الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وبارك لنا في هذه العلوم التي نقولها ونسمعها. اللهم اجعلها يا رب العالمين حجة لنا ولا تجعلها حجة علينا. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، اللهم يا مفهم سليمان فهمنا.
إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس التاسع من سلسلة دروس الفقه في الفصل الدراسي الثاني في أكاديمية زاد، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الأكاديمية، وأن يبارك في هذه الدروس، وأن يبارك في هذه العلوم التي ندرُسها ونُدرِّسها، وأن يجعلها حجة لنا.
إخواني، كنا قد تحدثنا في الدرس الماضي عن صلاة الجماعة، وتحدثنا عن فضيلة صلاة الجماعة، وقلنا إن مما يدل على فضيلتها عدداً من الآيات والأحاديث التي بينت أهميتها. واستعرضنا الأحاديث الواردة في صحيح الإمام مسلم رحمه الله تعالى، وصحيح الإمام مسلم مع صحيح البخاري هما أصح الكتب بعد كتاب الله سبحانه وتعالى. استعرضنا سوياً بعض الأحاديث الواردة في صحيح الإمام مسلم التي دلتنا على عدد من الأمور؛ من أهمها فضيلة صلاة الجماعة العظيمة، وأنها تفضل على صلاة الفرد بسبع وعشرين درجة أو خمس وعشرين درجة.
وهمَّ النبي الكريم الرحيم بأمته هماً شديداً عظيماً فيه عقوبة -مع أنه صلى الله عليه وسلم رحيم وشفيق بأمته- ولكن ما همَّ هذا الهم إلا لأجل أمر خطير عظيم، همَّ أن يحرق على الرجال المتخلفين عن الصلاة، همَّ أن يحرق عليهم بيوتهم بالنار. كذلك قول عبد الله بن مسعود: "ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق أو مريض، وإن المريض ليؤتى به يُهادى بين الرجلين حتى يُقام في الصف". هذا كله يدلنا في الحقيقة على فضيلة صلاة الجماعة.
كذلك مما تدلنا عليه هذه الأحاديث والآثار أن صلاة الجماعة واجبة على الرجال، وذكرنا أن هذا الوجوب مخصوص بالرجال ولا يشمل النساء؛ لأننا إذا تأملنا في هذه الأحاديث نجد أنها خصت الوجوب بالرجال من خلال عدد من الأوصاف. وهنا في الحقيقة يجب أن ننتقل إلى قاعدة مهمة، قاعدة هي الأصل ثم نبين الاستثناء.
الأصل في الشريعة أن ما وجب على الرجال يجب على النساء، وأن ما شُرع في حق الرجال فإنه يُشرع في حق النساء؛ الأصل في الشريعة أنها عامة للذكر والأنثى. ولأجل هذا إذا جاءت الواجبات الشرعية أو العبادات الشرعية بلفظ مثلاً المسلمين أو «افعلوا» فإنها تشمل الرجال والنساء، وإن كان هذا اللفظ في الأصل هو مثلاً من ضمائر الرجال أو مما يُستخدم للرجال، لكن يدخل فيه النساء كذلك تبعاً في هذه الألفاظ.
لكن إذا جاء في الشريعة تعليق الحكم بوصف «رجال»، فهذا يدل على أنه خاص بالرجال دون النساء. مثاله قول الله سبحانه وتعالى: ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: 37]. الآن لاحظوا أن هذا الوصف عُلِّق بالرجال، لو عُلِّق هذا الوصف بالمسلمين لقلنا إنه يشمل النساء. فإن قال قائل: أليس المسلمون أو لفظ كلمة المسلمين منطبقاً على الرجال، ولو كان يُراد النساء لقيل المسلمين والمسلمات؟ نقول: لا، المسلمون لفظ الأصل فيه نعم أنه يُطلق على الرجال، ولكن هذا الأصل ليس نصاً أو ظاهراً صريحاً في خصِّه بالرجال، فإنه في لغة العرب تُطلق كلمة المسلمين عموماً على الرجال والنساء. لكن إذا أُطلقت لفظة الرجال وعُلِّق بها الحكم، فإنها تدل على وصف خاص مقصود، وهو أنه خاص بالرجال.
مثل هذه الآية، مثل قول الله سبحانه وتعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ [النساء: 34]. لاحظ، قال: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾، إذاً هذا دليل أن هذا الحكم خاص بالرجال. قول الله سبحانه وتعالى: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ [النساء: 7]. في واقع الأمر هذه الآية تدل، والآية التي قبلها تدل، على اختصاص هذا الحكم بالرجال من وجهين: الوجه الأول لفظ الرجال، والوجه الثاني أنها جاءت على وجه التقسيم «الرجال والنساء»، فهذا يدل على أن هذا الحكم للرجال وهذا الحكم للنساء، هذا التقسيم دائماً يدل على التفصيل. إذاً لفظ الرجال يدل كذلك على أن هذا الحكم خاص بالرجال. إذاً لاحظتم، هذا استثناء من القاعدة الشرعية الأصل، وهي أن أحكام الشريعة أصلاً هي شاملة للذكر والأنثى، شاملة للرجال والنساء.
كذلك مما يدلنا على اختصاص هذا الحكم بالرجال -نحن الآن نريد أن نتعلم كيف نستنبط من ألفاظ الشريعة، من ألفاظ القرآن، من ألفاظ السنة- أننا نقول إن الحث على حضور الجماعة للرجال جاء بالأمر، وجاء بالحث، وجاء بالترهيب من الترك، وجاء بالوعيد على من ترك بوصفه بالنفاق أو غير ذلك من الأوصاف؛ يعني لاحظوا أن هناك حثاً شديداً جداً بأعلى درجات الحث. لذلك الصحيح أن صلاة الجماعة واجبة على الرجال.
دعونا نتأمل الأحاديث الواردة في حق النساء، جاء في الأحاديث حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله». لاحظوا أن هذا الحديث ما جاء بصيغة الأمر بالحضور إلى المساجد لا كما جاء في حال الرجال، لا، وإنما جاء بصيغة عدم منعهن إذا أردن الحضور إلى المساجد؛ يعني كان المستدعى في الذهن هو أنهن لا يحضرن إلى المساجد، ولذلك قال النبي الكريم: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله»؛ يعني لاحظوا الآن هذا الحديث يدل على ماذا؟ يدل على أن الأصل أنهن لا يقدمن إلى المساجد، لذلك أمر النبي الكريم بعدم منعهن حتى يُباح لهن القدوم إلى المسجد. لاحظ أن هذه الصيغة ليست كصيغة ما جاء من الآيات والأحاديث بوصف الرجال.
قول النبي الكريم: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله»، ما جاء صريحاً عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أن صلاة المرأة في بيتها خير لها، هذا لا شك أنه صريح في عدم حضورها إلى المسجد، أو بالأصح عدم مشروعية -أو استحباب- حضورها إلى المسجد، وإن كان حضورها إلى المسجد مباحاً بدليل قول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله». وقد كان بعض النساء يشهدن الصلاة مع النبي صلى الله عليه وسلم في مسجده، ولذلك قال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: «خير صفوف النساء آخرها»، وجاء في الحديث أنه يشهد معه نساء متلفعات بمروطهن ما يعرفهن أحد من الغلس؛ يعني إذا انصرفن من صلاة الفجر، فقد كان يشهد مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض صلواته يشهد معه بعض النساء، ولكن لم تكن هذه هي العادة المطردة، أو لم تكن هذه على وجه المشروعية بمعنى الاستحباب أو الوجوب، وإنما كانت على وجه الإباحة.
إخواني، نواصل حديثنا عن صلاة الجماعة، وذكرنا الآيات والأحاديث التي دلت على وجوبها على الرجال، وأن هذا الوجوب مخصوص بهم دون النساء، وأن هذا مخالف للقاعدة العامة في الشريعة وهي شمول الأحكام للرجال والنساء، إلا أنه ثمة أحكام خاصة بالرجال وثمة أحكام خاصة بالنساء، قد جاء في الشريعة بيانها وبيان خصوصيتها بهم. ومن هذه الأحكام الخاصة بالرجال وجوب صلاة الجماعة عليهم، وأما صلاة الجماعة في حق النساء فهي مباحة، دل على ذلك حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله».
لكن ينبغي التنبيه هنا إلى أن هذه الإباحة مقيدة؛ مقيدة بألا يترتب على خروجها فتنة. لذلك إذا خرجت المرأة أو خرج النساء، فإن عليهن أن يخرجن تَفِلات؛ يعني غير متطيبات ولا متزينات. لا يجوز للمرأة أن تخرج إلى المسجد متزينة، كيف تخرج إلى الصلاة وهي متزينة ومتطيبة؟ هذا بهذا الشكل تستدعي عقوبة الله سبحانه وتعالى؛ لأنها تخرج بهذا الشكل عاصية، فكيف تخرج إلى المسجد تطلب رحمة الله بطريق ووسيلة هي وسيلة لعقوبة الله بسبب ارتكابها لهذا الإثم؟ لذلك ينبغي على أخواتنا المسلمات أن يحرصن على الصلاة في بيوتهن.
هناك بعض الأحوال استثناء؛ مثلاً في التراويح في قيام شهر رمضان، شهر رمضان شهر فاضل ولياليه ليالٍ فاضلة، قد المرأة لو بقيت في بيتها قد أنها لا تستطيع أنها تقوم مثلاً إلا أنها تصلي ركعتين، وربما أربع ركعات ثم توتر، ولكن إذا خرجت مع الجماعة صلت، استطاعت أنها تصلي ساعة أو ساعتين مثلاً مع الإمام بسبب وجود من يؤم وهو حافظ لكتاب الله فيعين هذا على القيام، فيعين هذا على قيام الليل. نقول في هذه الحالة: لا مانع، لا مانع للمرأة أنها تخرج، ويكون خروجها إن شاء الله تعالى في هذه الصلاة احتاجت إليه لأجل أنها مثلاً ليست حافظة للقرآن، أو أنها إذا بقيت في البيت لا تستطيع أنها تقوم هذا القيام؛ لأن لا يوجد من مثلاً يشجعها على هذا القيام الطويل. فنقول لأجل رمضان وما فيه من الفضيلة وإدراك فضيلة قيام الليل في رمضان وسماع القارئ الحافظ لكتاب الله سبحانه وتعالى -والمرأة قد تكون غير حافظة وقد تكسل عن القيام إذا صلت في بيتها لوحدها- فإنه يُشرع لها أنها تخرج إلى المسجد وتصلي مع الناس في هذه الصلوات التي هي التراويح في قيام الليل، ولكن بهذا الشرط الذي ذكرناه، وهو أنها لا تخرج إلى المسجد مطيبة ولا متزينة. كيف تخرج تطلب هذه السنة وهذه الفضيلة وهي في معصية بخروجها متزينة أو مطيبة؟ لا شك أن هذا نوع من التناقض. إذاً هذا ما يتعلق بالحديث عن خروج النساء إلى المساجد.
طيب، نريد أن نتحدث كذلك اليوم إن شاء الله تعالى عن الأعذار التي يُباح للرجل فيها أن يترك صلاة الجماعة. من الأعذار التي يُباح للرجل فيها ترك صلاة الجماعة: المرض. لذلك المرض عذر يمنع المسلم في واقع الأمر من الحضور إلى جماعة المسجد، بل ربما يمنعه كذلك من بعض أركان الصلاة؛ مثلاً القيام، إذا كان لا يستطيع القيام فإنه يصلي قاعداً، وهكذا. إذاً لا شك أن الواجبات الشرعية دائماً -هذه قاعدة عامة في الشريعة- الواجبات الشرعية دائماً منوطة بالقدرة. إذا كان الإنسان يقدر على القيام بها والإتيان بها فإنه يجب عليه القيام بها. إذا كان مريضاً أو لا يستطيع أو يشق عليه أنه يقوم إلى المسجد، فلا يكلف الله سبحانه وتعالى نفساً إلا وسعها، فلذلك يبقى في بيته ويصلي في بيته على الصفة والهيئة التي يمكنه الصلاة بها. إذاً هذا أول عذر.
ولا شك أن المريض أُسوة بالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم لما مرض وقال: «مُروا أبا بكر فليصلِّ بالناس»، لكن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم ما أمر هذا الأمر إلا بعد أن حاول صلوات الله وسلامه عليه، حاول محاولة بالغة وعظيمة أن يذهب إلى المسجد، ووضعوا له ماء في المخضب واغتسل فيه ليخفف عن نفسه الحمى والحرارة ثلاث مرار صلوات الله وسلامه عليه، في كل مرة من هذه المرات بعد أن يغتسل في هذا المخضب يبرد على نفسه، إذا أراد القيام يُغمى عليه صلوات الله وسلامه عليه من شدة الحمى والحرارة، ثم بعد ذلك المرة الرابعة أمر أبا بكر، أرسل إلى أبي بكر ليصلي بالناس. وإن كان هذا القدر قطعاً ليس الواجب على الناس عموماً، وإنما هذه رتبة من أعلى الرتب لا يستطيعها عموم الناس ولا يستطيعها طلبة العلم ولا غيرهم، هذه رتبة النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه. لكن نحن نقول إن المريض إذا شق عليه أو كان هذا مثلاً ضاراً به أو بصحته أو كان يجد فيه مشقة وصعوبة، فإنه يصلي في بيته، ولا يحتاج إلى أن يخرج إلى المسجد أن يُهادى مثلاً بين رجلين، أو أن يجعل له الماء في المخضب أو غير ذلك، لا، هذه في واقع الأمر لا نقول إن هذا واجب على الناس عموماً، بل القدر الذي يُباح به ترك الجماعة هو المرض الذي يشق فيه الحضور إلى المسجد. طيب، كذلك من الأعذار...
التي تبيح للرجل أن يتخلف عن صلاة الجماعة، إذا حضرت الصلاة وهو يدافع الأخبثين، أو وهو بحضرة طعام؛ أي أن يصلي. نُهي الرجل أن يصلي في الجماعة حاقنًا أو حاقبًا، بمعنى أنه حاقن لبوله أو حاقن للغائط مثلاً؛ فيصلي مع الجماعة مشغول الذهن. فلذلك يقال لهذا الرجل: لا، اخرج حتى لو كان في الجماعة، وقد شرع في الصلاة نقول له: اخرج من الصلاة واقضِ حاجتك ثم تعال. فما أدركت، إن كنت أدركت الجماعة فأدرك الجماعة وصَلِّ مع الجماعة، وإن لم تدرك الجماعة فصَلِّ منفرداً، ولكن لا يشرع للمسلم الرجل أن يأتي يحرص على الجماعة فيصلي مع الجماعة مشغول الذهن.
وهذا في الحقيقة يدلنا على قاعدة شرعية عظيمة، وهي أن الفضائل المرتبطة بذات العبادة أهم من الفضائل الخارجة عن العبادة. الخشوع في الصلاة هو لب الصلاة وجوهرها وأساسها. الجماعة فضيلة وهي واجبة في الصلاة كما الخشوع واجب، كلاهما واجب. الآن فإن عندنا تعارضاً بين هذين الواجبين؛ واجب الخشوع وواجب الجماعة، فما الذي نقدم؟ الخشوع هو لب الصلاة وأساسها وأهم ركن فيها. والجماعة في واقع الأمر أنها واجب خارجي عن الصلاة؛ يعني حضوره للجماعة هو صلاته صحيحة، ولكن كونها في جماعة هذا أمر خارج عن ذات الصلاة. لا شك أنه واجب، لكنه أمر خارج عن ذات الصلاة، خارج عن قضية قيامها وركوعها وسجودها وحضور القلب فيها، فهو أشبه بالأمر الخارج المتعلق بالهيئة العامة؛ أنه يصلي في جماعة. فلذلك نحن نقدم الخشوع، وهو ما قدمه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، يقدم الخشوع في الصلاة على قضية إدراك فضيلة ووجوب الجماعة؛ لماذا؟ لأنه كما ذكرنا أن الفضيلة المتعلقة بذات العبادة أولى من الفضيلة الخارجة عن ذات العبادة.
لو أن إنساناً أراد أن يصلي فقال: أفضل الصلاة في أول وقتها، وقال: أنا بصلي في أول الوقت. طيب إذا كان هو حاقن، نقول: لا، لا تصلِّ في أول الوقت، مو لازم تدرك هذه الفضيلة؛ لأن صلاتك خاشعاً أولى من صلاتك في أول وقت. كيف أخذنا هذا الحكم؟ أخذناه من هذه القاعدة، نقول إن صلاتك خاشعاً هذه فضيلة متعلقة بذات العبادة، أما كون هذه الصلاة في أول الوقت أو في وسط الوقت أو في آخر الوقت فهذه فضيلة متعلقة بالوقت. والصلاة في أول الوقت أفضل في صلاة الفجر والظهر والعصر والمغرب، والعشاء في آخر وقتها أفضل، والظهر في حال الإبراد كما قد بيناه في المواقيت، لا نريد أن نعود إليه هنا. لكن نحن نقول: هذه فضيلة متعلقة بالوقت تعارضت مع فضيلة متعلقة بلب العبادة، ما الذي نقدم؟ الفضيلة المتعلقة بالوقت أم الفضيلة المتعلقة بلب العبادة؟ نقول لا، الفضيلة المتعلقة بلب العبادة وهي الخشوع؛ فلذلك اذهب واقضِ حاجتك، وإن كان صليت في وسط الوقت. لاحظتم هذا التطبيق لهذه القاعدة؟ من أين أخذناه؟ أنه إذا كان الجماعة تركت لأجل حضور القلب، فلا شك أنه من باب أولى أن تترك فضيلة أول وقت، الجماعة وهي واجبة تركت، وأول الوقت سنة، فمن باب أولى أن يترك كل هذا؛ لماذا؟ لأجل أن يتحقق الخشوع وحضور القلب في الصلاة.
لا يصلي الإنسان وهو غائب القلب وغائب الذهن، من فقه الرجل أن يحضر قلبه في الصلاة، وأن يقوم قبل صلاته بكل شيء يحتاجه لحضور قلبه؛ مثلاً يحتاج إلى قضاء الحاجة، يحتاج إلى طعام. إذا كان لذلك جاء في الحديث أنه لا صلاة بحضرة طعام، إذا كان الإنسان جائعاً وحضر الطعام، هو يشتهيه؛ ففرض أنه أقام الصلاة الآن في المسجد، أقيمت الصلاة في المسجد؛ فإذا انصرف وهو جائع والطعام قد حضر، فإن قلبه في هذه الصلاة سوف يكون مشغولاً بطعامه، وهذا سوف يخرجه عن الفضيلة المتعلقة بذات العبادة ولبها وهو الخشوع في الصلاة. لذلك النبي الكريم صلى الله عليه وسلم قال: «لا صلاة بحضرة طعام»، إذا أقيمت الصلاة وحضر العشاء فابدؤوا بالعشاء، كما جاء في الوصية النبوية الكريمة من النبي صلى الله عليه وسلم؛ الإنسان يبدأ بطعامه حتى لا يصلي ويقبل على صلاته إلا وهو حاضر القلب. وأما إذا كبر للصلاة وهو جائع ويفكر في الطعام، فهذا صلاته سوف تكون سهو، وسوف تكون غائبة، ليس فيها اللب والخشوع، ستكون شكلاً دون لب ودون جوهر. نعود إليكم إن شاء الله تعالى بعد الفاصل لبيان بعض الأحكام المتعلقة بصلاة الجماعة.
عن أي شيء تبحث؟ وفي أي شيء ترغب؟ وماذا تطلب؟ وما هي همتك في هذه الحياة؟ فالمسلم يحب المعالي ويسعى إليها، قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها». واعلم أن طلب العلم لا ينتهي، بل هو مستمر إلى آخر العمر؛ قيل للإمام أحمد وهو يحمل محبرة: إلى متى؟ فقال: مع المحبرة إلى المقبرة. ولا يعوق كبر السن عن طلب العلم إذا توافرت الهمة؛ فلا أن تموت طالباً للعلم خير من أن تموت قانعاً بالجهل. وذو الهمة يحرص على جمع الفوائد وقراءة المطولات، قال أبو عبيد: ربما كنت أستفيد الفائدة من أفواه الرجال فأضعها في الكتاب، فأبيت ساهراً فرحاً بتلك الفائدة. وقال الخطيب البغدادي: قرأت على إسماعيل بن أحمد صحيح البخاري جميعه في ثلاثة مجالس. ومن المهم المداومة على طلب العلم، فالقليل مع المداومة خير من الكثير مع الانقطاع؛ قال عكرمة: طلبت العلم 40 سنة، وقال أبو العباس النحوي: ما فقدت إبراهيم الحربي من مجلس لغة منذ 50 سنة. فاطرح عنك الكسل، واحرص على دراسة العلم وإحسان العمل، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69].
نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن أحكام صلاة الجماعة. وقلنا إنه يُعذر في ترك صلاة الجماعة من الرجال أصحاب الأعذار الآتية؛ مثلاً مثل المرض الذي يعيق الإنسان عن الحضور لصلاة الجماعة أو يشق عليه أن يحضر إلى صلاة الجماعة، كذلك إذا كان يدافع الأخبثين، أو حضر طعام وهو جائع وهو متشوف له. وقاس عليها أهل العلم كذلك ما لو خشي ضياع شيء من ماله؛ مثلاً لو ذهب إلى الصلاة أو أراد أن يحرس شيئاً معيناً. الآن مثلاً إذا أقيمت الصلاة وثمة شيء من ماله متروك وليس محرزاً؛ فلو ذهب إلى الصلاة ربما يضيع هذا المال، فالآن إذا صلى سوف يكون مشغول القلب والذهن والبال بماله ألا يضيع. فلذلك قاس أهل العلم هذه الصورة وهي الصورة التي تشغل الإنسان؛ طبعاً لا شك أن الواجب عليه أن يحرز ماله وأن يذهب للصلاة، لكن أحياناً ببعض الظروف والأحوال، مثلاً كان يكون الإنسان في مكان مفتوح وعنده بعض الإبل أو الأغنام أو غيرها، فهو نعم قد حرز، لكن يخشى أن أحداً يفكها ويذهب بها، أو أنها تسرق عليه لأنها ليست محرزة ومجودة تجويداً تاماً؛ فيقول: لا والله، أنا سوف أصلي الآن عندها حتى لا أذهب إلى المسجد وينشغل ذهني وقلبي وبالي مع هذا المال ألا يضيع أو ألا يسرق. وإن كان نحن نقول: إذا كان ثمة طريق أن يحرزه ويجمع مع ذلك الصلاة في المسجد فهذا هو الواجب عليه، أن يحرص على الحضور إلى صلاة الجماعة بكل شكل وبكل طريق.
كذلك من الأعذار التي تبيح للرجل عدم القدوم إلى صلاة الجماعة وجود المطر الشديد الذي يبل الثياب، أو البرد الشديد، أو الريح الشديدة. وقد جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم في بعض هذه الأحوال أمر المنادي أن ينادي: «ألا صلوا في رحالكم»، بدل أن يقول المنادي: حي على الصلاة؛ أي هلموا إلى الصلاة، يقول: صلوا في رحالكم، يعني لا يأتين أحد إلى المسجد لأن فيه مشقة على الناس. لذلك في أحوال المطر، كما سيأتينا إن شاء الله تعالى لاحقاً، أن حالة المطر من الأحوال التي يباح فيها جمع الصلاتين. هذه بعض الأعذار التي تبيح للرجل أن يترك فيها صلاة الجماعة.
ننتقل الآن إلى بعض الأحكام الفقهية المتعلقة بصلاة الجماعة. صلاة الجماعة تدرك بإدراك ركعة، وإدراك الركعة هذا أمر معتبر في عدد من المواطن في الصلاة وفي الفقه؛ فقد جاء في الحديث: «من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر، ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح»، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم مناط إدراك الوقت أن يدرك الإنسان فيه ركعة. كذلك مناط إدراك صلاة الجماعة هو إدراك الركعة، لذلك مثلاً من أراد أن يصلي الجمعة وكان مسبوقاً ففاتته الخطبة وجاء والإمام يصلي، نقول: إذا أدركت مع الإمام ركعة فأنت قد أدركت الجمعة. طيب، إن لم يدرك مع الإمام ركعة فجاء وقد فاته الركوع من الركعة الأولى وفاته الركوع من الركعة الثانية، جاء والإمام ساجد في الركعة الثانية، نقول: إذا دخلت مع الإمام فصَلِّ هذه الصلاة ظهراً؛ لأن الجمعة فاتتك، تدرك الجمعة بإدراك الركعة، الجماعة تدرك بإدراك ركعة، الوقت يدرك بإدراك ركعة كما جاء في هذه الأحاديث عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.
كذلك من المسائل المهمة التي نود التنبيه إليها وهو في صلاة الجماعة، يجب على الأئمة أن يحرصوا على تسوية صفوف المصلين؛ فقد جاء في حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخلل الصف من ناحية إلى ناحية، يمسح صدورنا ومناكبنا ويقول: «لا تختلفوا فتختلف قلوبكم». هذا يدل على اهتمام النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بتسوية الصفوف. وجاء في حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: «أتموا الصف المقدم، ثم الذي يليه، فما كان من نقص فليكن في الصف المؤخر». يحرص النبي الكريم على تسوية الصفوف، أن تكون مستوية، وأن يكون الناس فيها متراصين، وأن يكمل النقص في الصف المقدم ثم الذي يليه؛ بحيث يكون النقص في آخر الصفوف، ولا يكون هناك فراغات داخل أو وسط الصف، ولا في نهاية الصف، وإنما يتمم أولاً الصف المقدم ثم الصف الذي يليه وهكذا. وهذا حرص من النبي صلى الله عليه وسلم على تسوية الصفوف في الصلاة، وأن يصطف الناس اصطفافاً صحيحاً، «لا تختلفوا فتختلف قلوبكم» كما جاء عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.
ولا شك أن وجود الخطوط اليوم في فرش المساجد مما يسهل على الإمام هذه المهمة، فإذا كان النبي الكريم صلى الله عليه وسلم قد احتاج أنه من ناحية إلى ناحية يمسح ليسوي الصف، فلا شك أن وجود هذا الخط يعفي الإمام من قضية أن ينتقل من طرف الصف إلى طرف الصف وهو يسوي الناس بيده، وإنما يكفيه أن يأمرهم بالاستواء على هذا الخط بحيث يكونوا جميعاً مستوين في صف واحد، وينبغي له أن ينبههم على سد الفرج بحيث يتقارب بعضهم مع بعض، ولا يكون هناك فرج في الصفوف، وهذا إن شاء الله تعالى ننبه إليه في بعض أحكام الإمامة.
كذلك من المسائل التي نود أن ننبه إليها، وهي أن المسبوق الذي يأتي إلى صلاة الجماعة متأخراً لا ينبغي له أن يصلي في صف جديد وهناك فراغ أو فجوة في الصف الذي قدامه، بل ينبغي له دائماً أن يسد هذه الفرجة، ونقول: إذا صلى خلف الصف لوحده، فإن صلاته لا تصح إلا إذا لم يجد فرجة أمامه. وقال بعض الناس إنه يسحب شخصاً معه من الصف الذي أمامه ليصلي معه، هذا في الحقيقة خطأ من أوجه؛ الوجه الأول أنه يشوش على هذا المصلي الذي سحبه، والوجه الثاني أنه فيه تأخير له هو، الشخص هذا جاء في الصف المقدم، ربما الصف الأول أو الثاني، فكيف ترد إلى الصف المؤخر وتفوت عليه فضيلة الصف المقدم؟ لذلك من جاء ولم يجد فرجة ولا فراغاً في الصف، فإن هذا إن شاء الله تعالى يعتبر عذراً حسياً يمنعه من الالتحاق بالصف أو سحب رجل من الصف، وبالتالي نقول له: صَلِّ خلف الصف لوحدك، أما إذا صلى خلف الصف لوحده وهناك مكان في الصف الذي أمامه يمكنه أن يدخل فيه، فإن صلاته والله تعالى أعلم لا تكون صلاة صحيحة ولا تصح.
كذلك من الأشياء التي ينبغي أن ننبه إليها في صلاة الجماعة وهي أن الجماعة كيف تتحقق؟ تتحقق بالاجتماع على إمام واحد، والمراد بالاجتماع اجتماع الأبدان اجتماع المصلين. لذلك هناك سؤال: هل يجوز للإنسان أن يصلي من بيته مع الجماعة في المسجد وهو يسمعهم مثلاً من خلال مكبرات الصوت، أو يراهم من خلال التلفاز، أو يسمعهم بالمذياع؟ نقول: لا، لا يجوز، ولا يعد هذا اهتماماً صحيحاً؛ لماذا؟ لأن الجماعة المراد بها الجماعة المجتمعة، هذه صلاة الجماعة أنهم مجتمعون مع هذا الإمام؛ لذلك يراعى في هذه الجماعة اتصال الصفوف وتقارب الصفوف، أما هذا الشخص الذي يصلي في بيته ففي واقع الأمر هو لا يسمى أنه مجتمع معهم، هذه قضية مهمة؛ لفظ الاجتماع ولفظ الجماعة لفظ ينبغي مراعاته والعناية بتحقيق مناطه والعناية به.
بتحقيق مناط؛ بحيث الإنسان لا يأتم ائتمامًا خاطئًا. هذه بعض الأحكام المتعلقة بصلاة الجماعة، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم ممن يحرص على صلاة الجماعة، وممن يقيم الصلاة ويؤديها على أتم الوجوه وأحسنها، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
يا راغبًا في كل علم نافع، متطلعًا لزيادة الإيمان، وتريد سهلًا وميسرًا يأتيك ميسورًا بأي مكان، زاد زاد أكاديمية ينبوعها صافٍ ليروي غلة الضمآن، وتعلم الفقه الميسر عاملًا بالشرع دون تعصب لفلان، بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي