا مسألة تحصل حقيقة عند بعض الناس وعند بعض الرجال الذين لا يقيمون لأحكام الطلاق وزنها وقيمتها؛ ألا وهي الحلف بالطلاق. كيف طريقة الحلف بالطلاق؟ كأن يقول الرجل -يريد مثلا أن يؤكد على رجل آخر زيارته أو عزيمته أو فعل أمر أو ترك أمر- يقول: علي الطلاق أن تفعل كذا، أو علي الطلاق ألا تفعل كذا، أو علي الطلاق أن تقبل كذا مثلا إذا أراد أن يقدم له شيئا. هذا لا شك أنه من الأمور المحرمة التي لا تجوز، وهي من اتخاذ آيات الله وحدوده هزوا والعياذ بالله. لا يجوز للإنسان أن يتلاعب بمثل هذه الألفاظ، أو أن يطلقها يريد بها اليمين أو يريد بها الحث أو يريد بها القبول أو يريد بها الزجر.
نقول: إن وقع منه قال مثل هذا القول، فإن بعض أهل العلم يقولون بأنه يقع طلاقا لو لم يحصل الأمر الذي حلف عليه، أو أراد قبوله أو أراد منعه عنه. وبعض أهل العلم يرى أن هذا ليس طلاقا، وإنما هو شكل من أشكال اليمين، وأن عليه كفارة يمين إذا أخلف فيما حلف على الآخر أن يفعله أو أن يتركه أو أن يقبله أو غير ذلك. نحن وإن كنا نقول إن الصحيح في مثل هذا اللفظ أنه كفارة يمين، إلا أننا نحذر من هذا الفعل، ونحذر من اتخاذ آيات الله هزوا واتخاذ حدوده وآياته لعبا؛ يعني الله سبحانه وتعالى قد نهى عن ذلك في كتابه الكريم: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: 231]. فعلينا أن نتقي الله جل جلاله، وأن نحذر من مخالفة أمره ومن الوقوع في حدوده.
هنا تنبيه أود أن أنبه إليه، وهو أن بعض الناس يظن أن طلاق الغضبان لا يقع، تجده يطلق وهو غضبان، ثم بعد ذلك يبحث عن الأعذار لتحل له زوجته بدعوى غضبه. نحن نقول هنا إن الغضب إما أن يكون غضب إغلاق وهو الذي لا يدري فيه الرجل ما يقول، هذا لا يؤاخذ بما تكلم فيه لأنه باختصار لا يدري ما يقول، إذ خرج عن عقله، وهذا للأسف يحصل عند بعض الناس الذين يشتعلون في غضبهم ولا يعرفون ماذا يفعلون، وربما كسر بعض الأشياء وربما مزق بعض الأشياء وربما تكلم بكلام لا يدري ما هو ثم يندم عليه كأنه في سكرة من الغضب، هذا لا يقع طلاقه وهو في إغلاق عقله.
أما إذا كان غاضبا ولكنه يعلم ما يقول، ويسب ويتكلم وهو يعلم من يسب ومع من يتكلم، هذا يقع طلاقه؛ فإن الإنسان إذا طلق في العادة يطلق وهو غضبان، لا يطلق وهو راض أو وهو يضحك، وإنما يطلق وهو غضبان. التنبيه الآخر الذي أود أن أنبه إليه، وهو أن بعض الناس للأسف، وبعض الرجال للأسف، يظن أن الطلاق كلمة زجر وتهديد ووعيد، وربما أسوأ من ذلك، ظن أن الطلاق كلمة تقال للعقوبة أو لتغليظ أمر من الأمور، وليس الشأن كذلك، ولعلي أفصل في هذا الأمر بعد فاصل قصير.
ذكرت أن بعض الرجال ربما يظن أن لفظ الطلاق لفظ عقوبة أو زجر أو تهديد، وليس الشأن كذلك. الطلاق هو حل لعقدة النكاح، لذلك لا يقال زجرا ولا تأديبا ولا غضبا ولا عقوبة؛ لا، الزجر والتهديد والغضب والعقوبة له كلماته وله أفعاله. الطلاق لا ينبغي للرجل أن يقدم عليه إلا بعد تفكير وروية واستخارة لله سبحانه وتعالى، واستشارة لمن يثق في دينهم ونصحهم وأمانتهم، وبعد محاولة لحل بعض المشكلات. باختصار، إن الطلاق قرار ينبغي أن يتخذ بحكمة، وأن يتخذ بعد تأمل ودراسة واستشارة واستخارة. فإذا درس هذا الأمر وتأمل ووجد أن الافتراق بينه وبين أهله وزوجه خير من البقاء؛ فعندئذ يقول الطلاق.
