يا راغباً في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه نطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد، أكاديمية ينبوعها صافٍ ليروي غلة الظمآن، من فقه ميسر، عاملاً بالشرع دون تعصب. بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً يا كريم. ربنا لا تضلنا وتعلمنا وتوفقنا للهدى، ولا تجعلنا من الضالين. ربنا يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، ربنا يا مفهم سليمان فهمنا.
إخواني وأخواتي طلاب هذه الأكاديمية المباركة، أكاديمية زاد، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يزيدني وإياكم علماً وعملاً وإخلاصاً وقبولاً. ها نحن نستقبل الدرس الأول في الفصل الدراسي الثالث في هذه الأكاديمية المباركة، نستفتح فيه موضوعات الصيام، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا الدرس الأول فاتحة خير وبركة وعلم ونفع وعمل وقبول. أسأل الله سبحانه وتعالى كما يسر لنا إنجاز الفصل الدراسي الأول والفصل الدراسي الثاني، أن ييسر لنا ونحن نستقبل هذا الفصل الدراسي الثالث أن ييسر لنا إنجازه وتمامه، ثم ييسر لنا قبوله، ثم ييسر لنا بركته والنفع فيه والعمل به.
إخواني وأخواتي في هذه الأكاديمية، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك لنا فيما تعلمناه جميعاً، وأن يعيننا في طلب العلم وفي مواصلة طلب العلم. إخواني، لا يستطل أحد منكم طريق طلب العلم، نعم ربما يكون الطريق طويلاً، ولكن إذا استشعرت طول هذا الطريق في بداياته وتثاقلت عن المسير فيه فإنك لن تنجز شيئاً. ولكن إذا نظرت إلى هذا الطريق ومشيت فيه، بدأت بخطوة، فإن هذه الخطوة سيتبعها إن شاء الله تعالى خطوة، وهكذا تجد نفسك تسير في طريق العلم، تترقى فيه درجة بعد درجة إلى أن تصلوا جميعاً إلى رتب عالية. ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11].
هذه الرفعة، رفعة الدرجات، أول هذه الرفعة هي الرفعة في درجات الآخرة. والله إن الرفعة في الدنيا لا تساوي شيئاً، ولكن رفعة الآخرة التي يكون فيها ما بين الدرجة والدرجة كما ننظر نحن إلى الكوكب الدري الغائر في السماء البعيد؛ هذا فرق ما بين درجة ودرجة. فكيف إذا ارتفع المسلم بطلبه للعلم درجات، رفعه الله سبحانه وتعالى درجات في الآخرة وفي جنات النعيم. كيف تترقى في درجات الرفعة والعلو؟ إنك تترقى فيها بالترقي في مدارج العلم شيئاً فشيئاً. ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11].
مدارج العلم ومدارج الإيمان كما جاء في الآية الكريمة، وهما قرينان، لا شك أن من تعلم علماً لم يصاحبه إيمان كان علمه وبالاً عليه، ومن تعبد لله على غير طريق العلم الشرعي الصحيح الصراط المستقيم كانت عبادته وبالاً عليه لأنها ليست على صراط مستقيم. أما الصراط المستقيم الموصل إلى الله سبحانه وتعالى، الرافع للمسلم في درجات الآخرة، الموصل إلى جنات النعيم، فهو الذي يجمع بين العلم والعمل، العبادة والإيمان على وفق سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110]. العمل الصالح هو الموافق للعلم الشرعي الصحيح لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يشرك بعبادة ربه أحداً، هذا الإخلاص لله سبحانه وتعالى، فلا يريد بعمله غير وجه الله سبحانه وتعالى.
كنا قد أخذنا في الفصول الدراسية السابقة وفي الدروس السابقة الحديث عن عدد من مباني الإسلام، تحدثنا عن الصلاة والزكاة. الصلاة والزكاة قرينان في كتاب الله سبحانه وتعالى، تكلم الله سبحانه وتعالى عنهما في عدد من الآيات. نتحدث إن شاء الله تعالى في فصلنا الدراسي هذا عن الصوم والحج، وبهذا تتم مباني الإسلام الأربعة العملية التي بني الإسلام عليها. الفقهاء رتبوا كتبهم وأبوابهم على ما جاء في حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، الذي رواه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل ما الإسلام، قال: «الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت».
