الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، اللهم يا مفهم سليمان فهمنا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما.
إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الثالث من سلسلة دروس الفقه في الفصل الدراسي الثاني في أكاديمية زاد المباركة. أسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفع بهذه الأكاديمية المشايخ الذين يدرسون فيها، وأن ينفع بها الطلاب الذين يستمعون إليها، وأن ينفع بها المشرفين القائمين عليها. اللهم يا رب العالمين، اجعلنا جميعا ممن يتقرب إليك بهذا العلم وهذا العمل يا أرحم الراحمين.
إخواني وأخواتي، سوف ندرس إن شاء الله تعالى في هذا الدرس الثالث نوعا من أنواع صلوات التطوع. كنا قد تحدثنا في الدرس الأول عن صلاة التطوع عموما، ثم تحدثنا في الدرس الثاني عن صلاة التطوع المرتبطة بالصلوات الخمس المفروضة، وقسمناها إلى سنن رواتب وسنن غير رواتب. واليوم نريد أن ننتقل إلى نوع آخر من أنواع صلوات التطوع، ألا وهو صلوات التطوع المرتبطة بزمن؛ فهي موقته بزمن.
صلوات التطوع الموقته بزمن صلاتان: صلاة قيام الليل والوتر، وهذه زمنها ووقتها من بعد العشاء إلى الفجر. والنوع الثاني: صلاة الضحى، وهي من بعد طلوع الشمس قيد رمح إلى ما قبل زوال الشمس. هذان الوقتان شرعت فيهما هاتان الصلاتان. سوف نتحدث إن شاء الله تعالى في هذا الدرس عن قيام الليل والوتر، ونتحدث فيه إن شاء الله تعالى عن صلاة الضحى من خلال عدد من المحاور: الأول نتحدث فيه عن حكم الصلاة -كل واحدة من الصلاتين- وعن فضل الصلاة، ثم نتحدث عن صفتها، ثم نتحدث عن وقتها، ثم نتحدث إن شاء الله تعالى عن أفضلها وكيف صفاتها الفاضلة، ثم نتحدث عن أفضل وقت لأدائها وهل تقضى أم لا تقضى. سوف يكون إن شاء الله تعالى معنا تقريبا خمسة محاور في كل نوع من هذين النوعين.
نبدأ حديثنا بالحديث عن صلاة الوتر وقيام الليل. ما الفرق بين صلاة الوتر وقيام الليل؟ نبدأ أولا بالتعريف: قيام الليل مصطلح شامل يشمل صلاة الشفع وصلاة الوتر. قيام الليل مصطلح يشمل الصلوات الركعتين التي يصليها المسلم، ويشمل كذلك الوتر الذي يوتره. إذا قيام الليل أشمل، والوتر هو الصلاة الفردية التي يختم بها المسلم قيامه لليل، سواء أوتر بركعة أو بثلاث ركعات أو بخمس ركعات أو سبع ركعات أو تسع ركعات كما سيأتينا إن شاء الله تعالى. هذا الوتر الذي يختم به الإنسان قيامه لليل.
ما فضل صلاة الوتر؟ جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله وتر يحب الوتر». وجاء قبل ذلك في القرآن الكريم قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79]. انظروا كيف أمر الله سبحانه وتعالى بالتهجد في آناء الليل. كذلك قبل ذلك نزل على النبي الكريم قول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 1-4]. وقال بعض أهل العلم إن هذه الآيات أوجبت قيام الليل على النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وربما قال بعض أهل العلم إنها أوجبت قيام الليل على أمته، ثم إن الله سبحانه وتعالى رفع هذا الوجوب عن الأمة وعن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بختام سورة المزمل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَىٰ مِن ثُلُثَيِ اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِّنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: 20].
وكذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ [الإسراء: 79]. دلنا هذا القرآن الكريم الذي نزل على النبي الكريم وعلى الأمة أن قيام الليل صار نافلة في حق هذه الأمة. وقد خشي النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه بعد أن قام الليل جماعة مع أصحابه في بعض ليالي رمضان أن تفرض هذه الصلاة على الأمة، فلذلك توقف النبي صلى الله عليه وسلم عن التجميع لها وقال: «إني خشيت أن تفرض عليكم». ولم تكن خشية النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه أن تفرض هذه الصلاة على الأمة إلا لعلمه بعظم محبة الله سبحانه وتعالى لهذه الصلاة، والله سبحانه وتعالى يفترض على عباده ما يحبه سبحانه وتعالى: «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه». فلذلك خشي النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أن تفرض هذه الصلاة على الأمة فتعجز عنها أمته صلى الله عليه وسلم، وهو الشفيق الرحيم بأمته، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 128].
نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى الفقرة الثانية: ما هو وقت الوتر وصلاة الليل؟ نقول: يبدأ وقت الوتر وصلاة الليل من حين قضاء المسلم صلاة العشاء إلى أذان الفجر. متى يؤذن الفجر؟ دائما مع طلوع الفجر الصادق الذي يسميه العلماء الفجر الصادق، أو يسمونه الفجر الثاني، أو يسمونه الفجر المستطير في الأفق، على ما بيناه نحن في مواقيت الصلاة. إذا هذا هو وقت صلاة الوتر.
نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى الفقرة الثالثة في صلاة الوتر، ألا وهي صفة صلاة الوتر: كيف تصلى صلاة الوتر وقيام الليل؟ نقول: دل النبي صلى الله عليه وسلم أمته على طريقة قيام الليل الشفع والوتر، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح يوتر بركعة توتر له ما قد صلى». إذا الإنسان يصلي ركعتين ركعتين، ثم بعد ذلك يختم بركعة توتر له ما قد صلى. هذه الصفة النبوية التي أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إليها أمته، وقد ذكرت عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي عليها، فقد جاء في الحديث الشريف أنها قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إحدى عشرة ركعة، يسلم من كل ركعتين". إذا نقول: أفضل الصفات وأكملها التي فعلها النبي الكريم وأرشد إليها أمته صلى الله عليه وسلم أن تكون صلاة الليل على هذه الآلة: مثنى مثنى، يسلم من كل ركعتين، ثم إذا قرب الصبح قبيل أذان الصبح يصلي ركعة واحدة بحيث تكون صلاته وترا. هذا دلنا على فضيلة الوتر وعلى أهميته. ومما يدل على فضيلته كذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم ما ترك الوتر في حضر ولا سفر، بل كان النبي صلى الله عليه وسلم يحافظ عليه دائما حتى وهو مسافر صلوات الله وسلامه عليه.
نعود إن شاء الله تعالى بعد فاصل قصير للحديث عن صفات الوتر.
نعود إليكم بعد هذا الفاصل مواصلين حديثنا عن صلاة الوتر وقيام الليل. وذكرنا أن صلاة الوتر وقيام الليل تكون من بعد صلاة العشاء إلى أذان الصبح، وذكرنا فضيلتها، وذكرنا أن قيام الليل أو التهجد مصطلح يشمل الشفع والوتر، أو يصح أن يقال الوتر والوتر كلاهما صحيح، وذكرنا أن الله سبحانه وتعالى وتر يحب الوتر. نريد أن نتحدث عن صفات الوتر، ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد أمته إلى أن صلاة الليل تكون مثنى مثنى، وقبيل الصبح يصلي الإنسان أو إذا أراد أن يختم صلاته يصلي الإنسان ركعة بحيث أنها توتر له ما قد صلى فتكون صلاته بالليل وترا.
من الأشياء المهمة في صفة الوتر أو في صفة قيام الليل أن يكون على عدد وتري، فلا يشرع للإنسان -أو بالأصح الأكمل للإنسان والأفضل- أن يصلي شفعا ثم لا يوتر، ولا يصلي عددا شفعيا. فلو أن إنسانا قام الليل وقال: أنا أريد أن أقوم الليل بعشر ركعات، نقول: أنت فرطت في الوتر. الوتر هو أكد صلوات التطوع وأهمها وأفضلها، فكأنك تصلي صلاة الليل -لا شك أن الإنسان مأجور عليها إن شاء الله تعالى الشفع- ولكن كون يهمل الوتر وهو أهم صلاة الليل وأكدها وأفضلها لا شك أنه فاته خير عظيم. والوتر أكد من الشفع؛ لأن حتى صلاة الليل -كما ذكرنا نحن في السنن الرواتب أنها متفاضلة- قلنا أكدها الفجر، راتبة الفجر أكد من راتبة الظهر وأكد من راتبة المغرب والعشاء.
إذا أردنا الحديث عن قيام الليل فأكده الوتر، فكون الإنسان يصلي صلاة الليل شفعا ويهمل الوتر لا شك أنه قد أهمل الشيء الأكمل والأفضل. بل إذا كان الإنسان سيفرط في شيء فليقم بصلاة الوتر ويترك هذا الشفع، لاحظتم أيها الإخوة؟ إذا هذه موازنة مهمة؛ الإنسان يدرك أن أهم قيام الليل وأكده صلاة الوتر، بل إن الوتر كما قال كثير من أهل العلم هو أكد صلوات التطوع، وجعلوه أكد مثلا من الاستسقاء أو من الكسوف أو من غيرها لمداومة النبي صلى الله عليه وسلم عليه.
إذا هذه القضية الأولى في صفة الوتر: أن الإنسان يجعل صلاته بالليل وترية، قيامه لليل يكون وتريا، يعني يصلي واحدة، ثلاثا، خمسا، سبعا. الأمر الثاني: أن طريقة قيام الليل تكون مثنى مثنى مثنى مثنى، ثم يوتر بركعة، هذه الطريقة الأكمل والأفضل. الجانب الثالث في صفة قيام الليل والوتر: أن المسلم عليه أن يحرص أن يكون الوتر آخر صلاته، فلو أن إنسانا قال: أنا أريد أن أصلي سبعا ولكن سوف أصلي ركعة ثم اثنتين اثنتين اثنتين، نقول: إن شاء الله تعالى لا، ولكن أنت خالفت الأكمل والأفضل، فقد جاء أمر النبي صلى الله عليه وسلم: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا». فالإنسان يشرع له أن يكون الوتر آخر صلاته، وهو ما دل عليه أمر النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح فليوتر بركعة»، أو «يصلي ركعة توتر له ما قد صلى».
نلخص هذه النقاط الثلاث في صفة قيام الليل والوتر، فنقول: أولا يشرع أن تكون صلاة الليل صلاة وترية لا شفعا، هذه النقطة الأولى. الأمر الثاني يشرع للإنسان أن يكون الوتر آخر صلاته لا أولها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا». الأمر الثالث: أن الأكمل والأفضل في صلاة الشفع أن تكون مثنى مثنى كما دل عليه النبي الكريم صلى الله عليه وسلم بقوله: «صلاة الليل مثنى مثنى»، وكما فعله صلى الله عليه وسلم فيما نقلت لنا عائشة رضي الله تعالى عنها فقالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة، يسلم من كل ركعتين". إذا هذه هي صفة صلاة الوتر وقيام الليل.
إلا أنه يجب أن ننبه إلى أن ثمة بعض الصفات في صلاة الوتر التي تعد صحيحة عند أهل العلم، فعلها النبي صلى الله عليه وسلم ونقلت عنه صلوات الله وسلامه عليه، وإن كانت لا تبلغ في الأفضلية والأكدية ما ذكرناه قبل قليل، فمن ذلك مثلا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد أوتر بثلاث ركعات متصلة. إذا ما الذي ذكرناه نحن سابقا؟ الإنسان يوتر يصلي ركعتين ركعتين ثم يوتر ركعة، هذا الذي ذكرناه، ولكن يجوز للإنسان أن يصلي ركعتين ركعتين ركعتين ثم يوتر بثلاث، أن يكون وتره ثلاث ركعات متصلة، كما يجوز للإنسان أن يصلي وترا خمس ركعات، فيصلي مثلا ركعتين ركعتين ثم يوتر بخمس ركعات، كذلك يجوز للإنسان أن يوتر بسبع ركعات، ويجوز للإنسان أن يوتر بتسع ركعات متصلة، وهذا أقصى ما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قد فعله تسع ركعات متصلة.
الصفة: قلنا الصفة الأكمل والأفضل أن الإنسان يصلي ركعتين ركعتين ثم يوتر بركعة، وهو ما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم وفعله صلى الله عليه وسلم وداوم عليه.
ويجوز للإنسان أن يصلي ركعتين ركعتين، ثم يوتر بثلاث. كيف تكون صفة الثلاث؟ يصليها على صفة لا تشبه صلاة المغرب، فيتشهد في آخرها، لا يكون فيها تشهد أول أو وسط الصلاة بعد ركعتين. لا، وإنما يصليها على هيئة تخالف هيئة صلاة المغرب، فيصلي الثلاث ركعات بدون تشهد وسطها، وإنما يتشهد آخرها.
وإن صلى خمس ركعات فكذلك، لا يتشهد في وسطها، وإنما يصلي خمس ركعات يتشهد في آخرها. وإن صلى سبع ركعات فقد نقلت لنا أم سلمة رضي الله تعالى عنها هذه الصفة، وهو أنه يصلي الركعات السبع دون أي تشهد في وسطها، وإنما يتشهد في آخرها، ونقل عنه صلى الله عليه وسلم كذلك أنه قد تشهد في السادسة والسابعة. وإن صلى بتسع ركعات فهو يتشهد في الثامنة والتاسعة كما نقلت لنا عائشة رضي الله تعالى عنها. هذه هي صفات الوتر كما جاءت عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.
نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى الفقرة الرابعة في موضوع الوتر، ألا وهو موضوع الأفضل في صلاة الوتر، والأكمل في صلاة الوتر، ولعلنا إن شاء الله تعالى نفصله ونتحدث عنه بعد فاصل قصير.
نعود بعد هذا الفاصل للحديث عن أفضل الوتر وأفضل قيام الليل. قال بعض أهل العلم إن الأفضلية في الوتر وقيام الليل تتفاضل بحسب عدد الركعات، فقالوا إن أفضله إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة، وقال بعضهم إن أدنى الكمال ثلاث ركعات، وهذا قول قاله بعض أهل العلم. والصحيح، والله تعالى أعلم، من خلال النظر في نصوص الكتاب والسنة أن الأفضل في صلاة قيام الليل والأفضل في الوتر هو بحسب مدة هذه الصلاة؛ فإن فضيلة الوتر وقيام الليل تكون بحسب طوله. فإذا كان قيام الليل نصف الليل، لا شك أنه أفضل من ربع الليل، وربع الليل أفضل من ثمن الليل، وثمن الليل أفضل من عشر الليل، دون نظر إلى عدد الركعات. فمثلاً قد يصلي الإنسان نصف الليل وتكون صلاته في خمس ركعات، نقول إن هذا أفضل ممن صلى مثلاً ساعة واحدة من الليل، أو ربع الليل، أو عشره، أو ثمنه، وإن صلى في هذه الساعة أو الربع أو الثمن أو العشر صلى فيه إحدى عشرة ركعة.
ما هو الأفضل؛ هل هو بكثرة العدد أم بطول الصلاة؟ نقول إن الأفضل، والله تعالى أعلم، يكون بطول الصلاة، وهذا هو ما يستفاد من قول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا * نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 1-4]. وهو كذلك ما يستفاد من قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ﴾ [الإسراء: 79]، والتهجد هو طول القيام. وقد جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أفضل القيام قيام داود، كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه»، صلوات الله على نبينا وعلى نبي الله داود. فهذا دلنا على أن صلاة الليل إنما تتفاضل بطولها لا بعدد ركعاتها.
الأمر الثاني في جانب الفضيلة وهو في قضية الأفضلية في عدد الوتر والشفع؛ فنقول إن الأكمل والأفضل أن تكون صلاة الليل كما ذكرنا على هيئة ركعتين ركعتين، مثنى مثنى، ثم يوتر بواحدة. هذا هو الأكمل الذي دل النبي صلى الله عليه وسلم عليه أمته، والذي كان الغالب من فعله كما حكته لنا عائشة رضي الله تعالى عنها.
الجانب الثالث في الأفضلية وهو قضية وقت قيام الليل؛ هل الأفضل أن يقوم الإنسان في أول الليل أم في وسطه أم في آخره؟ نحن نقول، والله تعالى أعلم، إنه كلما تأخرت صلاة الليل فهو أفضل؛ لماذا؟ لأن العبد إذا تأخر في صلاة الليل فإنه يدرك الثلث الآخر من الليل الذي ينزل فيه الرب جل جلاله، كما أخبر النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه أن الله سبحانه وتعالى ينزل في الثلث الأخير من الليل فيقول: «هل من داع فأجيبه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟». وهذا النزول أيها الإخوة والأحبة هو نزول يليق بالجبار جل جلاله، نؤمن به لا نسأل عنه بكيف، وإنما نؤمن به ونصدق به على ما أخبر به النبي الكريم صلى الله عليه وسلم. فلا شك أن الإنسان كلما أخر قيامه ليدرك هذا النزول الإلهي فلا شك أنه أكمل وأفضل ممن أوتر في أول الليل ونام بعد ذلك.
إلا أننا نقول إن هذا التفضيل خاص بمن وثق من نفسه أن يقوم في آخر الليل، وأما الإنسان إذا قال: أنا سوف أقوم في آخر الليل ولكنه يعرف من نفسه أو جرب من نفسه أنه لن يقوم، ويرن المنبه مثلاً فيطفئه ولا يقوم إلا على صلاة الفجر، فنقول له في هذه الحالة: إذا كان نومك ثقيلًا أو لا تعرفين من نفسك أنك سوف تستيقظين في آخر الليل، فالأفضل أن الإنسان يوتر قبل أن ينام. وهذه كانت وصية النبي الكريم لأبي هريرة رضي الله تعالى عنه؛ قال أبو هريرة: أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث: أن أوتر قبل أن أنام، وأوصاه بصلاة الضحى، وأوصاه بصيام ثلاثة أيام من كل شهر. فكان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه دائماً ينام وقد أوتر حفاظاً على هذا الأمر. فنحن نقول الأكمل والأفضل أن الإنسان يوتر ويجعل صلاته في الثلث الآخر من الليل، إن كان يخاف أنه لا يقوم فحينئذ يوتر قبل أن ينام.
هذه أبرز المسائل المتعلقة بصلاة الوتر والمتعلقة بفضيلة وقت الوتر، والمتعلقة كذلك بأداء صلاة الوتر. بقي عندنا مسألة نختم بها حديثنا عن صلاة الوتر، ألا وهي أنه يشرع للإنسان قضاء صلاة الوتر إذا فاته، وكان هذا الشخص ممن يداوم على الوتر دائماً؛ إذا الإنسان داوم على عبادة يشرع له قضاؤها إذا تركها. الإنسان قد يعرض له مرض أو وجع أو سفر أو شيء من هذا فلا يستطيع أن يصلي الوتر، علماً بأن المسافر يصلي الوتر وهو على راحلته، لكن الإنسان أحياناً قد يكون منشغلاً أو ينام من تعب أو شيء من هذا، فقد روت لنا عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل صلى من النهار اثنتي عشرة ركعة. فالإنسان يقضي صلاة الوتر التي كان يداوم عليها في الليل يقضيها في النهار، ولكن يصليها شفعاً؛ لأن صلاة النهار شفع وصلاة الليل وترية. فإذا كان مثلاً مداوماً على أنه يصلي سبع ركعات فيصلي من النهار ثماني ركعات، وهكذا يصلي نفس صلاته في الليل ولكن يزيد ركعة حتى تكون صلاة شفع. متى يصليها في النهار؟ يصليها في وقت الضحى، والله تعالى أعلم.
هذا الحديث عن صلاة الوتر، وأنا أحث حقيقة إخواني وأخواتي طلبة العلم على الحرص على صلاة الوتر وقيام الليل. كان الإمام أحمد رحمه الله تعالى يقول: تارك الوتر رجل سوء، لا ينبغي أن تقبل له شهادة. ما أحرى طالب العلم دائماً أن يحرص على صلاة الوتر وعلى قيام الليل! بل ربما مما يدلنا على أهمية صلاة الوتر أن هناك من أهل العلم من قال بوجوب صلاة الوتر، وهذا يدلنا على أهمية وأكدية صلاة الوتر، وبعضهم قال إن صلاة الوتر واجبة على أهل القرآن، وهذا في الحقيقة يدلنا على أهمية هذه الصلاة. ما أحرانا يا طلبة العلم وطالبات العلم أن نحرص على هذه الصلاة.
نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى صلاة الضحى، ألا وهي صلاة الأوابين. وقد جاء في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة الأوابين حين ترمض الفصال» أي حين يشتد الحر. متى وقت صلاة الضحى؟ يبدأ وقت صلاة الضحى من طلوع الشمس قيد رمح، أي بعد أن ينتهي وقت النهي الذي بعد الفجر، إلى ما قبل الزوال، وهناك وقت نهي سوف نتعرض له إن شاء الله تعالى قبل الزوال بعشر دقائق، أي قبل أذان الظهر بعشر دقائق، هذا هو وقت صلاة الضحى.
ما هي صفة صلاة الضحى؟ صلاة الضحى تصلى ركعتين ركعتين، فقد جاء في الحديث: «صلاة الليل والنهار مثنى مثنى». تصلى ركعتين ركعتين؛ هل لها حد؟ نقول أقلها ركعتين، وأما أعلاها فلا حد له؛ الإنسان قد يصلي مثلاً ثماني أو عشراً أو عشرين أو ثلاثين أو أربعين أو أكثر من ذلك أو أقل. والإنسان كلما استزاد فلا شك أنه يقترب أكثر من فضل الله سبحانه وتعالى؛ «عليك بكثرة السجود» كما جاء في حديث ثوبان رضي الله تعالى عنه، «أعني على نفسك بكثرة السجود» كما جاء في حديث ربيعة بن كعب الأسلمي رضي الله تعالى عنه.
هذا هو وقت صلاة الضحى، كذلك مما ينبغي لنا أن نذكره هنا أن صلاة الضحى كانت وصية النبي الكريم لأبي هريرة كما جاء في الحديث: أوصاني خليلي بثلاث: أن أوتر قبل أن أنام، وأن أصلي الضحى، وأن أصوم ثلاثة أيام من كل شهر. بعض أهل العلم قيد صلاة الضحى بأنها ثماني ركعات أو اثنتا عشرة ركعة، ولكن في واقع الأمر هذا التقييد ليس عليه دليل، بل الإنسان مأمور بأن يكثر من السجود، ولا قيد في صلاة الضحى.
كذلك مما ينبغي التنبيه له في صلاة الضحى أن ما يسميه بعض الناس صلاة الإشراق، وهي الصلاة التي يصلونها بعد طلوع الشمس قيد رمح؛ بعض الناس ربما جلس في المسجد وهذا لا شك أنه من فضل الله ونعمته عليه، جلس في المسجد من بعد صلاة الصبح إلى أن تطلع الشمس ثم يصبر بعد أن تطلع الشمس أو تشرق الشمس عشر دقائق تقريباً، وهو طلوعها قيد رمح، من عشر دقائق إلى اثنتي عشرة دقيقة، ثم بعد ذلك يصلي ركعتين. بعض الناس يسميها صلاة الإشراق، وقد جاء في فضلها أن من جلس في مصلاه حتى تطلع الشمس ثم صلى ركعتين أنها تكون له كأجر حجة وعمرة تامة تامة تامة، ولا شك أن هذا فضل عظيم. فبعض الناس يسمي هذه الصلاة صلاة الإشراق، ولا مشاحة في الاصطلاح، ولكن هذه الصلاة هي صلاة الضحى، وإنما صلى الضحى فقط في أول وقتها الذي تشرع فيه، ولكن على صفة خاصة وهي أنه لم يخرج من المسجد من حين صلى الفجر إلى حين صلاة الضحى. إذاً صلاة الإشراق في واقع الأمر ما هي إلا صلاة الضحى في أول وقتها.
ما هو آخر وقت الضحى؟ قلنا إنه قبل زوال الشمس بعشر دقائق تقريباً أو اثنتي عشرة دقيقة، وهذا الوقت وقت نهي. صلاة الضحى محدودة بوقت من أوقات النهي، وهي صلاة تصلى شفعاً بخلاف صلاة الليل التي تصلى وتراً. هذه أبرز المسائل، وكنا قد تحدثنا في هاتين الصلاتين الفاضلتين عن تعريفهما وفضيلتهما وعن طريقة أدائهما وصفتهما وعن الوقت الفاضل فيهما وعن أدائهما وعن قضائهما إذا فاتتا المسلم المحافظ عليهما. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من الأوابين المقيمين الصلاة الذين يحرصون على الصلاة، يتهجدون بها في الليل ويصلون بها في النهار، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي