الحمد لله رب العالمين ولي المؤمنين الصالحين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله الأمين محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: نسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا سبل الرشاد، وأن يجعلنا من أولي الأيدي والأبصار الذين يبصرون ببصائر قلوبهم الحق حقاً ويبصرون الباطل باطلاً، ثم نسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا اتباع الحق، ويرزقنا اجتناب الباطل، وألا يجعل الباطل بالحق ملتبساً علينا.
إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الرابع والعشرون من سلسلة دروس الفقه في الفصل الدراسي الثالث. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في أكاديمية زاد، وأن يبارك في هذه الدروس، وأن ينفع بها قائلها وسامعها، وأن يجعلها من العلم الذي يكون حجة لنا لا حجة علينا.
إخواني وأخواتي، كنا قد تكلمنا في درسنا السابق عن الركن الثاني من أركان الحج، ألا وهو ركن الوقوف بعرفة. نريد أن نتحدث الآن -بعد أن تكلمنا عن الإحرام والوقوف بعرفة- عن الركن الثالث من أركان الحج، ألا وهو طواف الإفاضة. طواف الإفاضة هو ركن الحج، بل ركنه الأعظم، بل هو مقصود الحج؛ فإن الحج هو قصد البيت العتيق.
أصل معنى الحج قد ذكرنا من قبل أنه قصد البيت، إذاً هو الأصل الذي شرع لأجله الحج؛ هو هذه الكعبة، هذه البنية التي يطوف حولها الطائفون هي التي دعا إليها إبراهيم عليه السلام: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: 27-28]. هذه البنية، هذه الكعبة هي التي يقصد الحجاج من آفاق الأرض. إذاً لا شك أن طواف الإفاضة ركن عظيم، بل هو أعظم أركان الحج، بل هو مقصود الحج، بل هو حقيقة الحج وأساسه.
قد يقول قائل: أيهما أعظم وأهم؛ الوقوف بعرفة أم طواف الإفاضة أم الإحرام؟ نقول: هذه الثلاثة أركان كلها مهمة. طواف الإفاضة يتميز عنها بأنه هو المقصود الأساس. الوقوف بعرفة ركن وأهميته لا تقل عن طواف الإفاضة، لكن يزداد أهمية باعتباره ركناً أو واجباً مؤقتاً، يعني طواف الإفاضة لا شك أنه ركن عظيم ومهم، بل هو المقصود الأساس وهو حقيقة الحج، إلا أن وقته موسع، لكن الوقوف بعرفة وقته محدد بطلوع الفجر يوم النحر، لذلك لا شك أن هذا يضفي على ركن الوقوف بعرفة خطورة، وهي قضية خطورة الفوات.
ركن الإحرام كذلك لا يقل عنهما أهمية؛ لماذا؟ لأن الإحرام هو الدخول في النسك، هو الذي يفرق بين الحاج وبين غيره من الذين يبيعون في الحج، أو الذين يسوقون السيارات في الحج، أو غيرهم من عامة الناس الذين لا يعدون حاجين؛ يفرق بينهم الإحرام. إلا أن الإحرام يمكن أن نقول هو حالة، بعض الناس يعتبره شرطاً، وبعض الناس يعتبره ركناً، لا مشاحة إن شاء الله تعالى في الاصطلاح، لا نقول إنه ركن أو شرط واجب لا يتم الحج بدونه؛ لأنه هو النية. إذاً الواقف بعرفة لا يعتبر وقوفه صحيحاً إلا إذا كان محرماً ناوياً للحج. الطائف بالبيت لا يعتبر طائفاً بالبيت طوافاً صحيحاً إلا إذا كان محرماً بالحج ناوياً للحج، أما من دار على البيت مثلاً وهو يبحث عن طفل له، فهذا لا يسمى طوافاً؛ الطواف هو أن ينوي، وأن يوقع هذا الطواف وهو في حال النسك، في حال الإحرام بالحج.
الطواف بالبيت، قال الله سبحانه وتعالى فيه: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29]. هذه الآية الشريفة الكريمة دلت على عدد من المسائل؛ أول شيء ركنية الطواف بالبيت وأنه هو مقصود الحج. ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج: 27-28]. لما أكمل إبراهيم عليه السلام بناء البيت، أمره الله بالنداء للناس في الحج، فقال: يا رب، وما يبلغ صوتي؟ يعني إذا ناديت الناس: أيها الناس إن الله كتب عليكم الحج فحجوا، ما عساه يبلغ صوتي؟ سيبلغ صوتي الجبل هذا، وإن ذهب بعيداً فهو إلى الجبل الثاني أو الثالث. فقال الله سبحانه وتعالى: يا إبراهيم عليك النداء وعلينا البلاغ. فنادى إبراهيم عليه السلام: أيها الناس، إن الله كتب عليكم الحج فحجوا. ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا * وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 97].
نادى إبراهيم عليه السلام هذا النداء، ولا شك أن الله سبحانه وتعالى قد بلغه أتم البلاغ، البلاغ العظيم، البلاغ في القلوب والأفئدة، فتجد أن القلوب والأفئدة تهوي إلى البيت العتيق؛ هم نيتها الوصول إلى البيت العتيق. تجد أن الإنسان بالفعل يتعب ويجهد في مشارق الأرض ومغاربها ويجمع المال حتى يصل إلى البيت العتيق، ويصيح من هذا الفج العميق ينادي: لبيك اللهم لبيك، يلبي هذا النداء ويجيبه إجابة بعد إجابة. لا شك أن حب البيت العتيق فطرة فطرت عليها القلوب، جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس، أن تقوم دينهم ومصالح دينهم على البيت العتيق.
بل إن صلاح العالم مرهون بهذا البيت العتيق؛ لأنه لا يتم صلاح الدين إلا بوجوده وقيامه، ولا صلاح للدنيا إلا بقيام الدين ووجوده، فإذا فسد الدين فسدت الدنيا والعياذ بالله، لذلك قال الله سبحانه وتعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ﴾ [المائدة: 97]، قياماً للناس أي تقوم به شؤون دينهم. لا شك أن الله سبحانه وتعالى فرض على عباده القدوم إلى هذا البيت العتيق مرة في العمر، وهو وجوب الحج مرة واحدة، فيجب على كل مسلم أن تطأ قدمه أرض مكة، وأن يطوف بهذا البيت العتيق، وقال الله سبحانه وتعالى عن هذا الوجوب: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: 97].
لذلك أيها الإخوة والأخوات، ينبغي علينا تعظيم ما عظمه الله سبحانه وتعالى؛ تعظيم شعائر الله، أن نستشعر عظمة هذا البيت، أن نستشعر حرمته. انظروا وتأملوا معي بعض الأحكام الشرعية المتعلقة بهذا البيت؛ الله سبحانه وتعالى شرع الطواف حوله، وجعل الصلاة فيه مضاعفة؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عن مسجده الشريف: «صلاة في مسجدي -مسجد النبي صلى الله عليه وسلم- تعدل ألف صلاة فيما سواه، إلا المسجد الحرام»، فكان المسجد الحرام الصلاة فيه أعظم من هذا القدر بكثير. هذا البيت إمام للمصلين يستقبله الناس جميعاً، إذاً هناك فرق بين المسجد الحرام الذي يستقبله الناس جميعاً، وفرق بين المساجد الأخرى التي تستقبل البيت العتيق. هناك فرق بين التابع والمتبوع، هناك فرق بين الرسول والمتبع، هناك فرق بين المسجد الحرام وغيره من المساجد. هذه المساجد كلها تستقبل البيت العتيق، في مشارق الأرض ومغاربها الناس كلهم يستقبلون هذا البيت العتيق.
الله سبحانه وتعالى جعل لهذا البيت العتيق حمى، حرماً، وهو حدود الحرم، لا يجوز فيها الصيد تعظيماً لهذا البيت، وجعل من أراد النسك لهذا البيت جعله في حال من التحريم، حال الإحرام، فيحرم من الميقات؛ والمواقيت حمى أبعد من حدود الحرم لمن أراد النسك. إذاً هذه كلها تحريمات يدخل المسلم فيها تهيئة نفسية له حتى يصل إلى البيت العتيق، بل إن من أهل العلم من قال إن الوقوف بعرفة ومغفرة الذنوب فيها شرع حتى تتحات ذنوب المسلم وخطاياه قبل القدوم على البيت العتيق، كما شرع الوضوء لتتحات ذنوب المسلم وخطاياه قبل أن يدخل في الصلاة، قبل أن يدخل في حالة الاتصال بالله سبحانه وتعالى. إذاً هذه كلها في حقيقة الأحكام الشرعية تدلنا على عظمة الطواف وأهمية الطواف والعبودية لله سبحانه وتعالى بالطواف بالبيت العتيق.
أجمع أهل العلم أن طواف الإفاضة، طواف ركن الحج، لا يكون إلا بعد الوقوف بعرفة، وأخذوا هذا الإجماع من قول الله سبحانه وتعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29]. وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن قضاء التفث لا يكون إلا بالوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة، كما جاء في حديث عروة بن مضرس رضي الله تعالى عنه قال: «من أدرك صلاتنا هذه، وقد وقف بعرفة قبل ذلك ليلاً أو نهاراً، فقد تم حجه وقضى تفثه»، إذاً لا يتم إلا بعرفة ومزدلفة. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29]، إذاً الطواف بالبيت العتيق لا يكون إلا بعد عرفة ومزدلفة.
نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن الركن الثالث من أركان الحج، ألا وهو ركن الطواف بالبيت العتيق، طواف الإفاضة: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 29]. وفي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن صفية بنت حيي حاضت في الحج، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «حابستنا هي؟» فقيل يا رسول الله إنها قد أفاضت، أي أنها قد طافت طواف الإفاضة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «فلتنفر». إذاً هذا الحديث دلنا على أن طواف الإفاضة ركن من أركان الحج لا يتم الحج إلا به، ومما يدل على ذلك كما ذكرنا أن حقيقة الحج ومقصوده وتعريفه هو القدوم إلى البيت، هو قصد البيت الحرام، فكيف لا يقال بركنية طواف الإفاضة؟ والأمر الرابع -فوق الآية والحديث والتعريف اللغوي والحقيقة المقصود- هو إجماع علماء المسلمين أن طواف الإفاضة ركن من أركان الحج، بل هو الركن الأساس والمقصود الأعظم.
هنا عدد من المسائل المتعلقة بطواف الإفاضة. أول مسألة: في وقت طواف الإفاضة، نقول إن وقته يبدأ بعد منتصف ليلة النحر، وهذا الوقت يشترط أن يكون قبله قد وقف بعرفة وبات بمزدلفة ثم انصرف، فبعد انصرافه من مزدلفة في الوقت المشروع -انصرافه من مزدلفة بعد منتصف ليلة النحر- يشرع له الذهاب إلى البيت العتيق لأجل الطواف.
ما هو آخره؟ نقول آخره لا حد لآخره، ولكن الأفضل حقيقة له أن يوقعه في شهر ذي الحجة، الأفضل له ألا يؤخره عن شهر ذي الحجة؛ لأنه هو الشهر ختام الأشهر التي قال الله سبحانه وتعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: 197]، لا يستحب للإنسان حقيقة أن يؤخر شيئاً من أعمال الحج ومناسكه بعد شهر ذي الحجة. ذلك نقول للإنسان: إن كان يمكنك أن تطوف في يوم النحر فهذا لا شك أنه هو الأكمل والأتم، سياتينا إن شاء الله تعالى، لكن إن لم تستطع ففي الإمكان أن تؤخره يوماً أو يومين أو ثلاثة إلى شهر ذي الحجة، ولا ينبغي للإنسان أن يؤخره عن شهر ذي الحجة إلا إذا كان هناك عذر، ولكن إذا أخره فإنه قد أوقعه في وقته الصحيح.
المسألة الثالثة بعد الحديث عن ركنيته ووقته: ما هو الوقت المستحب له؟ الوقت المستحب له أن يوقعه الإنسان في يوم النحر، مثل ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفاض إلى البيت ضحى يوم العيد، كما جاء في حديث ابن عمر وحديث جابر رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، بعد أن رمى صلوات الله وسلامه عليه ونحر هديه وحلق رأسه اتجه إلى البيت العتيق فطاف طواف الإفاضة. إذاً أفضل وقت له هو في يوم النحر، وهو في الحقيقة أفضل بكثير من أن يقوم به الإنسان في ليلة النحر؛ لأن هذا من أعمال يوم النحر، وهو أفضل بكثير ممن أخره بعد غروب شمس يوم النحر. لماذا أيها الإخوة؟ يوم النحر هو أفضل الأيام عند الله، كما جاء في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم: «أفضل الأيام عند الله يوم النحر»، هذا أولاً. ثانياً: يوم النحر هو ختام عشر ذي الحجة، كون الإنسان يوقع الطواف في يوم النحر -أفضل الأيام عند الله سبحانه وتعالى- كون الإنسان يوقع الطواف في عشر ذي الحجة التي قال فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من عشر ذي الحجة». هذه الأيام العشر أقسم الله سبحانه وتعالى بها في قوله: ﴿وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ [الفجر: 1-2]، هذه الأيام أيام مباركة فاضلة.
يؤخرون طواف الإفاضة مع الوداع يومًا، أو يطوفون يوم 11، أو يطوفون يوم 12، أو يطوفون يوم 13، أو يؤخرونه إلى آخر ذي الحجة. ولماذا؟ لأجل الكسل، أو لأجل أنهم يقولون ثمة ازدحام. لا؛ الإنسان كونُه يوقع الطواف في هذا الوقت الفاضل لا شك أنه مأجور أجرًا عظيمًا عند الله سبحانه وتعالى.
تدرون مثل حال هذا الذي يؤخر، حالُه مثل ماذا؟ مثل الشخص الذي سافر إلى مكة يريد أن يأخذ عمرة في رمضان، فوصل إلى مكة مثلًا يوم 29 رمضان صباحًا، فلما وصل إلى مكة متعبًا من السفر، قال: أنا سوف أؤجل العمرة هذه التي سآخذها، سأؤجلها إلى يوم العيد، عيد شوال، أو ثاني شوال سآخذها. نقول: يا أخي، أنت ما قدمت أصلًا إلا لتدرك عمرة رمضان؛ لتصيب قول رسول الله ﷺ: «عمرة في رمضان تعدل حجة معي». فالآن يوم جئت لما وصلت إلى مكة تقول: خلاص أنا متعب سأؤخرها ثاني العيد! هذا هو حال الذي يؤخر طواف الإفاضة عن يوم النحر.
يوم النحر أفضل الأيام عند الله؛ يوم النحر أفضل من أيام رمضان، وعشر ذي الحجة أفضل من رمضان، بل هي أفضل من العشر الأواخر في رمضان. كون الإنسان يوقع طوافه في هذه الأيام الفاضلة هذا أفضل، ولا يؤخره إلى طواف الوداع، ولا يؤخره يوم 11 ولا 12 ولا 13، ولا يؤخر ذي الحجة. لا شك أنه فوّت أجرًا عظيمًا، صار أسوأ حقيقة ممن جاء إلى مكة يبغى يأخذ عمرة يوم 29 رمضان، ثم قال: سأؤخرها ثاني العيد ولا ثالث العيد. الذي يؤخر طواف الإفاضة أسوأ منه.
فلذلك أنا أوصي حقيقةً نفسي أولًا، وأوصي إخواني وأخواتي ثانيًا، أن يحرصوا على سنة رسول الله ﷺ في إقامة طواف يوم النحر في هذا اليوم الفاضل الشريف، الذي هو أفضل الأيام عند الله سبحانه وتعالى. كون الإنسان في هذا اليوم لا يضيعه في النوم؛ وإن كان هو ربما يكون متعبًا الحاج من الوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة، ربما أنه ما نام جيدًا في المبيت بمزدلفة بسبب الازدحام أو أصوات السيارات أو غيرها، فيقول: خلاص بنام يوم العيد. لا يا أخي، تحمل على نفسك قليلًا، وطف طواف الإفاضة في يوم النحر. أوقعه في هذا اليوم الفاضل، أدرك هذه الأجور العظيمة، أدرك هذا اليوم الفاضل ولا تضيع نفسك؛ فإنك ما قدمت من بلدك إلا وأنت تريد الأجر من الله سبحانه وتعالى؛ فسارعوا إلى مغفرة من ربكم، سارعوا إلى مغفرة الله ورحمته.
من المسائل المتعلقة به: أن الطواف لا يصح إلا في المسجد، فلا يجوز ولا يصح من الإنسان أن يطوف خارج المسجد، وهذا بفضل الله سبحانه وتعالى مسألة -إن شاء الله تعالى- غير موجودة في أيامنا هذه، ولكن هذا من التنبيه.
كذلك من المسائل المتعلقة به: أن الطواف يشرع للمسلم أن يطوف وهو على طهارة؛ لأن الطواف مرتبط بالبيت العتيق، وأشبه الصلاة، فكون الإنسان يكون على طهارة لا شك أن هذا أتم وأكمل. إلا أننا نقول إن طهارة الوضوء ليست بشرط في الطواف؛ فلو أن إنسانًا طاف مثلًا وخرج منه ريح، أو في أثناء الطواف أحدث أو شيء من هذا، فإننا نقول إنه يصح له أن يكمل طوافه؛ لأن الإنسان أحيانًا قد يتعسر عليه أن يخرج، أحيانًا يكون هناك ازدحام في طواف يوم النحر، أو أحيانًا في طواف الإفاضة، أو في طواف الوداع؛ يكون هناك ازدحام، لو خرج الإنسان ورجع ربما يقضي ساعات حتى يخرج ويرجع بسبب الازدحام الموجود في الطواف في أيام الحج. فلذلك الصحيح -والله تعالى أعلم- أن نقول إنه ليس بواجب، ولكن من أراد أن يحرص ويتم، يأخذ الأتم والأكمل، فلا شك أن حرصه على طهارة الوضوء أتم وأكمل. سنتحدث إن شاء الله تعالى عن طهارة الحيض والنفاس ولكن بعد هذا الفاصل القصير.
نعود إليكم بعد هذا الفاصل، ونتابع حديثنا معكم عن الطواف بالبيت العتيق. فقلنا أن الأتم والأكمل أن يكون الإنسان على طهارة الوضوء، وأما طهارة الحيض والنفاس فهي طهارة واجبة؛ لا يجوز للحائض والنفساء أن تطوف بالبيت العتيق، ولا يجوز لها أن تدخل المسجد، فالمسجد لا يحل لحائض ولا جنب، بل يجب على الإنسان أن يكون متطهرًا من الحدث الأكبر قبل دخوله إلى أي مسجد، فضلًا عن أن يكون المسجد الحرام. لا شك أن المسجد الحرام ينبغي أن يكون له تعظيم أشد وأتم وأكمل.
إلا أن المرأة الحائض أو النفساء التي تخشى فوات رفقتها؛ كانت حائضًا مثلًا، نفترض أنها حاضت في يوم عرفة، فنقول لها لا تطوفي يوم النحر، وانتظري إلى يوم 11 أو 12 أو 13 أو بعد ذلك. فإن وجدت أن رفقتها مثلًا تذاكر سفرها قد اقتربت، وستذهب رفقتها مثلًا إلى بلد بعيد في مشارق الأرض أو مغاربها، ويتعسر عليها أو يتعذر أن تقدم مرة أخرى، فتطوف طواف الإفاضة؛ فإننا نقول في هذه الحالة فقط، في حال الضرورة القصوى، فإنه يجوز لها أن تطوف بالبيت ولو كانت حائضًا أو نفساء إذا كانت مضطرة إلى ذلك.
بهذه الضوابط؛ أنها تكون مثلًا من خارج المملكة، لا تستطيع أن تقدم مرة أخرى إلا بتأشيرات وجوازات، لا تدري هل تحصل لها أم لا تحصل لها، لأنه الآن لو لم نفتها بالطواف فمعنى ذلك أن سوف تفوتها، ليست محصنة، بل نقول والله تعالى أعلم إنه يصح طوافها وترجع إلى بلدها. أما إذا كانت هذه المرأة من داخل حدود المملكة العربية السعودية، ويمكنها القدوم إلى مكة بعد ذلك وإن كان في مشقة عليها، فلا نبيح لها ارتكاب هذا المحرم؛ ولا يجوز إلا في حق المضطر.
فلذلك نقول للمرأة التي قدمت من داخل السعودية مثلًا، متيسر لها القدوم مرة أخرى، لا تحتاج إلى التأشيرات والجوازات وغيرها، فإنها تقدم إلى البيت مرة أخرى إذا اضطرت للسفر مع رفقتها، تقدم مرة أخرى بعد أسبوع، بعد أن تطهر وتطوف طواف الإفاضة. ولا تعتبر متحللة التحلل التام؛ يحرم عليها الجماع حتى تطوف طواف الإفاضة. لكن إذا كان بالفعل هناك ضرورة؛ بمعنى أن المرأة مثلًا قدمت من خارج البلاد السعودية وتذاكرها ستنتهي، ورفقتها سوف تسافر، في هذه الأحوال فقط الخاصة بالضرورة نجيز للمرأة أن ترتكب هذا المحرم حتى يتم حجها، ويصح، نقول لها لا مانع من أن تدخلي المسجد وأنت حائض وتطوفي في حال الضرورة القصوى. وأما في غير حال الضرورة القصوى فلا يجوز للحائض أن تدخل إلى المسجد أصلًا، كما لا يجوز للجنب أن يدخل إلى المسجد.
من المسائل المتعلقة بالطواف: أن الطواف يكون بالدوران على البيت سبعًا، بحيث يكون البيت عن يساره، يبدأ من الحجر الأسود وينتهي بالحجر الأسود. لا يجوز الطواف من داخل الحجر، حجر إسماعيل؛ لأن هذا الحجر من البيت، ولكن يطوف الإنسان من خارج الحجر. يشرع في الطواف أن يستلم في بداية الشوط الحجر الأسود ويقبله، أو يستلمه بيده فيقبل يده، أو يستلمه بشيء معه فيقبل هذا الشيء، أو أن يشير إليه ويكبر. وسوف نذكر إن شاء الله تعالى سنن الطواف وما يتعلق به عند حديثنا عن صفة الحج؛ الرمل والاضطباع، متى يكون، والقرب من البيت وما يتعلق به من الأحكام. كذلك سوف نتحدث إن شاء الله تعالى في ذلك الحين عن صلاة ركعتي الطواف، كل هذا إن شاء الله سوف نذكره في باب صفة الحج. ولكن الآن يهمنا أن نتبين أن الطواف ركن، كيف يتم هذا الركن، ما هو وقت الركن، ما هو الوقت المستحب الفاضل فيه، ما هي الشروط التي تشترط في هذا الطواف، والواجبات الواجبة فيه.
بعد ذلك نريد أن نتحدث عن السعي بين الصفا والمروة؛ السعي بين الصفا والمروة بعض أهل العلم اعتبره ركنًا من أركان الحج، فيكون عندهم الركن الرابع من أركان الحج. والصحيح -والله تعالى أعلم- أن السعي بين الصفا والمروة واجب من واجبات الحج، لا يرقى إلى مستوى الركنية، والعلماء بعضهم اعتبر السعي ركنًا وبعضهم اعتبره واجبًا وبعضهم اعتبره سنة ولم يعتبره واجبًا ولا ركنًا. والصحيح -والله تعالى أعلم- أن السعي واجب من الواجبات التي تجبر بدم، والصفا والمروة شعيرتان من شعائر الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: 158].
حتى يصح السعي فإنه ينبغي أن يكون سبعة أشواط، تبتدئ بالصفا وتنتهي بالمروة، من ابتدأ بالمروة فإن الشوط الأول يعتبر لاغيًا، ونقول إن الشوط الأول في حقك هو الذي بدأت فيه من الصفا؛ هذا الشوط الذي يعتبر، وأما إذا بدأ الإنسان من المروة فإنه لا يعتبر؛ لأن رسول الله ﷺ بدأ من الصفا وقال: «ابدؤوا بما بدأ الله به»، وفي الرواية الأخرى: «ابدؤوا بما بدأ الله به». كذلك حتى يصح سعيه فإنه لا بد أن يقع بعد طواف صحيح، طواف نسك صحيح؛ يعني أن يكون السعي بعد طواف القدوم، أو أن يكون السعي بعد طواف الإفاضة، أو أن يكون السعي بعد طواف الوداع. إذا هذا مما يدل على وجوب السعي ويدلنا على شروطه المشترطة فيه.
هناك في السعي عدد من السنن سوف نذكرها إن شاء الله تعالى في حديثنا المتعلق بصفة الحج والعمرة؛ فمثلًا من السنن المشروعة فيه الخبب، وهو أن يسرع الإنسان خطاه في السعي وأن يجري فيه، أو أن يهرول هرولة سريعة فيه بين العلمين الأخضرين؛ هذين العلمين الأخضرين هما وادي كان يمر ويقطع المسعى. وبالمناسبة، المسعى كان خارج المسجد الحرام، كان خارج المسجد الحرام، الآن اتصل بأن فيه المسجد، الآن اتصل بنيانه، لكن بحكم أنه مشعر مستقل يفصله عن المسجد أبواب، فإن الصحيح -والله تعالى أعلم- أنه يجوز للحائض والنفساء أن تسعى في المسعى بين الصفا والمروة، يجوز عذرًا أن تسعى في المسعى بين الصفا والمروة؛ إلا أنه لا يجوز لها أن تدخل المسجد على التفصيل الذي ذكرناه في مسألة طواف الحائض والنفساء، وأن الأصل أنه لا يجوز لها أن تدخل إلى المسجد.
هذا ما يتعلق بالسعي. نلخص أركان الحج فنقول إن أركان الحج هي: الإحرام، والوقوف بعرفة، والطواف، وبعض أهل العلم زاد السعي، والصحيح -والله أعلم- أنه واجب وليس ركنًا من أركان الحج.
فيما يتعلق بالطواف مع السعي؛ السعي متمم للطواف، لذلك قلنا إن السعي يكون بعد طواف صحيح. هل يلزم الموالاة؟ بمعنى أن يكون بعده مباشرة؟ نقول: نعم يلزم الموالاة، أن يكون بعده مباشرة. والطواف يلزم فيه الموالاة، والسعي بين أجزائه يلزم فيه الموالاة، بمعنى أنه لا يفصل بينها فاصل طويل عرفًا. كيف فاصل طويل عرفًا؟ يعني لا يجوز له أنه يطوف شوطين أو ثلاث أشواط ثم يخرج إلى غرفته مثلًا فينام ويأتي بعد ساعتين أو ثلاث ساعات أو أربع ساعات ويطوف الأشواط الباقية، لا، نقول: أعد الطواف؛ لا بد أن يكون الطواف متتابعًا.
كذلك السعي لا بد أن يكون وحدة متكاملة؛ الفاصل القصير لا يضر، سواء كان في الطواف أو في السعي. كيف الفاصل القصير؟ بمعنى مثلًا فاصل صلاة؛ أقيمت الصلاة فصلى مثلًا، أو أنه احتاج لوضوء فتوضأ، أو خرج ليأكل شيئًا يسيرًا ورجع؛ لا بأس إذا كان هذا الفاصل قصيرًا عرفًا. أما إذا طال هذا الفاصل، ذهب إلى حجرته ونام مثلًا، أو رجع ذهب إلى بيته ورجع في وقت آخر، هذا لا يعتبر، أو أن ذهب إلى بلده ورجع يكمل، نقول: لا، ما دمت ذهبت ورجعت، أكمل أو ابدأ سبعة أشواط من جديد. كذلك في المسعى ابدأ سبعة أشواط من جديد.
هذه المسائل المتعلقة بالطواف وبالسعي، السعي لا تشترط فيه الطهارة. ومناسك الحج يشرع للإنسان أن يكون فيها على طهارة، إلا أننا قلنا إن السعي أو المسعى خارج المسجد وتسعى فيه الحائض والنفساء.
ذكرنا أنه يجوز أن تسعى في الحيض بخلاف الطواف؛ لا يجوز لها أن تدخل الطواف، حيث اشترطنا أن يكون داخل المسجد، وبالتالي الحائض والنفساء لا يجوز لهما أن تدخلا فيه. لكن الطهارة عموماً، سواء كان من الجنابة، ذكرنا أنها واجبة في الطواف وغير واجبة في السعي، والطهاره من الحدث الأصغر مستحبة في الطواف ومستحبة في السعي. هذه ما يتعلق بالأحكام المرتبطة بالطواف والسعي.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن ييسر لنا وإياكم حج بيته الكريم، ويتمم لنا هذا النسك، ويجعلنا ممن يقيمه على وفق سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. سوف نأخذ إن شاء الله تعالى في لقاءاتنا القادمة ما يتعلق بواجبات الحج والعمرة. نسينا أن ننبه إلى فقرة مهمة وهي أن أركان العمرة هي الإحرام والطواف، وبعض أهل العلم زاد السعي، والصحيح أنه واجب في العمرة كما هو واجب في الحج. نقف عند هذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي