تسجيل الدخول

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما. اللهم هيئ لنا من أمرنا رشدا، وآتنا من لدنك توفيقا وسدادا وصوابا. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، اللهم يا مفهم سليمان فهمنا.

هذا هو الدرس العاشر من سلسلة دروس الفقه في أكاديمية زاد المباركة في فصلها الدراسي الثاني. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس، وأن ينفع بها قائلها وسامعها، وأن ينفع بها من أعدها ومن نشرها. إخواني وأخواتي، سوف ندرس إن شاء الله تعالى في هذا الدرس عن أحكام صلاة الجمعة، وسوف نقسم هذه الأحكام على درسين بإذن الله سبحانه وتعالى. سنتحدث في درسنا هذا عن فضل يوم الجمعة، ثم نتحدث عن أركان صلاة الجمعة وشروطها وعلى من تجب، ثم نتحدث إن شاء الله تعالى عن خطبة الجمعة ومسنوناتها.

أولا عندما نتحدث عن الجمعة، فإن الجمعة يوم فاضل من أيام الأسبوع، بل هو أفضل أيام الأسبوع وخيرها. وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة». وقد هدى الله سبحانه وتعالى هذه الأمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم لهذا اليوم، وأضل عنه أمة الكتابين من قبلنا؛ اليهود فقد اختار اليهود يوم السبت، والنصارى يوم الأحد، وأضلهم الله سبحانه وتعالى عن هذا اليوم الفاضل الذي شرعه الله سبحانه وتعالى واختاره لهذه الأمة أمة محمد صلى الله عليه وسلم. هذا اليوم خلق فيه آدم، وفيه أدخل الجنة، وفيه أخرج منها، وهذا اليوم هو اليوم الذي تقوم فيه الساعة.

وهنا فائدة أيها الإخوة والأخوات الأكارم، وهو أن التسبيع أي أيام الأسبوع إنما هو دين رباني إلهي شرع في الأديان عموما وهو أمر سماوي. بخلاف مثلا الشهر؛ فالشهر الهجري يعتبر أمرا حسيا وحسابه أمر حسي يرى بالهلال، فيعلم ابتداء الشهر ويعلم انقضاء الشهر بإهلال الهلال ثم غيابه إلى أن يهل الهلال في الشهر الذي يليه، فالشهور تكون حسية. لكن الأسبوع؛ ما هو الفرق بين اليوم الأول في الأسبوع واليوم السابع في الأسبوع واليوم الثامن منه واليوم التاسع واليوم العاشر؟ لا فرق، إذًا هذا التسبيع في الحقيقة هو من آثار وبقايا الأديان السماوية، وهو موجود في هذه الأمة محفوظ في دين الإسلام استمر عليه دين الإسلام. ولكن هذا التسبيع لو سأل سائل وقال: لماذا سبع الكفار الأسبوع إذا لم يكن عندهم دين سماوي ولا شرع سماوي؟ نقول: هذا من بقايا آثار النبوات السابقة فيهم، وإلا في الواقع فإن التسبيع أمر شرعي وليس أمرا حسيا، لا يوجد فرق حسي بين اليوم السابع واليوم الثامن أو اليوم التاسع أو اليوم السادس أو غيرها.

لماذا شرع الله سبحانه وتعالى هذا التسبيع؟ ليكون ثمة عيد في الأسبوع يعظم هذا اليوم ويجتمع فيه أهل الإسلام، يعبدون الله سبحانه وتعالى ويذكرون الله سبحانه وتعالى، ويسمعون هذه الموعظة البليغة المسماة بصلاة الجمعة. إذًا إذا نظرنا في شرائع دين الإسلام وجدنا أن فيها اجتماعات؛ فهناك اجتماعات صغرى واجتماعات وسطى واجتماعات كبرى. فالاجتماعات الصغرى مثل اجتماع المسلمين في كل صلاة، هذا اجتماع في كل صلاة، صلاة الجماعة في المسجد، هذا اجتماع على مستوى المسجد، على مستوى الحي الصغير.

