يا راغباً في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته ومعه تطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد، الفقه الميسر من الشرع دون تعصب لفلان، فالعلم كالأزهار في البستان. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً. اللهم هيئ لنا من أمرنا رشداً، اللهم يا رب العالمين وفقنا للهدى، ويسر الهدى لنا، واجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين.
إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس التاسع من سلسلة دروس الفقه في الفصل الدراسي الثالث في أكاديمية زاد. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس، وأن ينفع بها قائلها وسامعها ومن نشرها وساهم في نشرها. إخواني وأخواتي، كنا قد بدأنا الحديث في اللقائين الماضيين عن مفطرات الصيام، وقد استفتحنا هذا الفصل الدراسي بالحديث عن الصيام وعدد من الأحكام المتعلقة به.
عند حديثنا عن المفطرات، لخصنا هذه المفطرات بأنها عدد من المفطرات: نقول أولاً الأكل والشرب عمداً، الثاني الجماع عمداً. وقلنا إن الأكل والشرب يلحق بهما عدد من الأشياء وعدد من المسائل؛ فمثلاً تكلمنا عن الإبر المغذية، وتكلمنا عن الإبر غير المغذية الإبر العلاجية، وتكلمنا عن بخاخ الربو، وتكلمنا عن عدد من الوسائل. الجماع قلنا يلحق به إنزال بشهوة، وفرقنا بين إنزال المني الذي يعد مفطراً، وإنزال المذي بالذال الذي لا يعد مفطراً. إذاً إنزال المني بالنون يعد مفطراً، وأما إنزال المذي بالذال فلا يعد مفطراً.
ثم تحدثنا بعد ذلك عن القيء، وقلنا إن من تعمد القيء فإن الصحيح والله تعالى أعلم أنه يفطر، لما جاء في الحديث: «من استقاء فليقضِ، ومن ذرعه القيء فلا قضاء عليه». هذا فيما يتعلق بالقيء. ثم تحدثنا بعد ذلك عن مفطر من المفطرات يراه بعض أهل العلم مفطراً وبعضهم لا يراه مفطراً، ألا وهو الحجامة. فإن بعض أهل العلم رأوها مفطرة، وجمهور أهل العلم لا يرونها مفطرة. وذكرنا أن الصحيح والله تعالى أعلم أن الحجامة لا تعد مفطرة؛ لما جاء في حديث ابن عباس في صحيح البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم. وأما الحديث المروي «أفطر الحاجم والمحجوم» فقد ذكرنا أنه حديث ضعيف، وهناك عدد من الدلائل على ضعفه في سنده وفي متنه وفي معارضته للحديث الصحيح، وأن جمهور أهل العلم لم يعملوا به. إذاً هذه كلها أشياء تواطأت لتضعيف العمل بهذا الحديث.
وقلنا إن مما يقاس على الحجامة التبرع الكثير بالدم. لماذا قلنا التبرع الكثير بالدم؟ لأن من جرح مثلاً وخرج منه دم يسير فلا يفطر باتفاق الجميع. من قال بأن الحجامة مفطرة مراده الدم الكثير، المراد الدم الذي يخرج سواء كان في الحجامة أو في التبرع بالدم؛ هذا هو المراد، أن يتبرع بدم كثير. أما لو أن إنساناً جرح وخرج منه قطرات دم فهذا لا يقال بفطره والله تعالى أعلم، حتى عند من قال إن الحجامة تفطر أو أن التبرع بالدم يفطر يقيدونه دائماً بالكثير. والصحيح كما ذكرنا والله تعالى أعلم أنه سواء كان كثيراً أو يسيراً أنه لا يفطر، وذكرنا على هذا عدداً من الأدلة.
نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى مسألة أخرى، ألا وهي بما أننا تحدثنا عن هذه الجروح ربما سأل بعض الناس عن حكم صوم المغمى عليه، هل يصح صوم المغمى عليه؟ أول سؤال نريد أن نسأل به إخواننا: ما حكم صوم المجنون، وما حكم صوم المغمى عليه، وما حكم صوم النائم؟ هذه ثلاث مسائل. لاحظوا هنا أن ثمة غياباً للعقل، ولكن في الجنون هو غياب أقوى، المغمى عليه غيابه أقل، والنائم لا نقول غياب للعقل وإنما نقول تغطية العقل إلى حين أن يستيقظ. فالنائم يصح صومه بلا إشكال.
المجنون هل يصح صومه وهل يجب عليه الصوم؟ قد ذكرنا أن من شروط وجوب الصوم في الشجرة التي رسمناها سوياً قلنا إن أصل شروط وجوب الصوم الإسلام والتكليف، وما هو التكليف؟ هو البلوغ والعقل. العقل عكسه الجنون، لذلك المجنون لا يجب عليه صوم ولا يصح منه صوم. من شروط الصحة الإسلام، العقل، التمييز. لا نقول البلوغ، البلوغ هذا شرط وجوب كما قد نبهنا من قبل في بداية كتاب الصيام. ما الفرق بين قولنا بشرط وجوب وشرط صحة؟ لو قلنا إن البلوغ شرط صحة معناه أنه لا يصح صوم الصغير الذي لم يبلغ، لكن نحن نقول هو شرط وجوب؛ البلوغ هو شرط الوجوب بمعنى أنه لا يجب على من لم يبلغ، هل يصح منه؟ يصح منه إن شاء الله تعالى وهو مأجور عليه بإذن الله تعالى.
المجنون لا يجب عليه الصوم ولا يصح منه. عندنا مرحلة متوسطة حقيقة بين الجنون الذي هو غياب للعقل غياب تام، وبين النوم الذي هو تغطية العقل مع وجوده، مرحلة المغمى عليه. المغمى عليه أحياناً يغمى عليه يومين، ثلاثة أيام، أربعة، قد يصل الإغماء إلى شهر أو شهرين خصوصاً مع تقدم الوسائل الطبية الحديثة التي تدخل الغذاء إلى بدنهم وربما تحرك رئته أو قلبه أو تنعش قلبه أو غير ذلك؛ صار الإغماء قد يطول، قد يطول أحياناً يستمر أشهراً ربما. فالشاهد ما حكم صوم المغمى عليه؟ هل أصلاً يجب عليه الصوم مثل ما أوجبناه علينا، أو نقول إن المغمى عليه أشبه بمن غاب عقله بالجنون فلا يجب عليه الصوم أصلاً؟ واضح السؤال الأول؟ السؤال الأول: هل يجب عليه الصوم؟ السؤال الثاني: ما حكم صحة صومه؟
خلونا نجيب على السؤال الأول: هل يجب عليه الصوم أم لا؟ هل نعامله معاملة المجنون الذي غاب عقله تماماً، أم نعامله معاملة النائم الذي غطي عقله لفترة ما؟ حقيقة هذه المسألة من المسائل المشكلة؛ لأننا إذا تأملنا في الإغماء وجدنا فيه شبهاً من النوم أنه لا يغيب عقله تماماً، وإنما غطي عقله بهذه الإغماءة، وإذا أفاق من الإغماء فإنه يكون رجلاً عاقلاً ويصح تصرفه ويكلف كغيره من المكلفين، وكما كان حاله قبل الإغماء إذا كان هذا عارضاً مثل كون النوم عارضاً.
إذا تأملنا في شبه كذلك من الجنون: ما هو الشبه؟ أنه هذا العارض لا دخل له فيه؛ النائم هو الذي نام باختياره وتستطيع أن توقظه فيستيقظ منه، لكن المغمى عليه أغمي عليه بغير اختياره، وهل نستطيع أن نوقظه من هذه الإغماءة؟ لا نستطيع. إذاً هذا الحقيقة جعل فيه شبهاً من الجنون من الجهة الأخرى. إذاً صار بالفعل حاله حالة متوسطة، ولذلك اختلفت أنظار العلماء في هذه المسألة؛ بعضهم قال إنه مثل الجنون أنه لا يجب عليه تماماً، وبعضهم جعلوه مثل النائم وقالوا إنه يجب عليه الصوم، وإذا كان ما شعر بنفسه فإنه يقضي هذا الصوم في حال إفاقته من هذه الإغماءة. نفصل إن شاء الله الحديث في هذه المسألة ولكن بعد هذا الفاصل القصير.
للإيمان أركان لا يتم إلا بها، فإذا سقط منها ركن لم يكن الإنسان مؤمناً. وهي ستة: الإيمان بالله، ويشمل الإيمان بربوبيته أي بأنه الخالق المالك المدبر، وبألوهيته فلا معبود بحق إلا الله وكل معبود سواه باطل، وبأسمائه وصفاته فله الأسماء الحسنى والصفات العليا. ونؤمن بالملائكة وأنهم مخلوقون من النور، وأنهم عابدون لله مطيعون، عن عبادته لا يستنكفون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون. ولهم أعمال كلفوا بها: فجبريل موكل بالوحي، وميكائيل بالمطر والنبات، وإسرافيل بالنفخ في الصور. ونؤمن بالكتب أنزلها الله على رسله حجة على العالمين، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25]. ومنها التوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى، وأعظمها وخاتمها القرآن العظيم، الكتاب بالحق لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه. ونؤمن باليوم الآخر وهو يوم القيامة، ونؤمن بما فيه من البعث والحشر وصحائف الأعمال والميزان والحساب والصراط والحوض والشفاعة والجنة والنار. ونؤمن بالقدر خيره وشره، وهو تقدير الله تعالى للكائنات حسب ما سبق به علمه واقتضته حكمته، وله أربع مراتب: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق. فثبت إيمانك بالعلم والعمل، واحذر من شبهات المشككين، "بما أنزلت واتبعنا الرسول فاكتبنا مع الشاهدين".
نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن صوم المغمى عليه. ذكرنا وجه الإشكال في مسألة المغمى عليه؛ فلو أن إنساناً مثلاً أغمي عليه في نهار رمضان، نفترض أنه أغمي عليه في العصر لمدة يومين أو ثلاثة أيام، فأفاق بعد ذلك مثلاً خلونا نقول في العصر بعد ثلاثة أيام. فإذا استيقظ من إغمائه وكان إن شاء الله صح بدنه وانتهى شهر رمضان، هل نقول لهذا الشخص الذي أغمي عليه ثلاثة أيام: عليك أن تقضي ثلاثة أيام؛ لأنك أصلاً كنت مخاطباً وغاب عقلك تماماً عن النية وعن استشعار الصيام، فأنت الآن مخاطب بالصوم فيجب أن تصوم تقضي الثلاثة أيام التي كنت فيها في حالة إغماء؟ هذا الخيار ألف.
الخيار باء: نقول إن الثلاثة أيام هذه كنت أشبه فيها بالمجنون الذي لا يخاطب، ﴿رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ: عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنِ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ﴾؛ فالمجنون حتى يفيق، فأنت كان مرفوعاً عنك القلم ولا تخاطب بالصيام ولا تخاطب بالإطعام. إذاً الخيار رقم باء أننا نقول لا تخاطب بقضاء هذه الأيام ولا يجب عليك قضاؤها.
بعض أهل العلم فرق بين المسألتين، قال ننظر: إن كان هذا الإغماء إغماءً طويلاً يعني استمر شهرين أو ثلاثة أشهر، فهذا نقول إنه مثل الجنون خلاص لا يخاطب، ما نقول له اقضِ، صار مثل المجنون. وهل أحد يقول للمجنون اقضِ الصوم الذي أفطرته؟ المجنون مرفوع عنه القلم، مرفوع عن الخطاب. وإن كان هذا الإغماء قليلاً يعني يوماً أو يومين أو ثلاثاً، فإننا نقول اقضِ هذا؛ لأنه أشبه بالنائم الذي لم يشعر بنفسه، فبالتالي فإننا نقول أنت لا زلت مكلفاً ومخاطباً، وتقضي هذين اليومين أو الثلاثة أيام التي تقضيها بعد رمضان. وهذا قول حقيقة وقول متوسط وقول له وجه؛ لأنه بالفعل إذا طالت الفترة فإنه لا يخاطب بالقضاء، وأما إذا كانت الفترة قليلة فترة الإغماء فإنه يخاطب بالقضاء، باعتبار أننا ننظر هل هذا الإغماء أشبه بالجنون ولا أشبه بالتغطية اليسيرة التي كما ذكرنا مثل النوم أو غيره.
يبقى عندنا سؤال ثانٍ: هل يصح صومه؟ يعني فرضاً أن هذا المغمى عليه أغمي عليه في العصر مثل ما ذكرنا في القصة التي قبل قليل، أغمي عليه عصراً ثم ذهب به إلى المستشفى، فلو وصلوا إلى المستشفى المغرب، وفي المغرب أعطوه بعد غروب الشمس بعض الإبر المغذية وغير ذلك، وجلس مغمى عليه يوماً أو يومين ثم أفاق. فاليومين هذه التي كان يعيش فيها أو بالأصح يتغذى فيها بالإبر المغذية سنقول له اقضِها. بيسألنا سؤالاً يقول: اليوم الأول الذي أغمي فيه على هذا الإنسان عصراً ولم يأكل شيئاً إلى المغرب ولم يعطَ لا إبر مغذية ولا شيئاً إلى المغرب، فهل يعد صومه صحيحاً أم أننا نقول إنه بمجرد الإغماء فإنه قد بطل صومه؟
واضح هذا السؤال؟ والظاهر والله تعالى أعلم أن نقول إنه يصح صومه ما دام قد أدرك أجزاءً من النهار بعقله؛ فما دام قد أدرك أجزاءً من النهار بعقله فإنه يصح صومه ولا يخاطب بقضاء هذا اليوم، وإنما يخاطب بقضاء الأيام التالية التي لا يتصور منه وجود نية فيها. فلذلك نقول اقضِ الأيام التالية، أما هذا اليوم الذي استفتحته صائماً ثم أصبت فيه بالإغماء في آخره، فإن هذا الإغماء لا يعد مفطراً، لا يعد مفطراً، ليش؟ لأن الإغماء هذا ليس أكلاً وشرباً. طيب كون النية قد غابت عنه في آخر اليوم؟ نقول خلاص ما دام وجدت في أول اليوم فهذا كافٍ إن شاء الله تعالى.
إذا وجدت النية في جزء من النهار فهذا كافٍ، ولا يلزم أن الإنسان توجد منه النية من أول النهار إلى آخره، طالما لم ينقضها بنية فطر. من كونه أغمي عليه لا إشكال، لكن لو نوى الإفطار هنا فيه إشكال، قطع نية الصوم بنية الإفطار. إذاً هناك عندنا فرق بين مسألتين: المسألة الأولى أنه غابت عنه النية، والمسألة الثانية لا أنه نوى العكس؛ إذا هو العكس نوى الإفطار نقول أفطرت، لكن إذا غابت عنه النية فإن الصحيح والله تعالى أعلم أنه لا يفطر. فلذلك نقول هذا اليوم الذي أغمي عليك فيه لا داعي لأن تقضيه، ولكن اقضِ الأيام التالية التي غابت عنك النية فيها طول اليوم. وبهذا يكون إن شاء الله تعالى تطرقنا للمسائل المتعلقة بمفطرات الصيام. إذاً هل الإغماء يعد...
لا، الإغماء لا يعد مفطرًا، فلو قلنا إنه يعد مفطرًا فمعنى ذلك لو أغمي عليه قبل الغروب بدقيقة نقول له: أفطرت. لكن الإغماء لا يعد مفطرًا؛ لأنه نوع من غياب العقل، وغياب العقل يستتبع غياب النية، فكون تغيب النية عنه في جزء من النهار لا بأس، ما دامت النية موجودة في أول النهار أو موجودة في جزء من النهار.
أما إذا كانت النية غائبة طول اليوم كاملًا، بأن كان مغمى عليه طول اليوم كاملًا، فالظاهر والله تعالى أعلم أنه يحتاج إلى أن يقضي هذا اليوم بعد ذلك. هذا فيما يتعلق بحكم صوم المغمى عليه.
ننتقل بعد ذلك إلى قاعدة المفطرات التي ذكرناها، وهي: الأكل والشرب والجماع والإنزال والقيء وما يلحق بالأكل والشرب. هذه القاعدة في المفطرات نقول إنها لا تفطر إلا إذا قصدها الإنسان وكان ذاكرًا عالمًا، فلو كان جاهلًا فالظاهر والله تعالى أعلم أن صومه صحيح؛ مثل إنسان للتو أسلم ولا يعلم أن الاستقاءة مفطرة، فلما علم بذلك ترك. نفترض أن هذا الشخص أسلم حديثًا ولم يتعلم باقي أحكام دينه، فنقول: الظاهر والله تعالى أعلم أنه لا يؤاخذ بجهله، لاحظوا هنا أننا اعتبرنا جهله لأنه معذور بهذا الجهل. أما إذا كان غير معذور بهذا الجهل، كالمفرط في تعلم أحكام دينه، فنقول: أنت آثم، وبغض النظر عن صيامك الآن، سواء كان صحيحًا أو فاسدًا، فأنت آثم لأنك فرطت في تعلم أحكام دينك. يجب على المسلم أيها الإخوة والأخوات أن يتعلم أحكام دينه، وأن يتعلم كيف يعبد الله سبحانه وتعالى العبادة التي ترضيه.
المسلم يسأل الله سبحانه وتعالى دائمًا أن يهديه الصراط المستقيم، ومسائل الفقه والتعبد لله سبحانه وتعالى تعلمك كيف تعبد الله عبادة صحيحة، وهذه المسائل داخلة في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: 6]. كون الإنسان يتعلم الصراط المستقيم الذي يسير فيه إلى الله سبحانه وتعالى هذا من أهم الواجبات عليه، وإلا فكيف يسير إلى الله سبحانه وتعالى؟ وكيف يطلب جنات الله سبحانه وتعالى وهو لم يتعلم أحكام دينه؟ إذا نحن نقول: الجاهل إذا كان معذورًا بجهله فهذا إن شاء الله تعالى لا يفطر إذا فعل أحد هذه المفطرات وهو جاهل بالحكم الشرعي.
أن يكون ذاكرًا، معنى هذا أنه إذا فعلها ناسيًا فإنه إن شاء الله تعالى معذور، مثل من أكل أو شرب ناسيًا. الأمر الثالث أن يفعلها قاصدًا، مثلًا لو فعلها بدون قصد منه، أو حصلت بدون قصد منه؛ هو ذاكر لصومه لكن ذرعه القيء، نقول: إنه لا يفطر؛ فهذا أصلًا فعله ليس باختياره، فالقصد يقابل قضية الاختيار، أن يقصد إلى الفعل ويعمد إليه، لكن لو كان قد حصل بغير اختياره فإن هذا إن شاء الله تعالى معذور ولا يعد هذا مفطرًا. إذًا «قاصد» أخذناها من الاستقاءة، فمن ذرعه القيء فهو معذور، كذلك من الاحتلام في النوم لا يفطر، ولكن من أنزل في اليقظة قاصدًا ذاكرًا فهذا مفطر. لاحظتم؟ إذا الشرط الأول أن يكون قاصدًا، والشرط الثاني أن يكون ذاكرًا غير ناسي، والشرط الثالث أن يكون عالمًا غير جاهل. إذا اجتمعت هذه الشروط الثلاثة في هذه المفطرات، فإنها تعد مفطرًا في ذلك اليوم.
فرض عين على كل مسلم أن يتعلم العبادات الواجبة عليه، وما لها من شروط وأركان، وكيف يؤديها بشكل صحيح. فالصلاة هي أعظم العبادات، فيجب أن يتعلم شروطها كالطهارة واستقبال القبلة، وأركانها كالقيام وقراءة الفاتحة، وواجباتها كالتسبيح في الركوع والسجود، ويتعلم أحكام سجود السهو، إذ لا يخلو أحد منه. وإذا كان من أهل الأعذار تعلم ما يرخص له في تركه وما لا يرخص له فيه.
ومن العبادات إيتاء الزكاة، فيتعلم شروط وجوبها كحولان الحول وملك النصاب، ويعرف الأموال التي تجب فيها الزكاة كالنقدين وبهيمة الأنعام، ويتعلم النصاب الذي تجب فيه الزكاة، والمقدار الذي يجب إخراجه كربع العشر في النقدين وعروض التجارة، ويعرف من يستحق الزكاة ومن لا يستحقها. ومنها صوم رمضان، فيتعلم أركان الصيام وشروط صحته، وما يبطل الصيام كالاستقاءة والاستمناء، وما لا يؤثر عليه كالسواك والطيب. ومنها حج البيت، فيتعلم أركانه كالطواف والسعي، وواجباته كالمبيت بمزدلفة ورمي الجمار، ويتعلم المواقيت الزمانية والمكانية وعورات الإحرام. فاجعل عباداتك خالصة لوجه الله، صوابًا على السنة.
نعود إليكم ونتابع حديثنا معكم في بعض المسائل المتعلقة بأبواب المفطرات، وذكرنا الشروط الثلاثة المعتبرة في التفطير: أن يكون عالمًا بالحكم، وأن يكون قاصدًا للفعل، وأن يكون ذاكرًا بصومه. فأما إذا كان جاهلًا بالحكم، أو كان غير قاصد للفعل بل بدون اختياره، أو كان غير ذاكر كان ناسيًا، فإن التفطير لا يقع والله تعالى أعلم، والله سبحانه وتعالى قد رفع عن هذه الأمة خطأها ونسيانها وما استكرهت عليه.
ننتقل بعد ذلك إلى بعض المسائل في كفارة الجماع، ذكرنا أنه يصوم شهرين متتابعين، وإن لم يستطع فإنه يطعم ستين مسكينًا. إذا لاحظوا أنها على الترتيب، واجبة على الترتيب. صيام الشهرين يجب أن يكونا متتابعين، ولو قطعها مثلًا عيد الأضحى أو أيام التشريق فلا مانع من هذا؛ لأن عيد الأضحى يحرم صومه، ويجب أن يكف ويتوقف عن التتابع في عيد الأضحى وأيام التشريق لأنها أيام يحرم صومها. إذا لو افترضنا أنه بدأ في صيام الشهرين المتتابعين في واحد ذي الحجة، نقول: هذه الأربعة أيام توقف، لا تصم هذه الأربعة أيام، آخر يوم تصومه في الأيام المتتابعة يوم تسعة، اللي هو يوم عرفة، ثم بعد ذلك تكمل يوم أربعة عشر بعد أيام التشريق.
ذكرنا كذلك أن كفارة الجماع لا تجب إلا إذا وقع في هذا المفطر في صيام رمضان، وأما لو كان في صيام نذر أو في صيام تطوع أو في صيام كفارة فإنه لا يلزم بصوم شهرين متتابعين أو إطعام ستين مسكينًا، لا، وإنما يلزم بالقضاء فقط. ومن المسائل التي نرغب الحديث عنها في المفطرات مسألة تكلم عنها أهل العلم وهي: تناول الشيء الذي لا يغذي. إذا تناول الإنسان شيئًا لا يغذي، هل يفطر أو لا يفطر؟ نضرب لكم مثالًا؛ ربما أهل العلم السابقين طلبوا لها بعض الأمثلة فقالوا مثلًا: لو تناول حجرًا، الحجر لا يتغذى به الجسم ولا يمتصه، هل يعد هذا مفطرًا أم لا يعد؟ ومن المسائل المعاصرة المتعلقة به مثلًا: لو أدخل فيه منظارًا، كونه دخل المنظار ووصل ثم خرج، هذا المنظار نحن نفرق بين أمرين: بين الشيء غير المغذي الذي يدخل ثم يخرج من الجسد، فالصحيح والله تعالى أعلم أن هذا لا يفطر.
لكن هناك إشكال آخر في المنظار نريد أن ننبه إليه، وهو أن المنظار حتى يمر ويدخل يجعل معه بعض المواد التي تسهل دخوله، مثلًا إما دهن أو ماء أو غيره، فهذه تعد مفطرة. لكن المنظار بذاته لو فرضنا أن المنظار دخل، سواء كان من فم الإنسان أو من دبر الإنسان، فإن المنظار بحد ذاته لا يعد مفطرًا؛ لماذا؟ لأنه نوع من كاميرا صغيرة تدخل ثم تخرج، فالظاهر والله تعالى أعلم أن هذا لا يعد مفطرًا. مثله كذلك الإبر التي تدخل إلى البدن وتخرج منه، فهذه لا تعد مفطرة؛ مثلًا إبر سحب الدم لا تعد مفطرة.
لو أن الإنسان تناول شيئًا لا يغذي، أكل مثلًا حجرًا، فبعض أهل العلم يقول: إنه يفطر بهذا باعتبار أن هذا الحجر قد دخل من فم الإنسان، فهو يشبه الأكل والشرب وقد استقر في معدته، فهذا بعض أهل العلم يعتبره مفطرًا، وبعض أهل العلم يقول: لا، إنه لا يفطر باعتبار أنه ليس بأكل ولا شرب. وكلا القولين الحقيقة قول له وجه من النظر.
هناك مسألة يسأل عنها بعض الناس الذين يسكنون أو يقطنون شمال الأرض أو في جنوبها، هذه المناطق المتطرفة شمالًا وجنوبًا أحيانًا يطول فيها النهار جدًا أو يقصر جدًا، فقد يصل النهار وقد يتصل، قد تكون الشمس مشرقة عليهم مثلًا أشهرًا ثم تغيب الشمس عنهم أشهرًا. المسألة الثانية: قد يطول فيها النهار جدًا بمعنى أنه قد يصل، وهذا بحسب بعدهم في الشمال، فالبعيدون جدًا في الشمال أحيانًا قد يتصل نهارهم أشهرًا. اللي أقل منهم أو أقرب منهم إلى مركز الكرة الأرضية أحيانًا يطول النهار عندهم جدًا، يصير نهارهم مثلًا عشرين ساعة، والذين أقل منهم يصير نهارهم مثلًا ثماني عشرة ساعة أو ست عشرة، وهكذا.
ولا شك أن المناطق التي تقع في وسط الكرة الأرضية قريبة من خط الاستواء أو حول خط الاستواء، هذه مناطق معتدلة، إن طال نهارها صيفًا فيطول ساعة أو ساعتين، وإن قصر نهارها شتاءً فيقصر ساعة أو ساعتين. لكن هناك كل ما تطرفت البلدان شمالًا كلما زاد هذا الفرق، فيكون نهارهم صيفًا ربما عشرين ساعة، ويكون نهارهم شتاءً أربع ساعات أو ثلاث ساعات. فما حكم صوم هذه البلدان؟ نحن نقول: هذه البلدان على نوعين، إن كان قد اتصل النهار فيها والشمس تشرق أشهرًا عديدة فهؤلاء يعملون بأقرب البلدان إليهم.
المسألة الثانية: البلدان التي تعد أقل من هذا، التي فيها نهار وليل خلال أربع وعشرين ساعة، كيف يصومون؟ هل يصومون مثلًا عشرين ساعة؟ أو يصومون أربع ساعات؟ نقول: الظاهر والله تعالى أعلم أنهم يصومون نهارًا كاملًا، سواء كان هذا النهار عشرين ساعة أو كان هذا النهار أربع ساعات، بحسب النهار الذي عندهم؛ لأنهم في الصيف إن وافقهم رمضان في الصيف فسيكون نهارًا طويلًا، وإن وافقهم رمضان في الشتاء فسيكون نهارًا قصيرًا، فالظاهر والله تعالى أعلم أنهم يصومون من طلوع الشمس إلى غروبها.
يبقى عندنا مسألة يكثر السؤال عنها خصوصًا مع الانتقالات من بلد إلى بلد؛ ربما صام الإنسان أو ابتدأ صومه في بلد ما، مثلًا نفترض أنه ابتدأ صومه في السعودية ثم سافر في أثناء رمضان مثلًا إلى بلد آخر، نفترض إلى المغرب أو الجزائر أو تونس أو ليبيا أو مصر، أو سافر مشرقًا إلى باكستان أو الهند أو غيرها، أو سافر شمالًا إلى تركيا وبلاد الشام أو غيرها. سافر إلى بلد آخر، فلنفترض فرضًا أنه كان دخول الشهر في ذلك البلد الذي سافر إليه إما متأخرًا عن دخوله في البلد الذي سافر منه أو كان متقدمًا عليه، هل يصوم ويفطر مع البلد الذي بدأ فيه نهار رمضان؟ أو يصوم ويفطر بحسب البلد الذي هو فيه الآن؟
نفترض أنه ابتدأ نهار رمضان في السعودية، هو صام بالسعودية حسب دخول الهلال وثبوته في البلد، ثم انتقل مثلًا إلى بلد آخر، هل يفطر عيد الفطر معهم؟ نقول: نعم، الواجب عليك أن تفطر عيد الفطر معهم بحسب البلد الذي أنت فيه، الإنسان يصوم بحسب البلد الذي هو فيه ويفطر بحسب البلد الذي هو فيه. قد يؤدي هذا إلى أحد أربعة أحوال: إما أن يصوم ثمانية وعشرين يومًا باعتبار البلد الذي وصل إليه نفترض أنهم قد استفتحوا رمضان قبل أن يصومه بيوم، إذًا سيفطر معهم يوم العيد وهو قد صام ثمانية وعشرين يومًا، هذه الحالة الأولى. الحالة الثانية: أن يصوم تسعة وعشرين يومًا، الحالة الثالثة: أن يصوم ثلاثين يومًا، الحالة الرابعة: أن يصوم واحدًا وثلاثين يومًا. نفترض أنه انتقل إلى بلد وهم قد استفتحوا الصيام بعد البلد الذي انتقل منه بيوم، يعني هو عنده أربعة أحوال.
نحن نقول: إن صام واحدًا وثلاثين يومًا فلا إشكال، وإن صام ثلاثين يومًا فلا إشكال، وإن صام تسعة وعشرين يومًا فلا إشكال، وإن صام ثمانية وعشرين يومًا فإن عليه قضاء يوم، هذا هو الحكم الشرعي في من انتقل من بلد إلى بلد. إذًا نقول: الحكم الشرعي أولًا يجب عليك أن تصوم أنت بحسب البلد الذي أنت فيه الآن، وأن تفطر بحسب البلد الذي أنت فيه الآن. يعني لا يصوم إنسان يقول: والله لأني آخر الشهر سوف أنتقل هناك بصوم بصيام ذلك البلد، لا، أقول: صم بحسب البلد الذي أنت فيه الآن وأفطر بحسب البلد الذي أنت فيه الآن، الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون، هذا الحكم الأول.
الحكم الثاني: إن كان بسبب اختلاف البلدين أنت عندك أحد أربعة أحوال، إما أن تصوم ثمانية وعشرين أو تسعة وعشرين أو ثلاثين أو واحدًا وثلاثين. الثلاثة الأحوال هذه الباقية تسعة وعشرين، ثلاثين، واحدًا وثلاثين لا إشكال فيها، إن صمت ثمانية وعشرين يومًا فإن عليك قضاء يوم بعد عيد الفطر، تعيد مع الناس تفطر ذلك اليوم ثم بعده تقضي اليوم الذي قد نقص من شهرك. هذا تفصيل هذه المسألة، نقف عند هذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي