يا راغبا في كل علم نافع متطلعا لزيادة الإيمان، وتريده سهل النوال ميسرا يأتيك ميسورا بأي مكان، زاد زاد أكاديمية ينبوعها صاف ليروي غلة الظمآن، وتعلم الفقه الميسر عاملا بالشرع دون تعصب لفلان، بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما. ربنا هيئ لنا من أمرنا رشدا، ربنا آتنا من لدنك توفيقا وسدادا وصوابا وعلما وهداية يا رب العالمين. اللهم اهدنا، اللهم اهدنا، اللهم اهدنا.
إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الثاني عشر من سلسلة دروس الفقه في الفصل الدراسي الثاني في أكاديمية زاد. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الأكاديمية، وأن يبارك في معلميها وطلابها والقائمين عليها والمشرفين عليها وداعميها، وأن يجعلها منبرا من منابر الخير والعلم والنور والهدى.
إخواني وأخواتي، سوف نأخذ إن شاء الله تعالى في هذا الدرس ما يتعلق بأحكام الإمامة في الصلاة، وسوف نجعل هذه الأحكام على درسين. سنتحدث إن شاء الله تعالى في الدرس الأول فيما يتعلق بالإمام، من هو الأحق بالإمامة؟ ما هي أحكام الإمامة؟ ثم بعد ذلك ننتقل إن شاء الله تعالى في الدرس الثاني عن بعض الأحكام المرتبطة بالإمامة، كأحكام المسبوق وأحكام من فاتته الصلاة، وأحكام اختلاف نية الإمام عن المأموم.
فأولا: صلاة الجماعة، إذا اجتمع الناس لا بد لهم من إمام يقودهم، وهذا في الحقيقة قبل أن يكون سنة مشروعة في كتاب الله وفي سنة رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم، هي أصلا فطرة بشرية أن الناس إذا اجتمعوا لا بد لهم من قائد يقودهم، والإمامة في الصلاة من هذا الجنس. فالإمام هو في واقع الأمر متقدم يقود الناس في هذه الصلاة، يشرع للناس الاقتداء والائتمام به؛ بمعنى أن يتبعوه وأن يكونوا بعده في هذه الصلاة، فإذا ركع ركعوا، وإذا رفع رفعوا، وإذا سجد سجدوا، وإذا كبر كبروا، يتبعونه. هذا المقصود بالإمام وهذا المقصود بالإمامة، أن الناس يتبعونه.
لذلك سوف يأتينا إن شاء الله تعالى أن من المحرمات المنهي عنها أن يسبق أحد الإمام فيركع قبل أن يركع، كذلك لو صلى أو كبر أو سجد قبل أن يسجد؛ هذا لا شك أن كل هذا منهي عنه، مسابقة الإمام. وسوف تأتينا إن شاء الله تعالى بتفصيل أحوال الإمام مع المأموم من حيث المسابقة والموافقة، ومن حيث كذلك التأخر عنه، ومن حيث المتابعة والتأخر البالغ.
من هو الأحق والأولى بالإمامة؟ جاء في سنة النبي صلى الله عليه وسلم ما يبين لنا هذا الأمر، فقد قال الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلما» أي إسلاما. هذه أربعة معايير جاءت في الحديث.
وجاء في حديث مالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنه في الصحيح معيار خامس، وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم». ومالك بن الحويرث قد جاء النبي صلى الله عليه وسلم في وفد فيه شبيبة متقاربون كما قال مالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنه، هاجروا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليتعلموا منه ويستفيدوا، فارتحلوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأقاموا معه أياما استفادوا فيها، فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قد اشتاقوا إلى أهلهم قال: «ارجعوا إلى أهلكم فكونوا فيهم وعلموهم وصلوا كما رأيتموني أصلي»، وفي رواية قال: «إذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم».
لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليؤمكم أكبركم» ولم يقل أقرؤهم وأعلمكم بالسنة؟ هذا والله تعالى أعلم لأنهم كانوا متقاربين في العلم، لأنهم قدموا على النبي الكريم سويا وتعلموا من النبي صلى الله عليه وسلم ما شاء الله أن يتعلموا ثم رجعوا إلى قومهم سويا. فهم من حيث العلم تقريبا متقاربون، فلذلك دلهم النبي صلى الله عليه وسلم على الشيء الذي يفترقون فيه، المعيار الذي ذكرنا اللي هو معيار السن: «يؤمكم أكبركم».
إذا هذه المعايير الخمسة التي وردت في حديث النبي صلى الله عليه وسلم هي المعايير المعتبرة في اختيار الإمام وفي تقديم الإمام. أولها قال: «أقرؤهم لكتاب الله». دائما كتاب الله يعلو ولا يُعلى عليه، كتاب الله يقدم أهله. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم لما دفن شهداء أحد يقدم أقرؤهم لكتاب الله، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان لكثرة الشهداء ربما جمع الشخص والشخصين والثلاثة في القبر، فلذلك كان يقدم الأحفظ لكتاب الله سبحانه وتعالى.
والأقرأ يقدم، وهذا لا شك أنه من إجلال حامل كلام الله سبحانه وتعالى. إلا أن هنا تنبيها وهو أن القارئ لكتاب الله الحافظ لحروفه الذي لا يعلم معانيه ولا يفهمها ولا يفقه الصلاة، هذا لا يشرع تقديمه؛ لأن ربما سها في الصلاة فلم يدر ماذا يفعل، وربما لم يعرف أحكام الصلاة وإن كان هو حافظا. لذلك القراءة في مصطلح السنة النبوية وكانت عند السلف المتقدمين، قراءة القرآن قراءة فهم وتعقل، وقراءة حفظ وحروف تجمع الأمرين: حفظ الحروف وتعقل وفهم المعاني. لذلك إذا كانوا يقرؤون لا يتجاوزون عشر آيات حتى يعلموا ما فيها من العلم والعمل، كانوا يتدرجون.
الآن حقيقة من المناهج المنتشرة اليوم في واقعنا المعاصر اللي هي قراءة الحفظ المجرد، لماذا؟ لأن الناس ربما يبدؤون في الحفظ من الصغر وتعقل المعاني ربما يحتاج إليه الإنسان كلما كبر شيئا فشيئا، وهذا لا بأس به إن شاء الله تعالى، لكن ليس هذا المراد بالحديث والله تعالى أعلم، بل المراد قراءة تعقل وفهم وإدراك. لكن لا نقول إن معنى هذا أنه لا بد أن يكون فقيها متبحرا، لا، وإنما يفقه أحكام الصلاة بالقدر الذي يمكنه من أداء الصلاة؛ يفقه أحكام الركوع والسجود، أحكام الإمامة والائتمام، أحكام المسبوق، أحكام السهو في الصلاة. فإذا عرض له عارض من هذه العوارض عرف كيف يتصرف، والإمام يتبعه الناس. مثلا لو أنه تنبه في الصلاة مثلا أن في نعله نجاسة ماذا يفعل؟ إذا لم يدر ما يفعل وهو الإمام فربما حصل هناك إخلال في صلاته وصلاة الناس، ربما أتم الصلاة بهذه النجاسة لأنه لا يعلم أنه يجب عليه أن يخلعه، لو سها لم يدر ماذا يفعل، هذا إشكال. فلذلك هناك حد مطلوب من التفقه في الصلاة لا بد أن يكون في الإمام.
طيب، قلنا «أقرؤهم لكتاب الله»، معنى هذه العبارة والله تعالى أعلم: الذي يحفظ القرآن أكثر من غيره، والذي يقرأ القرآن قراءة مرتلة «وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا» قراءة جيدة ولا يلحن فيها. هذا الأقرأ، إذا هو يحفظ أكثر وهو يجود في قراءته ويحسنها، وليس بالضرورة أن يكون حسن الصوت، هذا حسن الصوت شيء آخر غير قضية الأقرأ لكتاب الله سبحانه وتعالى.
أعلمهم بالسنة، المراد أعلمهم بسنة النبي صلى الله عليه وسلم من حيث الأحكام، السنة هي أصل الأحكام الشرعية أصل الدين، كذلك سنة النبي صلى الله عليه وسلم تدل على الفقه والعلم. إذا هذه رتبة ثانية وهي التبحر في العلم، التبحر في العلم. لذلك لو جاءنا شخص مثلا أقرأ لكتاب الله وعنده من العلم ما يحتاجه في صلاته، وجاء شخص آخر أعلم في علوم الشريعة لكن أقل في القراءة، نقول: لا، نقدم الأقرأ لكتاب الله سبحانه وتعالى الذي عنده من العلم ما يقيم به صلاته؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أقرؤهم لكتاب الله ثم أعلمهم بالسنة».
ثم أقدمهم هجرة، ثم أقدمهم سلما، إذا كان كافرا ثم أسلم فإن الأقدم إسلاما يعد أولى بالإمامة إذا استووا في هذه الأمور المتقدمة. كذلك الأكبر سنا، وهذا حقيقة فيه شبه، إذا كان قد لا شك أن الأكبر سنا أقدم إسلاما إذا كان ولد مسلما فهذا لا شك أنه أقدم إسلاما، هذا الأكبر سنا وقد جاء في حديث مالك بن الحويرث: «يؤمكم أكبركم».
إذا هذه هي معايير اختيار الإمام، ولكن هناك بعض الضوابط التي ينبغي أن ننبه إليها في معايير اختيار الإمام، نبه إليها إن شاء الله تعالى بعد هذا الفاصل القصير.
أين أنت من العلم؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم». فهناك مقدار من العلم يجب أن يتعلمه المتخصص وغير المتخصص؛ فعلى كل مسلم أن يتعلم ما تصح به عقيدته وعبادته. وعلى غير المتخصص أن يبدأ بالكتب الميسرة ثم يتدرج؛ ففي التوحيد مثلا يبدأ بالأصول الثلاثة والواسطية ثم كتاب التوحيد ثم الطحاوية وهكذا سائر العلوم، وليسأل العلماء عما يشكل عليه ويقلدهم في الفتوى لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].
وليتواصل مع طالب علم متخصص ليشرح له ما صعب عليه فهمه، إذ لا يتيسر له التواصل مع العلماء في كل حين، ويهتم بوسائل التقنية الحديثة لتعوض انشغاله عن حضور مجالس العلم أو الالتحاق بالكليات الشرعية. ويحتاج غير المتخصص إلى علو الهمة وقوة العزيمة، فمع ضيق الوقت لن يحصل العلم إلا بالمواصلة استمرار. وليستفد من تخصصه في إتقان العلم الشرعي؛ فالطبيب مثلا تسهل عليه مسائل الحمل والجراحات، والمهندس تسهل عليه الفرائض لإتقانه الرياضيات، وليسخر ذكاءه في فهم دينه وخدمته، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: 43].
نواصل بعد هذا الفاصل القصير ونتابع حديثنا في أحكام الإمامة في الصلاة. ذكرنا الأولى بالإمامة من واقع سنة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وذكرنا أن ثمة خمسة معايير وردت في السنة النبوية الكريمة في اختيار الإمام وتقديمه، إلا أن هناك بعض التنبيهات التي نود التنبيه إليها.
التنبيه الأول وهو أن الأولى والأحق لا يعني أنه يتقدم على الإمام الراتب المستقر لهذه الجماعة. إذا هذه المعايير متى يعمل بها؟ يعمل بها في واقع الأمر إذا لم يكن ثمة إمام راتب، أو يعمل بها في اختيار الإمام الراتب. الإمام الراتب بمعنى الإمام المستقر لهذه الجماعة، لكن فرضا أن ثمة إمام مستقر لجماعة من الجماعات في مسجد من المساجد، فجاء شخص أقرأ أو أعلم في صلاة من الصلوات حضر، نقول: لا يشرع تقديمه، لماذا؟ لأن ثمة إمام راتب مستقر. إذا متى نعمل هذه المعايير؟ كما ذكرنا في حالين: الحالة الأولى إذا لم يكن ثمة إمام راتب، مثلا غاب هذا الإمام الراتب لم يحضر اليوم، الإمام الراتب المستقر لهذه الجماعة غاب، طيب من يقدم؟ الناس يعملون هذه المعايير، أو خرجوا مثلا في رحلة أو في سفر أو في شيء من هذا لم يكونوا في مسجد فيه إمام راتب، فإنهم يعملون هذه المعايير. الحالة الثانية في اختيار الإمام الراتب، أنه دائما إذا تسابق مثلا ناس أو رشح ناس لهذه الإمامة، فإنه يختار منهم أقرؤهم لكتاب الله ثم أعلمهم بالسنة وهكذا. إذا في اختيار الإمام الراتب نعم نعمل هذه المعايير.
هناك تنبيه آخر وهو ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه، ولا يجلس على تكرمته في بيته إلا بإذنه». إذا مثلا ذهب أناس لزيارة شخص مثلا في بيته أو في سلطانه بمعنى في مزرعته مثلا، فهل يشرع أن يقدم أقرؤهم أم يقدم مالك الدار أو مالك المزرعة؟ يقدم المالك. «لا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه»، وإنما يشرع أن يتقدم المالك فيصلي في سلطانه، لاحظتم أيها الإخوة؟ إذا هذا تنبيه آخر.
طيب، لو كان الأقرأ لكتاب الله أصغر في السن وغير الأقرأ أكبر في السن، ما الذي يقدم؟ من خلال الحديث النبوي الذي ذكرناه قبل قليل: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله»، ثم بعد ذلك المعيار اللي هو معيار السن، معيار متأخر، إذا يقدم هذا الأصغر سنا ما دام أقرأ لكتاب الله. طيب هل يقدم ولو كان لم يبلغ بعد مثلا؟ نفترض أن عمره عشر سنين أو تسع سنين، نقول: إذا فقه الصلاة وعرف فقهها فإنه يقدم ما دام حافظا لكتاب الله سبحانه وتعالى وعارفا بفقه الصلاة الذي يحتاجه في الصلاة، فإنه يقدم ولا يؤثر السن. وقد صلى عمرو بن سلمة رضي الله تعالى عنه بقومه وهو ابن ست أو سبع سنين، لماذا؟ لأنه كان إذا قدم الركبان من النبي صلى الله عليه وسلم كان دائما يتلقفهم ويحفظ القرآن منهم، فلما نظروا فيما بعد وجدوا أنه هو أقرؤهم، وكان يعرف فقه الصلاة فصلى بهم رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
إذا لا يؤثر على هذا كونه لم يبلغ بعد، وهذا في الحقيقة فيه تنبيه على فضيلة حفظ القرآن الكريم، فيه تنبيه على فضيلة العيش وتفهم القرآن الكريم، العيش مع القرآن الكريم؛ فإن هذا القرآن كلام الله سبحانه وتعالى، كلام الله سبحانه وتعالى المتين حبله المتين وهداه وكلامه.
﴿وَالَّذِي أَنزَلَهُ عَلَىٰ عِبَادِهِ لِيَهْدِيَهُمُ الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، ﴿نُورٌ قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ﴾، ﴿هَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾. من بركة هذا القرآن أن صاحب القرآن وحامل القرآن يؤم الناس، ويعم نفعه للناس، فيتقدم فيؤتم به في الخير. ولا شك أن الصلاة أعظم الخير، ولا شك أن هذه رتبة فاضلة وهي رتبة إمامة الناس في هذا الخير. كان كانت وظيفة نبوية للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم يؤم الناس، ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾، ومن الإمامة التي تدخل في هذا المقام إمامة الصلاة؛ أي أنه يصلي بالناس فيؤتم به ويقتدون به. ولا شك أن للإمام فضيلة عظيمة، يكفيه أنه يقف في مقام وقف فيه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم. كيف يحصل الإنسان على هذه المرتبة العالية الرفيعة؟ بكتاب الله سبحانه وتعالى، لذلك كتاب الله يرفع الله به أقواماً ويضع به آخرين.
ننتقل بعد ذلك إلى بعض الأحكام المتعلقة بالإمامة: هل يصح أن يؤم المفترض من يصلي خلفه نفلاً، أو أن يؤم المتنفل من يصلي خلفه فرضاً؟ بمعنى مثلاً فرضا أن الإنسان صلى صلاة الفجر، فلما انقضت صلاة الفجر وجد إنساناً قد تأخر عن الصلاة، فهذا المتأخر عن الصلاة جلس يتلفت يميناً وشمالاً يبحث عن شخص يصلي معه ليدرك فضيلة الجماعة فلم يجد أحداً. فهل يشرع لشخص ممن قد صلى الفجر مع الجماعة أن يقوم فيصلي مع هذا الشخص؟ نقول: نعم، يشرع له أن يقوم فيصلي معه، ويشكلان سوياً جماعة. ويعتبر هذا الشخص الذي قام ليصلي معه متصدقاً عليه؛ متصدق عليه بماذا؟ هو متصدق بالصلاة، وتصدق عليه بالأجر لأنه نقله من صلاة الفذ إلى صلاة الجماعة، فلا شك أن هذه الصدقة من أعظم الصدقات فضلاً وأجراً.
فهذا المتصدق -لاحظوا الآن- هذا الشخص الذي قام وصلى معه، إذا صلى معه مأموماً وهذا الشخص المتأخر كان هو الإمام، فهذه مسألة أن المفترض يؤم المتنفل، يعني المفترض الذي يصلي الفريضة هو الإمام، والذي قام من الصف وصلى معه صار مأموماً، فالآن المأموم يصلي نفلاً لأنه قد صلى الفريضة وهذه نافلة في حقه. إذاً يجوز للمفترض أن يصلي بالمتنفل. طيب سؤال: هل يجوز لهذا الشخص المتصدق الذي قد صلى الفريضة أن يصلي إماماً؟ فرضاً أن هذا الشخص الداخل قال: يا أخي أنت ما شاء الله قراءتك طيبة، صلِّ بنا أنت وأنا متأخر أبغى أصلي معك. فالآن هذا الشخص الذي قراءته طيبة والذي قد صلى في واقع الأمر هذه الصلاة له نافلة، هل يجوز أن يؤم هذا الشخص المتنفل المفترض؟ نعم، كذلك يجوز، وقد جاء في الحديث أن معاذاً رضي الله تعالى عنه كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم العشاء يدرك الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم وهذه في حقه فريضة، ثم ينصرف من صلاته مع النبي صلى الله عليه وسلم فيذهب فيصلي بقومه؛ الآن هذه الصلاة التي يصليها بقومه في حق معاذ نافلة يؤم قومه وقومه في حقهم فريضة. فلذلك هذا الحديث دلنا على أن المتنفل يصح أن يؤم من يصلي الفريضة، وحديث من يقوم على هذا فيتصدق عليه أو يصلي معه دليل على أن المفترض يصح أن يؤم المتنفل، إذاً لا إشكال إن شاء الله تعالى في اختلاف نية الإمام والمأموم من حيث الفريضة والنافلة.
اقرأ، إنها أول كلمة نزلت من القرآن الكريم على قلب النبي الأمين صلى الله عليه وسلم. إن الأمم القارئة هي الأمم القائدة؛ لأن القراءة والمعرفة تطرد الجهل والتخلف والخرافة. وقد بلغ حب العلماء للقراءة مبلغاً عظيماً، قيل لأحدهم عند موته: ما تشتهي؟ قال: النظرة في حواشي الكتب. وقد أظهرت بعض الدراسات أن حوالي سبعين في المئة من معلومات الإنسان يحصل عليها عن طريق القراءة، ويتعلم الباقي بالاستماع والتجربة وغير ذلك. ولكي تكون قراءتك واعية فابدأ بالمرحلة التأسيسية، حيث تنتقي كتب أهل السنة التي تضمن بها سلامة العقيدة، وإذا قابلتك مصطلحات غامضة فاسأل عنها العلماء، ولدفع النفور من القراءة ابدأ بالكتب السهلة قبل الصعبة وبالمختصر قبل المطولات.
ولدفع الملل استرح وأرح عينيك وتحرك بين الحين والآخر، ويمكن إذا مللت من كتاب أن تقرأ في غيره، ولدفع شرود الذهن عليك بالصبر والمجاهدة والبعد عن المؤثرات الخارجية، واستخدم الترقيم والتلوين لتمييز العبارات المهمة، واكتب الحواشي والتعليقات ولخص الكتاب، واستفد بما تقرأ لتكون ممن قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 18].
نواصل معكم بعد هذا الفاصل بعض الأحكام المتعلقة بالإمامة في الصلاة. فنقول: ذكرنا معايير اختيار الإمام وتقديمه، وذكرنا أن هناك خمسة معايير، وتكلمنا بعد ذلك عن إمامة المفترض للمتنفل وإمامة المتنفل للمفترض، وأن كلتا الصورتين صحيح إن شاء الله تعالى. نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى مسألة، وهي أن الرجل يؤم الرجال والنساء، ولكن لا يجوز للمرأة أن تكون إماماً للرجال؛ لا يجوز للمرأة أن تكون إماماً للرجال، فيحرم إمامة النساء للرجال، وإنما المرأة يجوز أن تكون أو أن تصلي بنساء مثلها وتقف وسطهن، كما جاء في حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها، وفي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها الذي روته لنا ريطة الحنفية، قالت: إن عائشة أم المؤمنين أمّتنا فصلت وسطنا، وكذلك ما جاء في حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها أنها أمتهم فصلت وسطهم. فلذلك المرأة تؤم النساء، ولكن لا يجوز للمرأة أن تؤم الرجال، وهذا في الحقيقة يدل عليه عدد من الأدلة.
أولاً: ما جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»، ولا شك أن أعظم الأمر أمر الدين، ولا شك أن أعظم الدين أمر الصلاة، إذاً الصلاة هي من أول الأشياء دخولاً في هذا الحديث النبوي الكريم. كذلك المرأة يشرع لها التأخر في الصفوف عن الرجال، لذلك جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها»، فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد وصف أن شر صفوف النساء أولها أي أقربها للرجال، فكيف إذا تقدمت المرأة فصارت أمام الرجال وصلت بهم إماماً؟ لا شك أن هذا مخالف لسنة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم. الأمر الثالث أو الدليل الثالث الذي يدل على هذا أنه ليست هذه هي طبيعة المرأة في الإسلام، فلم يبعث الله سبحانه وتعالى رسولاً ولا نبياً من النساء، وإنما بعثهم من الرجال، لذلك المرأة تأتم وتقتدي بالرجل في صلاته ولا تصلي به إماماً.
كذلك من التنبيهات التي ننبه لها، وهو أن المرأة لا يجوز لها أن تصف مع الرجال بجوارهم، وإنما تصف خلفهم، لذلك كما جاء في حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في بيت فصففت أنا واليتيم خلفه، والمرأة خلفنا. المرأة تكون خلف الرجال، بل حتى خلف الصبيان الصغار لا يجوز لها أن تتقدم عليهم، وقد جاء في الحديث أن خير صفوف النساء آخرها وشرها أولها. وهذا في الحقيقة الحديث يدلنا على خطورة اختلاط الرجال بالنساء مع أن هذا الحديث وارد في حال عبادة من العبادات، حال عبادة الصلاة، والصلاة لا شك أن القلوب تقبل فيها على الله سبحانه وتعالى. فإذا كان النبي الكريم صلى الله عليه وسلم قد حذر من الاختلاط واعتبر أن خير صفوف الرجال أولها وخير صفوف النساء آخرها، وأن شر صفوف الرجال آخرها وشر صفوف النساء أولها، هذا فيه دلالة على ماذا؟ دلالة على أن الرجال إذا دخلوا فإنهم يتقدمون الأول فالأول، والنساء إذا دخلوا فإنهم يتأخرون الآخر فالآخر، وهكذا تملأ الصفوف المتأخرة. إذا كان للنساء مصلى خاص بهن مفصول عن الرجال، فالذي يظهر أن هذا الحديث لا يرد هنا، والله تعالى أعلم، لماذا؟ لأن مقصود هذا الحديث تمام الفصل والمنع من الاختلاط، لكن لو كان للنساء مثلاً مصلى مستقل معزول مثلاً بغرفة أو جدار عازل تماماً منفصل، فالظاهر والله تعالى أعلم ولا ترى المرأة الرجال ولا يرى الرجل النساء، فإن والله تعالى أعلم لا يؤخذ بهذا الحديث، لكن إذا كان هناك نظر ومشاهدة، فإن المرأة كلما تأخرت وكانت في آخر المسجد في وسط النساء، فلا شك أن هذا خير لها. إذاً هذا فيما يتعلق بإمامة المرأة وبصف المرأة في الصلاة.
من التنبيهات المتعلقة بالإمامة في الصلاة أن المأموم الرجل كلما تقدم في الصفوف كان خيراً له: «لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا»، معنى لم يجدوا إلا أن يقترعوا لاقترعوا، ولا شك أن القرعة لا يصار إليها إلا مع شدة التنافس والحرص. لذلك لو يعلم الناس ما في الصف الأول من الفضيلة لتسابق الناس عليه وتزاحموا، ولا يفصل بينهم في هذه المزاحمة إلا القرعة والمساهمة بينهم في من يدخل، من شدة تنافسهم وتسابقهم على هذا المكان الفاضل الذي بين النبي صلى الله عليه وسلم أنه مكان فاضل، لذلك خير صفوف الرجال أولها.
كذلك من الأحكام التي نود التنبيه إليها في قضية الإمامة وهي المسبوق؛ المسبوق يقضي ما فاته من صلاته، لو فاتته ركعة فإنه يأتي بركعة، فاتته ركعتان فإنه يأتي بركعتين، وما أدركه المسبوق مع الإمام فإنه يعد أول صلاته، وما يقضيه منفرداً فإنه يعد آخر صلاته. قد يسأل سائل فيقول: كيف يقضي المسبوق في صلاة الجنازة؟ لو أن إنساناً مثلاً فاتته التكبيرة الأولى أو التكبيرة الثانية من تكبيرات صلاة الجنازة، أدرك مع الإمام التكبيرة الثالثة والتكبيرة الرابعة، فإننا نقول: الآن أنت أدركت مع الإمام تكبيرتين، فإذا سلم الإمام فلا تسلم من الصلاة، وإنما تقضي ما فاتك من التكبيرات، فإذا سلم الإمام -الإمام يسلم تسليمة واحدة عن يمينه في صلاة الجنازة- إذا سلم الإمام فإن هذا المأموم الذي سبق بتكبيرتين ماذا يفعل؟ يكبر التكبيرة الثالثة ثم يكبر التكبيرة الرابعة ثم يسلم، وهذا يقضي على نفس صفة قضاء ما فاته من الصلاة، وهذا داخل في عموم قول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: «ما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا» على الاختلاف الوارد في لفظ هذا الحديث. إذاً هذا ما أدركه من الصلاة فإنه يصلي مع الإمام، ولو كان التكبيرة الأخيرة أو التكبيرة قبل الأخيرة أدرك مع الإمام تكبيرتين مثلاً، يصلي تكبيرتين فإذا سلم الإمام قضى تكبيرتين، لو أدرك مع الإمام تكبيرة واحدة إذا سلم الإمام يقضي ثلاث تكبيرات بعد سلام الإمام ثم يسلم عن يمينه. إذاً هذه بعض الأحكام المتعلقة باختيار الإمام وبالأولى بالإمامة.
وهنا مسألة نود التنبيه إليها وهو ما حكم إمامة الفاسق؟ الأصل أيها الإخوة ألا يُقدَّم الفاسق للإمامة، الأصل ألا يُقدَّم الفاسق للإمامة، لماذا؟ لأن هذا المقام كما ذكرنا من المقامات التي وقف فيها النبي الكريم صلى الله عليه وسلم والتي هي من المقامات الشريفة، أن يكون إماماً يتبعه الناس في هذه الصلاة، ولا شك أن خير الدين وأعظم الدين الصلاة، فلذلك على المسلمين أن يتخيروا لإمامتهم من يقربهم إلى الله ومن يقودهم إلى الله سبحانه وتعالى، وهو كما جاء في سنة النبي صلى الله عليه وسلم: «أقرؤهم لكتاب الله، ثم أعلمهم بالسنة، ثم أقدمهم هجرة وإسلاماً وسناً»، وهكذا؛ لماذا؟ لأن الإمامة مقام شريف ومقام عظيم. لكن لو وجد مثلاً إنسان -مثلاً فرضاً- أن صاحب البيت هذا مثلاً كان فيه شيء من الإصرار على المعاصي أو الكبائر أو كان فيه شيء من الفسق، فهل يشرع له أن يتقدم وأن يصلي بالناس؟ نقول: نعم، لا مانع من الصلاة خلفه، ولو أن هذا الشخص لم يتقدم لكان خيراً، وهو الأفضل أنه لا يتقدم وإنما يقدم شخصاً آخر، ولكن إذا صلى هذا الإمام فإنه تشرع الصلاة خلفه، ولا يجوز للمسلم أن يشق جماعة المسلمين بسبب هذا الإمام، وإنما يصلي خلفه.
وقد جاء عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه أنه صلى خلف الحجاج بن يوسف الثقفي، والحجاج بن يوسف لا شك أنه قد قام بعدد من المعاصي والجنايات والجرائم، حتى في حرم الله وفي بيت الله الحرام قتل كثيراً من الناس وكثيراً من العلماء وكان مشهوراً بفسقه. فلذلك كون ابن عمر الصحابي الجليل العالم الزاهد العابد صلى خلفه هذا دليل على ماذا؟ دليل على صحة الصلاة خلف الإمام الفاسق، وإن كان نقول الأفضل والأولى لو كان له سلطان، لكن ابن عمر لم يقدر لأن هذا الحجاج هو الأمير على الذي كان يولي، والأمير على هذه المنطقة وعلى هذه المدينة فكان هو المتقدم، لكن لو كان برغبة الناس وباختياره فلا ينبغي لهم أن يقدموه، فلا ينبغي له أن يقدم فاسقاً، ولو استطاع الإنسان ألا يصلي خلفه وإنما يصلي خلف جماعة أخرى فلا مانع، ولكن لا يشق عصا الجماعة فيترك الصلاة خلفه.
هذا ويصلي لوحده مثلاً أو يشق على المسلمين، لا شك أن هذا فيه مخالفة. إذاً هذا التفصيل في حكم إمامة الفاسق.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم أئمة للخير، وأن يوفقنا وإياكم للخير، وأن يجعلنا هداة للخير مهديين للخير. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً نوال ميسراً، يأتيك ميسوراً بأي مكان. زاد أكاديمية ينبوعها صافٍ ليروي غلة الظمآن، وتعلم الفقه الميسر عاملاً بالشرع دون تعصب لفلان. بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي