تسجيل الدخول

المحاضرة 29 - الفقه - المستوى الثالث - د.منصور الغامدي - شعيرة الهدي، وأحكامها - برنامج أكاديمية زاد

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علما. اللهم هيئ لنا من أمرنا رشدا، وآتنا من لدنك توفيقا وسدادا وصوابا. اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمنا، اللهم يا مفهم سليمان فهمنا.

إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس التاسع والعشرون من سلسلة دروس الفقه في الفصل الدراسي الثالث في أكاديمية زاد، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس قائلها وسامعها، وأن يجعلها من العلم الذي يكون حجة لنا لا حجة علينا. إخواني وأخواتي، كنا قد تحدثنا في عدد من الدروس السابقة عن صفة الحج، وختمنا صفة الحج ببيان طواف الإفاضة وطواف الوداع في درسنا السابق، ونريد أن ننبه هنا بعد تمام طواف الإفاضة وطواف الوداع وأعمال الحج من وقوف ومبيت ورمي وغيرها إلى عدد من التنبيهات.

أولها: طواف الإفاضة هل يشرع للإنسان فيه الاضطباع أم لا يشرع؟ قد ذكرنا أن التحلل يقع قبل طواف الإفاضة، لذلك الحاج يذهب إلى طواف الإفاضة وهو ليس محرما أصلا، وإنما يذهب بثوبه الذي يلبسه المعتاد، لذلك لا يقال إن الاضطباع فيه سنة. الاضطباع هو سنة في طواف العمرة أو في طواف القدوم، الطواف الذي يطوفه الإنسان حال إحرامه، أما طواف الإفاضة وطواف الوداع فإن الحاج يطوفه حال إحلاله، أي حال كونه حلالا وليس حال كونه محرما.

المسألة الثانية: طواف الإفاضة الظاهر والله تعالى أعلم أنه لا يشرع فيه رمل، أي لا يشرع فيه إسراع في الخطى في الأشواط الثلاثة الأولى، وإنما الرمل والاضطباع سنتان في طواف العمرة وفي طواف القدوم في الحج.

تنبيه ثالث: هناك من يتساهل بمسألة التوكيل في الرمي، وفي الحقيقة التوكيل في الرمي أو التوكيل في مشاعر الحج ومناسكه لا ينبغي أن يكون إلا عند الاحتياج إليه والعذر، أما إذا لم يكن لدى الإنسان عذر فينبغي له أن يقوم بفرائض حجه ونسكه بنفسه.

التنبيه الرابع: بعض الناس ربما انصرف إلى طواف الوداع ووكل في الرمي في اليوم الثاني عشر مثلا، يريد أن يطوف ولم يرمِ بعدُ، والتوكيل في الرمي يكون لوكيله. طواف الوداع لا يشرع للإنسان ولا يبدأ وقته إلا بعد تمام النسك. إذا طواف الوداع له وقت ابتداء، ما هو وقت بدايته؟ هو إتمام نسكه بالرمي والمبيت وغيرها من المناسك، أما إذا كان قد بقي عليه رمي فلا يسمى هذا طواف وداع. بل إذا طاف ثم تبين له أن وكيله قد رمى بعد ذلك، فإن عليه أن يودع مرة أخرى.

كما أننا نقول في حق من ودع ثم بقي بعد وداعه فترة طويلة قاطعة دون عذر، دون انتظار رفقة ولا شيء من هذا، وإنما كان يخطط مثلا أن ينصرف من مكة عصرا فطاف بعد الفجر ثم بقي في فندقه وبيته إلى العصر ثم انصرف، فهذا نقول له: أعد وداعك مرة أخرى قبل العصر، لماذا؟ لأنك قد بقيت بعده فترة طويلة بلا عذر. أما لو الإنسان انتظر رفقته أو اشترى الحاجات التي يحتاجها في سفره فهذا لا بأس به، لكن إذا اشترى أشياء تاجر بعدها أو بقي بعدها فترة طويلة في الفندق دون عذر ولا سبب، فإن عليه أن يعيد طواف الوداع حتى يكون الطواف بالبيت آخر عهده.

