تسجيل الدخول

المحاضرة 25 - الفقه - المستوى الثالث - د.منصور الغامدي - واجبات الحج - برنامج أكاديمية زاد

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، ولي المؤمنين والمتقين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله النبي الأمي الكريم، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: اللهم يا ربنا نسألك أن تهدينا وتيسر الهدى لنا، وأن تجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين.

إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الخامس والعشرون من سلسلة دروس الفقه في الفصل الدراسي الثالث في أكاديمية زاد. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس قائلها وسامعها وناشرها ومن أسهم فيها، وأن يجعلها من العلم الذي يكون حجة لنا لا حجة علينا.

إخواني وأخواتي، كنا قد تحدثنا في عدد من الدروس السابقة عن أركان الحج، وقلنا: إن أركان الحج الإحرام، والوقوف بعرفة، وطواف الإفاضة. وزاد بعض أهل العلم السعي بين الصفا والمروة، إلا أن الصحيح أنه واجب من الواجبات. وتحدثنا وقلنا: إن أركان العمرة إحرام وطواف، وزاد بعض أهل العلم السعي بين الصفا والمروة، إلا أن الصحيح والله تعالى أعلم أنه واجب من الواجبات.

أول فقرة نريد أن نتحدث بها قبل أن ندخل إلى واجبات الحج: ما معنى قولنا ركن؟ وما معنى قولنا واجب؟ أو ليس الركن بواجب في الشرع؟ فنقول: إن الركن يجب على الحاج أن يأتي به، إلا أن وجوبه أعلى من وجوب ما اصطلح أهل العلم على تسميته بالواجبات. الواجبات والأركان كلها واجبة يجب على المسلم أن يأتي بها، إلا أن الركن وجوبه أقوى. إذا أنت لما تصف الشيء بأنه ركن، يعني أنه يعتمد عليه ويبنى عليه الشيء، فإذا زال هذا الركن زال الشيء.

إذا قلنا أركان الحج، فمعنى ذلك أننا نعني واجبات الحج التي يذهب الحج بذهابها، ويزول الحج بزوالها. لكن الواجبات الأخرى هي واجبات في الحج إلا أن الحج لا يزول بزوالها. لو قلنا مثلاً: إن من واجبات الحج رمي الجمار، هل معنى هذا أنه يرخص للإنسان أن يتركها؟ نقول: لا، هي واجب ويجب عليك أن تأتي به، يثاب فاعله ويأثم تاركه.

إذاً ما معنى قول واجب وليس بركن؟ معناه أنه لو لم يأتِ برمي الجمار فإن حجه صحيح، ولكن عليه أن يجبر حجه؛ أن يجبر هذا النقص بدم، ينحر هدياً يبلغ الكعبة، وهذا الهدي يكون جابراً لنقص هذا الواجب. طيب، الوقوف بعرفة وطواف الإفاضة ألا يمكن جبرهما بدم؟ نقول: لا، لا يمكن جبرهما بدم؛ فإذا فات الوقوف بعرفة فات الحج، وإذا فات طواف الإفاضة ولم يطف الإنسان طواف الإفاضة فلم يتم الحج. إذاً نحن نفرق بين أمرين: الأمر الأول الركن، وهو ما يمكن أن نسميه الواجب القوي، وبين الواجبات وهي واجب إما متوسط أو أقل من المتوسط أو واجب وجوبه ضعيف.

حتى هذه الواجبات تتفاوت، وهذا في الحقيقة ينطلق من قاعدة ينبغي لطالب العلم وطالبة العلم أن يدركوها ويفهموها، وهي: أن الوجوب متفاوت في الشريعة. فليس وجوب الصلاة كوجوب الزكاة كوجوب الصوم كوجوب الحج لا. وجوب الصلاة أقوى الواجبات، لذلك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم اتفقوا على كفر تارك الصلاة، لكن اختلفوا مثلاً في كفر غيره. لذلك هذا وجوب قوي وجوب شديد.

حتى في الصلاة، واجبات الصلاة كلها على رتبة واحدة؟ لا، أقول ليست على رتبة واحدة. وجوب الصلاة وجوب قوي، أعلى الواجبات أداء الصلاة. كذلك وجوب أدائها في الوقت، كذلك هذا وجوب قوي: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا﴾ [النساء: 103]. وجوب أدائها جماعة على الرجل في المسجد، نقول: هذا وجوب أقل، لذلك من أتى بالصلاة في البيت نقول: أتى بالواجب الأعظم لكن فرط في شيء من الواجبات، لكن لا نقول إنه مثلاً من لم يصلِّ في المسجد أنه كافر، لا، نقول إنه فرط.

إذاً درجات الوجوب تتفاوت، درجات المحرمات تتفاوت، وهذا راجع إلى اختيار الله سبحانه وتعالى ومشيئته وإرادته وتفضيله بين الأفعال والتروك، كما فضل سبحانه وتعالى الأماكن والأزمان والأشخاص. فضل الله سبحانه وتعالى الأفعال، فجعل بعض الأفعال أعظم تقرباً إليه، وأحب بعض الأعمال أكثر من غيرها وهكذا. إذاً هذه الواجبات متفاوته في الوجوب.

دعونا ندخل إلى واجبات الحج. إذاً ما معنى واجبات الحج؟ معناها يثاب فاعلها ويأثم تاركها، إلا أنه يمكن أن تجبر بدم. هذه الواجبات عدد من الواجبات، من أول هذه الواجبات الإحرام من الميقات. يعبر بعض أهل العلم فيقول: الإحرام من الميقات، ولعل التعبير الأفضل والله تعالى أعلم أن يقال: كون الإحرام من الميقات. لماذا؟ ألم يمر معنا في أركان الحج أن من أركانه الإحرام؟ ما الفرق بين ذلك الركن وهذا الواجب؟

نقول: إن وجود الإحرام ركن، فمن وقف بعرفة غير محرم مثلاً فقط يريد البيع والشراء فيها، أو يبيع للناس غداءً، أو يبيع للناس ماءً أو شيئاً من هذا، ثم انصرف من عرفة، لا نقول إنه حاج، نقول إنه واقف بعرفة وقوف نزهة. إذاً من هو الواقف بعرفة؟ من وقف بعرفة محرماً. طيب هذا ركن أن يكون محرماً، لكن كون الإحرام من الميقات، هذا نقول: واجب.

معنى هذا أنه إذا جاء بالإحرام بعد الميقات، تجاوز الميقات بدون إحرام، ولما وصل إلى مكة أحرم، نقول: إن هذا الشخص أتى بالركن وهو ركن الإحرام قبل الوقوف بعرفة، ووقف بعرفة محرماً، هذا إن شاء الله تعالى صح حجه، ولكنه فرط في شيء من الواجبات وهو واجب الإحرام من الميقات. إذاً وجود الإحرام ركن، كون الإحرام من الميقات نقول: هذا وجوب أقل، مثل ما نقول: وجوب الصلاة، فعل الصلاة هذا ركن الإسلام، كون الصلاة جماعة في المسجد هذا واجب من الواجبات. لاحظتم الفرق؟ نفس الأمر هذا في الإحرام، نقول الإحرام ركن، وكون هذا الإحرام من الميقات نقول هذا واجب من الواجبات الشرعية.

ما الدليل على وجوبه؟ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يُهِلُّ أهْلُ المدِينَةِ من ذِي الحُلَيْفَةِ، ويُهِلُّ أهْلُ الشَّامِ من الجُحْفَةِ، ويُهِلُّ أهْلُ نَجْدٍ من قَرْنٍ، ويُهِلُّ أهْلُ اليَمَنِ من يَلَمْلَمَ، هُنَّ لهنَّ، ولِمَنْ أتَى عليهنَّ من غيرِ أهْلِهِنَّ مِمَّنْ أرادَ الحَجَّ والعُمْرَةَ». إذاً كون النبي صلى الله عليه وسلم يقول: يهل أهل كذا من كذا، هذا دليل على وجوب أن يهل من هذا المكان. إذاً هذا الواجب الأول من واجبات الحج ألا وهو الإحرام من الميقات.

ننتقل إلى الواجب الثاني من واجبات الحج: الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس لمن وقف نهاراً. ما الفرق بين قولنا من واجبات الحج الوقوف بعرفة إلى غروب الشمس لمن وقف نهاراً، وبين قولنا إن من أركان الحج الوقوف بعرفة؟ نقول: إن من وقف بعرفة نهاراً لحظة واحدة في اليوم التاسع بعد زوال الشمس إلى عنده من الوقت من زوال الشمس إلى فجر يوم العيد -أذان الفجر يوم العيد- إذا وقف بعرفة لحظة في هذا الوقت أجزأه وصح، أتى بالركن. لكن قال بعض أهل العلم: إن من الواجبات أنه إذا وقف نهاراً أن يستمر وقوفه إلى غروب الشمس.

طيب، لو وقف نهاراً بعد العصر وقف لحظة وانصرف، نقول في هذه اللحظة أتى بالركن لأنه وقف بعرفة، ولكنه فرط في واجب الاستمرار إلى غروب الشمس، كما استمر النبي صلى الله عليه وسلم. لكن هل حجه صحيح؟ نقول: حجه صحيح، لكنه فرط في ترك هذا الواجب. وهذا الواجب كما ذكرنا أنه على قول بعض أهل العلم، وإلا فإن ظاهر حديث عروة بن المضرس رضي الله تعالى عنه يدل على أن الوقوف بالنهار مجزئ، وأن الوقوف بالليل مجزئ، وأن فعل النبي صلى الله عليه وسلم يدل على السنية المؤكدة في الوقوف من زوال الشمس إلى أن يستمر بعد الغروب بلحظات، ثم يفيض بعد ذلك من عرفة. إذاً هذا الواجب الثاني، أن يكون إذا وقف بالنهار يستمر وقوفه إلى غروب الشمس. هذا واجب على قول بعض أهل العلم.

ما هي الشعائر التي تكون من الواجبات ولا تكون من الأركان؟ من هذه الشعائر المبيت بمزدلفه. المبيت بمزدلفه ذكره الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم فقال: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾ [البقرة: 198]. ذكر الله سبحانه وتعالى الأمر بذكره سبحانه وتعالى عند المشعر الحرام، وهذا الأمر مقتضٍ للوجوب. بل إن بعض أهل العلم قال: إن هذا الأمر يقتضي الركنية، وهو قول له وجه من النظر، ولكن الأظهر والله تعالى أعلم الصحيح أنه واجب من الواجبات.

وهو واجب المبيت بمزدلفه. ما معنى كلمة المبيت؟ معنى كلمة المبيت أن يكون الإنسان بمزدلفه، متى يبدأ وقت مزدلفه؟ يبدأ من غروب شمس يوم التاسع إلى قبل طلوع شمس يوم العاشر، هذا كله وقت لمزدلفه.

طيب قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾. أتم الذكر وأكمله هو ما فعله الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، حيث صلى بها المغرب والعشاء والفجر. أول الصلاة، أول الذكر هو الصلاة، أهم شيء في ذكر الله سبحانه وتعالى هو الصلاة ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾، ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ﴾. فكون وقوع الصلاة تفسيراً للذكر كما جاء في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفعله، أنه صلى فيها لما ذكره أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه، أفاض النبي صلى الله عليه وسلم من عرفه بعد غروب الشمس فوقت المغرب قصير، فذكره أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنه، فقال يا رسول الله الصلاة، صلاة المغرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسامة: «الصلاة أمامك»، يعني الصلاة في مزدلفه، فلما وصل النبي صلى الله عليه وسلم إلى مزدلفه بادر صلوات الله وسلامه عليه بصلاة المغرب فيها.

صلاة الفجر كذلك صلى النبي صلى الله عليه وسلم بمزدلفه. المسألة الثالثة كذلك، أن النبي صلى الله عليه وسلم فسر ذكر الله سبحانه وتعالى ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ بوقوفه كذلك من بعد صلاة الفجر إلى قبل طلوع الشمس، قبل طلوع الشمس لما أسفر. ما هو الإسفار؟ هو انتشار الضوء قبل شروق الشمس. الشمس قبل أن تشرق يسبقها انتشار للنور، هذا يسمى إصفاراً، فالنبي صلى الله عليه وسلم انتظر حتى أسفر جداً، ثم أفاض من مزدلفه إلى منى صلوات الله وسلامه عليه.

إذاً هذا هو وقت المبيت بمزدلفه. هل يجبر بدم؟ الظاهر والله تعالى أعلم أنه يجبر بدم. ولذلك قلنا إنه من الواجب. لو قلنا إنه ركن فمعنى ذلك أنه لا يجبر بدم، لو قلنا إنه سنة فمعنى ذلك أنه لا يلزم أصلاً الحج أن يأتي به، وإنما يشرع له أن يأتي به، لكن الصحيح أنه واجب من الواجبات، والنبي صلى الله عليه وسلم قد رخص للضعفة.

ومن واجبات الحج أيضاً المبيت بمنى ليالي أيام التشريق. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ ۚ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ ۚ لِمَنِ اتَّقَىٰ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [البقرة: 203]. هذه الأيام المعدودات شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها المبيت بمنى، فبات رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى. مما استدل به أهل العلم على وجوب المبيت بمنى، أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن ورخص للرعاة والسقاة أن يتركوا المبيت في منى، أذن للعباس أن يبيت بمكة لأجل سقايته، وأذن للرعاة أن يبيتوا خارج منى لأجل راعيهم. فقالوا: إن إذن النبي صلى الله عليه وسلم لهذه الطوائف التي تحتاج حاجة خاصة دليل على أن من لم يكن عنده حاجة خاصة يحتاج لأجلها أن يبيت خارج منى، فإنه...

عليه أن يبيت في منى. واستفاد أهل العلم من هذا الحديث كذلك أن من كان له حاجة فلم يبت بمنى، مثل السقاة أو الرعاة، ومثلهم كذلك من لم يجد مكاناً بمنى، كالحاج الذي لا يجد مكاناً بمنى مثلاً، قدم الحج ولكن لأجل ازدحام منى لم يجد بها مخيماً يجلس فيه؛ كذلك هذه الطوائف كلها لا يلزمها دم بتركها للمبيت. لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يوجب على الرعاة ولا السقاة، على عمه العباس في سقايته، لم يوجب عليهم دماً لأجل تركهم المبيت.

إذاً هذه فوائد استفدناها من حديث الإذن للرعاة والإذن للعباس في أن يبيت بمكة ليالي منى لأجل سقايته؛ استفدنا منها عدداً من الفوائد: أول شيء وجوب هذا الأمر، وجوب المبيت بمنى. الأمر الثاني أن هذا الوجوب يسقط لوجود حاجة تمنع منه. الأمر الثالث أنه يقاس على وجود الحاجة التي تمنع منه من لم يجد مكاناً، بل هو أبلغ، بل هو أبلغ أن من لم يجد مكاناً بمنى فإنه لا يجب عليه المبيت بمنى. الأمر الرابع أن من لم يبت بمنى لأجل عذر أو حاجة أو عدم وجود مكان مناسب أو مخيم مناسب لأن يبيت بها، فإنه يسقط عنه الوجوب ولا يجب عليه دم لأجل هذا الأمر. إذاً هذه فوائد استفدناها من إذن النبي صلى الله عليه وسلم للرعاة والسقاة.

نستطيع أن نستفيد فائدة حقيقة، طلبة العلم يستطيعون أن يستفيدوا فائدة، ممكن أن نقول لكم سؤالاً: قارنوا لنا بين المبيت بمزدلفة والمبيت بمنى؟ المبيت بمزدلفة حقيقة وجوبه أقوى من وجوب المبيت بمنى. الله سبحانه وتعالى أمر في مزدلفة فقال: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: 198]؛ نص على مزدلفة في كتابه الكريم، وأما في ليالي منى قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 203] ما نص على هذا المشعر "منى"، وإنما نص على ظرف الزمان. فما نص الله سبحانه وتعالى عليه لا شك أنه أعظم، ولا شك أنه أهم مما لم يذكر ولم ينص على اسمه وإنما ذكر ظرف زمانه، هذا جانب.

الجانب الثاني أن النبي صلى الله عليه وسلم أذن للظعن وللنساء وللضعفة أن ينصرفوا من مزدلفة بليل، إذاً ألزمهم بالإتيان بجزء من الواجب وأذن لهم في الانصراف ليلاً، أما في الانصراف عن بقية الواجب وأما في الانصراف عن بقية المستحبات، سواء قلنا إن بقية الليل مستحب أو واجب، هذه قضية أخرى، ولكن ألزمهم النبي صلى الله عليه وسلم بالإتيان ببعضه، أما في منى فقد أذن لهم بتركه كله. إذاً هذا دليل على أن المبيت بمنى وجوبه أضعف من وجوب المبيت بمزدلفة.

كذلك مما يمكن أن نتعرف به على أهمية الوجوب ورتبة الوجوب، أن أهل العلم قد اختلفوا في المبيت بمزدلفة هل هو ركن أم واجب، وأما منى فقد اختلفوا فيها هل هو واجب أم سنة. إذاً هذا دليل على أن فهم أهل العلم لهذين الواجبين فهم مختلف، وهذا هو الصحيح: أن وجوب المبيت بمزدلفة أعظم وأقوى درجة من وجوب المبيت بمنى، لذلك من اضطر إلى ترك المبيت بمزدلفة بالكلية فإن الظاهر والله تعالى أعلم عليه دم، أما من اضطر لترك المبيت بمنى فإن الظاهر والله تعالى أعلم أنه لا يجب عليه دم. لذلك هذه الواجبات ليست كلها التي سنسرد الآن ليست كلها على وزان واحد ورتبة واحدة في الشريعة، كلا، بل إن وجوب بعضها أقوى من وجوب بعضها الآخر.

نعود إليكم ونتابع حديثنا معكم عن واجبات الحج. ذكرنا أن من واجباته كون الإحرام من الميقات، وكون الوقوف بعرفة لمن وقف نهاراً يمتد إلى غروب الشمس، وهذا حقيقة ذكرنا أن ظاهر حديث عروة بن مضرس لا يدل عليه. كذلك من الواجبات المبيت بمزدلفة والمبيت بمنى، وقلنا إن المبيت بمزدلفة أقوى من المبيت بمنى وعددنا ثلاثة أوجه لقوته، وبناء عليه فإن من ترك المبيت بمزدلفة تماماً فإن عليه دماً، بخلاف من ترك المبيت بمنى تماماً لعذر فإنه لا يجب عليه دم، والله تعالى أعلم، مثل من لم يجد مكاناً بمنى. وهذه مسألة حقيقة يسأل عنها كثير من الناس وكثير من الحجاج، أنه ربما جلس في خيام مزدلفة مثلاً أو ربما جلس في مبانٍ بالعزيزية أو غير ذلك، هل يجب عليهم دم لترك المبيت؟ الظاهر والله تعالى أعلم أن من لم يجد مكاناً بمنى فإنه لا يجب عليه شيء.

ننتقل بعد ذلك إلى واجب آخر، ألا وهو واجب رمي الجمار. وهذا الواجب مشتمل على رمي الجمار يوم العيد، وهذا رمي الجمار يوم العيد ترمى فيه جمرة العقبة فقط، ويحصل به وبالحلق التحلل الأول. وهناك رمي الجمار في أيام التشريق وهو رمي الجمرة الصغرى والوسطى والكبرى في اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر، هذه ثلاثة أيام للمتأخر ويومين للمتعجل، اللي هو الحادي عشر والثاني عشر. فلذلك من رمى الجمار تامة فإنه سوف يرمي في كل يوم من أيام المتأخر 70 حصاة؛ سبع يوم العيد للجمرة الكبرى فقط، و21 في اليوم الحادي عشر، و21 في اليوم الثاني عشر، و21 في اليوم الثالث عشر.

متى هو وقت رمي الجمار؟ في يوم العيد إذا وصل إلى منى فمتى ما وصل إلى منى فإنه يشرع في حقه الرمي، ولكن لا يشرع له أن ينصرف من مزدلفة إلا بعد مضي نصف الليل أو بعد غياب القمر على تفصيل سيذكر إن شاء الله تعالى. إذاً هذا في الانصراف من مزدلفة، متى ما انصرف من مزدلفة ووصل إلى منى فإنه يشرع له أن يرمي، يباح له أن يرمي جمرة العقبة، ولو انتظر إلى الفجر فهذا خير له، أو انتظر إلى طلوع الشمس فهذا خير له. هذا فيما يتعلق برمي جمرة العقبة.

وأما أيام التشريق فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحرى زوال الشمس لرميها، فلم يكن صلوات الله وسلامه عليه يرميها قبل زوال الشمس في اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر؛ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحين الزوال في هذه الأيام الثلاثة، فإذا زالت الشمس رمى ورمى أصحابه رضي الله تعالى عنهم أجمعين. يشرع أن يكون الرمي متعاقباً، يرميها بسبع رميات، يرمي الحصاة الأولى ثم الثانية ثم الثالثة وهكذا، لكن لو جمع الإنسان السبع كلها ورماها مرة واحدة نقول لا، لا يصح، لا بد أن يكون الرمي متعاقباً.

منهي عنه أن يرمي بما يؤذي، النبي صلى الله عليه وسلم قال إنه يفقأ العين ويكسر السن، منهي عنه، لكن هذا الحصى الذي يؤخذ به بالسبابة، يرمى به بالسبابة، هذا هو حصى الخذف الذي يؤخذ ويرمى به بالسبابة، فهو حصى صغير، فهو حصى صغير أكبر من الحمص، أكبر من الحمص قليلاً، هذا الحصى هو الذي يشرع الرمي به. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «إياكم والغلو»، فلا يشرع للمسلم أن يرمي بحصى أو بحجارة كبيرة، كذلك مما لا يشرع الرمي به لا يشرع أن يرمي مثلاً بحذائه، لا، وإنما لا بد أن يكون بالحصى اقتداء برسولنا الكريم صلوات الله وسلامه عليه. وهنا تنبيه أن الإنسان أحياناً يرمي بشيء يشبه الحصى مثلاً ببعض الإسمنت المتكون مثلاً أو شيء من هذا، هذا لا ينبغي للإنسان أن يرمي به، بل يرمي بحصى كما جاء عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.

ذكرنا بداية وقت الرمي وأنه يكون من زوال الشمس على ما جاء في سنة تحين رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويجوز الرمي والأصل في الرمي أو المشروع في الرمي أن ينتهي بغروب الشمس من ذلك اليوم، ولكن جاء سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقيل له يا رسول الله: رميت بعد ما أمسيت؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «افعل ولا حرج»؛ أخذ منه بعض أهل العلم المعاصرين جواز الرمي ليلاً. فلذلك يمتد الرمي بعد غروب الشمس، كذلك في رمي اليوم الحادي عشر من زوال الشمس يوم الحادي عشر إلى غروب الشمس، هذا الأصل، ويمتد الرمي من غروب الشمس إلى طلوع الفجر في يوم الثاني عشر. اليوم الثاني عشر يمتد الرمي من زوال الشمس يوم الثاني عشر إلى طلوع الفجر يوم الثالث عشر. اليوم الثالث عشر يمتد الرمي فيه من زوال الشمس إلى غروب الشمس، ولا ترمى الجمرة في اليوم الثالث عشر بعد غروب الشمس، لأنه بغروب شمس ذلك اليوم تكون قد انتهت أيام التشريق الأيام المعدودات، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 203]؛ إذاً نهاية الأيام المعدودات هي غروب الشمس. ورمي الجمار فسر به ذكر الله سبحانه وتعالى في الآية، جاء في حديث عائشة: "إنما جعل رمي الجمار لإقامة ذكر الله". فالشاهد أن رمي الجمار وهو ذكر الله سبحانه وتعالى المراد في هذه الآية، أو أحد تفسيرات ذكر الله الواردة في هذه الآية، لأن هذه الآية لها عدد من التفسيرات منها رمي الجمار مثلاً، ومنها التكبير المطلق والتكبير المقيد كما سيأتينا إن شاء الله تعالى في حينه في صفة الحج.

فالشاهد أيها الإخوة والأخوات أن رمي الجمار في اليوم الثالث عشر ينتهي بغروب الشمس، ينتهي بغروب شمس يوم الثالث عشر. ومما رخص النبي به للرعاة، وقد ذكرنا رخصه للرعاة وللسقاة أنه رخص لهم في ترك المبيت بمنى، ورخص لهم كذلك في الجمار أن يجمعوا رمي الجمار، فيجوز للمسلم أن يجمع رمي اليوم الحادي عشر ورمي اليوم الثاني عشر، أو يجمع رمي اليوم الثاني عشر مع -عذراً- يجمع رمي الحادي عشر والثاني عشر جمع تقديم إذا كان متأخراً أو جمع تأخير إذا كان متعجلاً، لكن لا يجوز للحاج أن يجمع رمي الحادي عشر والثاني عشر جمع تقديم بحيث يرميهما في الحادي عشر ثم ينصرف، لا، لا يجوز له أن يجمعهما جمع تقديم إلا إذا كان سيرمي اليوم الثالث عشر.

وباختصار حتى نعطيكم فيها قاعدة: لا يجوز للحاج أن يتعجل في يوم واحد من أيام التشريق، فإن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَىٰ﴾ [البقرة: 203]؛ فمن تعجل في يوم واحد فهو آثم، من تعجل في يوم واحد فهو آثم. لذلك إذا رمى الحاج الجمار يوم الحادي عشر والثاني عشر تعجيلاً، فإن عليه أن يتأخر وأن يرمي جمار اليوم الثالث عشر، ولكن يجوز له أن يرمي الحادي عشر والثاني عشر تأخيراً، وهذا يسمى جمع تأخير، بحيث أنه يرميها في اليوم الثاني عشر، لأنه في هذه الحال يكون قد تعجل في يومين، وهذا إن شاء الله تعالى جائز، التعجل في يومين جائز، والتأخر في ثلاث أيام جائز، أما التعجل في يوم واحد فلا يجوز، وهذا مفهوم هذه الآية الكريمة.

كذلك من واجبات الحج طواف الوداع، وجاء في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، أو أن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: "أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت"، كان الناس ينفرون من كل فج، فأمروا أن يكون آخر عهدهم بالبيت، وهذا لا شك أنه من تمام احترام البيت وتعظيمه وتعظيم شأنه وتشريفه ومهابته، أن الإنسان لا ينصرف من نسكه إلا بوداعه للبيت، لأن هذا البيت قد قدم له الإنسان من بلد بعيد، كون الإنسان يستأذن ربه في هذا الانصراف ويودع بيته الكريم سبحانه وتعالى، لا شك أن هذا من تمام تعظيم شعائره.

كذلك من واجبات الحج السعي بين الصفا والمروة، وبعض أهل العلم قد ذكره في الأركان لكن الصحيح والله تعالى أعلم أنه من واجبات الحج. هذه هي واجبات الحج باختصار شديد، وسوف نذكر إن شاء الله تعالى ما يتعلق بأحكامها وترتيبها وسننها، وما يتعلق بأدائها ومكان أدائها إن شاء الله تعالى عند حديثنا عن صفة الحج بإذن الله تعالى، لكن مرادنا هنا أن نتحدث عن الأركان بإجمال وأن نتحدث عن الواجبات بإجمال. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمني وإياكم ما ينفعنا، وأن ينفعنا بما علمنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.