أما أن يظن أنه سيعاقب هذه المرأة إذا قال لها أنت طالق، لا، هذا ليس الطلاق كلمة عقوبة ولا كلمة تهديد ولا كلمة غضب. لا، كلمات التهديد وكلمات الغضب وكلمات العقوبات أو غيرها هذه أشياء أخرى غير الحكم الشرعي بحل عقدة النكاح. فينبغي أن نعرف حدود الله جل جلاله، وأن نعرف أحكام الله جل جلاله، وأن نقدرها قدرها، وأن نعطيها وزنها، وألا نتلاعب بها. للأسف ربما بعض المسلسلات أو التمثيليات التي انتشرت في المجتمع وربما شاهدها بعض الشباب أو بعض الفتيات، رسخت عندهم مفهوم الطلاق الثلاث بلفظ واحد، ومفهوم الطلاق الغضبي، ومفهوم الطلاق أنه زجر وأنه عقوبة، ولم ترسخ عندهم مفهوم العقل والحكمة في شأن اتخاذ قرار الطلاق كما هو العقل والحكمة بشأن اتخاذ قرار النكاح.
هذه بعض القضايا المتعلقة بصيغة الطلاق وبلفظ الطلاق. كذلك من الأحكام المتعلقة بالطلاق أن المرأة إذا طلقت فإنها تصبح الآن معتدة، تدخل فيما يسمى بالعدة. العدة عند المرأة تكون إما بسبب الطلاق أو بسبب فسخ النكاح أو بسبب الخلع أو بسبب الوفاة، هذه أسباب تدخل بها المرأة في حالة تسمى حالة العدة.
فسخ النكاح هو نوع من أنواع فرقة النكاح، أي حل عقدة النكاح بين الرجل والمرأة لكن ليس على جهة الطلاق، وإنما على جهة أخرى. الخلع كذلك هو حل لعقدة النكاح بين الرجل والمرأة على جهة أخرى، وبعض أهل العلم يقرب صورته فيقول هو طلاق بعوض، فإذا طلبت المرأة هذا الخلع بعوض ودفعت عليه عوضا، وهو ما سمي في القرآن افتدت، ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: 229]، افتدت يعني نفسها بهذا العوض، فهذا نوع من أنواع فرقة النكاح. كذلك ومن فرقة النكاح وفاة الزوج؛ يعني هذا أمر قدري يحصل ليس بإرادة الزوج ولا بإرادة الزوجة، فتحصل وفاة الزوج فتدخل المرأة في حالة تسمى حالة العدة.
نتحدث عن العدة باختصار فنقول إن هذه العدد تختلف؛ قد تكون العدة مقدرة بوضع الحمل، وقد تكون العدة مقدرة بالأشهر، وقد تكون العدة مقدرة بالقروء. والقروء إما أن يقال هي الأحيَاض أو الأطهار، وسنأتي إن شاء الله تعالى لبيان ذلك ولتفصيله. لكن نحن نريد أن نبين الآن هنا بشكل عام أن العدة، أي المدة التي تدخل فيها المرأة، تختلف أحكامها وتختلف صفتها وهيئتها. فعدة المتوفى عنها زوجها لها صفة وهيئة، وعدة المطلقة لها صفة وهيئة. فعدة المتوفى عنها زوجها تكون مقترنة بإحداد، وأما عدة المطلقة لا تكون مقترنة بإحداد. بل حتى المطلقات تختلف عددهن؛ المطلقة الرجعية، المطلقة طلقة أولى أو ثانية، هذه يجب عليها البقاء في بيتها ويحرم عليها الخروج منه، ويحرم إخراجها من بيتها، كما جاء في سورة الطلاق: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ ۖ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: 1]. وأما الطلقة البائنة، الطلقة الثالثة، فإن المرأة تخرج بعدها إلى بيت أهلها.