من المسائل المتعلقة بالتوكيل أنه لا يصح أن يكون الوكيل إلا حاجا. لو أن شخصا من غير أهل مكة مثلا وكل شخصا من أهل مكة، نقول: لا، لازم يكون هذا الشخص حاجا، لكن كون مثلا شخصا من غير أهل مكة ليس بحاج ويأتي ويرمي فقط الجمرات عن وكيله ثم ينصرف، نقول: لا، النسك لا يقوم به إلا حاج، فلا بد أن يكون الوكيل حاجا.

إذا كان الوكيل حاجا، هل يرمي عن نفسه أولا ثم يرمي عمن وكله؟ نقول: نعم، ارمِ عن نفسك أولا، ثم عن الأشخاص الذين وكلوه. هل يحتاج أن يرمي الجمرات الثلاث ثم بعد ذلك يرميها عمن وكله مرة أخرى؟ يعني بعد أن يرمي جمرة العقبة الكبرى يرجع من أول الجمرة الصغرى فيرمي عن الأشخاص الذين وكلوه؟ نقول: الظاهر والله تعالى أعلم أن هذا غير لازم، بل ارمِ عن نفسك الجمرة الأولى وهي الجمرة الصغرى بسبع حصيات، تكبر مع كل حصاة، ثم ارمِ عمن وكلك، سواء كان شخصا أو شخصين أو ثلاثة، أحيانا الشخص يتوكل عن اثنين أو ثلاثة، لا بأس بهذا إن شاء الله تعالى. فيرمي مثلا عمن وكله، أو أنه يرمي عن الأطفال الذين معه، فيشرع الرمي عن الصبيان، فرمى مثلا عن الطفل الأول سبع حصيات، ثم يرمي عن الطفل الثاني سبع حصيات، ولا يلزمه أن يأتي بالجمرات الثلاث ثم يرجع من أولها لكل شخص قد وكله، معنى هذا أنه سيرمي الجمرة الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى ثم يرجع للصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى، هذا غير لازم إن شاء الله تعالى.

بعض الناس قد يجمع رمي يومين إذا كان له عذر، وفي الحقيقة هنا تنبيه لإخواننا الحجاج وأخواتنا الحاجات: أن كونهم يجمعون الرمي أولى من كونهم يوكلون في الرمي. لنفترض أن شخصا ربما مريض، يستطيع أن يأتي الجمرة مرة واحدة لكن لا يستطيع أن يتحمل مثلا الزحام في كل يوم، نقول: الأولى في حقك أن تجمع رمي يومين في رمي مرة واحدة، أولى من كونك توكل في رمي يوم وترمي يوما، كونك أنت تتولى الرمي في اليومين فتجمع الرمي، رمي يومين ترميهما في يوم واحد، وتتولى رمي اليومين بنفسك، ولو كانت في يوم واحد، أولى من أنك توكل برمي اليومين كل في محله.

كيف صفة جمع الرمي؟ أن يرمي الجمرة الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى، ثم يرجع فيرمي الجمرة الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى، ولا يصح له أن يرمي الجمرة الصغرى ابتداء بأربع حصيات، ثم يرمي الجمرة الوسطى بأربع حصيات، ثم يرمي الجمرة الكبرى بأربع حصيات؛ ليش؟ لأننا نقول في واقع الأمر هنا لم يراعِ الترتيب، لا بد من الترتيب، لا بد من الترتيب في الرمي. ومثله نلزمه بإعادة الرمي لو رمى الجمرة الكبرى التي تلي مكة ثم الجمرة الوسطى ثم الجمرة الصغرى التي تلي مسجد الخيف، عكس الترتيب، نقول له: أعد رميك، الآن نحسب لك فقط الصغرى، ارجع مرة أخرى فارمِ الوسطى ثم الكبرى.

إذا من شروط الرمي أن يقع مرتبا، بمعنى أن تقع الصغرى أولا ثم الوسطى ثم الكبرى، أن تقع بهذا الترتيب. فحتى يقع هذا الترتيب إذا جمع الإنسان رمي يومين، فلا بد أن يرمي الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى ثم يرجع فيرمي الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى، بخلاف من توكل عن غيره، لا نلزمه بهذا الأسلوب؛ ليش؟ لأن من توكل عن غيره قد وقع الرمي مرتبا عن كل شخص، هو وقع له مرتبا الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى، ووقع عن الشخص الذي وكله مرتبا الصغرى ثم الوسطى ثم الكبرى، وهذا يتحقق بأن يرمي الجمرة الصغرى بسبع حصيات ثم الوسطى بسبع حصيات ثم الكبرى بسبع حصيات، سبع عنه والسبع الأخرى عن موكله، لا بأس بهذا.

لكن إذا كان سيرميه عن نفسه لأجل جمع رمي يومين، فإن عليه أن يرمي الصغرى بسبع ثم الوسطى بسبع ثم الكبرى بسبع، ثم يعود فيرمي الصغرى بسبع والوسطى بسبع والكبرى بسبع؛ لماذا؟ لأنه يرمي كل هذا الرمي عن نفسه. إذا لا بد أن يقع رمي اليومين مرتبا كما لو أقامه في كل يوم، ولكن هناك رخصة فقط في جمع العبادتين في وقت واحد. هذه بعض المسائل التي أحببنا أن ننبه لها فيما يتعلق بصفة الحج، فاصل قصير ونعود إليكم بعد الفاصل.

نعود إليكم بعد الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن صفة الحج والمسائل المتعلقة بها. كذلك من المسائل المتعلقة بالحج وهو أنه في أيام التشريق يباح التعجل ويستحب التأخر، إلا أننا نقول إن من أدركه غروب الشمس بمنى وهو في منى، إذا هذا الضابط الأول المكاني أنه في منى، الأمر الثاني أنه أدركه غروب الشمس، القيد الثالث أنه لم ينوِ التعجل ولم يشرع في الخروج من منى، فإن هذا الظاهر والله أعلم أنه يلزمه البقاء للتأخر إلى الثالث عشر. إذا من تعجل في يومين فلا إثم عليه، لكن من غربت عليه الشمس فإن عليه أن يبقى ويستأخر، إلا إذا كان غربت عليه الشمس في منى وهو قد حزم أمتعته ويريد الخروج ولكن ضاق عليه الوقت لأجل ازدحام السيارات أو شيء من هذا، فإن هذا معذور إن شاء الله تعالى ولو كان لم يخرج من منى.

هذه أهم وأبرز المسائل المتعلقة بصفة الحج التي بيناها وبينا ترتيبها، وقد بينا من قبل أركانها وواجباتها ومستحباتها، ما لم نذكره ضمن الأركان والواجبات فمعنى ذلك أنه من مستحبات الحج وسننه الواردة في الصفة، مثلا استلام الحجر الأسود هذا لم نذكره ضمن الأركان ولم نذكره ضمن الواجبات، فهذا معناه أنه من المستحبات في الحج، مثلا استلام الركن اليماني، كذلك نقول إنه من المستحبات. في الطواف، الرمل والاضطباع، هذه لم نذكرها ضمن الأركان ولا الواجبات، معنى ذلك أنها من المستحبات.

طيب، نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى موضوع آخر من موضوعات الحج، ألا وهو موضوع الثج، ما هو الثج؟ هو إراقة الدماء في الحج، ألا وهو موضوع الهدي والذبائح التي تذبح تقربا لله سبحانه وتعالى. إن من أعظم المناسك الموجودة في الحج إقامة عبادة النحر لله سبحانه وتعالى، وقد ذكرها الله سبحانه وتعالى ونص عليها في كتابه الكريم، فقال: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾، وقال: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: 28]. كل إنسان يذكر اسم الله سبحانه وتعالى على ما رزقه من بهيمة الأنعام، ينحر ويسمي باسم الله عليها، اسم الله سبحانه وتعالى لا شك أن هذا من العبادات التي يتعبد بها لله سبحانه وتعالى.

من أعظم العبادات التي تقام في الحج الهدي، أن يهدى بهيمة الأنعام إلى بيت الله الحرام، إلى الكعبة، إلى حرم الله سبحانه وتعالى، هديا بالغ الكعبة، كونه يهديها ويطعمها الفقراء والمساكين، لا شك أن هذا من أبلغ وأعظم العبادات لله سبحانه وتعالى. وهنا مسألتان، ألا وهو التفريق بين عبادة النحر لله سبحانه وتعالى أو الذبح لله سبحانه وتعالى وبين الصدقة باللحم. بعض الناس يتوهم أو يظن أن المقصود من عبادة النحر لله سبحانه وتعالى أو الذبح لله سبحانه وتعالى، المقصود منها الصدقة بلحمها. الصدقة بلحمها هذا وجه من أوجه العبودية لله سبحانه وتعالى، لكن النحر هو عبودية لله بحد ذاته، كون الإنسان يأخذ الكبش أو يأخذ البدنة ينحرها لله سبحانه وتعالى، يذبحها لله سبحانه وتعالى، هذا عبودية بحد ذاته، عبودية أنه أراق الدم في الوقت الذي شرعه الله، في المكان الذي شرعه الله، على الصفة التي شرعها الله سبحانه وتعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، كونه ينحر ويسمي باسم الله سبحانه وتعالى، هذا هدي صحيح مجزئ، وهو شعيرة يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى. هذا كونه يمر السكين أو الشفرة على نحر هذه الذبيحة التي يذبحها لله سبحانه وتعالى تقربا إلى الله، هذه عبودية، يتعبد بها، حتى أهل الأوثان لأوثانهم، يعني كونهم فقط يمرون الشفرة هذه كون...

الإنسان حين يذبح لصنم فهذه عبودية لذلك الصنم، والعياذ بالله شرك؛ صرف هذه العبادة لغير الله فكانت شركاً والعياذ بالله. لذلك التقرب إلى المعبود بالنحر والذبح عبودية. في الأثر قيل لذلك الشخص: قرب ولو ذباباً. فقرب ولو ذباباً، أي انحر شيئاً لملكهم، فنحر ذباباً فأشرك بالله سبحانه وتعالى. هذا لا شك أنه نوع من العبودية؛ كون الإنسان ينحر شيئاً لله سبحانه وتعالى يتقرب إلى الله.

هذه مسألة مهمة؛ بعض الناس يتوهم أن المراد فقط الصدقة باللحم، أنه يشتري مثلاً لحماً ويتصدق به، لا، هذه صدقة إن شاء الله تعالى مقبولة وحسنة، ولكن هذه غير عبادة الأضحية والنحر. إذاً عندنا عبوديتان ينبغي لنا التنبه للفرق بينهما: عبودية النحر وإراقة الدم لله سبحانه وتعالى، والعبودية الثانية هي عبودية الصدقة باللحم. كل إنسان يشتري لحماً يتصدق به، كل إنسان ينحر في بلده نحراً، مثلاً ذبيحة لبيت وأكل من بعضها وتصدق ببعضها، هذا إن شاء الله تعالى طيب وحسن، لكن عبودية النحر لله سبحانه وتعالى والذبح لله سبحانه وتعالى هذه تقع، وشكلها هو الأضحية والهدي. الأضحية تشرع لغير الحاج، والهدي يشرع للحاج.