كان السائل في هذا الحديث جبريل عليه السلام، وعلى نبينا أتم صلاة وسلام، كما جاء في آخر الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتدرون من السائل؟» قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «هذا جبريل جاء يعلمكم دينكم». فكان هذا الحديث الشريف عمدة أهل الفقه في ترتيب مباني الإسلام كما رتبها النبي صلى الله عليه وسلم لما سأله جبريل صلى الله عليه وسلم. روى لنا هذا الحديث عمر رضي الله تعالى عنه، وكذلك رتب الفقهاء كتبهم وأبوابهم على ما جاء في حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت».
لذلك نجد أنهم يبدؤون دائماً بكتاب الصلاة، إلا أنهم يقدمون قبل كتاب الصلاة بمقدمة عن الطهارة؛ لأن الطهارة شرط لصحة الصلاة، فيعقدون كتاباً للطهارة يبينون فيه أحكام الوضوء والغسل. لماذا؟ لأن الوضوء أو الغسل أو الطهارة من الحدث والنجس شرط لصحة الصلاة، فهو في واقع الأمر تقديم للصلاة، ولكن حديثهم عن الطهارة ما هو إلا مقدمة للصلاة. ثم بعد أن يختموا حديثهم عن الصلاة، يختمون هذا الكتاب عادة بالحديث عن صلاة الجنازة، وهي آخر أنواع الصلوات التي يتحدثون عنها، وختموا بها لأن بالفعل صلاة الجنازة هي الصلاة على الميت، ولا شك أن الموت هو ختام هذه الحياة الدنيا وبداية الحياة الآخرة، فختموا به كتاب الصلاة، وألحقوا به مسائل متعلقة بصلاة الجنازة، كتغسيل الميت وتكفينه ودفنه وغير ذلك.
ثم بعد أن ينهوا حديثهم عن كتاب الصلاة ينتقلون بعد ذلك إلى الزكاة، فيبينون فيه مقاديرها وفرائضها وأموالها وأهلها ومن يجب عليه إخراجها ومن يجوز له قبولها، والأحكام المتعلقة بإخراج الزكاة. وربما تحدثوا في هذا الكتاب في آخر كتاب الزكاة عن باب زكاة الفطر، وبعضهم ربما أجّل باب زكاة الفطر فجعله في كتاب الصيام؛ باعتبار أن زكاة الفطر واجبة في نهاية رمضان، والأمر في هذا يسير إن شاء الله تعالى. ثم بعد أن ينهوا حديثهم عن الصلاة والزكاة ينتقلون بعد ذلك إلى المبنى الرابع من مباني الإسلام، ألا وهو الصيام، صيام رمضان. ثم بعد أن ينهوا حديثهم عن صيام رمضان ينتقلون إلى المبنى الخامس من مباني الإسلام، العمود الخامس، الركن الخامس من أركان الإسلام، ألا وهو حج بيت الله الحرام.
إذاً، هذه مناسبة ترتيب أبواب الفقه وكتبه، يبدؤون بالصلاة، ويقدمون بين يدي الصلاة قبيل الصلاة بحديث عن الطهارة؛ لأن الطهارة شرط لصحة الصلاة. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ [المائدة: 6]. هذا حديث عن الوضوء قبل الصلاة، ثم الصلاة، ثم يتحدثون في آخرها عن الجنائز وصلاة الجنازة، ثم الزكاة، ثم الصيام، ثم الحج. فاصل قصير ونعود إليكم إن شاء الله تعالى بعد هذا الفاصل.
(فاصل)
نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم في هذا اللقاء الأول في الفصل الدراسي الثالث عن كتاب الصيام. أنجزنا بفضل الله سبحانه وتعالى وتعلمنا شيئاً كثيراً من أحكام الطهارة والصلاة والزكاة، نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى هذا الركن الرابع من أركان الإسلام، ألا وهو ركن الصيام، صيام رمضان. إنه ركن عظيم، عبادة جليلة من العبادات التي شرعها الله سبحانه وتعالى لعباده، أمر الله سبحانه وتعالى بها في كتابه الكريم. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].
فرض الله سبحانه وتعالى الصيام بقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، والكتابة فرض، كما قد فرضه الله على الذين من قبلنا، إذاً عبادة الصوم ليست عبادة قد شرعت لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، بل قد شرعت في حق أهل الإسلام من قبل أمة محمد صلى الله عليه وسلم، في حق أهل الإسلام الذين آمنوا بموسى عليه السلام وعيسى عليه السلام والذين آمنوا مع نوح وإبراهيم عليهم السلام جميعاً، فرض الله سبحانه وتعالى هذا الصيام وصام هؤلاء الأنبياء والمسلمون معهم. ثم كتب الله سبحانه وتعالى على أمة محمد صلى الله عليه وسلم وشرعه ورغب فيه، وبين النبي صلى الله عليه وسلم عدداً من فضائله.
فمما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم في حث أمته على الصيام أنه قال: «إن في الجنة باباً يقال له الريان، يدخل منه الصائمون». يا حظ أهل الصيام الذين يدعون من هذا الباب، باب الريان، باب في الجنة خصص لأهل هذه العبادة المباركة الذين قاموا بفريضة وأكثروا من نفلها، فهم محبون للتعبد لله سبحانه وتعالى بالصيام. ولا شك أيها الإخوة أن الصيام قد جمع من الفضائل شيئاً كثيراً، وليس هذا بأوحد فضائله، كلا. فمن فضائله أن الله سبحانه وتعالى قال، كما روى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو هريرة: «يقول الله سبحانه وتعالى: كل عمل ابن آدم له، إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به؛ يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي». فقد أخبر الله سبحانه وتعالى أن جزاء الصوم تكفل به هو سبحانه وتعالى. يا حظ أهل الصيام بهذا الأجر العظيم الذي تكفل به الرب جل جلاله، تكفل به الكريم الجواد جل جلاله سبحانه وتعالى، ما أهنأنا بهذا الأجر الجزيل والثواب العظيم الذي يتفضل به ربنا سبحانه وتعالى لأهل الصيام.
أقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «والذي نفس محمد بيده، لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك». ربما يتقزز بعض الناس من خلوف فم الصائم، ولكن هذا الذي نتج عن عبادة الله والتعبد لله، أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أطيب عند الله من ريح المسك. وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم مهنئاً الصائمين بأن لهم فرحتين: «فرحة عند فطرهم»؛ أي في يوم عيد الفطر بتمام شهر صومهم، «وعند فطرهم»؛ أي عند غروب شمس ذلك اليوم وإفطاره بتمام ذلك اليوم، هذه فرحة عند الفطر، أن الله سبحانه وتعالى أتم للمسلم عبادته اليومية وأتم للمسلم عبادته الشهرية شهراً كاملاً فيفرح عند فطره. إلا أن ثمة فرحة أخرى تنتظره، أخبر عنها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم فقال: «للصائم فرحتان يفرحهما: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه».
هنيئاً للصائمين الذين حرصوا على كبح رغبات وجماح نفوسهم التي تتطلع للذة الطعام والشراب والجماع، كبحها تعبداً لله سبحانه وتعالى، يريدون ما عند الله جل جلاله. هنيئاً لهم بهذه الفرحة عند لقاء ربهم في ذلك الموقف العظيم الذي يقلق فيه الناس، يخافون، يحزنون، يتحسرون، ولكن الصائم فرح بصيامه عند لقاء ربه، أعظم به من موقف، ما أجمل حظهم، ما أهنأهم بهذا الصيام حين يلقون الله سبحانه وتعالى. نعم ربما كابدوا أنفسهم لحظات وربما ساعات، ربما ردوا شهواتهم، لكن إنها لحظات قليلة، سويعات قليلة صبروا فيها في هذه الحياة الدنيا، ولكنهم يجدون هذا الجزاء العظيم والثواب الجليل إذا لقوا الله سبحانه وتعالى.
هنيئاً لكم يا أهل الصيام، هنيئاً لكم يا أهل الصيام إذا قرأتم قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]. فإذا كان غيركم يوفى أجره بحساب وبعد، فكيف بالصائمين الذين تكفل الله بثوابه: «إلا الصوم فإنه لي»، وأخبر أنه يجزيهم بغير حساب سبحانه وتعالى، فلا يعد عليهم عداً سبحانه وتعالى، وإنما يهبهم ويعطيهم الشيء الكثير الجزيل دون أن يعد عليهم. ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]. أول هؤلاء الصابرين وأعظمهم هم الصائمون، فإن الصوم هو من أعظم أوجه ومعاني الصبر على طاعة الله سبحانه وتعالى، والصبر عن معصية الله سبحانه وتعالى، والصبر على أقدار الله سبحانه وتعالى.
فإن الصبر ثلاثة أنواع ذكرناها، هي: صبر على طاعة الله، فيحمل الإنسان نفسه على طاعة الله، لماذا؟ لأن النفس ربما تتململ عن طاعة الله سبحانه وتعالى، تحتاج إلى مصابرة، تحتاج إلى عزيمة، تحتاج إلى همة، إلى أن يريدها الإنسان إلى جنات النعيم، وإلا فالإنسان ربما لو استجاب لشهوات نفسه وتثاقل وتململ عن الطاعة ربما.
فرط في كثير من النوافل، بل ربما فرط في الواجبات بسبب تململ النفس وكراهتها وحبها للدعة والراحة. الصبر الثاني: صبر عن معصية الله، فالصائم يكف عن معاصي الله سبحانه وتعالى؛ إن سابه أو شاتمه أحد فليقل إني امرؤ صائم، «إذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب»، مثل ما قال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم.
وصبر على أقدار الله، فربما أصابه جوع أو عطش فيصبر على ما أصابه من هذا الألم أو الجوع أو العطش أو غيرها رغبة فيما عند الله سبحانه وتعالى. انظروا كيف هذا الصائم جمع مع الصبر؛ فلذلك فإنه يدخل دخولاً أولياً في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]. جعلني الله وإياكم منهم، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم منهم. فاصل قصير ونعود إليكم بعد هذا الفاصل.
يحرص كثير من الآباء والأمهات على تعليم أبنائهم شتى العلوم، ويبذلون في ذلك الغالي والنفيس من أوقاتهم وأموالهم، وهذا مما يؤجرون عليه من الله تعالى. ولكن هل اعتنوا مع ذلك بتعليمهم أدب العلم وسمته؟ فهو الذي يهذب أخلاقهم ويحسن طباعهم، فحاجة الأطفال إلى الأدب وحسن الخلق أشد من حاجتهم إلى كثير من العلم؛ لهذا كان السلف يحرصون على تعليم أبنائهم الأدب قبل العلم.
قال سفيان الثوري: كانوا لا يخرجون أبناءهم لطلب العلم حتى يتأدبوا، وقال عبد الله بن المبارك: طلبت الأدب ثلاثين سنة، وطلبت العلم عشرين سنة. وهذا ما جعل الآباء والأمهات قديماً يدفعون بأولادهم إلى المؤدبين والعلماء حتى يقتبسوا من أخلاقهم وآدابهم قبل علومهم. قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله تعالى: كانت أمي تعمم مني وتقول لي: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه.
وذلك أن العلم لا ينتفع به إلا بطهارة القلب عن مساوئ الأخلاق، ولعل هذا الأمر هو ما دفع العلماء إلى اشتراط أن تتلمذ طالب العلم للعلماء لا للكتب فحسب؛ وذلك حتى يتأكد من تخلقه بأخلاق العلماء وتحليه بآدابهم، ويظهر عليه سمت العلم وأدبه ونوره. قال عبد الله بن وهب: ما تعلمناه من أدب مالك أكثر مما تعلمناه من علمه.
ومما يدلك على منزلة الأدب والأخلاق أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع بين العلم والأخلاق والأدب، ولما أثنى عليه ربه سبحانه وتعالى أثنى عليه بالأخلاق والأدب، فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].
نعود إليكم بعد هذا الفاصل القصير، ونتابع حديثنا معكم عن الصوم. ذكرنا كيف شرعه الله سبحانه وتعالى، وذكرنا بعضاً من فضائله، وذكرنا لماذا تحدث عنه أهل الفقه وأهل العلم في هذا الموطن وفي هذا المكان، وأنهم رتبوا موطنه ومكانه بحسب ترتيب حديث جبريل، حديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي أفتى وعلم فيه جبريل لما سأله، وكان قصد جبريل صلوات الله وسلامه عليه من السؤال أن يتعلم الناس أمر دينهم.
إخواني، ما هي حقيقة الصوم؟ وما هو مفهومه وما هو تعريفه؟ تعريف الصوم ومعناه هو التعبد لله سبحانه وتعالى بالامتناع عن بعض المباحات التي أباحها الله سبحانه وتعالى في غير الصوم، يمتنع عنها العبد المسلم في الصوم تعبداً لله سبحانه وتعالى، وهي هذه الأشياء المباحة -مفطرات الصوم- يمتنع عنها تعبداً لله سبحانه وتعالى، اللي هي الأكل والشرب والجماع، هذه بالأساس طبعاً، يلحق بها غيرها كما سيأتينا إن شاء الله تعالى في مفطرات الصوم، لكن يمتنع عنها المسلم تعبداً لله سبحانه وتعالى. إذاً الصوم فيه معنى الامتناع، فيه معنى الكف، فيه معنى الترك، هذا هو الصوم، الصوم أنه يكف نفسه ويترك نفسه.
سؤال: هل الكف والترك عمل من الأعمال، أم يعد عدماً مجرداً لا يثاب عليه الإنسان؟ نقول: لا، فرق. الامتناع أو الترك أو الكف هذا معناه أن ثمة داع يدعوه فيكف، أما العدم المجرد فأصلاً لا يسمى فعلاً، لكن الصيام فيه تعبد لله سبحانه وتعالى بالكف أو بالترك. لذلك هنا نقطة مهمة في تعريف الصوم، أن نعرفه بأنه تعبد لله سبحانه وتعالى.
أضرب لكم مثلاً: لو أن إنساناً مثلاً نام نومة طويلة من الصبح إلى المغرب لم يأكل فيها طبعاً، أو استيقظ وتحرك أو ذهب يميناً ويساراً ولم يأكل شيئاً، فلما جاء المغرب هل يقال عنه إن هذا الشخص قد صام؟ لا، نقول: هذا عدم مجرد، هو أصلاً ما دور على الأكل وبحث عنه ولا سأل عنه ولا أكل، هذا عدم مجرد ما نوى ترك الطعام والشراب، ما نوى الكف والامتناع، هذا عدم مجرد لا يسمى صياماً.
لو أن إنساناً مثلاً قال له الطبيب: عندك تحاليل في المستشفى تتطلب منك أنك تترك الطعام والشراب مثلاً لأجل تحليل معين مثلاً مدة ست ساعات أو سبع ساعات أو 12 ساعة، فترك الطعام هذا ست ساعات أو 12 ساعة ولم يأكل حتى رجع إلى بيته، وصل إلى بيته المغرب فأكل، هل هذا يعد صوماً تعبدياً شرعياً؟ لا، لا يعد صوم تعبد؛ هذا امتنع عن الأكل والشرب ولكن ليس تعبداً لله سبحانه وتعالى.
إذاً ما هو الصيام؟ الصيام هو التعبد لله سبحانه وتعالى بمعنى أنه يمتنع عن الأكل والشرب طاعة وتعبداً لله سبحانه وتعالى، هذا هو الصوم. إذاً أول قضية، أول مسألة، أول ركن من أركان تعريف الصوم، أن نقول: هو التعبد لله. طيب قد يقول قائل: إن التعبد لله حاصل بالصلاة، بالزكاة، بالصوم والحج. نقول: نعم، حاصل بهذه كلها، ولكن نحن هنا نتكلم عن التعبد لله سبحانه وتعالى بماذا؟ بترك أو الكف أو الامتناع عن هذه المفطرات التي أباحها الله سبحانه وتعالى في غير الصوم، ولكن يمتنع عنها المسلم عبودية لله سبحانه وتعالى في الصوم.
إذاً هذا هو معنى الصوم ومفهومه وحقيقته، إذاً يمكن أن نقول: إن الصوم من التعبدات الداخلة في الكف والترك؛ لماذا؟ لأن أعمال المسلم أو عموماً الأعمال إما أن تكون إيجاداً وإما أن تكون تركاً، وكلاهما -الإيجاد والترك- يعد عملاً، يعد عملاً صالحاً يثاب عليه المسلم إذا فيه التعبد لله سبحانه وتعالى، وكلاهما -الإيجاد والترك- لا يعد عدماً مجرداً. نحن فرقنا بينهما، بين الترك وبين العدم المجرد، العدم المجرد هو الذي أصلاً لا يشعر به الإنسان، أصلاً لم ينوه. أما إذا نواه ونوى التعبد لله سبحانه وتعالى به، فإنه يصبح عملاً.
فلذلك الأعمال الصالحة إما أن تكون إيجاداً، مثل إيش الإيجاد؟ مثل الصلاة، أن يقوم ويقرأ الفاتحة ثم يركع ثم يرفع ثم يسجد، هذه أعمال يوجدها الإنسان. الصلاة تشتمل على تعبدات تركية، مثل إيش؟ أن يترك الكلام في الصلاة، يترك الأكل والشرب في الصلاة؛ لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى حرمها في الصلاة. كذلك الصوم من العبادات التركية، فإذا أقبل على الله سبحانه وتعالى وتعبد بالصوم فإنه يترك الطعام والشراب والجماع وغيرها من المفطرات.
طيب الحج، هل هو عبادة فعلية ولا عبادة تركية؟ في عبادة فعلية وفي عبادة تركية، مثل إيش العبادة الفعليه؟ مثل الوقوف بعرفة، الطواف، السعي، هذه أشياء يوجدها المكلف يفعلها. وهناك أشياء تركية، مثل إيش؟ امتناعه عن الجماع وعن المباشرة، هذا امتناع من محظورات الإحرام، الطيب مثلاً، عن حلق الرأس وتقليم الأظفار، هذه كلها امتناع، أنواع تركية. التعبد لله سبحانه وتعالى يكون أحياناً بأفعال يوجدها المكلف، بها يفعلها، يتحرك، يتكلم، وأحياناً بامتناع يمتنع عنها المكلف تعبداً لله سبحانه وتعالى.
الصوم هو من العبوديات التركية، يترك المسلم لله سبحانه وتعالى، تعبداً لله سبحانه وتعالى، يترك فيها الطعام والشراب والجماع وما يلحق به من المفطرات. طيب من الأركان الأساسية المهمة كما قلنا التعبد لله سبحانه وتعالى، لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الأعمال بالنيات»، وهذا حقيقة يقودنا للحديث عن النية. الصوم هو ما نوى فيه المسلم تعبداً لله سبحانه وتعالى. لو جانا شخص أصلاً نايم طول النهار، ما نوى الصوم ولا شيء، يوم جاء آخر النهار قال: والله أنا ما بعد جاء الليل، قال: أصلاً أنا ما أكلت شيء في الصباح كله، هذا خلاص أنا بعتبر نفسي أني كنت صائم، نقول: لا، ما نويت الصوم. الصوم هو أن تنوي التعبد لله سبحانه وتعالى.
إذاً هذا التعبد، هذه النية هي التي تفرق بين الصوم وبين العدم المجرد. الشخص اللي أصلاً ما أكل، الشخص أصلاً الإنسان إذا كان يعمل هذا ربما ما يحتاج إلا الأكل، إذا كان يمشي في الشارع ما بياكل إلا أن يصل إلى بيته، إذا كان نايم ما بياكل، ما الفرق بين هذا الشخص وبين الذي لا يأكل لأجل أنه صائم؟ هذا متعبد. النية، نية الترك، نية الكف، لذلك النية في الصوم على رتبتين.
الصوم الواجب يشترط أن تكون النية فيه مستوعبة لليوم كاملاً؛ لأن هذا اليوم كله صومه واجب، صومه واجب، فلذلك النية لا بد أنها تستوعب اليوم كاملاً من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. طيب كيف تستوعب اليوم كاملاً؟ معنى ذلك أن الفرض أو الواجب لا بد أن ينوي المسلم صومه من قبل الفجر، يعني من الليل، مثلاً من اليوم الذي قبله، أن يكون عنده نية سابقة أنه ينوي هذا اليوم من طلوع الفجر، لا بد أن يكون ناوياً إلى غروب الشمس. حتى لو نوى الصوم الواجب مثلاً قبل طلوع الفجر بدقيقة صح، لكن إذا تأخر في نية الصوم الواجب نقول: هذا لا يقع عن واجب.
ما هي الصيامات الواجبة؟ سياتينا إن شاء الله تعالى: صيام رمضان، صيام النذر، صيام الكفارة، صيام القضاء، هذه كلها صيامات واجبة، لا بد أن تكون النية فيها مستوعبة من أول اليوم إلى آخره؛ لأن هذا الصوم يوم كامل أوجبه الله سبحانه وتعالى صومه.
طيب، لكن النفل خفف فيه، لأن النفل تطوع وعبادة الله سبحانه وتعالى تطوعية غير لازمة على المكلف، فخفف الله سبحانه وتعالى عن عباده في شأن النية. كيف؟ لو أن إنساناً نوى أن يصوم مثلاً من الضحى، استيقظ ضحى فقال: حقيقة هذا اليوم نويت أني أصوم، نقول: لا مانع أن تصوم، بس بشرط أنك تكون ما قد أكلت شيء من قبل من حين طلوع الفجر إلى الضحى، فتنوي الصوم من الحين الذي نويت فيه وأردت فيه الصوم إلى غروب الشمس، لا بأس.
طيب، هل هذا أجره مثل أجر من نوى صيام النافلة من الصباح؟ لا، هذا أجره أقل؛ لأن نية التعبد لله سبحانه وتعالى عنده أقل. طيب لو جاء شخص وقال بعد الظهر قال: خلاص أنا بنوي أني أكمل اليوم صائم، نقول: جائز إن شاء الله تعالى، بشرط أنك ما تكون أكلت الصباح، ولكن أجرك لن يكون مثل أجر الذي نوى من الصباح واستحضر العبودية لله سبحانه وتعالى من الصباح، إذاً أجره أقل بناءً على ماذا؟ بناءً على قول النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»، فاللي نوى نصف النهار هذا له نصف النهار، واللي نوى ثلاث أرباع النهار هذا له ثلاث أرباع النهار، واللي نوى النهار كله هذا له النهار كامل.
هذا كله في صيام النافلة، أما صيام الفرض فيجب أن يكون ناوياً للصوم من أوله إلى آخره؛ لماذا؟ لأن الصوم كل هذا اليوم واجب أوجبه الله سبحانه وتعالى. ولنا تفصيل آخر إن شاء الله تعالى حول موضوع النية إن شاء الله تعالى وبيان دليلها وحكمها في حلقتنا القادمة. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يعلمنا ما ينفعنا، وينفعنا بما علمنا، وجزاكم الله خيراً إخواني وأخواتي، وإلى لقاء آخر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي