تسجيل الدخول

المحاضرة 2 - الفقه - المستوى الثالث - د.منصور بن عبد الرحمن الغامدي -شروط وجوب الصيام - أكاديمية زاد

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغباً في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه تتطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد ينبوعها صافي، الفقه الميسر عاملاً للشرع دون تعصب لفلان، للعلم كالأزهار في البستان. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. ربنا علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، اللهم هيئ لنا من أمرنا رشداً، وآتنا من لدنك توفيقاً وسداداً وصواباً.

إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الثاني من سلسلة دروس الفقه في الفصل الدراسي الثالث في أكاديمية زاد. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الأكاديمية، والقائمين عليها، والمتعلمين فيها، والمعلمين فيها. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك فيهم جميعاً، ومن دعمهم، ومن نشر هذه الحلقات والدروس، ومن قام عليها، اللهم بارك فيهم جميعاً، واجزهم جميعاً خير الجزاء، وارزقنا وإياهم جميعاً الإخلاص في القول والعمل يا رب العالمين.

إخواني وأخواتي، كنا قد بدأنا في اللقاء الأول حديثنا عن الصيام، تحدثنا عن تعريف الصيام، وبينا شيئاً من فضائله، وقلنا في تعريفه إنه التعبد لله سبحانه وتعالى بالامتناع عن الأكل والشرب والجماع وغيرها من المفطرات، التي هي أصلاً مباحة في غير الصيام، ولكن يمتنع المسلم عنها في الصيام تعبداً لله سبحانه وتعالى. إذاً هذا هو أصل تعريف وحقيقة الصيام، وقلنا إن الكف والامتناع إذا اقترن بنية التعبد لله سبحانه وتعالى صار عملاً صالحاً يؤجر عليه العبد المسلم عند الله سبحانه وتعالى، وهذا فرق أساسي بين التعبد لله بالكف والامتناع، وبين العدم المجرد الذي لا يعد أصلاً فعلاً. ذكرنا أن العبوديات لله سبحانه وتعالى إما أن تكون أفعالاً يوجدها المكلف ويفعلها ويقوم بها، وإما أن تكون امتناعات يكف عنها المكلف ويتركها ويبتعد عنها، وهما كلاهما عبودية لله سبحانه وتعالى.

وقلنا بناءً على هذا؛ فإن من أركان الصوم الأساسية النية، فبالتالي النية يجب أن يستوعبها المسلم في الصوم الواجب من أول النهار، من أول طلوع الفجر إلى غروب الشمس. ما هو الصوم الواجب؟ قلنا هو صوم رمضان، هو صوم القضاء، قضاء رمضان، هو صوم الكفارة؛ مثلاً الإنسان واجب عليه كفارة، صيام ثلاثة أيام أو صيام شهرين، أو صوم النذر؛ هذه كلها صيامات واجبة على المكلف. لا بد أن النية تكون مستوعبة من أول اليوم إلى آخر اليوم، هذا معناه أنه لا بد قبل دخول هذا اليوم أن يكون ناوياً لصومه قبل طلوع الفجر، لو كان نوى قبل طلوع الفجر بدقيقة أو بلحظة فيكون ناوياً لصومه.

متى يبدأ وقت نية صوم هذا اليوم؟ بعض أهل العلم يقول إنه لا يمكن أن يبدأ نية صوم هذا اليوم إلا بعد أن ينهي اليوم الذي قبله، فبالتالي يقولون إن نية صوم يوم واجب تكون من الليل، من غروب الشمس إلى طلوع الفجر؛ هذا الليل ينوي أنه سيصوم هذا اليوم. فرضا إنسان يريد أن يصوم يوم الأحد صوماً واجباً، نفترض أن يوم الأحد هو الأول من رمضان مثلاً، أو نفترض أن يوم الأحد هو يوم قضاء، يريد أن يقضي فيه صوم شيء من رمضان، فمعنى ذلك أنه سيبدأ وقت النية عنده من غروب شمس السبت إلى طلوع فجر يوم الأحد، هذا كله محل للنية. والظاهر والله تعالى أعلم أنه إذا كان قد نوى صوم هذا اليوم حتى ولو كان قبل ذلك فلا بأس إن شاء الله تعالى. كيف؟ لو أن إنساناً نوى من أول شهر رمضان أنه سيصوم شهر رمضان كاملاً، هذه النية التي وجدت عنده مع تتابع الصيام وعدم قطعه بفطر، مثلاً لو كان مسافراً في أثنائه فأفطر يوماً أو يومين لأجل سفره، نقول جدد نيتك، انوِ العودة للصيام. الظاهر والله تعالى أعلم أن نية الشهر هذه كافية طالما أن الإنسان لم يقطعها بفطر، لأن الإنسان إذا قطعها بفطر، فربما يكون اليوم الذي بعد الفطر ما الذي يفرق لنا أنه هل هو يريد الفطر أو يريد الصوم؟

نضرب لذلك مثلاً؛ لو أن إنساناً كان مسافراً بالسيارة، كان نائماً في السيارة فوصل إلى بلده الذي يريد أن يقيم فيه، يفترض أنه يصل الساعة السابعة أو الثامنة صباحاً، فقال لمن معه في السيارة: لو أنكم أخبرتمونا من أول الطريق حتى ننوي صيام هذا اليوم، ما دام أنا قد وصلنا من أول هذه الأمور، لو أخبرتمونا لننوي صيامه، نقول لا، تكفي النية من أول الشهر، لا بد أنك تنوي صوم هذا اليوم. ليش؟ لأنك كنت في حالة فطر، فإذا أردت أن تنتقل من حالة الفطر إلى حالة الصوم لا بد من ناقل، لا بد من نية عند المكلف أو عند العبد المسلم تجعله مقبلاً على الصوم.

ما هي النية؟ ما المراد بكلمة النية؟ هل المراد بكلمة النية أن يكتب الإنسان مثلاً يقول: إنني أريد أن أصوم غداً أو أريد أن أصوم شهر رمضان؟ لا، هل يحتاج إلى تلفظ، أن يقول لأخيه أو لأبيه أو لأهله: ترى أنا أريد أن أصوم غداً؟ لا يحتاج إلى تلفظ، النية هي عمل من أعمال القلب، هي إرادتك للصوم، هذه هي النية. إذاً هي عمل قلبي لا تتلفظ به، لا يحتاج أن تقول: إنني نويت أن أصوم كذا وكذا، أنت تتعامل مع الله سبحانه وتعالى، الله سبحانه وتعالى هو الذي يعلم السر وأخفى سبحانه وتعالى، لا يحتاج أن تكتب هذه النية، أنت تحتاج أن تكتب العقود التي بينك وبين الناس، البيعات، الشراءات، الإيجارات، هذه اكتبها بينك وبين الناس، وثق ديونك، تحتاج إلى كتابة، كذلك يحتاج أن تشهد أناساً على مثلاً عقد بيع أو عقد شراء، محتاج أن تأتي بشاهدين أو غيرها، هذا أمر آخر.

لكن الصوم هو كف وامتناع، «إلا الصوم فإنه لي» كما قال الجبار جل جلاله: «فإنه لي وأنا أجزي به». الصوم هو كف وامتناع يعلم به الله سبحانه وتعالى، ربما يكون شخصان؛ شخص مثلاً تارك للأكل والشرب، لا ينوي به التعبد لله سبحانه وتعالى ولم يرد عبادة الصوم، وإنما مثلاً ترك الأكل والشرب لأجل أن عنده تحليلاً أو لأجل أي شيء آخر، فترك الأكل والشرب ساعة، ساعتين، ست ساعات، وإنسان بجانبه ترك الأكل والشرب تعبد الله سبحانه وتعالى بنية الصوم والعبودية لله. الإنسان ينظر فيهم الاثنين لا يجد فرقاً، ولكن الفرق بينهما في الدرجات والمنازل فرق عظيم؛ هذا متعبد لله سبحانه وتعالى، وهذا غير متعبد لله سبحانه وتعالى. هذا ترك الصوم مثلاً لأجل التحليل، بعد التحليل سيأكل، أنت تشاهد الاثنين مثلاً؛ شخص في يوم الخميس تقول لفلان: كن معنا مثلاً في الغداء، قال: لا، أنا عندي دايت ولا رجيم ولا كذا ما أبغى آكل. الشخص هذا قال: كل يا فلان، ما معك غيري؟ قال: لا، أنا ما أبغى آكل. كلاهما أنت تنظر إليهم سواء، لكن في الدرجات عند الله سبحانه وتعالى هذا الثاني صائم متعبد لله سبحانه وتعالى بالصوم، نوى الصوم، نوى التعبد لله بالصوم، هذا درجته عظيمة عند الله، لكن الأول ترك الصوم هذا عادة من عادات الدنيا، ولا يريد أن يأكل مثلاً أكلاً فيه دهون أو شيء من هذا، هذا مباح له، لكن الثاني الذي يتعبد لله سبحانه وتعالى بالصوم مأجور عند الله سبحانه وتعالى على امتناعه وكفه.

تلاحظون كيف النية فرقت بين الناس، النية هي عمل قلبي لا تستطيع أن تميزه أنت من الأشياء الظاهرة؛ كلاهما ترك الأكل والشرب، لكن هذا بنية التعبد لله سبحانه وتعالى، وهذا لا، بنية مثلاً أنه والله يريد أن يخفف وزنه، يريد مثلاً أنه لا يأكل هذا الطعام، يريد أنه عنده تحليل مثلاً فيما بعد، وهذه كلها نيات مباحة إن شاء الله تعالى ما فيها إشكال، لكن الذي ترك الصوم تعبداً لله سبحانه وتعالى لا شك أن هذه عبودية عظيمة، وهي عبودية الصوم. فاصل قصير ونعود إليكم بعد هذا الفاصل.

هل تظن أن أهل العلم يتعمدون مخالفة السنة؟ كلا، بل لهم في ذلك أعذار كاعتقاد ضعف الحديث أو نسخه، لكن كيف يتعامل العامي مع اختلاف العلماء؟ الراجح أنه يأخذ بفتوى أوثق المفتيين في نفسه وأعلمهما، لأن قول المفتي للعامي كالدليل للمجتهد، ويعرف العامي الأعلم بأخبار الثقة وبالمشاهدة، كأن يرى أحدهم يذعن له العلماء، وبالقرائن كأن يدعم أحدهما دون الآخر فتواه بالدليل، وتوافق أكثر العلماء على أحد القولين، وتصريح كثير من العلماء بتخطئة أحدهما في هذه الفتوى، ومنها تخصص أحدهما في موضوع السؤال، كأن يشتهر بعلم الفرائض والسؤال في توزيع تركة وهكذا. وإذا تساوى عند المستفتي المفتيان من كل وجه أخذ بالأيسر؛ لأن هذا موافق ليسر الإسلام، ولأن الأصل براءة الذمة، ولا يجوز للسائل أن ينتقي من الأقوال بهواه، ولا أن يتتبع رخص العلماء. قال سليمان التيمي: لو أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله. وإذا عمل السائل بالفتوى ثم ترجح بعد ذلك غيرها فلا تنقض الفتوى الأولى؛ لأن الاجتهاد لا ينقض بمثله. فاتبعوا العلماء الربانيين، واحذروا الجهلاء وأصحاب الهوى، قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَىٰ شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الجاثية: 18]. بشرى لنا زاد أكاديمية بالعلم كالأزهار في البستان.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم. قلنا إن النية في صوم الفرض لا بد أن تكون مستوعبة لليوم كاملاً، من الفجر إلى الغروب، لا بد قبل الفجر لو بلحظة أن تكون النية موجودة. متى يبدأ وقت النية؟ هذا نهاية وقت النية قلنا الفجر، طيب متى يبدأ؟ بعض الناس قال مثلاً من غروب الشمس، يعني الذي يريد أن يصوم يوم الأحد لا بد أن يكون عنده نية للصيام من يوم السبت، من بعد غروب الشمس يكون ناوياً صوم يوم الأحد، وهذا قول حسن وجيد. وبعض الناس يقول إذا كان الصوم متتابعاً فإن وجود النية السابقة لصوم هذه الأيام المتتابعة يغني عن أن يفرد كل يوم بنية مستقلة، خلاص، معنى أن الإنسان لو أراد أن يعزم من يوم ثلاثين شعبان أو تسعة وعشرين شعبان أن يصوم رمضان كاملاً خلاص هذا كافي، لكن إذا قطع هذا الصوم المتتابع المتسلسل، قطعه بفطر، مثلاً سافر يومين فأفطر في هذين اليومين، يحتاج أن يجدد نية أنه خلاص الآن سوف يرجع إلى الصوم.

النية ما هي؟ النية هي عمل قلبي، لماذا نقول أنها عمل قلبي؟ حتى لا يوسوس الإنسان، يقول بعض الناس ربما وسوس، تجد الذي يحدث نفسه يقول: أنا أريد، وبعض الناس يوسوس حتى في الصلاة يقول: أنا أريد أن أصلي الظهر أربع ركعات الآن جماعة خلف هذا الإمام، ما يحتاج هذا كثرة الحديث. النية ما هي؟ النية هي عمل قلبي، يعني أصلاً أنت كونك تقول لأهلك جهزوا لي العشاء، أو تقول لهم قوموني للسحور، أو تقول إنك تأكل في العشاء حتى مجرد أنك تكثر في العشاء كذا باعتبار تقول إنه نوع من السحور، وتقول أبغى أستعين به على الصوم غداً، هذا أصلاً كونك تزيد بس في عشاءك ولا في سحورك، هذه نية، هذا دليل أن النية موجودة. المسلم المتعبد لله سبحانه وتعالى خلاص إذا قيل له رمضان غداً، خلاص أصلاً معروف أن النية موجودة أنه سوف يصوم المسلم المتعبد لله سبحانه وتعالى، فلا يحتاج أن الإنسان يوسوس في نيته ولا يقعد يقول والله هل أنا ناوي ولا ماني ناوي؟ لا، هي خلاص إرادة قلبية، أنك خلاص عزمت على الصوم إن شاء الله تعالى، وأنك متهيئ للصوم، كونك أنت بدأت ترتب ولا قلت لأهلك جهزوا لنا الإفطار بكرة كذا، هذه كلها دليل على وجود النية في القلب على الصوم. ولا شك أن المسلم الملتزم بأمر الله سبحانه وتعالى المطيع لله سبحانه وتعالى فمجرد علمه أن رمضان غداً خلاص، هذا أوتوماتيك النية موجودة، هذا ما يحتاج أنه يقول والله اللهم إني أنوي أن أصوم أو غيره؛ لأنه أصلاً هذا مسلم متعبد لله سبحانه وتعالى، هذا على طول الذي كان من عادته أنه يصوم ويحافظ على الصلاة، يحافظ على الزكاة، يحافظ على الصوم، هذا خلاص مجرد أن يعلم أن رمضان غداً خلاص هذا يبدأ بالنية مباشرة.

فرقنا بين صوم الفرض وصوم النفل، قلنا النفل لا يصح النية في وسطه وفي أثنائه، لماذا؟ لأن أصلاً لم يوجب الله سبحانه وتعالى أن يصام هذا اليوم كاملاً، وإنما هذا تطوع من العبد، والعباد يتفاوتون؛ فبعض الناس ينوي التطوع هذا من أول اليوم مثل الفرض، نواه من الليل فاستوعب نية اليوم كاملاً، هذا ما شاء الله صائم اليوم كامل. في بعض الناس لا، نوى من نصف النهار، فلكل امرئ ما نوى، مثل ما قال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: «إنما لكل امرئ ما نوى». ما الدليل على أن المسلم يجوز له أن ينوي صوم النافلة من منتصف النهار؟ دل عليه فعل النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، دخل مرة على عائشة صلوات الله وسلامه عليه، دخل على عائشة الصديقة بنت الصديق رضي الله تعالى عنهم أجمعين، فقال لها: يا عائشة هل عندكم من طعام؟ قالت: لا. قال: «فإني صائم». إذاً النبي صلى الله عليه وسلم نوى الصوم حين قالت له عائشة إنه ليس عندنا من غداء.

نوى الصوم بقية النهار صلوات الله وسلامه عليه. هذا دلنا على ماذا؟ دلنا على أن الصوم في النافلة يصح بنية من نصف النهار، سواء كانت هذه النية قبل نصف النهار أو أثناء نصف النهار أو بعد نصف النهار.

فلا شك أن الصوم يصح بفعل النبي الكريم صلى الله عليه وسلم وفعل صحابته الكرام رضي الله عنهم، كما ثبت عن أبي الدرداء وعن أبي هريرة وعن غيرهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين أنهم صاموا في أثناء النهار ونووا.

ولا شك أن الإنسان كلما عظم وقت صومه فلا شك أن هذا أعظم أجراً له. ما هو الشرط؟ بشرط ألا يكون قد أكل من أول النهار. نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى حديث حول موضوع آخر، ألا وهو موضوع شروط وجوب الصوم. الصوم في وجوبه له ثلاث رتب.

الرتبة الأولى: أن يجب صوم رمضان أو بدله. ما هو بدل صوم رمضان؟ هو الإطعام. الله سبحانه وتعالى فرض صوم رمضان، ولكن العاجز عن الصوم لكبر أو مرض لا يرجى برؤه، هذا عفا الله سبحانه وتعالى عنه في قضية الصوم؛ يقضي هذا الصوم أو يؤدي بدلاً عن الصوم كفارة، وهي أن يطعم مسكيناً عن كل يوم وجب عليه.

الذي لا يقدر، يفترض أن إنساناً وصل عمر التسعين مثلاً أو جاوزها وهو مريض لا يستطيع أن يصوم، ربما أنه عنده أدوية يحتاجها كل ساعتين أو ثلاث ساعات أو قد ضعف بدنه، ولكنه لا يزال عاقلاً وواعياً يصلي، فكيف يفعل بعبادة الصوم؟ نقول له: أطعم، أطعم عن كل يوم مسكيناً بدلاً عن الصوم.

من هو المخاطب بالصوم أو بالإطعام؟ كل مسلم مكلف مخاطب أيها الإخوة والأخوات بالصوم، فإن لم يقدر، يعني كان عاجزاً، لأن القدرة -سيأتينا إن شاء الله تعالى أنها نوعين- يقابل القدرة شيئان؛ يقابلها العجز بأنه لا يستطيع خلاصاً لكبر أو مرض.

ويقابلها المرض؛ المرض ما هو؟ المرض هو عجز عارض يزول بالصحة، يعني المريض لا يستطيع الصوم ولكن يرجى برؤه وصحته، فهذا لا يسمى عاجزاً، هذا يسمى مريضاً، فإذا مرض فإنه إن شاء الله تعالى تؤمل صحته، فإذا صح يقضي الصوم ما في إشكال.

لكن العاجز الذي لا يستطيع الصوم، خلاص يعني ضعف بدنه عن الصوم، ليس عنده مرض عارض يعني يوم يومين أو شهر ويزول، لا، عنده مرض دائم، خلاص عاجز عن الصوم، عنده كبر وهرم، فهذا عاجز عن الصوم فهذا يخاطب بالإطعام.

إذاً هذا يفيدنا فائدة، وهو أن كل مسلم مكلف مخاطب إما بالصوم وإما بالإطعام. لو قال قائل: هل معنى هذا أن المسلم المكلف حتى لو بلغ تسعين أنه مخاطب؟ نقول: نعم مخاطب، ولكن ليس بالضرورة أن يصوم، ما دام أنه عاجز عن الصوم فإنه يطعم.

إذاً ما هي شروط خطاب المكلفين بالصوم أو ببدله؟ نقول كل مسلم مكلف فهو مخاطب، مثل الصلاة، كل مسلم مكلف مخاطب بالصلاة؛ إن كان قادراً على القيام صلى قائماً، ما هو بقادر على القيام يصلي قاعداً، ما هو قادر على القعود يصلي على جنب، وإن لم يقدر أن يصلي على جنب يصلي مستلقياً على ظهره، ما هو بقادر أن يصلي مستلقياً على ظهره فإنه يصلي إيماءً، لاحظتم؟ لكن جميعهم مخاطبون بخطاب الصلاة.

الصوم، نقول كل مسلم مكلف مخاطب بالصوم، لكن عندنا أحوال، إما أنه يخاطب بالصوم فيؤدي الصوم في رمضان، أو قضاء بعد رمضان؛ نفترض المريض مثلاً، نقول أنت عندك خياران إما أن تؤديه في رمضان إذا قدرت، إذا لم تقدر كان عندك مثلاً مرض أو كذا وتحتاج أدوية معينة لا بأس أنك تفطر ولكن تقضيه بعد رمضان. هذا النوع الثاني، المخاطب بالصوم في رمضان أو قضاء بعد رمضان، أو أنه مخاطب ببدل الصوم وهو الإطعام لو كان عاجزاً عجزاً دائماً عن الصوم.

إذاً عندنا ما دام مسلماً مكلفاً فهو مخاطب بالصوم أو ببدله، في تفاصيل لكن ما دام مسلماً مكلفاً فإنه مخاطب، بعد ذلك ننظر ما الذي خوطب به؟ هل خوطب بالصوم في رمضان؟ هل يجوز له القضاء؟ هل يجب عليه الإطعام؟ إذاً ما هي القاعدة الأساس التي ننطلق منها؟ المسلم المكلف.

فاصل قصير ونعود إليكم بعد الفاصل إن شاء الله تعالى.

هل أنت حريص على تصحيح عباداتك؟ هل ترجو أن يتقبلها الله؟ اطلب العلم، إذ لا تصح العبادة إلا به. قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: 19]. وشرط قبول طلب العلم الإخلاص فيه، بألا تريد به إلا وجه الله، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: 11]. وبالإخلاص ترزق صحة الفهم وقوة الاستنباط، قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين».

وبالإخلاص يذعن المتعلم للحق ويقبل النقد، قال الذهبي: علامة المخلص أنه إذا عوتب لا يبرئ نفسه بل يعترف ويقول رحم الله من أهدى إلي عيوبي. ويجب أن يتوفر الإخلاص في التعلم والتعليم والتأليف، قال أبو داوود الطيالسي: ينبغي للعالم إذا حرر كتابه أن يكون قصده بذلك نصرة الدين لا مدحه بين الأقران لحسن التأليف.

فأخلص النية واحذر من فسادها، كطلب العلم لأجل المال والثروة، أو الجاه والشهرة، أو المراء والجدل، فإن ذلك يفسد العمل. قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23]. بشرى لنا زد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن شروط الوجوب. إذا قلنا شروط الوجوب فمعنى أن هذه الشروط إذا تحققت فإنه يجب، إذا قلنا شروط الجواز معنى ذلك أن الشروط هذه إذا تحققت فإنه يجوز، إذا قلنا مثلاً شروط الصحة فإن هذه الشروط إذا تحققت فإن هذا الشيء يصح، إذا قلنا مثلاً شروط التحريم إذا تحققت فإن هذا الشيء يحرم، وهكذا، هذا معنى شروط الوجوب، الجواز، الصحة، التحريم أو غيرها.

إذاً إذا قلنا مثلاً: ما هي شروط صحة الصلاة؟ نقول: أن يكون مثلاً مسلماً، عشان تصح صلاته، طيب هل يشترط لصحة الصلاة أن يكون بالغاً؟ لا، ليست واسعة، لذلك تصح صلاة الطفل الذي عمره مثلاً عشر سنين أو تسع سنين، تصح صلاته ما في مشكلة، إذا قلنا إن من شروط صحة الصلاة البلوغ، فمعناه أنه إذا ما بلغ ما تصح صلاته.

طيب سؤال: ما هي شروط وجوب الصلاة؟ نقول: الإسلام والبلوغ، وش معنى هذا؟ معناه إذا بلغ وجبت الصلاة، لكن إذا ما بلغ باقي ما وجبت الصلاة، وإنما يخاطب بالصلاة تدريباً وتعويداً. إذاً في فرق بين شروط صحة الصلاة وشروط وجوب الصلاة.

نحن الآن نتحدث عن شروط وجوب الصوم، هل يشترط لوجوب الصوم أن يكون الإنسان بالغاً؟ نعم، يشترط أن يكون بالغاً. طيب هل يشترط لصحة الصوم أن يكون بالغاً؟ لا، يصح كذلك حتى من غير البالغ، لو أن هناك شاباً أو طفلاً عمره مثلاً عشر سنين أو أحد عشر سنة باقي ما بلغ، نقول له صح صومه إن شاء الله تعالى، صحيح الصوم ما فيه إشكال، لكن هل هو واجب؟ نقول: لا، ما هو واجب.

إذاً ما هي شروط الوجوب؟ نقول البلوغ، طيب ما هي شروط الصحة؟ لا نقول البلوغ؛ ليش؟ لأنه لو قلنا من شروط صحته أن يكون بالغاً، فمعنى ذلك أنه لا يصح صوم الشخص غير البالغ، وهذا خلاف ما ثبت في هدي النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

طيب ما هي شروط وجوب الخطاب بصوم رمضان أو بدله؟ نقول ما دام الشخص مسلماً مكلفاً، ما معنى كلمة مكلف؟ مكلف شيئين يعني بالغ وعاقل، لماذا؟ لأن الصغير الذي لم يبلغ غير مكلف، والمجنون غير العاقل هذا لا يعد مكلفاً، إذاً المسلم المكلف -نضع بين قوسين البالغ العاقل- ما دام مسلماً مكلفاً فإنه مخاطب.

قد يقول قائل: هذا نعم هو مسلم بالغ وعاقل، لكنه قد بلغ من الكبر عتياً ولا يستطيع الصوم، كيف توجب عليه؟ نقول: لا ما أوجبنا عليه الصوم، يوجب عليه الإطعام. لكن هو الآن مخاطب بشيء ما، ما دام مسلماً مكلفاً، نقول أنت الآن ما دام مسلماً مكلفاً فإنه يجب عليك أحد ثلاث خيارات، الخيار الأول: صوم رمضان وجوباً في رمضان، الخيار الثالث: صوم رمضان قضاء، الخيار الرابع: أن تطعم عن كل يوم مسكيناً.

فما دام الإنسان مسلماً مكلفاً فعنده أحد هذه الخيارات. يقول تعبت، كيف أنا إنسان بلغت السبعين أو الثمانين ولا أستطيع أن أصوم؟ نقول نعم أنت مسلم مكلف إذاً أنت تخاطب بالإطعام ما دمت عاجزاً، هل تقدر أن تصوم أبداً؟ قال: نعم، عاجز لا أقدر أن أصوم أبداً، خلاص بلغت من الكبر، ومضطر لأدوية معينة لازم آخذها كل ساعتين أو كل ثلاث ساعات ولا أستطيع أن أصوم أبداً، وقد ضعف جسمي إلى آخره. فنقول خلاص إذاً ما دام أنك مسلم بالغ عاقل فإنك تخاطب الآن بالإطعام ما دمت عاجزاً.

إذاً نحن نقول خلونا نضعها لو أردنا أن نضعها في شجرة: أنا أقول المسلم المكلف هذا أول شيء، إذا كان عاجزاً تماماً عن الصيام ما يستطيع الصوم، فهذا يؤمر بماذا؟ يؤمر بالإطعام، أن يطعم عن كل يوم مسكيناً.

إذا صار مسلماً مكلفاً قادراً على الصوم، إذا نقسم قسمين من الشجرة هذه: العاجز هذا يخاطب بالإطعام، طيب إذا كان مسلماً مكلفاً قادراً على الصوم -بمعنى أن عنده القدرة على الصوم، سواء الآن ولا بعد يومين ولا بعد شهر وشهرين، عنده القدرة، بدنه مؤهل للصوم وإن كان هو الآن عنده عارض مرضي ولا سفري ولا غيره هذا شيء آخر- لكن نحن نتكلم الآن أنه قادر، يعني عنده أهلية وقدرة، بدنه يستطيع أن يصوم، إذاً هذا مخاطب بالصوم ولا يخاطب بالإطعام.

هذا الفرع الثاني من الشجرة، هذا مخاطب بالصوم، هذا الفرع يتفرع منه ثلاثة فروع أخرى، نقول: تعال، هذا الإنسان القادر هناك من القادرين من هو مخاطب بصوم رمضان وجوباً، من هؤلاء القادرين وهم الذي يعد غير مسافر وغير مريض وغير حائض وغير نفساء وغير حامل وغير مرضع. إذاً هذه ست صفات، إذا وجدت نقول تعال، غير مريض ولا مسافر ولا حامل ولا مرضع ولا حائض ولا نفساء، موجودة الست هذه وأنت قادر وأنت مسلم مكلف، فمعنى ذلك أنه يجب عليك صوم رمضان الآن، ما يجوز أنك تؤخره قضاء ولا غيره، لازم أنك تصوم الآن.

طيب إذا كان مسلماً مكلفاً وطلعنا في الفرع هذا، قال قادر ولكنها حائض ونفساء، نقول: إذاً يجب عليك صوم رمضان قضاءً، لا يجوز لك أن تصومي رمضان أداءً، يعني لازم أنك تقضي هذا اليوم، لا يجوز أن تصومي هذا اليوم في رمضان، يجب عليك الصوم قضاءً.

طيب إذا كان مسلماً مكلفاً وقادراً ولكنه إما مريض أو مسافر أو حامل أو مرضع، نقول: يجب عليكم صوم رمضان إما قضاءً وإما أداءً، يعني تبغون تصومون في رمضان أو بعد رمضان، أنتم مخيرون.

إذاً عندنا الآن خلونا نعيد رسم الشجرة هذه حتى نبسطها لكم، أصل الشجرة: مسلم مكلف. ما دام الإنسان مسلماً مكلفاً -مسلماً بالغاً عاقلاً- فهذا مخاطب، يجب عليه شيء ما. إذا كان الإنسان غير مسلم هذا غير مخاطب، إذا كان إنساناً غير بالغ هذا لا يجب عليه شيء، إذا كان إنساناً مجنوناً هذا لا يجب عليه شيء. مسلم بالغ عاقل هذا يجب عليه شيء.

ثم يتفرع عندنا فرعان: هل هو قادر أم عاجز؟ إذا كان عاجزاً نقول هذا العاجز عن الصوم إما لكبر أو مرض لا يرجى برؤه، هذا يجب عليه الإطعام. طيب إذا كان مسلماً مكلفاً وقادراً على الصوم، يعني يستطيع الصوم إما اليوم ولا بكرة ولا بعد شهر ولا شهرين، المهم أن بدنه مؤهل للصوم، نقول تعال، هذا القادر عندنا يتفرع منه ثلاثة فروع:

الفرع الأول: اللي هو غير ستة أشياء، غير مسافر وغير مريض وغير حامل وغير مرضع وغير حائض وغير نفساء، نقول تعال، من تحقق فيه هذه الستة أنه ليس أحد هؤلاء الستة، وهو في نفس الأمر مسلم مكلف قادر، فمعنى ذلك أنه يجب عليه صوم رمضان أداءً في رمضان.

الفرع الثاني: إذا كان من الستة مسلم مكلف وهو قادر على الصوم، نقول تعالوا، الستة هؤلاء نقسمهم قسمين، الحائض والنفساء هؤلاء يحرم عليهم صوم رمضان ويجب عليهم قضاء رمضان.

الفرع الثالث: طلعنا الاثنين بقي أربعة، وهم قلنا المسلم المكلف والقادر وإما مريض أو مسافر أو حامل أو مرضع، نقول تعالوا أنتم الأربعة أنتم مخيرون بين صوم رمضان في رمضان وبين قضائه خارج رمضان.

هذه شروط وجوب الصوم إذا رسمناها في هذه الشجرة، ولعلكم ترسمونها في هذه الشجرة إن شاء الله تعالى، وأطلع عليها إن شاء الله تعالى في منتدى زاد بإذن الله تعالى. إذا رسمتم هذه الشجرة فإنكم تستطيعون أن تتخيلوا.

هو أن تعرفوا من الذي يجب عليه صوم رمضان قضاء، ومن الذي يجب أن يصوم رمضان أداء؟ ومن الذي هو مخير بين قضاء رمضان أو أدائه؟ ومن هو الذي يجب عليه الإطعام؟

نقف عند هذا القدر، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً نوادٍ ميسرة، يأتيك ميسوراً بأي مكان، ينبوعها صافٍ يروي غلة الظمآن، وتعلم الفقه الميسر آمناً بالشرع دون تعصب لفلان، بشرى لنا زادنا كاذبين بالعلم كالأزهر في البستان.