دعونا نتكلم عن الهدي، وسنعقد إن شاء الله تعالى حديثاً عن الأضحية. الهدي الذي يذبح لله سبحانه وتعالى لا شك أنه من مقاصد الحج العظيمة، التعبد لله سبحانه وتعالى بإراقة الدماء. لذلك نلحظ حقيقة أن كفارات الحج كلها فيها النحر لله سبحانه وتعالى، مثلاً في فدية الأذى فيها ذبح شاة، أو صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين. في جزاء الصيد الله سبحانه وتعالى قال: ﴿فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: 95]، أن ينحر من بهيمة الأنعام ويذبح من بهيمة الأنعام الشيء المشابه للشيء الذي صاده.

في الجماع ينحر بدنة إن كان قبل التحلل الأول، وإن كان بعد التحلل الأول فنحر أو يذبح شاة. هذه كلها في كفارات الحج. في الإحصار ينحر هدياً، وفي الفوات ينحر هدياً. لاحظوا الآن كل هذه فيها هدي مع أنها جبر لعمل في الحج. من ترك واجباً من واجبات الحج، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنه: من ترك من نسكه شيئاً فعليه دم. التمتع ما الواجب فيه؟ ﴿فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: 196]، وكذلك في حق القارن. إذاً نلاحظ أن الحج مرتبط بعبادة النحر لله سبحانه وتعالى ارتباطاً وثيقاً.

لاحظوا أن هذا الارتباط مثلاً غير موجود في الوقاع في نهار رمضان؛ ما هو الواجب فيمن جامع أهله في نهار رمضان؟ نقول إنه يبطل صومه وعليه القضاء وعليه الكفارة المغلظة. في كفارة الفطر ما هي الكفارة المغلظة؟ أن يعتق رقبة، أو أن يصوم شهرين متتابعين، أو أن يطعم ستين مسكيناً، طبعاً على الترتيب، أن يعتق، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً. كذلك كفارة الظهار، أو في دية القتل الخطأ، نقول الواجب فيها إبل تدفع. الشاهد أيها الإخوة أن الحج في كفاراته وما يحصل فيه من جبر لخلل موجود، أو التمتع فيه أو القران، مرتبط بالنحر لله سبحانه وتعالى.

هذا في الحقيقة يدعونا للتأمل في عظيم التعبد لله سبحانه وتعالى بنحر الهدي وذبحه تقرباً إليه سبحانه وتعالى في منسك الحج. وكذلك غير الحاج يشرع له الأضحية في هذه الأيام المعلومات، كما قال الله سبحانه وتعالى، يوم العيد ويومان بعده، هذه هي الأيام المعلومات التي يشرع فيها النحر لله سبحانه وتعالى سواء كان هدياً أو أضحية، سنأتي إن شاء الله تعالى على أحكامها لاحقاً.

أمانة يجب أداؤها وإتمامها؛ إنها الوظيفة. فمن صفات المؤمنين ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: 8]. فعلى الموظف إتقان عمله، قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه»، ويلتزم بمواعيد الدوام بداية ونهاية، ولا يتغيب عنه إلا لعذر قاهر. وليحافظ على أسرار الوظيفة وخصوصيات جهة العمل، وعلى الأجهزة والأدوات التي في محل عمله، ولا يفسد شيئاً منها، قال تعالى: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة: 64]. وينفذ أوامر مديره فيما ليس بمعصية، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: 59].

ويراقب الله تعالى في وظيفته ولو كان مديره لا يرى، قال صلى الله عليه وسلم في تفسير الإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك». وعليه احترام زملائه والتعاون معهم، وإفادة الموظفين الجدد بخبراته، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2]. وليكن بشوشاً ليناً رفيقاً مع مراجعيه، ويقضي لهم حوائجهم، قال صلى الله عليه وسلم: «خير الناس أنفعهم للناس». وليحذر من الرشوة ولو سموها أو إكرامية، قال صلى الله عليه وسلم: «لعن الله الراشي والمرتشي». وليعلم الموظف أنه مسؤول يوم القيامة عن عمله، قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: 92-93].

نعود إليكم ونتابع حديثنا معكم عن أحكام التقرب إلى الله سبحانه وتعالى بالهدي في مناسك الحج. ذكرنا أنه من أجلِّ العبادات والقربات في هذه الشعيرة وفي هذا المنسك، حج بيت الله الحرام، وقد ذكره الله سبحانه وتعالى في مقاصد الحج، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: 27-29].

إذاً لا شك أن من مقاصد الحج -وهذا في الحقيقة ملحوظ في كفارات الحج وفي جبره وفي هديه- في الفوات والإحصار، في التمتع والقران، في كفارة الأذى، في جزاء الصيد، في الواجب في حق الجماع سواء كان قبل التحلل أو بعده، كلها الواجب فيها دماء. طيب، نقول إن الهدي الذي ينحر حقيقة له أنواع؛ إما أن يكون هدي شكران، وإما أن يكون هدي جبران. هدي الشكران هو الهدي الواجب على المتمتع والقارن، والمستحب على المفرد. هذا الهدي ينحر لله سبحانه وتعالى في يوم النحر أو يومين بعده شكراً لله سبحانه وتعالى.

يشرع للمسلم أن يأكل فيه من ذبيحته وأن يتصدق، ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: 28]، وفي الآية الأخرى ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ [الحج: 36]، ﴿كَذَٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾ [الحج: 36-37]. إذاً العبودية لله سبحانه وتعالى بالنحر ليس المقصود منها أن هذه اللحوم أو الدماء كلها تطعم للفقراء والمساكين، لا، وإنما المقصود هو إراقة الدم لله، وقد أباح الله سبحانه وتعالى برحمته وفضله على عباده أن يأكلوا منها، وأن يطعموا البائس الفقير، وأن يطعموا القانع والمعتر، أن يطعم الفقراء منها.

هذا في الحقيقة يقودنا إلى مسألة، وهو استحباب الأكل من هدي التمتع والقران والإفراد. هدي التمتع والقران هدي واجب، الإفراد هدي مستحب، إلا أني أوصي نفسي وإخواني ممن أفرد أو سيفرد، بالنسك على المتمتع والقارن، لكن المفرد يشرع له الهدي، وأوصي نفسي وإخواني أن نحرص على هذه السنة. النبي صلى الله عليه وسلم ساق إلى البيت مائة بدنة، الواجب القدر الواجب منها سبع بدنة، يعني بدنة واحدة تجزئ عن نسك الرسول صلى الله عليه وسلم، وسبعة كذلك معه قارنين أو متمتعين، لكن لماذا ساق النبي صلى الله عليه وسلم إلى البيت مائة بدنة؟ تعظيماً للبيت، تعظيماً لهذه الشعيرة، تعبداً لله سبحانه وتعالى بالنحر له سبحانه وتعالى. لا شك أن الله سبحانه وتعالى يحب هذه العبادة في هذا المقام، في هذا المكان، في هذا الوقت، ولا شك أنه داخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أفضل الحج العج والثج»، العج رفع الصوت بالتلبية، والثج هو إراقة الدماء.

إذاً هذا المستحب الأول، أن يأكل الإنسان منها. الثاني، أن يتولى ذبحها بنفسه. الثالث من المستحبات كذلك أن يكون -إن لم يتيسر له أن يذبح بنفسه- حاضراً وقت ذبحها. الرابع أن يجمع بين الأكل منها والإطعام، فلا يأكلها كلها ولا يطعمها كلها. وأهل العلم يقولون إنه يجب عليه أن يطعم منها ولو شيئاً يسيراً، ولو قدر أوقية منها، لكن لو أكلها كلها خالف قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾. نقول لا بد من أن يطعم منها الفقراء والمساكين لو شيئاً يسيراً، ولا مانع أن تأكل. النبي صلى الله عليه وسلم لما نحر عدداً كبيراً من البدن لله سبحانه وتعالى، أمر من كل بضعة منها، أخذ منها لحمة وطبخها في قدر وشرب من مرقها وأكل من لحمها، لماذا؟ ليجمع النبي صلى الله عليه وسلم بين أكله من هذه الهدايا كلها، تطبيقاً لقول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾.

هذه المسائل المتعلقة بالنحر، كذلك من المسائل المتعلقة بها ألا يعطي الجازر من جزارته شيئاً منها؛ أي ألا يدفع بعضها أجرة عن الجزارة، ليش؟ لأن هذه كلها لله سبحانه وتعالى، أما أن ينتفع هو منها أو يطعم منها، أما أنه يدفع منها أجرة جزارته، فهذا معناه أنه نقص ما قدمه لله سبحانه وتعالى. ينبغي أن يقدم لله سبحانه وتعالى هذه الذبيحة كاملة، أن تذبح لله سبحانه وتعالى كاملة دون أن ينقص منها شيء، لذلك لا يباع منها شيء، أما أن ينتفع منها وإما أن يتصدق بها. الله سبحانه وتعالى أباح لعباده أن ينتفعوا منها وأن يتصدقوا بها، لكن كون الإنسان يأخذ شيئاً من لحمها أو يأخذ مثلاً صوفها أو يأخذ شيئاً من كبدها فيبيعه، نقول لا، هذا غير مشروع ولا يجوز، وإنما كل منها؛ الله سبحانه وتعالى أباح لك أن تأكل منها وأن تتصدق منها، ما لم ترد أكله فتصدق به.

هذا فيما يتعلق بهدي الشكران، لاحظوا أن هدي الشكران يباح للإنسان أن يأكل منه. أما هدي الجبران، ما هو الفرق بين الشكران والجبر؟ الجبران جبر لنقص، هذا ينحره الإنسان ويتصدق به على فقراء الحرم دون أن يأكل منه شيئاً، أو يتصدق به في الموضع الذي ذبحه فيه. سياتينا إن شاء الله تعالى أن هدي الجبران إما أن يذبح داخل الحرم، وإما أن يذبح خارج الحرم. متى يباح ذبحه خارج الحرم؟ إذا وجد سببه خارج الحرم، مثلاً الفوات والإحصار، سياتينا إن شاء الله تعالى عنه موضوع كامل نتحدث عن الفوات والإحصار؛ الفوات والإحصار يذبحه الإنسان حيث وجد حيث أحصر، فإنه ينحر هديه ويحل.

غير الفوات والإحصار، مثلاً في فدية الأذى، إنسان اضطر إلى حلق رأسه، نقول عليك فدية أذى، إما أن تذبح شاة، وإما أن تصوم ثلاثة أيام، وإما أن تطعم ستة مساكين. طيب، الآن هذه فدية أذى، الواجب عليه فيها شاة، هل يجب عليه أن يذبحها في الحرم؟ نقول لا، حيث ارتكبت المحظور فإنه يجوز لك أن تذبح حيث ارتكبت المحظور، ويجوز لك أن تذبح في الحرم داخل حدود الحرم. لاحظوا، أما هدي الشكران فإنه يذبح داخل حد الحرم، بل الأفضل أن يذبحه في منى إن تيسر، فإن لم يتيسر فإنه يذبحه داخل حد الحرم. أما هدي الجبران فإنه يذبحه حيث وجد سببه، مثلاً ارتكب المحظور خارج حدود الحرم، يذبح خارج الحرم، ويجوز له أن يذبح في الحرم.

هناك عدد من الفروق، أنا أنصحكم الحقيقة أن تضعوا لها جدولاً، خلونا نستعرض هذه الفروق أولاً: هدي الشكران وجب شكراً لله سبحانه وتعالى، هدي الجبران مقصده أنه وجب جبراً لنقص قد حصل من الحاج أو المعتمر في نسكه. هذا الفرق الأول. الفرق الثاني، هدي الشكران يباح الأكل منه، ويجب أن يطعم الفقراء والمساكين ولو قدر أوقية يسيرة منه ويباح الأكل منه. هدي الجبران لا يأكل منه، لماذا؟ لأنه جبر لنقص حصل، فلا بد أن يتصدق بلحمه على الفقراء والمساكين، إذاً هذا فرق.

الفرق الثالث، هدي الشكران يذبح داخل حد الحرم ويطعم به فقراء الحرم. هدي الجبران يذبح حيث وجد سببه، ويطعم به الفقراء في محل الذبح؛ فمثلاً إن ذبحه خارج حد الحرم يطعم به الفقراء في ذلك المكان، إن ذبحه داخل حد الحرم فإنه يطعم به فقراء الحرم، وهكذا. إذاً هناك فرق في المكان حيث وجد سببه. الفرق الرابع أن هدي الشكران له وقت مؤقت لذبحه، ما هو وقته؟ وقته يوم النحر ويومان بعده أو ثلاثة أيام بعده، على الخلاف في تفسير قوله سبحانه وتعالى الأيام المعلومات. أما هدي الجبران متى وقته؟ يذبح إذا ارتكب المحظور، إذا واقع المحظور أو يذبح في حال الإحصار، وقت حصول السبب الموجب لذبح الهدي، بخلاف هدي الشكران له وقته المحدد، وله مكانه المحدد، وله هيئة محددة. طيب، من حيث الصفات، نقول الصفات سواء في هدي الجبران أو الشكران، فإنه من حيث الصفات ستأتينا إن شاء الله تعالى بالتفصيل في الأضحية، صفاتها واحدة، إلا في الصيد طبعاً في جزاء مثل ما قتل من النعم.

يجوز إذا كان مثلاً في الأرنب أو في اليربوع، كما قضى به أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، فيه جفرة مثلاً أو فيه جدي؛ هذا ليس مجزياً في الأضحية ولا في الهدي. لماذا؟ لأنه اصطاد أرنباً مثلاً أو اصطاد يربوعاً، فإن الواجب فيه شيء أقل من الشيء الواجب في الأضحية؛ شيء له ثلاثة أشهر أو أربعة أشهر، العناق أو الجدي أو غيرها، هذا يجوز أو يكون مجزئاً فيه أو هو المثل فيه، هو المثل في الأرنب أو في اليربوع.

إذاً جزاء الصيد حقيقة من حيث العمر والسن يختلف عن هدي الجبران وهدي الشكران في عدد من الأمور؛ من حيث الصفات المجزئة، ومن حيث العمر المجزئ في هذا الهدي الذي ينحر لله سبحانه وتعالى.

من المسائل المهمة المتعلقة بهذه العبودية، عبودية النحر لله سبحانه وتعالى، أن الأفضل في الإبل النحر، أن تنحر معقولة يدها اليسرى، كما جاء في الحديث الشريف أن نحرها قياماً معقولة هدي النبي صلى الله عليه وسلم. وأما الإبل والبقر فإن السنة فيها أن تذبح لا أن تنحر. ما هو الذبح؟ هو أمرار السكين، أمرار السكين فيقطع بها الودجان أو أحدهما. ما هو النحر؟ أن تطعن طعناً في لبتها حتى يسيل الدم وتموت.

إذاً طريقة نحر الإبل غير طريقة ذبح البقر والغنم؛ هذا فيما يتعلق بالصفة والهيئة. وهذا مما يشترك فيه هدي الشكران وهدي الجبران، أنه سواء كان إبلاً أو بقراً أو غنماً فإنه يراعى فيها الطريقة الشرعية في ذبحها. ويجوز ذبح الإبل ويجوز نحر البقر والغنم إلا أن هذا خلاف السنة؛ السنة أن تنحر الإبل، وأن تذبح البقر والغنم، والله تعالى أعلم.

نقف عند هذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.