إذن، لاحظوا أن هناك عددا من الاعتبارات نستطيع أن نقسم بها العدة؛ نقول مثلا إن العدة قد تكون بسبب الطلاق أو الفسخ أو الخلع أو بسبب الوفاة، هذه الأسباب التي توجب العدة. وأمد العدة يختلف؛ قد يكون مقدرا بوضع الحمل، وقد يكون مقدرا بالقروء، وقد يكون مقدرا بالأشهر. هذا فيما يتعلق بالتقدير، كذلك حتى المقدر بوضع الحمل هذا ظاهر، والمقدر بالأشهر في عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا بخلاف عدة المطلقة التي لا تحيض فإنها مقدرة بثلاثة أشهر، وأما المطلقة التي تحيض فهي مقدرة بثلاثة قروء. وقد اختلف أهل العلم في تفسير القروء، هل هي الحيض أو الأطهار؟ سنأتي إن شاء الله تعالى على تفصيل هذا، لكن نحن نريد أن نبين الآن التقسيمات الإجمالية؛ أسباب العدة واحد من أربعة أسباب، وتقدير العدة بطريقة من ثلاث طرق: إما بالحيض أو الأطهار، وإما بالأشهر، وإما بوضع الحمل.
هذا من حيث تقدير المدة، ومن حيث بقاء المرأة في بيت زوجها أو خروجها من بيت زوجها؛ كذلك هناك بعض العدد يجب على المرأة أنها تبقى في بيت زوجها كعدة المتوفى عنها زوجها وكعدة المطلقة الرجعية، وهناك عدة تخرج المرأة فيها من بيت زوجها وهي المطلقة طلقة بائنة، وهي الطلقة الثالثة. كذلك هناك تقسيم آخر للعدة؛ عدة تقترن بإحداد وهي عدة المتوفى عنها زوجها، والإحداد بمعنى ترك التجمل والتطيب. وهناك عدة المطلقة الرجعية يستحب للمرأة فيها أنها تتجمل وأن تتزين لزوجها وأن تبقى في بيتها وجوبا وتتجمل لزوجها استحبابا ابتغاء المراجعة.
هذه أحكام وتقسيمات للعدد، دعونا ندخل إليها في الجملة: المرأة إذا طلقت، إما أن تكون المرأة حاملا؛ فحينئذ عدتها وأجلها أن تضع حملها، كما قال الله جل جلاله: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: 4]. وإما أن تكون المرأة ممن يحيض وليست بحامل لكنها لا تزال.
المرأة التي لم تدخل في سن اليأس من الحيض ولا زالت تأتيها الدورة الشهرية، وليست بحامل -إذا كانت حاملاً قلنا أجلها أن تضع الحمل- إذا لم تكن حاملاً، فنقول إنها تتربص ثلاثة قروء.
ما هي القروء؟ بعض أصحاب النبي الكريم رضي الله تعالى عنهم وصلى الله على نبينا محمد، رأوا أن تفسير القروء الأصح هو تفسيرها بالحيض؛ فقالوا إن عدة المرأة أن تحيض ثلاث حيض. وبعض أصحاب النبي الكريم فسروا القروء بأنها الأطهار؛ فقالوا إن تطهر المرأة ثلاثة أطهار بعد هذا الطهر الذي طلقت فيه. سنأتي إن شاء الله تعالى إلى طلاق السنة وطلاق البدعة، ولا شك أن كلا القولين له حظ من النظر وله أدلته، وقد مشى عليه عدد من أئمة الإسلام وأعلامه؛ فمذاهب الفقهاء مشى بعضها على تفسير القروء بأنها الحيض، ومشى بعضه على تفسير القروء بأنها الأطهار. لعلنا نتحدث عن هذا إن شاء الله تعالى ونكمل حديثنا عن أنواع العدة وتفصيلها بعد هذا الفاصل القصير.
وظائف وأعمال، شاشات وألعاب، أشغال كثيرة مهمة وغير مهمة، فكيف نطلب العلم في زحمة الانشغالات؟ أما الأشغال الباطلة والمحرمة كالأفلام والمسلسلات فيجب الإقلاع عنها فوراً، وبذلك يتوفر وقت طويل لطلب العلم. والقناعة توفر الوقت المبذول في تحصيل النفق الترفيهية؛ فيمكن إغلاق المحل يوماً في الأسبوع مثلاً وتخصيصه لطلب العلم، ويمكن التناوب مع زميل على طلب العلم فيحضر أحدكما حين يغيب الآخر، ثم تتبادلان المعلومات كما كان يفعل عمر بن الخطاب وجاره الأنصاري. ويمكن استغلال وقت المواصلات ذهاباً وإياباً في القراءة والسماع، وكذلك وقت الفراغ أثناء العمل وأيام الإجازات، واستفد بالتكنولوجيا الحديثة كالإنترنت والهواتف الذكية والالتحاق بالتعليم المفتوح مثل منصة زادي، وعلى الأغنياء كفالة بعض النابهين وتفريغهم لطلب العلم، وفي الحديث: «من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا».
فاعمل للآخرة يكفيك الله هم الدنيا. قال صلى الله عليه وسلم: «من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة». بشرى لنا، زاد أكاديمية بالعلم كالأزهار في البستان.
نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن الطلاق. ذكرنا صيغة الطلاق الصريح والكناية، وذكرنا أن الطلاق إذا وقع سبب لدخول المرأة في العدة؛ فتعتد المرأة بعد هذا الطلاق. فإن كانت هذه المرأة حاملاً فإن أجلها أن تضع حملها، وإذا كانت هذه المرأة ليست بحامل فهي إما أن تكون ممن لا زالت عندها الدورة الشهرية فهذه عدتها ثلاثة قروء. وذكرنا أن القروء قد اختلف أصحاب النبي الكريم في تفسيرها؛ هل هي ثلاث حيض أو ثلاثة أطهار، وكان لكل مأخذه في الاستدلال، ومشى على كل تفسير من هذا مذهب من مذاهب الإسلام وعدد من أئمة وأعلام الإسلام.
إذا كانت لا زالت تأتيها الدورة الشهرية، فإن أيست أو كانت صغيرة لم تحض بعد، فإن عدتها تكون بالأشهر، ثلاثة أشهر. هذا فيما يتعلق بالمطلقة التي لا تحيض عدتها ثلاثة أشهر. فإن كانت هذه المطلقة أصلاً غير مدخول بها، فإنه لا عدة عليها، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب: 49]. إذاً صار عندنا الآن المطلقة لها أحوال؛ إما أن نقول قد دخل بها أو لم يدخل بها. فإن كان لم يدخل بها فليس عليها عدة، وإن كان قد دخل بها نقول إما أن تكون حاملاً أو ليست بحامل؛ فإن كانت حاملاً فأجلها أن تضع الحمل، وإن لم تكن حاملاً فلا تخلو من حالتين؛ إما أن تكون لا زالت الدورة الشهرية تأتيها فهذه أجلها ثلاثة قروء نتربص ثلاثة قروء، إما ثلاثة حيض أو ثلاثة أطهار على الاختلاف في التفسير، وإن لم تكن تأتيها العادة الشهرية لكونها آيسة من المحيض، فإن أجلها أو عدتها تكون ثلاثة أشهر. إذاً صار عندنا أربعة أحوال أو أربعة تقسيمات تقريباً أو أربعة أحكام.
هذا فيما يتعلق بالمطلقة، ليس الحديث الآن عن المتوفى عنها زوجها ولكن لا مانع أن نذكره استطراداً بحكم أننا قد أتينا لحكم العدة في المرأة المطلقة. ربما تُسأل كذلك المرأة التي توفي عنها زوجها ما حكم عدتها؟ نقول المتوفى عنها زوجها إن كانت حاملاً فإن أجلها أن تضع حملها، وإن لم تكن حاملاً فإن هذه المرأة تعتد أربعة أشهر وعشراً، سواء كانت هذه المرأة تحيض أو لم تكن تحيض، وسواء كانت هذه المرأة مدخولا بها أو كانت هذه المرأة غير مدخول بها. إذاً لاحظوا غير المدخول بها يختلف الحكم؛ عدتها في شأن الطلاق نقول لا عدة عليها، غير المدخول بها في شأن الوفاة نقول تتربص أربعة أشهر وعشراً.
كذلك في شأن المرأة التي لا تحيض، آيست من المحيض عدتها في الطلاق نقول ثلاثة أشهر، لكن إذا توفي عنها زوجها أربعة أشهر وعشراً. المرأة التي تحيض عدتها في الطلاق نقول إنها تتربص ثلاثة قروء، وأما إذا توفي عنها زوجها فإنها تتربص أربعة أشهر وعشراً. أين تتفق العدة في الطلاق والمتوفى عنها زوجها؟ في المرأة الحامل، المرأة الحامل سواء كانت مطلقة أو توفي عنها زوجها فإنها تتربص إلى أن تضع حملها، فإذا وضعت حملها فإنها تكون قد خرجت من عدتها سواء كانت هذه العدة نشأت عن طلاق أو بوفاة زوجها.
ولعلنا كذلك نستطرد استطراداً آخر بما يتعلق بالخلع أو فيما يتعلق بفسخ النكاح. في فسخ النكاح الظاهر والله تعالى أعلم أن المرأة تستبرئ بحيضة، وكذلك الشأن في الخلع؛ من أهل العلم من أجرى عليه أحكام الطلاق، ومن أهل العلم من أجرى عليه أحكام فسخ النكاح، فقال إن المرأة يستبرأ فيها الرحم بحيضة باعتبار أن الخلع فسخ للنكاح وليس تطليقاً؛ فسخ النكاح المراد به حل النكاح ولكن بفرقة من فرق النكاح غير فرقة الطلاق، غير الفرقة الحاصلة بسبب الطلاق، يعني هو نوع من فرق النكاح ولكن ليس منشؤه الطلاق وإنما منشؤه الفسخ ويكون في بعض الأحوال دون بعض.
هذا فيما يتعلق بعدة المرأة ومدة هذه العدة باختلاف الأسباب. المرأة إذا طلقت وكانت في حالة الطلقة الأولى في العدة الأولى تسمى هذه الطلقة طلقة رجعية، طلقة رجعية أي أن الرجل يحق له أن يراجع المرأة في حال العدة؛ العدة التي تعتدها المرأة بعد الطلقة الأولى وبعد الطلقة الثانية يحق للرجل أن يراجعها ولو لم ترض، لقول الله سبحانه وتعالى ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَٰلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: 228]. إذاً يحق للرجل مراجعة امرأته في هذه الحال، وهي الطلقة الأولى والطلقة الثانية، العدة التي تكون بعدها يحق للرجل المراجعة فيها، ويحرم على المرأة أن تخرج من بيت الرجل في حال هذه العدة، والمرأة في هذه العدة تبقى في بيت زوجها وهي زوجة له، يعني لو مات الرجل أو ماتت المرأة فإنهما يتوارثان كأنهما لم يحصل بينهما طلاق، يتوارثان الإرث المعتاد بينهما، وإن ماتت هي في هذه العدة وهي تعتبر في حكم الزوجة. وتكون مما يُشرع في حقها كذلك أنها تتزين لزوجها، وأن تبقى في بيتها، وأن يسعيا إلى الرجوع وإلى الصلح وإصلاح ما حصل بأفضل طريق وبأحسن سبيل.
هذا فيما يتعلق بخلاف العدة التي هي عدة البينونة؛ هذه عدة البينونة المرأة تخرج فيها من بيتها وتذهب إلى بيت أهلها، بخلاف ما ذكرناه في العدة الأولى التي يجب عليها أن تبقى في بيتها. هذا فيما يتعلق بزينتها وبقائها في بيتها وفيما يتعلق بحق الرجل في إرجاعها. إذا طلقت المرأة الطلقة الثالثة لا يحق للرجل أن يراجعها إلا بعد أن تنكح زوجاً غيره، وسنأتي إن شاء الله تعالى بتفصيل الطلاق، وتفصيل الطلاق السني والطلاق البدعي وما يترتب عليها من أحكام، ومتى يحق للرجل مراجعة امرأته، وأحكام الرجعة بدون عقد، وأحكام الرجعة بعقد جديد، وأحكام الرجعة التي تكون بعد نكاح زوج آخر، كل هذا إن شاء الله تعالى سوف يكون في درسنا القادم. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا فيه للخير، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي