الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ربنا علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً. اللهم هيئ لنا من أمرنا رشداً، وآتنا من لدنك توفيقاً وسداداً وصواباً. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، يا مفهم سليمان فهمنا.
إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الثالث عشر من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد المباركة في فصلها الدراسي الثاني. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الأكاديمية، وأن يبارك في القائمين عليها ومعلميها وطلابها ومن ساهم فيها ومن دعمها، اللهم آمين.
إخواني وأخواتي، سوف نواصل إن شاء الله تعالى في هذا الدرس الحديث عن موضوع الإمامة في الصلاة. وكنا قد تحدثنا في الدرس الماضي عن معايير اختيار الإمام، وتحدثنا عن مسألة إمامة المفترض بالمتنفل والمتنفل بالمفترض، وتحدثنا عن إمامة النساء وأنه لا يشرع للمرأة أن تؤم الرجال، وإنما تؤم المرأة النساء من جنسها. نريد أن ننتقل إن شاء الله تعالى في هذا اليوم إلى بعض الموضوعات كذلك المتعلقة بالإمامة في الصلاة.
فنتحدث مثلاً عن إمامة المفترض بالمفترض، واختلاف النيات في الفريضة، أو من يقصر الصلاة بمن يتم الصلاة أو عكس ذلك. كذلك نريد أن نتحدث عن موضوع أحوال المأموم مع الإمام من حيث الموافقة والمتابعة والمسابقة. كذلك نريد أن نتحدث عن مسألة صفوف الإمام وتقدم الإمام على المأمومين.
فنشرع بعون الله سبحانه وتعالى فنقول: أولاً في صفة الإمامة، يشرع للإمام أن يتقدم على المأمومين إذا كان يصلي خلفه اثنان فأكثر. أما إذا كان يصلي معه مأموم واحد فقط فإنه يقف عن يمينه. وقد صلى ابن عباس رضي الله تعالى عنه مع النبي صلى الله عليه وسلم لوحده، فوقف عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم، فأخذه النبي صلى الله عليه وسلم فأداره وجعله عن يمينه. إذاً، الإمام إذا كان يصلي يكون المأموم عن يمين الإمام.
فإن كانوا اثنين فإنهم يتأخرون ويصلون خلف الإمام. فإن كان معهم نساء مثلاً شخص ومعه امرأة، نقول إن هذا الشخص يصلي عن يمينه، وإذا كانوا اثنين يصلون وراءه، والمرأة تكون خلفهم كما جاء في حديث أنس رضي الله تعالى عنه قال: فصففت أنا واليتيم وراءه، والعجوز من ورائنا. إذاً يكون هناك ثلاثة صفوف: الصف الأول فيه الإمام، الصف الثاني فيه الرجال، الصف الثالث فيه العجوز كما جاء في حديث أنس أو النساء عموماً كما جاء في غيره من الأحاديث.
لكن في هذه الصفة في صلاة أنس رضي الله تعالى عنه قال: والعجوز من ورائنا، صلت خلف أنس واليتيم الذي صف معه. إذاً هذا الحديث يبين لنا هيئة وصفة الاجتماع في الصلاة، وصفة التراتبية مع الإمام.
هنا مسألة أخرى نرغب الحديث عنها، وهي أحوال الإمام مع المأموم من حيث المسابقة والموافقة. الإمام إنما جعل ليؤتم به كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما جعل الإمام ليؤتم به». معنى يؤتم به أي يقتدى به؛ فإذا كبر الإمام كبر الناس، وإذا ركع الإمام ركع الناس، وإذا رفع الإمام رفع الناس، وهكذا، وإذا سجد سجدوا. لا يشرع للمسلم أن يسابق الإمام، ولا يشرع له موافقته، بل إنما المشروع في حقه أن يقتدي به ويتابعه؛ أي يكون بعده.
لذلك جاء في حديث البراء رضي الله تعالى عنه أنه قال: إذا سجد النبي صلى الله عليه وسلم لم يحن أحد منا ظهره حتى يقع رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجداً، ثم نقع سجوداً بعده. لاحظوا حديث البراء قال: لم يحن أحد منا ظهره؛ أي ما يشرع في هيئة السجود ما يبدأ في السجود حتى يسجد النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا سجد النبي صلى الله عليه وسلم بدأ هو في السجود. وعلى الحقيقة فيه تنبيه للناس، لأن بعض الناس هداهم الله يصير من أول ما يبدأ الإمام يشرع في السجود وهم بدأوا إما معه وإما بعده بيسير وهو لم يقع بعد ساجداً.
كذلك في الركوع ربما إذا بدأ في حال الانحناء للركوع تجد أنهم بدأوا في حال الانحناء للركوع، لا، وإنما المشروع أنه إذا ركع استتم راكعاً أن تركع، وإذا استتم ساجداً الإمام أن يسجد المأموم، وهكذا إذا استتم قائماً. هذا معنى المتابعة، بمعنى أن يكون بعده.
ما هي الأحوال؟ هل معنى هذا أن يكون بعده أن يتأخر عنه كثيراً؟ لا. التأخر عنه كثيراً كذلك هذا مخالف لمقتضى المتابعة. إذاً مقتضى الإمامة ومقتضى الاقتداء هي المتابعة، بمعنى أن يفعله بعده مباشرة. لكن فرضا لو أن الإمام سجد فبقي هذا الشخص المأموم واقفاً لم يسجد وتأخر عن الإمام، نقول هذا التأخر غير مشروع وهو مكروه في حقك. وإذا رفع الإمام ودخل في الركن الثاني وهو الرفع من السجدة وأنت لم تسجد بعده، فإن هذا لا يجوز في حقك؛ لاحظ الآن أنك تأخرت عن الإمام ركنين، صار رفع وانتقل للركن الذي يليه وهو الجلسة بين السجدتين وأنت لم تسجد بعده. إذاً هذا فيه تأخر.
إذاً نحن نقول أحوال المأموم مع الإمام: الحالة المشروعة الحالة الأولى أن يتابعه، فيفعل الفعل بعده مباشرة. هذه الحال المشروعة التي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بها والتي كان يفعلها الصحابة الكرام كما روى لنا البراء رضي الله تعالى عنه في الحديث، وكما جاء عنهم رضي الله عنهم أنهم كانوا يأتمون بالنبي صلى الله عليه وسلم. إذاً هذه الحال الأكمل وهي الحالة الواجبة وهي الحالة المشروعة في حق المأمومين مع الإمام.
وهناك حال محرمة وهي أن يسابق الإمام، فيركع قبله أو يسجد قبله، هذا لا يجوز؛ إنما جعل الإمام ليؤتم به، فكيف المأموم يسابق الإمام ويسجد قبله ويركع قبله؟ هذا لا يجوز.
طيب هناك حال بينهما وهي حال مكروهة لكن لا تصل إلى درجة المحرمة لأنه ليس فيها مسابقة، وهي حال موافقة الإمام. كيف؟ من أول ما يبدأ الإمام، انتهى مثلاً من القراءة بدأ يتهيأ للركوع فجاء يركع، نجد أن هذا الشخص يركع معه. هذا لم يقتد به ويتابعه ويأتم به وإنما وافقه. فهذا نقول هذا من الأحوال المكروهة في الصلاة، وإن كانت لا تصل إلى درجة التحريم وهي درجة المسابقة، ولكنها مكروهة لأنها موافقة ولأنه ترك الائتمام المشروع الذي هو الاقتداء والمتابعة.
الحالة الرابعة أن يتأخر عنه ولكن ليس على وجه المتابعة، وإنما تأخر كبير بحيث إن الإمام انتقل للركن الذي يليه وهو لم يتابعه؛ مثلاً الإمام ركع ولكن هذا المأموم تأخر في الركوع فلم يركع حتى رفع الإمام ثم جاء هو فركع. نقول هذا تأخر بالغ منهي عنه ولا يجوز. إذاً يكون المشروع في حقه المتابعة. وسوف نذكر إن شاء الله تعالى بعض الأحوال التي يشرع فيها المخالفة أو شيء من هذا التي هي الأحوال الاستثنائية، ولكن بعد هذا الفاصل القصير إن شاء الله تعالى.
نواصل الحديث معكم عن أحكام الإمامة في الصلاة. وكنا قد تحدثنا قبل هذا الفاصل عن أحوال الإمام مع المأموم، وذكرنا أن الحال المشروعة المأمور بها المتابعة. ومعنى المتابعة أن الإمام إذا ركع فاستتم راكعاً يشرع المأموم فيركع، وإذا سجد الإمام ووقع على الأرض ساجداً فإن المأموم يبدأ انحناء ظهره هو ويسجد. هذا معنى المتابعة، يكون بعده مباشرة. فإن تأخر عنه جداً حتى انتقل الإمام إلى ركن آخر وهو لم يدخل معه في الركن الذي كان قبله، فهذا تأخر بالغ محرم. وإن سابقه فدخل في الركن قبله فهذه مسابقة محرمة، وذكرنا أن موافقة الإمام مكروهة لأنها لا تصل إلى درجة المسابقة التي حرمها النبي صلى الله عليه وسلم ولكنها تخالف المشروع وهو المتابعة.
هناك بعض الأحوال، مثلاً لو أن إنساناً ابتلي بأن صلى خلف شخص ما يعرفه، أو كان مسبوقاً فجاء فوجد إنساناً يصلي، وهذا الإنسان حقيقة غير مطمئن في صلاته؛ الإمام هذا غير مطمئن في صلاته. مثلاً نفترض أنه فاتته الجماعة فدخل هذا ووجد جماعة أمامه فصلى معهم، هذا الإمام غير مطمئن في صلاته، فلما ركع ركع بسرعة فجاء ليتبعه فإذا به قد رفع، فجاء ليتبعه فإذا به قد سجد. ما المشروع في حقه؟ نقول هذا لا يحرم عليه هذا التأخر، بل المشروع في حقه أن ينفتل من الصلاة ويصلي وحده إذا كان هذا الإمام لا يقيم الصلاة؛ فإنه يشرع في حقه أن ينفتل من الصلاة فيصلي وحده.
وأحياناً بعض إخواننا المصلين هداهم الله ربما لا يقيم الصلاة، ينبغي على الإمام إذا صلى أن يصلي بالناس صلاة معتدلة، صلاة معتدلة لا يخفف بهم تخفيفاً بالغاً بحيث إن الشخص الثقيل والشخص الكبير لا يستطيع أن يدركه، ولا يطول بهم تطويلاً بالغاً بحيث إن الشخص الذي وراءه يصير يتعب من الصلاة ويمل الصلاة ويريد أن يخرج من الصلاة. وإنما يصلي صلاة معتدلة متوسطة. تصلي صلاة معتدلة، صلاة خفيفة، ما معنى خفيفة؟ بمعنى أنها تكون معتدلة الأركان، تامة الأركان، موجزة؛ لا يطولها تطويلاً بالغاً يستطيع الناس أن يقوموا معه أو يملوا أو يتعبوا، ولا كذلك يعجل فيها تعجيلاً بالغاً يحاول الناس أن يدركوه ولا يستطيعوا أن يدركوه في الصلاة.
وقد جاء في حديث معاذ رضي الله تعالى عنه أنه لما رجع فصلى بقومه ليلة، صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فرجع فصلى بقومه، فصلى بهم فافتتح سورة البقرة فأطال في الصلاة، فانفتل رجل من الصف وصلى لوحده، فغضب معاذ عليه وقال إنك منافق. فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو معاذاً في اليوم الذي يليه وقال: إن معاذ انتظرناه في الصلاة وصلى بنا هذه الصلاة الطويلة. فغضب النبي صلى الله عليه وسلم على معاذ وقال: «فتان أنت يا معاذ، أيكم أم الناس فليخفف».
في الحديث: «اقرأ بهم أو صل بهم الليل إذا يغشى والضحى». فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقرأ في صلاة العشاء بهذه السور التي يسميها أهل العلم أواسط المفصل. والمفصل من قاف إلى سورة الناس؛ طواله من سورة قاف وما بعدها إلى سورة عم، وأوسطه من سورة عم إلى سورة الضحى، وقصاره من بعد سورة الضحى إلى آخر القرآن الكريم. هذا قصار جداً قصار المفصل، وأوسطه هو طوال المفصل، فاصطلح أهل العلم على تسميته بأواسط المفصل. فلذلك يشرع المسلم مثلاً في صلاة العشاء أن يقرأ بأواسط المفصل؛ لا يطيل بالناس الصلاة الطويلة التي جعلت هذا المأموم ينفتل.
وهذا في حقيقته دلالة أنه أحياناً قد يكون الإنسان لعذر شرعي صحيح ينفتل عن الصلاة، مثلاً إنسان دافعه الأخبثان، فنقول في هذه الحال إما أنك تخرج من الصلاة فتذهب فتقضي حاجتك وتتوضأ وترجع فتدرك الجماعة، هذا الحل الأول وهو الأفضل. والحل الثاني أن ينفتل فيصلي صلاة خفيفة ويذهب ليقضي حاجته. كذلك لو طول الإمام تطويلاً بالغاً مخالفاً لسنة النبي صلى الله عليه وسلم. بعض الناس إذا قرأ بهم الإمام نصف صفحة قالوا هذا الإمام طول، أو صفحة واحدة قالوا هذا الإمام طول، لا.
لا يعني التخفيف في الصلاة أن نقرأ آية أو دقيقتين ثم نقول هذه صلاة طويلة، فما هو المعيار في التخفيف والتطويل؟ ينبغي لنا أن نرجع إلى سنة النبي صلى الله عليه وسلم.
فإذا طول الإمام تطويلاً بالغاً غير معهود وغير معروف، مثلما فعل معاذ رضي الله تعالى عنه في تلك الليلة التي أخطأ فيها، ووجهه النبي صلى الله عليه وسلم لما طول بالناس، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينكر على ذلك الرجل الذي انفتل من الصلاة وصلى وحده؛ لأن معاذاً استفتح البقرة وصلى صلاة طويلة بالناس رضي الله تعالى عنه وأرضاه. لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أيكم أمَّ الناس فليخفف، إذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء».
صلاة الإنسان لنفسه يشرع له أن يطول فيها بما شاء، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى بالناس خفف الصلاة كما قال أنس وكما رواه جمع من الصحابة. لكن لما صلى لنفسه كما جاء في حديث حذيفة وابن عباس، يصلي صلاة طويلة، فقد قرأ سورة البقرة وآل عمران والنساء في ركعة صلوات الله وسلامه عليه. هذا لا شك أنه من مناجاة النبي صلى الله عليه وسلم لله ومحبته له وتعظيمه لكتابه، ولكن لاحظوا أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين مقام الالتزام بالحق والرحمة بالخلق، فهو حين يصلي لوحده يطول في مناجاة ربه ما شاء، ولكن من رحمته بالخلق أنه إذا أمَّ بالناس خفف عليهم الصلاة. ولو أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بالناس الصلاة التي يحبها هو لطول بهم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «جعلت قرة عيني في الصلاة»، فمعنى ذلك أن هذه قرة العين وراحة النفس، لكن لم يحمل النبي صلى الله عليه وسلم الناس على حاله هو، وإنما كان يصلي لوحده في طول، ولما يؤم بالناس يخفف. هذا جمع عجيب من النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وفي الحقيقة فيه تربية للناس وللأئمة والخطباء والدعاة إلى الله سبحانه وتعالى أن يلتزموا الحق ويعظموه ويعرفوه، ومع هذا يرحموا الخلق ويجمعوا بين العلم بالحق والعمل به وبين الرحمة بالخلق.
أحياناً ربما أطال بعض الناس في الصلاة جداً ونسي الرحمة بالخلق، وربما أراد بعضهم أن يخفف تخفيفاً بالغاً ونسي التزام الحق والعمل به. لذلك التخفيف في الصلاة الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم هو التخفيف الذي تقوم به الصلاة، ليس التخفيف الذي هو نقر الركوع والسجود والعياذ بالله؛ لا، هذا لم يأمر به النبي صلى الله عليه وسلم البتة. وإنما يخفف إيجازاً في تمام، بحيث تكون صلاته صلاة تامة ومطمئنة، يتم ركوعها وسجودها، ويطمئن فيها هذا الإمام، ويصلي وراءه الناس مطمئنون في صلاتهم، وتكون هذه الصلاة خفيفة عليهم.
إن أردت النجاح في الدنيا والسعادة في الآخرة فاسلك طريق العلم، لكن الآفات على هذا الطريق كثيرة. منها الرياء بأن يراد بالعلم الشهرة وثناء الناس، قال صلى الله عليه وسلم: «من طلب العلم ليماري به السفهاء أو ليباهي به العلماء أو ليصرف وجوه الناس إليه فهو في النار». ومنها الكبر والعجب، قال مجاهد: لا يتعلم العلم مستحيٍ ولا مستكبر. ومنها الحسد، قال تعالى: ﴿بَيْنَهُمْ﴾ [الجاثية: 17]، أي بغى بعضهم على بعض فاختلفوا في الحق لتحاسدهم وتباغضهم. ومنها الانشغال بالدنيا وملهياتها عن تحصيل العلم النافع. ومنها التعالم والتصدر قبل التأهل، فإن التصدر يمنع من تلقي العلم، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: تفقهوا قبل أن تسودوا. ومنها الفتور والكسل، قال صلى الله عليه وسلم: «إن لكل عمل شرةً، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد أفلح، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك». فالزم طريق العلم ولا تصدنك الآفات، واحذر من قطاع الطريق، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [البقرة: 168].
نواصل حديثنا عن أحكام الإمامة في الصلاة، ذكرنا أن هدي النبي صلى الله عليه وسلم كان تطويل الصلاة إذا صلى لنفسه وتخفيف الصلاة إذا صلى بالناس إماماً رحمةً بالخلق. وذكرنا أن المشروع في حق الإمام أن يخفف الصلاة في تمام، بمعنى أن يقيم ركوعها وسجودها ويطمئن فيها مع تخفيف للصلاة ويحسن القراءة ويجودها، ولا يشرع في حق الإمام أن يطول تطويلاً يؤذي المأمومين ولا يقصر تقصيراً يؤذيهم. فإن خالف هذا المشروع فطول تطويلاً بالغال أو قصر تقصيراً لم يستطع معه المأمومون أن يفعلوا الواجب عليهم من الطمأنينة وإقامة الركوع والسجود، فإنه ينفتل عنه المأموم ويصلي لوحده كما جاء في حديث معاذ رضي الله تعالى عنه، ولم ينكر النبي صلى الله عليه وسلم على هذا الشخص الذي انفتل.
من الأحكام التي نود أن نذكرها هنا، أنه يشرع في الصلاة للإمام أن يطول الركعتين الأوليين أكثر من الأخريين في صلاة الظهر والعصر والعشاء، فيطول في الركعة الأولى أكثر من الثانية، وهذا جاء في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه لما شكاه أهل الكوفة، قال لعمر رضي الله تعالى عنه لما استفسر منه: أصلي بهم صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطول في الأوليين وأركد في الأخريين. فقال عمر رضي الله تعالى عنه: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق. هذه السنة ذكرها سعد وأقره عليها عمر رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يطول في الركعتين الأوليين أكثر من الأخريين، وهذا في الحقيقة يوافق ما ذكرناه من أن المشروع في حق الإمام والمنفرد أن يقرأ في الركعتين الأوليين مع الفاتحة سورة، وأما في الركعتين الأخريين فإنه يقتصر على فاتحة الكتاب، فبالتالي تكون هاتان الركعتان الأخريان أقصر من الركعتين الأوليين.
كذلك من الأحكام التي نرغب ذكرها، أنه لو صلى إنسان بجماعة ثم بعد أن انقضى من الصلاة وسلم الناس، تذكر هذا الإمام بعد ذلك أنه كان محدثاً، فما هو الواجب؟ نقول: الواجب على هذا الإمام الذي كان محدثاً أن يتوضأ ويعيد الصلاة. هل يجب على المأمومين أن يعيدوا الصلاة؟ نقول: لا يجب على المأمومين أن يعيدوا الصلاة؛ لأنهم صلوا صلاة صحيحة ولم يعلموا بحدثه، هو لم يعلم بحدثه. ولكن هل معنى كونه لم يعلم بحدثه أنه لا يجب عليه أن يعيد الصلاة؟ يجب عليه أن يعيد الصلاة هو، ولكن لا يجب على المأمومين الذين صلوا على طهارة أن يعيدوا صلاتهم. لو علم المأموم في أثناء صلاته أنه قد أحدث، نقول: يتقدم شخص آخر فيصلي مكانه، فإن لم يتقدم شخص آخر، فإنهم يصلون ويتمون صلاتهم، ولكن لا يجوز لهم أن يأتَمُّوا بهذا الشخص المحدث متى ما علموا. أما إذا انقضت الصلاة ولم يعلموا، فإنه تصح صلاتهم إن شاء الله تعالى ولا إشكال في ذلك.
كذلك عندنا مسألة وهي حكم اختلاف النية بين الإمام والمأموم. كنا قد تكلمنا عن اختلاف النية من حيث الفرض والنفل، وذكرنا أنه تصح إمامة المفترض بالمتنفل وتصح إمامة المتنفل بالمفترض. يبقى عندنا مسألة ما حكم اختلاف النية في الفرض؟ مثلاً أن يصلي شخص الظهر وخلفه إنسان يصلي العصر، أو يصلي إنسان الظهر خلف من يصلي العصر، نقول: لا إشكال إن شاء الله تعالى في صحة ائتمام المفترضين بالمفترض ولو اختلفت نيتهم، فيجوز لمن يصلي الظهر أن يصلي خلف من يصلي العصر، ومن يصلي العصر خلف من يصلي الظهر.
ما العمل إذا كان هناك اختلاف في عدد الركعات؟ فمثلاً إنسان يصلي العشاء خلف شخص الإمام يصلي المغرب، نقول: الإمام سوف يسلم من ثلاث ركعات بحكم أنه يصلي المغرب، فهذا الذي يصلي خلفه العشاء عليه أن يقوم فيأتي بركعة كأنه مسبوق فيأتي بركعة بعد أن يسلم الإمام حتى يتم الرابعة، وهذا إن شاء الله تعالى لا إشكال فيه. طيب قد يكون هناك إشكال لو كان العكس، لو كان الإمام يصلي العشاء وهذا الشخص المأموم يصلي المغرب، فالآن الإمام سوف يصلي أربع ركعات وهذا المأموم سوف يصلي ثلاث ركعات. الأظهر والله تعالى أعلم أنه إذا كان هذا المأموم يعلم أن هذا سوف يصلي أربع ركعات، فإن الأفضل أن يتأخر عنه بركعة بحيث يتابعه في الثلاث ركعات الباقية من صلاته، أو كذلك لو صلى معه من بدء الصلاة فلا إشكال إن شاء الله تعالى. فإذا قضى الإمام الركعة الثالثة والإمام طبعاً يصلي العشاء سوف يقوم إلى الرابعة، نقول لهذا المأموم: اجلس أنت للتشهد وتشهد وصلِّ الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ثم سلم، فانفتل عن الإمام وصلى لوحده.
إذاً نقول: أنت عندك أحد خيارين لهذا المأموم، إما أن تتأخر ركعة فتصلي مع الإمام الثلاث ركعات الباقية، وإما أن تصلي مع الإمام من أول صلاته. وهذا يُسأل عنه ربما بعض الناس، يقول: أنا صليت مع الإمام ما أدري أنه كان يصلي العشاء، فأتيت وصليت معه المغرب، فوجئت أنه قام إلى الرابعة، كنت أظن يصلي المغرب فطلع يصلي العشاء، فوجئت أنه قام إلى الرابعة، ماذا أفعل؟ نقول: إذا قمت أنت من السجدتين في الركعة الثالثة اجلس، لا تقوم معه إلى الرابعة، فما يجوز للإنسان أن يقوم إلى الرابعة في صلاة المغرب، فتجلس وتتشهد وتسلم. ونقول إن حديث معاذ فيه دلالة على هذا الأمر؛ لأن ذلك الشخص انفتل لحاجة هنا، بل لأمر واجب وهو أنه لا يجوز له أن يقوم رابعاً في صلاة المغرب، فلذلك نقول له: يجوز لك أن تنفتل وتنفرد عن الإمام وتصلي وتسلم لوحدك. لماذا؟ لأنه لا يجوز له أن يقوم إلى الرابعة.
هنا مسألة كذلك نود الحديث عنها، وهي إذا صلى شخص مسافر خلف شخص مقيم، ربما الإنسان يسافر فيصلي في بعض محطات الطرق فيجد إماماً يصلي العشاء، فدخل معه كان يظن أنه سوف يقصر الصلاة ولكن أتمها. بعض الناس هداهم الله ربما انفتل من الصلاة صلى معه ركعتين وانفتل، هذا لا يجوز والله تعالى أعلم؛ لأنه خالف الإمام لأجل أمر مستحب وغير واجب. أما الشخص الذي انفتل لأنه يصلي المغرب، نقول: هذا خالف الإمام لأجل أمر واجب، يحرم عليه أن يقوم إلى رابعة في المغرب. لكن هذا الشخص نقول: يُسن في حقك القصر ولكن لا يحرم عليك أن تقوم إلى رابعة، فالآن أنت لما أتم الإمام صلاة العشاء أصبح عندك حالان، إما أن تأتي بالواجب وهو متابعة الإمام فتصلي أربع ركعات، وإما أن تقوم بأمر مستحب وهو القصر في الصلاة وتخالف الإمام، نقول: لا، لازم أن تأتي بالواجب، يجب عليك أن تتم الصلاة ولا تنفتل عن الإمام لأجل القصر في الصلاة.
خلاصة هذه الأحوال، نقول: إن الأصل وجوب متابعة الإمام، وهذه المتابعة في الأعمال الظاهرة، ولا يضر اختلاف النيات فيجوز اختلاف النيات في الفروض المغرب والعشاء والفجر والظهر والعصر، لا مانع من اختلاف النيات، ولا مانع من اختلاف النيات من حيث الفرض والنفل، ولا مانع من اختلاف النيات من حيث القصر والتمام، لا إشكال في هذا كله إن شاء الله تعالى، إلا أننا نقول إذا كان اختلاف النيات هذا يؤدي بشخص مثلاً يصلي المغرب خلف من يصلي العشاء، فهذا يحتاج أن ينفتل، فلا مانع أن ينفتل من الصلاة لأجل أنه يحرم عليه القيام إلى رابعة، ولكن لا يجوز له أن ينفتل من الصلاة ويصلي وحده لأجل أن يأتي بسنة القصر في السفر، بل يجب عليه أن يأتم بالإمام ولا يخالفه في الأعمال الظاهرة.
طيب لو جاءنا هذا المسافر وقال: أنا أدركت الركعتين الأخيرتين من الصلاة أو أدركت الركعة الأخيرة من الصلاة، نقول: لا مانع، إذا أدركت الركعتين الأخيرتين مع الإمام فسلم معه لأنك لم تخالف الآن الإمام، وإنما أتيت ما يوافق لهم فسلم معه. طيب قال: أدركت ركعة، نقول: إذا أدركت ركعة فقم فاقضِ ركعة ثم سلم، الآن لاحظ أنه أتى بالسنة على وجه لا يخالف فيه الإمام في الأعمال الظاهرة، هنا لا مانع. لكن إذا كان تحصيله لسنة القصر في السفر يؤدي به إلى أن يخالف الإمام في الأعمال الظاهرة، نقول: لا، لا تأتِ بهذه السنة وتخالف الإمام، بل الواجب عليك متابعة الإمام. إذا كان متابعة الإمام تؤدي إلى أنه يخالف هيئة الصلاة الواجبة، مثلاً يصلي المغرب أربعاً، نقول: لا، يجب أن تنفتل من الصلاة فتصلي المغرب ثلاثاً كما.
كما هي صفة صلاة المغرب. إذا هذا هو التفصيل فيما يتعلق بالائتمام باختلاف النيات بين الإمام والمأموم. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم للخير، وأن يعلمنا وإياكم ما ينفعنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يأتيك ميسوراً بأي مكان، أكاديمية ينبوعها صافي، اليوم غلة الظمآن، وتعلم الفقه الميسر عاملاً بالشرع دون تعصب لفلان، أكاديمية للعلم كالأزهر في البستان.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي