تسجيل الدخول

المحاضرة 26 - الفقه - المستوى الثالث - د.منصور الغامدي - صفة الحج - برنامج أكاديمية زاد

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم بارك لنا في علومنا ومعارفنا يا رب العالمين. اللهم إني أسألك أن تجعل تعلمنا وتعليمنا خالصاً لوجهك الكريم، وأن تجعله مباركاً له نفعه وأثره يوم نلقاك. إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس السادس والعشرون من سلسلة دروس الفقه في الفصل الدراسي الثالث في أكاديمية زاد. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس، وأن يجعل هذا العلم الذي يقال فيها ويسمع أن يجعله من العلم النافع في حقنا جميعاً، الذي يكون حجة لنا لا حجة علينا.

إخواني وأخواتي، كنا قد تكلمنا في سلسلة من الدروس السابقة عن عدد من الموضوعات المتعلقة بالحج. تحدثنا عن تعريف الحج وفضله ووجوبه، ثم تحدثنا عن أركانه، تحدثنا عن ركن الإحرام، معناه وتحدثنا عن سننه وتحدثنا عن محظورات الإحرام. تحدثنا عن ركن الوقوف بعرفة وشروط الوقوف ووقته ومكانه، وتحدثنا عن ركن الطواف بالبيت، ثم تحدثنا عن واجبات الحج. وقلنا إن واجبات الحج هي كون الإحرام من الميقات، وكون الوقوف بعرفة إلى الغروب عند بعض أهل العلم، والمبيت بمزدلفه -وهو أعظم من الواجب الذي يليه وهو المبيت بمنى- ورمي الجمار أيام التشريق، والحلق أو التقصير، وطواف الوداع. هذه كلها، وأضفنا إليها كذلك السعي، نقلناه من الأركان إلى الواجبات على القول الراجح. إذاً هذه كلها واجبات في الحج.

إلا أن معرفتنا بالأركان والواجبات لا تكفينا عند بيان الحج، لماذا؟ لأننا الآن عرفناها على وجه التفصيل، عرفنا هذا الركن وعرفنا هذا الواجب. يحتاج طالب العلم وطالبة العلم بعد أن يعرفوا هذه الأشياء على وجه التفصيل أن يعرفوها على وجه التركيب. بمعنى أن يأخذ صفة الحج من حين يخرج الإنسان من داره إلى حين رجوعه إلى داره. نعم نحن عرفنا ما يتعلق بالمبيت بمزدلفة، وعرفنا ما يتعلق بالمبيت بمنى، وعرفنا ما يتعلق بالوقوف بعرفة، ولكن ما هو ترتيبها وكيف يبدأ الحاج بها؟ عرفنا ما يتعلق بالمبيت بمنى ليلة الثامن وليلة عرفة، عرفنا كذلك ما يتعلق بالإحرام، يريد طالب العلم أو طالبة العلم أن يرتبوا هذه الأشياء لتكون في منظومة واحدة. تخيلوا معي ما سبق أن ذكرناه من أركان الحج وواجباته، كانت كأنها خرزات منفصلة: خرزة الوقوف، الطواف، السعي، الحلق أو التقصير، النحر مثلاً، خرزات متناثرة. نريد أن ننظم هذه الخرزات مع بعض في سلك واحد لتعطينا عقداً جميلاً، ما هو هذا العقد؟ هو صفة الحج. وسواء على طالب العلم درس صفة الحج قبل أن يدرس أركانه وواجباته، أو درس أركانه وواجباته ثم درس صفته، إلا أنه بحاجة إلى الأمرين جميعاً حتى ينظم الأركان والواجبات والسنن والمستحبات في سلك واحد.

ما هي صفة الحج؟ لنبدأ ببيان صفة الحج من حين أن يخرج الإنسان من بيته. نقول: إذا خرج الإنسان من بيته يريد الحج، فإن عليه أن يخلص نيته لله سبحانه وتعالى، وأن يستشعر هذا النسك العظيم الذي هو مقبل عليه، وأن يطلب من الله سبحانه وتعالى الإعانة والتوفيق والتسديد، وأن يكون حجه من مال حلال مباح، فإن الله سبحانه وتعالى طيب لا يقبل إلا طيباً. والإنسان إذا كان مطعمه حراماً وملبسه حراماً ومشربه حراماً، فإنه حري ألا يجاب له دعاؤه. بل ينبغي للمسلم إذا خرج للحج -والحج فيه تعبد لله سبحانه وتعالى وتضرع إليه- أن يحرص في خروجه للحج أن يخرج من أطيب كسبه، وأن يكون خروج الحج من أطيب عمله وماله.

فإذا خرج إلى الحج وهو ناوٍ للحج، فإن هذا لا يعد إحراماً للنسك في حقه. الإنسان قد يخرج للحج من مشارق الأرض ومغاربها، متى يبدأ نسكه؟ إذا وصل إلى الميقات. إذاً، عند خروجه للحج فإنه سيتوجه وسيمر بأحد المواقيت. كذلك نبهنا إلى أن وصوله إلى الميقات وإحرامه بالحج إن كان في أشهر الحج، فإن له أن يحرم بالحج، وإن كان وصل إلى الميقات قبل أشهر الحج -مثلاً وصل في رمضان وهو يريد أن يحج- فإن عليه أن يهل بعمرة لا أن يهل بالحج، يهل بعمرة ويبقى في مكة إلى أشهر الحج. لماذا؟ لأننا قلنا إن المواقيت الزمانية للحج، أو وقت الإحرام بالحج يبدأ من هلال شوال إلى حين آخر لحظة يمكن أن يدرك فيها الحج، متى آخر لحظة يمكن أن يدرك فيها الحج؟ قلنا قبل طلوع الفجر في اليوم العاشر إذا كان بعرفة وهو محرم بالحج، فقبل هذه اللحظة فإن حجه صحيح، إذاً هذا آخر وقت يمكن فيه إدراك الحج. والله سبحانه وتعالى قال في كتابه الكريم: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: 197].

فإذا وصل إلى الميقات في أشهر الحج، فإنه بالخيار: إما أن يحرم بعمرة متمتعاً إلى الحج، وإما أن يحرم بعمرة وحج، وإما أن يحرم بحج مفرد. وإن وصل إلى الميقات قبل أشهر الحج في رمضان مثلاً، فإن له أن يحرم بعمرة. ذكرنا الآن في حق من وصل في أشهر الحج ما هو الأفضل في حقه؟ هل الأفضل أن يحرم متمتعاً بالعمرة إلى الحج، أو أن يحرم بعمرة وحج، أو أن يحرم بحج مفرد؟ ذكرنا أن الأفضل هو الجمع بين الحج والعمرة، وقلنا إن الجمع بينهما على وجهين: إن كان معه هدي فإن الأفضل له أن يقرن كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن لم يكن معه هدي فإن الأفضل له أن يتمتع بالعمرة إلى الحج كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه.

فإذا وصل إلى الميقات فإنه يتجرد من ملابس المخيط التي يلبسها، من ثوبه وشماغه وطاقيته وسراويله وفانيلته وغير ذلك، يتجرد منها، هذا في حق الرجل. وأما المرأة فإنها تنزع عنها النقاب والقفازين، قلنا إن المخيط نوعان للمرأة في حال الإحرام، نوعين فقط هما النقاب والقفازين، وأما غيرها من المخيط فإن المرأة تلبسه. وأما الرجل فهو ممنوع من كل أنواع المخيط، لذلك قلنا إن الرجل لا يجوز له أن يلبس الجوارب في القدم، لكن المرأة هل تلبسها؟ نعم، المرأة تلبسها لأنها ممنوعة فقط من القفازين والنقاب. فهذا أول شيء، أنه يتجرد من المخيط، ويشرع للمحرم أن يغتسل، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أسماء بنت عميس زوج أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه وهي نفساء، أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تغتسل للإحرام. فقال أهل العلم: إن هذا دليل على مشروعية الغسل للإحرام، وإن كان المغتسل لا يستفيد بهذا الغسل طهارة؛ لأن أسماء بنت عميس كانت نفاساً لا تستفيد بهذا الغسل طهارة، وإنما هذا اغتسال مشروع لأجل الإحرام، والله تعالى أعلم.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل، ونتابع حديثنا عن صفة الحج، وقلنا إن المسلم والمسلمة إذا وصلا إلى مكان الميقات، فإنهم يحرمون. يتجرد الرجال من كل المخيط ويلبسان إحرامين نظيفين، وأما المرأة فإنها تنزع النقاب والقفازين، وتغطي وجهها إما بأن تسدل الخمار على رأسها من الأعلى، وإما بأن تتلثم، وتغطي يديها بأن تجعل عليها غطاء غير القفاز، تجعل عليها غطاء خاصاً أو أنها مثلاً تمد عباءتها حتى تغطي يدها، ولا بأس بهذا إن شاء الله تعالى، بل هذا هو المشروع في حقها أمام الرجال الأجانب.

كذلك يشرع الاغتسال عند الإحرام، ولا بأس للمسلم سواء كان رجلاً أو امرأة أن يتطيب قبل اغتساله؛ بحيث إنهم إذا اغتسلوا لا يبقى أثر الطيب هذا بعد إحرامهم، إن تطيبوا قبل الاغتسال فلا بأس إن شاء الله تعالى. والنبي صلى الله عليه وسلم أُثر عنه أنه طاف على نسائه ليلة ذي الحليفة، وطيبته عائشة رضي الله تعالى عنها، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قطعاً قد اغتسل بعد أن طاف على نسائه وطيبته عائشة، قطعاً قد اغتسل رسول الله صلى الله عليه وسلم غسل جنابة. وروي في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كذلك اغتسل اغتسالاً آخر وهو غسل الإحرام، أن النبي صلى الله عليه وسلم تجرد لإهلاله واغتسل، روي هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيكون النبي صلى الله عليه وسلم قد اغتسل بعد هذا الطيب الذي طيبته عائشة رضي الله تعالى عنها غسلين: الغسل الأول غسل الجنابة وهو غسل قطعي، لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الفجر وصلى الظهر بذي الحليفة، والغسل الثاني والله أعلم أنه غسل مستحب إن ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد تجرد للإهلال واغتسل. ولكن ثبت كما قلنا من أمره لأسماء بنت عميس أن تغتسل.

ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك قد لبد رأسه بالخطمي والصمغ، وساق البدن والهدي لله سبحانه وتعالى، إن كان مع المحرم هدي، أحب أن يسوقه في سيارته مثلاً معه، أو قد ساقه في سيارة غيره، فهذا إن شاء الله تعالى لا شك أنه من السنن، ويشرع له حينئذ أن يلبد رأسه، وأن يشعر هديه، وأن يقلده. وهذه حقيقة من السنن المهجورة اليوم، وهي تقليد الهدي وإشعاره عند الميقات. تقليد الهدي بمعنى أن يجعل عليه قلادة فيها نعل أو شيء، والإشعار خاص بالبدن وهو أن يجرحها في سنامها ويسيل الدم على سنامها، فيتلطخ بالدم، فهذا علامة على أن هذه البدن أنها لله سبحانه وتعالى، إذا قلدت وأشعرت فهذه علامة على أنها لله سبحانه وتعالى. الغنم أو البقر إذا قلدت ليس سنة في حقها الإشعار، ولكن التقليد في حقها سنة، إذا قلدت فهذا علامة على أنها صارت لله سبحانه وتعالى. فهذا كذلك من السنن لمن أراد، ومن ساق الهدي فالذي يظهر والله تعالى أعلم أن أتم شيء، بل هو الواجب عليه، هو أن يقرن الحج والعمرة. ومن لم يسق الهدي فإن الأظهر والله تعالى أعلم الأفضل في حقه هو أن يتمتع كما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم.

صفة التمتع أن يقول: لبيك اللهم عمرة، أو أن يقول: لبيك اللهم عمرة متمتعاً بها إلى الحج. وصفة القران أن يقول: لبيك اللهم عمرة، لبيك اللهم حجاً، أو يقول: لبيك اللهم عمرة وحجاً، أو يقول: لبيك اللهم عمرة في حجة، كل هذا إن شاء الله تعالى من الصفات الصحيحة الواردة. وصفة الإفراد إن أراد الإفراد أن يقول: لبيك اللهم حجاً، لبيك اللهم حجاً، ولا يأتي بذكر العمرة.

يشرع للمسلم كذلك أن يرفع صوته بالتلبية، وهذه سنة خاصة بالرجال، والمرأة لا يشرع لها أن ترفع صوتها بالتلبية، بل تخافت بها، تخافت وتسمع نفسها وتسمع من بجوارها من النساء، ولكن لا ترفع صوتها بحيث يسمعها الرجال. كذلك بعد الإحرام والتلبية، لا يجوز للمحرم والمحرمة أن يقعوا في شيء من محظورات الإحرام على التفصيل الذي قد بيناه في محظورات الإحرام، محظورات الإحرام كلها هذه تصبح الآن محظورة عليهم، فينطلق في الطريق ويكثر من التلبية ويكثر من الذكر. حقيقة أُثر عن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه لبى لله سبحانه وتعالى فأغشي عليه لهذا الموقف، وكان ابنه محمد بن علي بن الحسين وابنه جعفر رضي الله تعالى عنهم أجمعين وعن آبائهم، كانوا يعظمون هذا الموقف، أُثر عنهم الغشي وأثر عنهم السكينة والاستكانة. قيل لعلي بن الحسين رضي الله عنهما لما أغشي عليه وأفاق، قيل له: لم قلت لبيك اللهم لبيك، لبيك اللهم وسعديك؟ قال: خشيت أن يقال لي: لا لبيك ولا سعديك. فتذكر خشية رد العمل، فأغشي عليه رحمه الله تعالى ورضي عنه. ينبغي للمسلم حقيقة أن يقبل على الله سبحانه وتعالى خاشعاً خائفاً.

متذللا راجيا من الله القبول، خائفا من الله أن يرد عليه عمله؛ والله سبحانه وتعالى يتقبل من المتقين. إخواني الكرام، بعض الناس للأسف تمر عليه لحظات الإحرام دون خشوع ولا خشية ولا إخبات، بل مع الاستهتار أو الضحك أو الاستهزاء. هذا حقيقة ينبغي له أن يراجع نفسه، وأن يراجع إحرامه، وأن يتذكر بالفعل ويجدد نيته وإخلاصه لله سبحانه وتعالى، وأن يستشعر رجاء القبول، وأن يستشعر خوف الرد من الله سبحانه وتعالى.

إذا انطلق المسلم، ينطلق ملبيا لله سبحانه وتعالى يستشعر معنى التلبية. التلبية هذه فيها إجابة لنداء الله؛ ما هو هذا النداء؟ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا﴾، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ [الحج: 27] لإبراهيم عليه السلام، وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا؛ أذن فيهم فقال: يا أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج فحجوا. يستشعر الإنسان بالفعل أنه يلبي النداء الذي أمر الله سبحانه وتعالى عبده وخليله وصفيه إبراهيم عليه السلام أن ينادي الناس، يستشعر أنه يجيب الله سبحانه وتعالى، «لبيك اللهم لبيك». ما معنى التلبية؟ يعني إجابة بعد إجابة.

«لبيك اللهم لبيك» هذه التلبية مشتملة على التوحيد: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك». يستشعر المسلم نعمة الله سبحانه وتعالى، يثني على الله سبحانه وتعالى بما هو أهله. لو استشعر المسلم والمسلمة أنها بالفعل لما تلبي هذه التلبية أن هذه التلبية قد حرم منها ولم يتيسر له أن يقيمها آلاف المسلمين، فضلا عن آلاف وملايين المشركين والكافرين الذين صرفوا عن هذا الدين؛ لا شك إذا استشعر المسلم هذه النعمة العظيمة فإنه لا يسعه إلا أن يقول بلسانه وقلبه: إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.

كان أهل الجاهلية يقولون بعد هذه التلبية يقولون: لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك، والعياذ بالله؛ كانوا يشركون بالله في تلبيتهم ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُم بِاللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: 106]؛ إنا لله وإنا إليه راجعون. فلذلك شرع الله سبحانه وتعالى لعبده ولرسوله محمد صلى الله عليه وسلم الإهلال بالتوحيد، قال رضي الله تعالى عنه في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فأهلَّ بالتوحيد» خلافا لأهل الجاهلية الذين يهلون بالشرك والعياذ بالله. «لبيك اللهم لبيك»؛ استشعر المسلم هذه التلبية إجابة النداء، «لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك».

يشرع للمسلم أن يرفع صوته؛ الرجل يرفع صوته بالتلبية عندما يرتفع جبلا، وعندما ينزل واديا، وعندما تلتقي الطرق، وعندما يلتقي الرفاق في الطريق. يشرع له أن يرفع صوته بالتلبية، وأن يكرر هذه التلبية حتى يصل إلى البيت الحرام. متى تنقطع التلبية؟ إذا كان معتمرا تنقطع بالشروع في الطواف، لأنه بطواف قد بدأ في التحلل. وإذا كان حاجا فإنه يلبي حتى يرمي جمرة العقبة. التلبية هي علامة الإحرام، كما أن لبس الإزار والرداء علامة الإحرام، فإن التلبية هي شعار الإحرام، الشعار القولي الصوتي، وأما لبس الإزار والرداء الأبيضين فإنهما الشعار المرئي للإحرام.

فلذلك يشرع للمسلم أن يكف عن التلبية بعد أن يرمي جمرة العقبة؛ إذا رمى جمرة العقبة يكبر، يبدأ في التكبير، يكبر مع كل حصاة، ثم يكف لأنه قد بدأ في أعمال التحلل. وبالفعل هو بعد رمي جمرة العقبة يذهب فينحر هديه إن كان معه هدي، ثم يحلق ويقصر ثم يلبس ثيابه. إذا يكون برمي جمرة العقبة، رمي جمرة يوم النحر، يكون قد بدأ في إجراءات التحلل.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل، ونتابع حديثنا معكم عن صفة الحج. وقلنا إن المسلم والمسلمة يشرع لهم التلبية والإهلال عند الميقات، ثم ينصرفوا إلى مكة خاشعين مخبتين منيبين ملبين لله سبحانه وتعالى. فإذا وصلوا إلى مكة يشرع -قال بعض أهل العلم إنه يشرع لهم- دخول مكة من أعلى مكة من جهة الحجون كما دخلها النبي صلى الله عليه وسلم، والظاهر والله تعالى أعلم أن هذا دخول اتفاقي غير مقصود. فيشرع لهم أول شيء يبدأوا به أن يتجهوا إلى المسجد الحرام للطواف، وهذا هو ما يسميه أهل العلم طواف القدوم؛ تحية البيت.

أول ما يبدأ به الحاج حين وصوله إلى مكة هو طواف القدوم، فإن كان متمتعا أو معتمرا فإن هذا في حقه يعتبر طواف العمرة. فإذا قدم إلى البيت العتيق فإنه أول ما يبدأ يبدأ بالطواف. لذلك قال أهل العلم إن تحية البيت الطواف، تحية البيت الطواف قبل أن يصلي ركعتين، طبعا كان هناك فريضة، وصل إلى وقت فريضة في وقت فريضة، فإنه يصلي مباشرة الفريضة، ولكن أقصد إذا لم يكن هناك وقت فريضة فإنه أول ما يبدأ يبدأ بالطواف. ويعظم هذا البيت، يستشعر في قلبه تعظيم هذا البيت: "اللهم زد هذا البيت تشريفا وتعظيما ومهابة، وزد من شرفه وعظمه تشريفا وتعظيما ومهابة"؛ فيعظم هذا البيت ويعظم شعائر الله سبحانه وتعالى.

يقول عند دخول المسجد دعاء دخول المسجد: "اللهم افتح لي أبواب رحمتك، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد"، ثم يتجه مباشرة إلى البيت العتيق. ويشرع له أن يستلم الحجر الأسود؛ طبعا يتوقف عن التلبية إذا بدأ في الطواف، يشرع له أن يستلم الحجر الأسود ويقبله كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن لم يتيسر له فإنه يستلمه بيده ويقبل يده، فإن لم يتيسر فإنه يستلمه بشيء معه مثلا مثل النبي صلى الله عليه وسلم ورد عنه أنه استلمه بمحجنه، كان مع النبي صلى الله عليه وسلم محجن احتاج إليه في بعض أطوافه، فاستلم الحجر الأسود بالمحجن ثم قبل صلوات الله وسلامه عليه المحجن الذي معه. فإن لم يتيسر له أن يستلمه ويقبله، ولا أن يستلمه بيده ويقبل يده، ولا أن يستلمه بشيء معه ثم يقبل هذا الشيء، فإنه يشير إليه؛ إذا هذه أربع أحوال.

أفضلها أن يقبل الحجر الأسود، والحجر الأسود جاء في بعض الآثار أنه حجر من أحجار الجنة، كون الإنسان يقبل هذا الحجر لا شك أن هذا فيه تعظيم لشعائر الله سبحانه وتعالى. وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه خاطب الحجر فقال: "إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولو أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك"، وهذا من تمام توحيد عمر وإخلاصه لله سبحانه وتعالى. فتقبيل المسلم لهذا الحجر إنما هو تقبيل لأجل اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم، وليس لكون هذا الحجر ينفع أو يضر من دون الله سبحانه وتعالى؛ نعوذ بالله من الشرك ومن البدع. فالشاهد أن الإنسان يشرع له أن يقبل الحجر وأن يستلمه كما ذكرنا، أو أن يشير إليه ويكبر ثم يشرع في الطواف.

فيطوف بالبيت سبعة أشواط، يرمل في الثلاث الأولى منها؛ ما هو الرمل؟ صفة الرمل أن يقارب الخطا، أن يقارب الخطا في خطوه، فهو مشي سريع دون الهرولة والخبب، دون الهرولة والخبب، يقارب بين خطاه؛ وهذه قد فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه لما قدموا في عمرة القضية بعد صلح الحديبية، قال المشركون: يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يرملوا في الأشواط الثلاثة الأولى. لذلك قال عمر رضي الله تعالى عنه: إنما هو شيء قد راينا به المشركين، فعلوه مراءاة للمشركين، يظهر لهم القوة والجلد وأنهم ليسوا بضعفاء، وأنهم ليسوا وهنتهم حمى يثرب كما زعم أهل الشرك. ثم استمرت هذه السنة وبقيت، استمر عليها النبي صلى الله عليه وسلم وبقيت، وقد نقلها ابن عمر رضي الله تعالى عنه في حجة الوداع عن النبي صلى الله عليه وسلم.

فالشاهد أن الإنسان يشرع له أن يرمل في هذا الطواف في الأشواط الثلاثة الأولى، ويشرع له أن يكثر من الدعاء في هذا الطواف، ويشرع له أن يقترب من البيت. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29]، والباء هنا باء ملاصقة، فيشرع له كلما استطاع أن يقرب من البيت فهو خير له وأفضل. وإن كان هناك زحام وابتعد عن البيت فإنه يكون عند آخر هذا الزحام ولا يبتعد عن البيت كثيرا إلا إذا أراد أن يطبق سنة الرمل ولم يتيسر له بقرب البيت، فإنه يكون مثلا في طرف الناس ويرمل حتى تنتهي هذه الثلاث الأشواط الأولى، ثم يقرب من البيت أكثر فأكثر.

وقد استلم النبي صلى الله عليه وسلم الحجر الأسود وقبله، وكان ابن عمر رضي الله تعالى عنه يقبل الحجر الأسود ويستلم في كل شوط في طوافه اقتداء بالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم، قال: ما تركت تقبيله واستلامه منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبله ويستلمه. فالمسلم إن كان تيسر له أن يقبل الحجر الأسود ويستلم فهذا لا شك أنه خير له، وإن لم يتيسر له بسبب الزحام فأشار إليه من بعيد فهذا إن شاء الله تعالى قد فعل كذلك سنة وردت عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم. والمرأة حقيقة لا يشرع لها أن تزاحم الرجال، بل يحرم عليها أنها تزاحم الرجال وتماس لاجل تقبيل الحجر الأسود، للاسف بعض النساء يريدوا أن يحرصوا على السنة فيقعوا في محرم، وهذا حقيقة من الجهل بدين الله سبحانه وتعالى، لا يجوز للمرأة أنها تماس الرجال وتزاحم الرجال لأجل تقبيل الحجر الأسود، والمأثور حقيقة أن النساء دائما كن يطفن من وراء الناس، كن يطفن من وراء الناس.

فيشرع للمسلم كما ذكرنا أن يطوف ويرمل في الأشواط الثلاث الأولى، ويشرع له أن يجتهد في الذكر والدعاء لله سبحانه وتعالى، ولا شك أن هذا من المواطن العظيمة؛ القرب من البيت العتيق والطواف بالبيت العتيق. إنسان في نسك حج وعمرة يشرع له أن يدعو الله سبحانه وتعالى ويسأله من خير الدنيا والآخرة، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وثبت عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول بين الركنين؛ الركن اليماني وركن الحجر الأسود، أنه كان يقول: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201].

مما يشرع كذلك يشرع للمسلم أن يستلم الركن اليماني، أن يستلمه بيده دون أن يقبله كما فعل النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه؛ النبي صلى الله عليه وسلم استلم من أركان البيت الركنين اليمانيين؛ اللي هي الركن اليماني والحجر الأسود، وأما الركنين الشاميين فلم يستلمهما النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا والله أعلم لكونهما ليس نهاية البيت، لأن بعدهما الحجر، الحجر محيط، فلذلك هذا الركن، الركنين الشامية ليست في واقع الأمر أركانا للبيت لأن البيت مستمر بعدها، وهو حجر إسماعيل، لكن الركنين اليمانية؛ اللي هي الركنين من الجهة الأخرى، هذه أركان للبيت. ومما يؤخذ من هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يستلم الركنين الشاميين ولم يستلم جوانب البيت، وإنما استلم رسول الله صلى الله عليه وسلم الركنين اليمانيين، وقبل الحجر الأسود ولم يقبل الركن اليماني الآخر، وإنما اقتصر في تقبيله صلوات الله وسلامه على الحجر الأسود.

هذا فيما يتعلق بالطواف بالبيت، وهذا هو الدعاء المشروع فيه؛ لا يجوز للمسلم أن يطوف بالبيت منكسا بمعنى أن يطوف عكس الناس، ولا يجوز للمسلم كذلك أن يطوف بلا نية، لا يحتسب هذا الطواف، لا يجزئه أن يطوف إلا بنية الطواف. ويطوف وذكرنا أنه يجب أن يكون على طهارة من الحدث الأكبر، لماذا؟ لأنه يحرم للحائض والنفساء والجنب أن يدخلوا المسجد، ومسجد الله الحرام أولى وأعظم بهذا الحكم، ويستحب أن يكونوا في حال طوافهم على طهارة من الحدث الأصغر، أن يكونوا متوضئين في حال الطواف. لا مانع أن يفصلوا هذا الطواف مثلا بصلاة إذا أقيمت الصلاة ويكملوا من حيث انتهوا، ولا يلزمهم أن يعيدوا هذا الشوط أو يعيدوا الطواف، لأن هذا يعتبر فاصلا.

فإذا أتم الطواف سبعا، فإنه يصلي خلف مقام إبراهيم ركعتين، وقد أمر الله سبحانه وتعالى بقوله الكريم: ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: 125]، قرأها رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صلى خلف المقام ركعتين، ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن قضى هاتين الركعتين اتجه فاستلم الحجر الأسود وقبله، ثم اتجه إلى...

الصفا، صلوات الله وسلامه عليه، وهو يقرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 158]. ثم رقي حتى صعد إلى الصفا وقال: «أبدأ بما بدأ الله به». ثم دعا الله سبحانه وتعالى على الصفا، رقي على الصفا؛ إذاً هذا من السنن: أن يرقى الإنسان على الصفا، وألا يقتصر فقط على أسفلها، لا، وإنما يرقى حتى يرى البيت إن تيسر له، ويقرأ الدعاء الوارد: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. لا إله إلا الله وحده، نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده». ويدعو بما شاء، ثم ينطلق إلى المروة، وهذا يعتبر بداية الشوط الأول.

من بدأ من المروة، فإن هذا الشوط لا يحتسب، وإنما يحتسب ما بدأه من الصفا. فإذا بدأ من الصفا وانطلق إلى المروة، يمشي مشياً معتدلاً، فإذا وصل بين الميلين الأخضرين -وكان هذا سابقاً وادياً- فإنه يسن له الإسراع، وهي سنة الخبب، فيخب حتى يصل إلى الميل الثاني، ثم يمشي، ويكون في سعيه هذا ذاكراً لله سبحانه وتعالى، مخبتاً منيباً، داعياً لله سبحانه وتعالى؛ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 158]، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم.

فإذا وصل إلى المروة رقى المروة وفعل عليها كما فعل على الصفا، ثم يعود. وذهابه من الصفا إلى المروة سعيه، ورجوعه من المروة إلى الصفا سعية أخرى، حتى يتم سبعة أشواط. فإذا أتم سبعة أشواط فإنها ستكون نهايته على المروة، إن كان معتمراً أو متمتعاً فإنه يحل من عمرته بالحلق أو التقصير. وأما إن كان قارناً قد ساق الهدي أو كان مفرداً فإنه لا يحل بعد سعيه هذا، بل يبقى على إحرامه حتى مجيء اليوم الثامن والشروع في الحج.

وسوف نكمل إن شاء الله تعالى صفة الحج في لقائنا القادم. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا وإياكم، وأن ييسر لنا حج بيته الكريم على وفق سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.