وهناك اجتماع أعلى منه وهو اجتماع ربما يكون على مستوى الحي الكبير أو الأحياء المتجاورة أو البيوت الكثيرة؛ ألا وهو اجتماع الجمعة، وهذا يكون في الجوامع عادة، لا يكون في كل مسجد وإنما يكون في المساجد الكبيرة التي اصطلح الناس على تسميتها بالجامع، هذا اجتماع أكبر من الاجتماع الذي قبله، وهو اجتماع أسبوعي، لا اجتماع يومي كالذي قبله. وهناك اجتماع على مستوى أعلى منه؛ وهو يكون على مستوى أهل المدينة الكبيرة أو القطر الكبير؛ ألا وهو الاجتماع في العيدين، اجتماع في العيد، عيد الفطر وعيد الأضحى، لذلك لا تصلى صلاة عيد الفطر ولا تصلى صلاة عيد الأضحى في كل جامع، وإنما تصلى غالبا في المصلى الذي يكون خارج البلد أو في الجوامع الكبيرة جدا، ويجتمع فيها عدد كبير من الجوامع وربما عدد كبير من الأحياء، وربما لا يكون في المدينة إذا كانت المدينة صغيرة إلا عيد واحد، مشهد واحد للعيد فقط، أما إذا كانت المدينة كبيرة جدا واسعة جدا فربما تعددت فيها مصليات العيد.

الشاهد أن هذا الاجتماع هو اجتماع على مستوى أعلى من اجتماع الجمعة. وهناك اجتماع أكبر يكون للمسلمين جميعا، وهو الاجتماع يوم عرفة ويوم النحر في مكة في بلد الله الحرام يوم الحج الأكبر في شعيرة الحج، هذا اجتماع على مستوى أقطار العالم الإسلامي كلها، لا يوجد ولا يتكرر في السنة إلا مرة واحدة ولا يوجد إلا في مكان واحد، إذًا هذا هو الاجتماع الأكبر يوم الحج الأكبر. إذًا لاحظوا هذه المستويات من مستويات الاجتماع كيف ابتدأت أولا على مستوى صلاة الجماعة، ثم على مستوى الجمعة، ثم على مستوى صلاة العيد، ثم على مستوى شعيرة الحج، هذه تتفاوت عظمة وتوسطا وصغرا بحسب مواسم تكرارها.

إذًا أيها الإخوة، نريد أن ننتقل بعد ذلك فنقول: إن صلاة الجمعة واجبة وجوبا عينيا وهي فريضة من الفرائض وهي من آكد الصلوات، وقد جاء الأمر بحضورها في كتاب الله سبحانه وتعالى، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9]. وقد جاء في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في صحيح مسلم: «لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم فيكونون من الغافلين». إذًا هذا فيه تحذير ووعيد شديد في قضية ترك الجمعة، حضور الجمعة من الواجبات التي اتفق عليها أئمة الإسلام وعلماء الإسلام. ولكن هنا سؤال: على من يجب حضور الجمعة؟ هل تجب على كل ذكر وأنثى؟ على كل مسافر ومقيم؟ أم تجب بشروط وبأحوال؟ فنقول: إنها تجب إذا توفرت بعض الشروط وبعض الأحوال، وتسقط في بعض الشروط وفي بعض الأحوال، وهو ما سنتعرض له إن شاء الله تعالى.

نعود إليكم ونواصل حديثنا معكم إن شاء الله تعالى عن فرضية الجمعة ووجوبها. فنقول: إن الجمعة واجبة وجوبا عينيا مؤكدا تجب على المسلم المكلف، وقولنا المكلف نعني به البالغ العاقل. فالصغير الذي لم يبلغ حضور الجمعة مؤكد عليه من ناحية تربوية حتى يتعود عليها، هذا إذا كان قد بلغ سبع سنين ويضرب عليها لعشر تأديبا له على الصلاة، ولكن هل هذا وجوب شرعي بمعنى أنه يتحمل الإثم والوزر إذا لم يحضر؟ نقول: لا، وإنما هذا تربية على حضور الصلاة لهذا الصغير. وأما الصغير الذي دون سبع سنين فهذا لا يؤمر بالصلاة، بل ينبغي ألا يحضر إلى صلاة الجماعة حتى لا يزعج الناس.

إذا قلنا مكلف فنحن نعني به البالغ، ونعني به العاقل، العاقل خلاف المجنون، فالمجنون لا يجب عليه شعيرة من شعائر الدين ولا يجب عليه أن يؤدي عبادة من العبادات، لأنه قد رفع القلم عن ثلاث كما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، المجنون حتى يفيق. إذًا هذا الشرط الأول من الشروط التي إذا تحققت نقول تجب الجمعة على هذا الشخص. الشرط الثاني: الذكورية، لا تجب صلاة الجمعة على النساء، النساء يصلين في بيوتهن ظهرا، ولو حضرت المرأة إلى صلاة الجمعة واستمعت الخطبة والذكر، وكان الجامع فيه مصلى للنساء فلا بأس بهذا إن شاء الله تعالى، وهي إن شاء الله تعالى تحضر هذا المجلس من مجالس العلم والذكر والخير، تستفيد بإذن الله تعالى وتسمع هذا الخير وتحضر الدعاء، دعوة المسلمين، ولكن هل هو واجب عليها؟ نقول: لا، ليس بواجب.

ليس بواجب على المرأة، والمرأة لا يجب عليها الخروج من بيتها لأجل صلاة الجمعة ولا لأجل صلاة الجماعة كما قد بيناه سابقا؛ فإن صلاة الجمعة وصلاة الجماعة من الواجبات التي تكون على الرجال، قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: 36-37]. فقد وصف الله سبحانه وتعالى عمار بيوته بهذا الوصف "رجال" الذي يخرج منه النساء. كذلك جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وصلاتهن في بيوتهن خير لهن». إذًا هذا دليل على أن المرأة لا يجب عليها حضور جماعة المسجد ولا حضور الجمعة في المسجد. وهذا بخلاف تأكيد خروج المرأة للعيدين، فإن هذا إن شاء الله تعالى لعله يأتينا في باب صلاة العيد؛ أن النساء كن يؤمرن بالخروج كما جاء في حديث أم عطية رضي الله تعالى عنها أن النساء كن يؤمرن بالخروج حتى أنهن كن يخرجن العواتق وذوات الخدور ليشهدن صلاة العيد. لكن صلاة الجمعة وصلاة الجماعة الفروض الخمسة هذه لا يجب على المرأة، لا يجب على المرأة ولا حتى تؤمر بالخروج، لكن إن حضرت تسمع الذكر وتشهد دعوة المسلمين فلا بأس إن شاء الله تعالى، وهي تشهد خيرا وتسمع ذكرا تستفيد منه بإذن الله تعالى.

إذًا هذا الشرط الثاني من شروط وجوب صلاة الجمعة؛ الشرط الأول أن يكون مكلفا، وقلنا إذا قلنا مكلف فمعنى ذلك أنه بالغ عاقل. الشرط الثاني أن يكون ذكرا، فلا تجب على النساء. الشرط الثالث من شروط وجوب الجمعة كذلك أن يكون هذا الإنسان مقيما لا مسافرا، فإن الجمعة لا تجب على مسافر، والنبي صلى الله عليه وسلم سافر في حياته عددا من الأسفار لم يصل في واحدة منها صلاة الجمعة، وإنما كان النبي صلى الله عليه وسلم في سفره يصلي ظهرا. ومن ذلك مثلا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سافر في حجة الوداع صادف يوم الجمعة أن يكون يوم عرفة، النبي صلى الله عليه وسلم ما الصلاة التي صلاها في يوم عرفة؟ صلى الظهر والعصر كما روى لنا الصحابة الكرام ولم يقم النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه صلاة الجمعة.

قد يقول قائل: ألم يؤثر عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أنه خطب خطبة في يوم عرفة قبل الصلاة؟ أليست هذه خطبة الجمعة؟ نقول: لا، هذه الخطبة ليست خطبة الجمعة وإنما هذه خطبة عرفة، وهذه الخطبة هي من جنس الموعظة والتذكير للناس، بخلاف خطبة الجمعة التي هي ركن من أركان العبادة. ما الفرق بين خطبة عرفة وبين خطبة الجمعة؟ حقيقة هناك عدد من الفروق؛ خطبة عرفة كانت خطبة واحدة، أما خطبة الجمعة فهي خطبتان. الأمر الثاني أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر والعصر، أما الجمعة فلا تجمع مع العصر. الأمر الثالث أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر صلاة سرية والعصر صلاة سرية، بينما لو كانت جمعة لصلاها النبي صلى الله عليه وسلم صلاة جهرية لأن صلاة الجمعة صلاة جهرية. الأمر الرابع أن الصحابة نقلوا لنا قالوا إنها صلاة الظهر وصلاة العصر وهذا كاف وليست صلاة الجمعة. إذًا المسافر لا تجب عليه صلاة الجمعة، فإن كان وهو في الطريق مسافرا ورأى جامعا يصلون فأوقف سيارته وصلى معهم، نقول إن شاء الله.

هذه الصلاة صحيحة ولا إشكال في هذا إن شاء الله تعالى.

لكن هل يجب على المسافر أن يتوقف في طريقه لأجل أن يصلي الجمعة؟ نقول لا، لا يجب على المسافر أن يصلي الجمعة. لو كان قوم مثلًا مسافرين بالطائرة، وكان إقلاع رحلتهم مثلًا قبل الزوال بساعة، ففي أثناء سفرهم بالطائرة حان زوال الشمس وهم في الطائرة في يوم الجمعة، ونفرض أنهم سيصلون إلى مكانهم بعد ساعتين أو ثلاث، نفترض أن هذه الرحلة تستغرق أربع أو خمس ساعات، فهل يشرع لهؤلاء القوم في الطائرة وهم جماعة كثيرة هل يشرع لهم أن يصلوا صلاة الجمعة في الطائرة؟ ويقولون أقيموا خطيباً فيكم ثم صلوا صلاة الجمعة؟ نقول لا، لا يشرع هذا؛ لأنهم مسافرون. وصلاة الجمعة إنما تشرع في حق المستوطنين المقيمين ببناء، هذا الذين تشرع في حقهم الجمعة وتجب عليهم.

أما المسافر الذي هو مثلاً على ظهر الطائرة أو مسافر في الطريق في السيارة فلا تجب عليه الجمعة. ولو أن هذا المسافر أوقف سيارته وصلى الجمعة في أحد مساجد الطريق فنقول إن شاء الله تعالى إن هذا الأمر لا بأس فيه وهو جائز إن شاء الله تعالى وتصح منه، ولا يجب عليه أن يصلي صلاة الظهر.

المرأة والمسافر إذا قلنا يسقط عنهم وجوب الجمعة فمعنى ذلك أنه يجب عليهم أن يصلوا ظهراً؛ لأن الجمعة بدل عن صلاة الظهر. لذلك من لم تجب عليه صلاة الجمعة ولم يصل الجمعة أو من وجبت عليه وفرط في إدراكها وتأخر عنها وفاتت عليه، نقول يجب عليه أن يصلي ظهراً. كذلك جاء في السنة أنه إذا اجتمع العيد والجمعة وحضر المسلم صلاة العيد فإنه إن شاء أن يشهد الجمعة شهدها وإن شاء ألا يشهدها فلا حرج عليه إن شاء الله تعالى في ذلك، وإنما يجب عليه أن يصلي الظهر. لذلك نقول دائماً من فاتته الجمعة أو من سقطت عنه لكونه مسافراً أو المرأة، هؤلاء يجب عليهم أن يصلوا ظهراً.

الصبي والمجنون هل يجب عليهم أن يصلوا ظهراً؟ نقول لا. لماذا؟ لأن سقوط الجمعة عنهم ليس لأجل الجمعة وإنما لأجل أنهم غير مكلفين أصلاً، فكيف نكلفهم بصلاة الظهر؟ لو كانوا مكلفين لكلفناهم بالجمعة، لكن ليسوا مكلفين، لذلك ينبغي لنا التفريق بين أسباب العذر والسقوط؛ إن كان معذوراً ولا تجب عليه الجمعة لكونه غير مكلف هذا لا يكلف أصلاً بصلاة الظهر، لكن إن كان مثلاً لأجل أمر آخر مثل المرأة أو المسافر أو المريض فهذا يجب عليه أن يصلي ظهراً. إذاً هذه هي الأصناف والأحوال والشروط التي تبين لنا من تجب عليه صلاة الجمعة، وسوف ننتقل إن شاء الله تعالى إلى مبحث وقت صلاة الجمعة والحديث عن خطبة صلاة الجمعة ولكن بعد هذا الفاصل القصير.

إقرأ، إنها أول كلمة نزلت من القرآن الكريم على قلب النبي الأمين صلى الله عليه وسلم. إن الأمم القارئة هي الأمم القائدة؛ لأن القراءة والمعرفة تطرد الجهل والتخلف والخرافة. وقد بلغ حب العلماء للقراءة مبلغاً عظيماً، قيل لأحدهم عند موته ماذا تشتهي؟ قال: النظرة في حواشي الكتب. وقد أظهرت بعض الدراسات أن حوالي 70% من معلومات الإنسان يحصل عليها عن طريق القراءة، ويتعلم الباقي بالاستماع والتجربة وغير ذلك. ولكي تكون قراءتك واعية فابدأ بالمرحلة التأسيسية، حيث تنتقي كتب أهل السنة التي تضمن بها سلامة العقيدة، وإذا قابلتك مصطلحات غامضة فاسأل عنها العلماء. ولدفع النفور من القراءة ابدأ بالكتب السهلة قبل الصعبة وبالمختصرات قبل المطولات، ولدفع الملل استرح وأرح عينيك وتحرك بين الحين والآخر، ويمكن إذا مللت من كتاب أن تقرأ في غيره. ولدفع شرود الذهن عليك بالصبر والمجاهدة والبعد عن المؤثرات الخارجية، واستخدم الترقيم والتلوين لتمييز العبارات المهمة واكتب الحواشي والتعليقات ولخص الكتاب، واستفد بما تقرأ لتكون ممن قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 18].

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا عن صلاة الجمعة. متى يبدأ وقت الجمعة ومتى ينتهي؟ ما هو وقت الجمعة؟ وقت الجمعة هو وقت الظهر، يبدأ من زوال الشمس، وقد جاء في حديث أنس رضي الله تعالى عنه في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي الجمعة إذا مالت الشمس، يعني إذا زالت الشمس. ومما يؤكد هذا الحديث كذلك العقل والنظر والقياس، فإن الجمعة تعد بدلاً عن الظهر لذلك يناسب أن يكون وقتها وقت الظهر، لذلك نقول وقت الجمعة يبدأ من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله، كما ذكرنا نحن في وقت الظهر سابقاً أنه من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله. فلو أن إنساناً وضع شاخصاً طوله مثلاً 10 سم، فإذا لم يكن له ظل أو تقاصر ظله إلى أدنى حد هذا هو وقت الزوال، أدنى زيادة بعد التقاصر هذا يسمى الزوال، طيب من هذه الزيادة نحسب 10 سم إذا كان الشخص 10 سم، فإذا وصل 10 سم الظل فمعنى ذلك أنه قد انتهى وقت الجمعة.

هنا تنبيه، يذكر أهل العلم دائماً أن من شروط الجمعة أن تصلى في وقتها. لاحظو لو فاتت الجمعة هل يقضيها الإنسان جمعة؟ نقول لا، وإنما يقضيها ظهراً. إذاً الجمعة من شروطها أن تصلى في وقتها، لو فات وقتها فنقول صلها ظهراً، خلاص لا تصلها جمعة.

من الأركان المهمة في صلاة الجمعة التي تميزها عن صلاة الظهر عدد من الأمور؛ أولها الخطبتان قبل صلاة الجمعة، وهاتان الخطبتان ركن من أركان صلاة الجمعة. يذكر فيهما الخطيب الناس ويعظهم ويأمرهم بالخير وتقوى الله سبحانه وتعالى، يقرأ لهم آية وحديثاً، ويصلي على النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه، ويحمد الله ويثني عليه. هذه الخطبة يجب أن تكون مشتملة على ذكر الله سبحانه وتعالى؛ قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: 9]. إذاً لا بد أن تكون خطبة الجمعة ذكراً لله سبحانه وتعالى. دون أن ندخل في التفاصيل، بعض أهل العلم ربما فصل في ذلك فقال مثلاً يشترط أن يكون فيها صلاة على النبي الكريم، ويشترط أن يكون فيها حمد، ويشترط أن يكون فيها أمر بتقوى الله، ويشترط أن يقرأ فيها آية، لا شك أن الخطبة المتكاملة هي التي تشتمل على هذه كلها، ولكن لا يسعنا أن نقول إن هذه شروط بمعنى أنه لو ترك واحدة منها نقول بطلت الخطبة وبالتالي بطلت الصلاة، لا، وإن كانت قد اشتملت على غيرها من أنواع ذكر الله. وإنما نقول يجب أن تكون هذه الخطبة ذكراً لله سبحانه وتعالى؛ لأن الله وصف خطبة الجمعة بقوله: ﴿فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ﴾.

هل نفصل فنقول يشترط أن يكون فيها آية؟ يشترط أن يكون فيها حديث؟ يشترط فيها أن يكون حمد؟ يشترط أن يكون فيها أمر بالتقوى؟ يشترط أن يكون فيها الصلاة على النبي الكريم صلى الله عليه وسلم؟ نقول لا شك أن هذا كله من الأشياء التي تقوم عليها الخطبة، ومن الأشياء المكملة لذكر الله، ومن الأشياء الأساسية في الخطبة، وإن كان لو ترك شيئاً منها سهواً أو نسياناً أو عمداً نقول إنه بإذن الله تعالى خطبته صحيحة. إذاً هذا الأمر الأول في شأن الخطبة. كذلك من سنن الخطبة أن يخطب الخطيب قائماً، وهذا اقتداءً بالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم، كما جاء في حديث ابن عمر في المتفق عليه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخطب خطبتين وهو قائم يفصل بينهما بجلوس يسير. هذا الجلوس اليسير كذلك من سنن الخطبة، أن يجلس جلوساً يسيراً لتتميز الخطبة الأولى عن الخطبة الثانية. كذلك من حكم هذا القيام أنه أبلغ في الموعظة والتأثير وإيصال الصوت، بخلاف إذا وعظ الإنسان أو ذكر وهو جالس.

كذلك من مسنونات الخطبة أن تكون الخطبة على منبر. وقد جاء اتخاذ النبي صلى الله عليه وسلم المنبر في حديث ابن عمر وحديث سهل بن سعد كلها في الصحيح، اتخذه النبي صلى الله عليه وسلم من خشب طرفاء الغابة. هذا اتخذه النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بصناعته ليقوم للناس فيبرز لهم ويظهر، يرتفع بحيث يراه من في أطراف المسجد كلهم، يرون هذا الخطيب إذا قام. لذلك يشرع للخطيب أن يقوم على المنبر. لما اتخذ النبي صلى الله عليه وسلم هذا المنبر وقد كان من قبل أن يتخذ هذا المنبر صلوات ربي وسلامه عليه وجمعنا به في جناته جنات النعيم، كان النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إلى جذع، فلما اتخذ هذا المنبر روى لنا أصحاب النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أن هذا الجذع حن للنبي الكريم صلى الله عليه وسلم كما تئن الناقة العشراء، فنزل النبي صلى الله عليه وسلم عن المنبر وضمه حتى سكن، صلى الله عليه وسلم. وفي هذا الحقيقة آية من آيات نبوته صلى الله عليه وسلم، كيف حن هذا الجذع للنبي الكريم بعد أن قام النبي صلى الله عليه وسلم على المنبر وقد كان قبل ذلك يتكئ عليه. هذه القصة رواها لنا عدد من أصحاب النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعظم في قلوبنا محبة رسوله وأن يجمعنا به في جناته جنات النعيم وأن يسقينا من حوضه شربة لا نضمأ بعدها أبداً.

كذلك أيها الإخوة والأخوات من سنن الخطبة أن تكون الخطبة قصيرة. وقد جاء في حديث عمار أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن قصر خطبة الرجل وطول صلاته مئنة من فقهه». هذا في الواقع مهم جداً ننبه عليه عدداً من إخواننا الذين يخطبون الجمعة، وهو أن يحرصوا على تقصير الخطبة، لأن طول الخطبة إذا طالت يمل الناس، وينسي آخرها أولها، ويتكرر الكلام ويكثر، والخطبة تتكرر كل جمعة. فلذلك لا داعي للخطيب مثلاً أن يستتم موضوعاً كاملاً بأطرافه ويطول على الناس الخطبة، لا، وإنما ربما يتحدث عن جزء من الموضوع اليوم وجزء من الموضوع بعد أسبوع وهكذا، حتى يتيسر للناس أن يأخذوا العلم شيئاً فشيئاً، يأخذوا التذكير والموعظة شيئاً فشيئاً.

كذلك من السنن في الخطبة أن يسلم الخطيب على المأمومين إذا صعد على المنبر، ثم يشرع الأذان بعد ذلك، في حال الأذان يجلس الإمام حتى يقضي المؤذن أذانه ثم يقوم فيخطب الخطبة الأولى. وقد جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أقبل على الناس وصعد على المنبر سلم صلوات الله وسلامه عليه. كذلك يشرع له كما ذكرنا للخطيب جلستان؛ الجلسة الأولى تكون وقت الأذان، والجلسة الثانية تكون بين الخطبتين. ويشرع كذلك أو نقول يجوز كذلك أن تشتمل الخطبة على الدعاء للمسلمين ولولاة أمورهم؛ فإن هذا الدعاء إن شاء الله تعالى لعله يصادف وقت استجابة. وسوف نتحدث إن شاء الله تعالى عن ساعة الاستجابة في يوم الجمعة وفضيلتها وتعيينها إن شاء الله تعالى في حلقتنا القادمة.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك لنا في علمنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وأن يعلمنا ما ينفعنا، وأن يزيدنا علماً، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.