الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم بارك لنا في أوقاتنا وفي أعمالنا وفي علومنا. اللهم يا رب العالمين، اجعل هذه العلوم التي نقولها ونسمعها ونعلمها ونتعلمها خالصة لوجهك الكريم، وبارك فيها يا رب العالمين. اللهم اطرح فيها البركة، اللهم اجعلها كثيرة النفع والخير في حقنا وفي حق أهلنا وأقاربنا وأصدقائنا وفي حق من يسمعها يا رب العالمين.
إخواني الكرام، ها نحن الآن في الدرس الرابع في الفصل الدراسي الثالث في أكاديمية زاد، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الأكاديمية وأن ينفع بها. كنا قد استفتحنا هذا الفصل الدراسي الثالث بالحديث عن الصيام، تحدثنا عن تعريفه وفضله، وتحدثنا عن شروط وجوبه، وتحدثنا بعد ذلك عن رؤية الهلال وطرق ثبوت شهر رمضان.
ثم انتقلنا بعد ذلك للحديث عن أنواع الصيام من حيث الحكم، وقلنا إن منها واجب، والواجب منه ما هو بأصل الشرع كصوم رمضان أداءً أو قضاءً، ومنها ما هو واجب بسبب من المكلف كالكفارات والنذور. وقلنا إن الأصل في الصوم عموماً هو الاستحباب، إلا أنه قد حُرِّم صوم العيدين وأيام التشريق إلا برخصة قد ذكرناها، وهي لمن لم يجد الهدي وهو متمتع أو قارن، فإنه يرخص له في صيام أيام التشريق، أما العيدان فلا يرخص فيهما البتة. وذكرنا أن بعض الأيام قد كُرِه صومها، وهو يوم الجمعة يكره صومه والله تعالى أعلم، وذكرنا هذا ربما لأنه عيد مصغر فصار فيه كراهة ولم تصل إلى درجة التحريم، هذا فيما يتعلق بالأيام.
ثم انتقلنا بعد ذلك إلى أفضل الصيام، وهو صيام داود عليه السلام، كان يصوم يوماً ويفطر يوماً. عجيب إخواني وأخواتي! هذا النبي، هذا الملك، هذا العابد لله سبحانه وتعالى، آتاه الله سبحانه وتعالى الملك والنبوة. أمر الله سبحانه وتعالى نبينا محمداً صلى الله عليه وسلم دائماً أن يتذكر داود، يقول الله سبحانه وتعالى لنبينا الكريم صلوات الله وسلامه عليه: ﴿اذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 17]. امتدح الله سبحانه وتعالى عبادته، كيف يأمر الله سبحانه وتعالى نبيه أن يذكر عبد الله ونبي الله ورسول الله داود ذا الأيدي، أي ذا القوة والإرادة في العبودية لله سبحانه وتعالى؟ كان بالفعل قوي الإرادة في العبودية لله سبحانه وتعالى، إنسان حقيقة لا يتناهى عجبه من عبودية داود عليه السلام مع كون هذه الدنيا كلها تحت يده، يعني كان ملكاً يحكم أجزاء كبيرة في الكرة الأرضية، آتاه الله سبحانه وتعالى هذا الملك، ولكن مع هذا كان منصرفاً لعبادة الله سبحانه وتعالى عبودية عجيبة، سخر هذه كلها لطاعة الله سبحانه وتعالى، ومع هذا التسخير لطاعة الله إلا أنه لم ينصرف عن الأوبة إلى الله دائماً التي استحق بها هذا الوصف الملازم له، أنه أواب. هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أفضل الصيام صيام داود»، وقال: «أفضل القيام قيام داود عليه السلام»؟ أسأل الله سبحانه وتعالى أن يصلي ويسلم على عبده داود وعلى عبده ورسوله محمد وعلى آله وأصحابهم أجمعين.
إخواني الكرام، حال سلفنا الصالح مع القرآن الكريم كان حالاً عجيبة. حال الإمام مالك رحمه الله تعالى، حال الإمام الزهري، حال الإمام سفيان الثوري، قبل ذلك حال التابعين، قبل ذلك حال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حال عجيبة مع القرآن الكريم. منهم من كان أصلاً في سنته عموماً يختم القرآن في شهر، ومنهم من كان يختمه في عشرين يوماً، ومنهم من كان يختمه في عشرة أيام، ومنهم من يختمه في أسبوع، ومنهم من يختمه في ثلاثة أيام. ولكن مع هذا الاجتهاد في قراءة القرآن طوال العام، إلا أنهم في رمضان كان لهم هدي مكثف ومخصص آخر؛ الذي كان يختم في شهر يختم أكثر من مرة في الشهر، والذي كان يختم في أسبوع يختم في ثلاث أيام، والذي كان يختم في أيام ربما ختم في رمضان في يوم أو في يومين، وربما ختم أكثر من ذلك. إخواني الكرام، هذا الحقيقة يدل على خصوصية شهر رمضان، شهر رمضان له مع القرآن علاقة خاصة. الله سبحانه وتعالى قال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: 1]. أول هذه العلاقة ابتداء نزول القرآن كان في ليلة القدر في رمضان، إذاً هذه علاقة خاصة من بداية نزول القرآن الكريم.
﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: 3]. النبي الكريم صلى الله عليه وسلم كان يدارس مع جبريل القرآن في كل رمضان، ما هذه المدارسة؟ كان يعرض عليه القرآن الكريم، يعرض معه ترتيب القرآن الكريم، ترتيب سور القرآن الكريم، كان يدارسه القرآن الكريم بمعنى أنه ربما قرأ عليه وربما استمع منه. هذه المدارسة من النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لجبريل، رسول الله وأمينه على وحيه، هذه المدارسة في رمضان تدل على خصوصية بالفعل، أن هناك شيئاً خاصاً بين القرآن وبين رمضان، هذا الشيء هو الذي فقيهه سلفنا الصالح؛ كانوا بالفعل لهم عناية خاصة بالقرآن الكريم في رمضان، حتى إن أهل العلم منهم ربما أوقفوا دروسهم العلمية، أوقفوا مذاكرة الحديث وأوقفوا تأليف الكتب وأوقفوا أشياء كثيرة لأجل أن يتخصصوا، يخصصوا شهر رمضان لمدارسة القرآن. رضي الله تعالى عن سلفنا الصالح، ما أحوجنا حقيقة أيها الإخوة الكرام لأن نقتدي بسلفنا الصالح رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
بما أننا في الحديث عن صوم رمضان وتحدثنا عن بما يجب صوم شهر رمضان، وتحدثنا عن بداية إهلال الهلال، وقلنا إنه يثبت برؤية الهلال أو بإتمام شعبان ثلاثين يوماً؛ طيب كيف ينتهي شهر رمضان؟ ينتهي كذلك برؤية هلال شوال أو بإتمام رمضان ثلاثين يوماً. سؤالين: كيف يبدأ اليوم وكيف ينتهي اليوم؟ الآن ذكرنا عن بداية الشهر ونهاية الشهر، نريد أن نتحدث عن بداية اليوم ونهاية اليوم. نقول يبدأ اليوم الذي يجب فيه الصوم الشرعي بطلوع الفجر الصادق، ما هو طلوع الفجر الصادق؟ هو المعترض في الأفق. هذا الفجر الصادق، ما هو؟ تذكرون هذه اللفظة قد مرت بنا في درس سابق، ما هي هذه الموضوعات التي حملت كلمة الفجر الصادق؟ نعم، هي موضوع صلاة الفجر، متى يبدأ وقت صلاة الفجر؟ مع طلوع الفجر الصادق المعترض في الأفق. إذاً مع طلوع الفجر الصادق المعترض في الأفق، إذا طلع الفجر الصادق عندنا حكمان مباشرة: الحكم الأول وهو جواز صلاة الفجر، الآن خلاص بدأ وقت صلاة الفجر، تجب صلاة الفجر، قبل هذا الوقت لا تجوز صلاة الفجر، هذا ما يتعلق بصلاة الفجر. في نفس هذه اللحظة التي تجب فيها صلاة الفجر، يجب فيها الإمساك عن المفطرات صوماً وتعبداً لله سبحانه وتعالى، إذاً هذا من حيث بداية اليوم. من حيث نهاية اليوم، ينتهي اليوم بغروب الشمس. إذاً هذه بداية اليوم الذي يجب فيه الصوم، وهذه نهاية اليوم الذي يجب فيه الصوم. متى ما أُبيحت صلاة المغرب بغروب الشمس، فإنه إذا غربت الشمس وحلت صلاة المغرب، وجبت صلاة المغرب وانتهى الصوم. إذاً يبدأ الصوم مع أذان الفجر وينتهي الصوم مع أذان صلاة المغرب. فاصل قصير ونعود إليكم إن شاء الله تعالى بعد هذا الفاصل.
نعود إليكم بعد الفاصل، وقد ذكرنا بداية اليوم ونهاية اليوم؛ يجب بداية الصوم مع أذان الفجر، مع طلوع الفجر الصادق، ونهاية الصوم بغروب الشمس وبداية أذان المغرب. طيب، هنا مسألتان نود أن ننبه إليهما إخواننا الكرام وأخواتنا الكريمات. المسألة الأولى أن بعض الناس ربما يريد أن يحتاط في بداية اليوم فيقول: أوقف الأكل قبل الأذان بعشر دقائق، وبعض التقاويم ربما تجدون فيها شيئاً مكتوباً وقت الإمساك، وقت الإمساك هذا مكتوب قبل الأذان دائماً، قبل أذان الفجر بعشر دقائق أو بخمس دقائق؛ نقول هذا في واقع الأمر غير مشروع، بل إن من تأمل سنة النبي صلى الله عليه وسلم يجد أن فيها إشارة لعدم الاحتياط هذا أو الشك وعدم إيجاد الشك في النفوس. النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزال أمتي بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور». كلما أخر الإنسان سحوره فهذا خير، بل هذا من علامات خيرية الأمة، فلذلك لا يشرع على الإنسان أن يوسوس ولا يشك، يقول: والله هل طلع الفجر ولا ما طلع؟ لا، يأكل حتى يتبين له الفجر، إذا تبين له الفجر، إما بسماع الأذان أو رؤية الفجر الصادق، خلاص يكف عن الطعام.
لكن قبل الأذان لو بعشر ثوانٍ يصح له أن يأكل، ما في إشكال، لو قبل طلوع الفجر الصادق بعشر ثوانٍ يصح له أن يأكل، ما يصح أن نقول والله توقف قبل أذان الفجر بعشر دقائق احتياطاً أو كذا، لا، حقيقة هذا الاحتياط يشكك الناس في صيامهم. بل إننا ذكرنا هذه الإشارة، وربما يكون من مقاصد النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه في تأخير السحور إزالة هذا الشك وإلغاء هذا الاحتياط. كذلك مثله نهي النبي الكريم صلى الله عليه وسلم عن تقدم صوم رمضان بيوم أو يومين، لإزالة الاحتياطات التي ربما يقوم بها بعض الناس، يقول: لا أنا سأحتاط قبل رمضان بيوم أو يومين، لا، النبي صلى الله عليه وسلم نهى، قال: «لا تقدموا رمضان بيوم ولا يومين»، متى ما ثبت الهلال صم الصوم الواجب عليك، إذا لم يثبت الهلال فأفطر، هذا يعني لا يحتاج إحداث احتياطات تشكك الناس في صيامهم أو في فطرهم.
كذلك نفس الأمر في الإفطار، وأذكر مرة بعد أن رأينا الشمس قد غربت تأخر الأذان، تأخر الأذان مثلاً قرابة دقيقة، فقلت لمن معي: أفطروا فإن الشمس قد غربت، قالوا: لا، نبغى احتياط، ربما أننا نتأخر دقيقة. هذا خطأ، إذا غربت الشمس يسن تعجيل الفطر وعدم تأخيره، وهذا فيه إلغاء للاحتياطات أو التشكيكات التي ربما وقعت لبعض الناس، يقول: لا تأخر، يمكن الشمس باقي ما غربت، يمكن كذا. خلاص إذا رأيتها غربت أو سمعت مؤذن المغرب يؤذن فأفطر، خلاص أنت بنيت على إما رؤيتك أو خبر المؤذن وهو ثقة متيقن. إذاً عندنا إلغاء لهذه الاحتياطات التي قام بها بعض الناس، لاحظ في الشهر ينهى عن الصوم الاحتياطي قبله، لا تقدموا رمضان بصوم يوم أو يومين، وينهى عن صوم يوم العيد. طيب من حيث اليوم، يؤمر المسلم في أول اليوم بتأخير السحور، ويؤمر المسلم في آخر اليوم بتعجيل الفطر، إذاً هذا كأنه إلغاء لهذه التشكيكات ولهذه الاحتياطات التي يقوم بها بعض الناس، أما في أول الشهر ولا في آخر الشهر، وأما في أول اليوم أو في آخر اليوم؛ لا، المسلم عليه أن يتعبد لله سبحانه وتعالى، متى ما ثبت عنده اليوم فيمسك، ومتى ما ثبت عنده انقضاء اليوم فيفطر، ومتى ما ثبت عنده دخول الشهر يصوم، ومتى ما ثبت عنده دخول شهر شوال فإنه يفطر، ولا داعي لأن الإنسان يشك ويشكك الناس في دينهم من خلال هذه الاحتياطات التي يوجبها عليهم.
طيب نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى درس آخر وهو متعلق بموضوع الأعذار التي تبيح الفطر. من هم المعذورون بالفطر؟ تذكرون في الدرس الثاني تكلمنا عن شروط وجوب صوم رمضان، وجوب صوم رمضان قلنا إنه يجب على المسلم المكلف، هذا انتهينا منه، ثم القادر؛ قلنا العاجز هذا أصلاً لا يخاطب بالصوم وإنما يخاطب بالإطعام، هذا العاجز الذي عنده عجز دائم عن الصوم يعني لا يستطيع أن يقضي فيما بعد، خلاص عجز دائم، نقول هذا إذاً يخاطب بماذا؟ يخاطب بالإطعام. طيب بقينا الآن في المسلم المكلف القادر، من هو الذي يخاطب بصوم شهر رمضان وجوباً في رمضان؟ هو المسلم المكلف القادر الذي اجتمعت فيه ست صفات: أنه ليس بمسافر، ولا مريض، ولا حامل، ولا مرضع، ولا حائض، ولا نفساء. هذا معناه أن هذه ست أعذار، فمن تحقق فيه أحد الأوصاف الستة هذه معناه أنه لا يجب عليه أن يصوم شهر رمضان. طيب خلونا نأخذ أول وصفين، مثلاً وصف الحيض والنفاس؛ نقول لا يجب عليها صوم رمضان، هل هذا...
نقول لا يجب عليها صوم رمضان، ولا يجوز لها صوم رمضان أصلًا؛ فالحائض والنفساء لا يجوز لهما صوم رمضان. لذلك نحن قد ذكرنا أن القادر يتفرع ثلاثة أفرع؛ الفرع الأول: الذين يجب عليهم صوم رمضان أداءً، وهم الذين توفرت فيهم الصفات الست هذه. فإن كان المسلم المكلف القادر حائضًا أو نفساء، فإنه يجب عليها أن تصوم قضاءً، ولا يجوز لها صوم رمضان؛ يجب عليها أن تصوم قضاءً.
إذًا أول العذر الذي نريد الحديث عنه يمنع من الصوم في نهار رمضان: الحيض والنفاس. وهذا العذر في واقع الأمر يمنع الصوم ويحرم الصوم في نهار رمضان، ويوجب على المرأة أن تقضي هذا اليوم؛ إذًا الحائض والنفساء يجب عليها أن تقضي اليوم الذي أصابها فيه الحيض أو النفاس، فتقضي بعد رمضان.
بقي معنا أربعة أعذار أخرى، هل هذه الأعذار تحرم صوم رمضان مثل الحيض والنفاس؟ لا. هل توجب صوم رمضان؟ نقول لا. الآن هذه الأعذار الأربعة الأخرى فيها تخيير، إما أن يصوم رمضان أو يصوم بعد رمضان؛ إذًا عندنا ستة أعذار تمنع وجوب صوم رمضان، هذه الأعذار الستة نقسمها إلى مجموعتين: المجموعة الأولى عذرين: الحيض والنفاس، والمجموعة الثانية أربعة أعذار وهي: المرض، والسفر، والحمل، والإرضاع. ما الفرق بين هذه الأعذار الأربعة وبين هذين العذرين؟ هناك فرق مهم وهو أن عذر الحيض والنفاس يمنع المرأة من صوم رمضان، ويحرم عليها صوم رمضان، ويوجب عليها قضاء رمضان.
قد يقول قائل: المريض والمسافر؟ نقول لا، المريض والمسافر فيهما تفصيل. قد يكون الإنسان المريض أو المسافر أو الحامل إذا صام رمضان يصح منه، ما في مشكلة؛ لكن الحائض والنفساء لو صامتا في رمضان هل يصح منهما؟ لا يصح منهما صوم رمضان أصلًا، بالعكس نقول لو صامت رمضان فهي آثمة؛ لماذا؟ لأنها تتعبد لله على خلاف ما شرع الله سبحانه وتعالى. وفي الحديث الشريف الذي روته عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». ومن عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد. كون الحائض والنفساء تصوم نهار رمضان تقول: أبغى أخفف عني وأبغى أصوم في نهار رمضان، ولا أستطيع فيما بعد أن أقضي لوحدي، نقول لا؛ أنتِ يجب عليكِ القضاء فيما بعد، ويحرم منكِ صوم رمضان.
بخلاف المريض، لو قال المريض: نعم أنا يشق علي الصوم وكذا لكن أتحمل وأصوم، نقول يجوز لك الصوم ويصح منك؛ خلاص ما دام صمت ما في مشكلة، أنت معذور ولكن إذا صمت فصومك صحيح. لو قال المسافر: أنا عندي رخصة الفطر بحكم أني مسافر ولكن أنا بصوم في نهار رمضان، نقول صحيح ما في إشكال، صومك صحيح ولا إشكال فيه إن شاء الله تعالى ويسقط عنك القضاء، ما يجب عليك القضاء؛ خلاص صومك صحيح. بخلاف الحائض والنفساء، إذا لاحظتم الفرق. الحامل والمرضع إذا صامت في نهار رمضان نقول صومها صحيح ما في مشكلة، لو تركت الصيام لا إشكال إن شاء الله تعالى، وسيأتي إن شاء الله التفصيل في هذا، ولو أنها صامت إن شاء الله تعالى فلا إشكال ويسقط عنها الصوم. لكن الحائض والنفساء نوع آخر من الأعذار، هذا العذر في واقع الأمر يحرم عليها الصوم، ولو صامت فإنه لا يقبل منها وتأثم به، ويجب عليها القضاء ولا يعتبر صومًا صحيحًا للحائض والنفساء.
فاصل قصير ونعود إليكم إن شاء الله تعالى في الحديث عن هذه الأعذار المبيحة للفطر.
من أعظم الأخطار التي تهدد المجتمع وتجعل بناءه هشًا ضعيفًا، جهل المرأة بما تحتاج إليه من أمور دينها ودنياها وشؤون حياتها؛ فهي الساعد الآخر لبناء المجتمع، فالمرأة الجاهلة لا يمكنها القيام بتربية صحيحة أو إعانة أبنائها على التعلم والرقي، بل ربما أنشأتهم على أفكار خاطئة أو معتقدات فاسدة. بل بجهلها تتبرج المرأة فتفتن نفسها وغيرها، وبجهلها تضيع المرأة حق زوجها وتنفر من البيت فيتفرق شمل الأسرة، وبجهلها وقع كثير من النساء في الخرافات والسحر والشعوذة. فالواجب على المرأة أن تحرص على طلب العلم، وألا يمنعها الحياء من ذلك؛ فإنه لا حياء في طلب العلم، كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: «نعم النساء نساء الأنصار؛ لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين».
نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن الأعذار المبيحة للفطر. قلنا إن هناك ستة أعذار، إذا لم يوجد أي عذر من هذه الستة فمعنى ذلك أنه يجب صوم رمضان في نهار رمضان. إذا وجد عذر من هذه الستة قلنا تختلف، الأعذار الستة قسمناها إلى مجموعتين: الحيض والنفاس معناه أنه يحرم صوم رمضان ويجب قضاؤه بعد ذلك، الأعذار الأربعة الأخرى قلنا إنه يباح صوم رمضان ويباح تأجيله فيقضي بعد ذلك؛ يعني مباح ومخير بين الأمرين.
خلونا نأخذ العذر الأول، ألا وهو عذر السفر، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: 184]. إذًا الله سبحانه وتعالى أباح للمريض وللمسافر عدة من أيام أُخَر. إذًا ما دام الإنسان مسافرًا، قد يقول قائل إن هذا العذر إنما يكون عذرًا في حق المسافر الذي يشق عليه السفر، والناس سابقًا كانوا يسافرون بالإبل والخيول وتحت حر الشمس ولا يستطيعون أن يصوموا أثناء سفرهم. نقول هذا صحيح في واقع الأمر أنه كان السفر سابقًا فيه مشقة شديدة أكثر مما هي عليه الآن، قلت المشقة كثيرًا وربما عند بعض الناس صار السفر حقيقة نوعًا من الترفيه والسياحة؛ يعني يبغون يغيرون الجو فيسافرون كنوع من السياحة، فيقول إن السفر بالفعل اختلفت طبيعته.
نحن نقول في واقع الأمر: السفر في أصله يعتبر عذرًا يبيح فطر رمضان في جميع الأحوال، سواء كان شاقًا أو غير شاق، ولكن هناك تفصيل في استحباب الفطر أو استحباب الصوم بناءً على المشقة. فنقول إن المسافرين يختلفون؛ فإذا كان المسافر بالفعل يشق عليه الصوم فإننا نقول إن الأفضل له أن يفطر، ولا ينبغي على الإنسان أن يشق على نفسه ولا يقبل رخصة الله سبحانه وتعالى؛ بل الإنسان إذا تضرر من هذا الصوم وشق عليه جدًا، كما جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: «أولئك العصاة»؛ للذين أتموا صومهم بعد أن أفطر النبي ﷺ ومعه. فالشاهد أن الإنسان إذا شق عليه الصوم في سفره فإنه لا ينبغي له أن يصوم، وعليه أن يقبل رخصة الله سبحانه وتعالى ولا يستكبر عن قبول رخصة الله؛ بل إن الله سبحانه وتعالى يحب أن تُؤتى رخصه كما يحب أن تُؤتى عزائمه.
طيب هذا فيما يتعلق إذا كان يشق عليه، مثلًا أما بسبب حر شديد أو بسبب أنه مجهد أو متعب، أو بسبب أنه ربما لأجل سفره أو طيران لم يتيسر له أن يتسحر سحورًا جيدًا، أو يحتاج أن يخرج للطائرة مبكرًا أو المطار مبكرًا مثلًا، أو كان وصوله متأخرًا؛ الأعذار كثيرة بسبب حقيقة سفر الإنسان. طيب إذا كان يشق عليه أن يفطر، الآن قلنا عندنا أحوال: الحالة الأولى أن يشق عليه الصوم، هل يتصور أن يشق عليه الفطر؟ كل إنسان الفطر محبب إلى نفسه، يقول ما في مشقة علي في الفطر؛ المشقة في الصوم. نقول لا، لكن هناك مشقة فيما بعد أن تصوم لوحدك، وهذا في الحقيقة داعٍ نقول للإنسان حينئذ ما دام أنه لا يشق عليك الصوم الآن فما في مشقة؛ فالأفضل لك الآن أن تصوم. كيف؟ نقول لأنك فيما بعد سوف تصوم لوحدك؛ كونك تصوم الآن في نهار رمضان مع الناس فهذا أخف من صومك لوحدك فيما بعد؛ الإنسان يصوم لوحده في البيت قضاءً، هذا فيه مشقة عليه، غير أنه إذا صام مع الناس الآن، لاحظتم ولا لا؟
إذًا نقول: إذا كان الإنسان يشق عليه الصوم فإنه يفطر وعليه أن يقبل رخصة الله سبحانه وتعالى، لكن إذا كان الإنسان لا يشق عليه الصوم فإن الصحيح والراجح في هذه المسألة والله تعالى أعلم أن الإنسان الأفضل له أن يصوم. والنبي ﷺ قد أُثر عنه الصوم في بعض أسفاره، وكان أصحاب رسول الله ﷺ إذا سافروا ربما صام بعضهم وربما أفطر بعضهم، فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم. لكن لماذا نرجح ونقول إن الصوم أفضل؟ لو قال قائل: لا إن الفطر أفضل لأن المسلم عليه أن يقبل رخصة الله سبحانه وتعالى في جميع الأحوال، نحن نقول هذه الرخصة إنما كانت لأجل مشقة، فإذا كان الإنسان عليه مشقة فالأفضل له أن يقبل رخصة الله سبحانه وتعالى بالفطر، لكن الإنسان ما عليه مشقة فالأفضل له -والله تعالى أعلم- الصوم لعدد من الأمور: أولًا هدي النبي ﷺ في بعض أسفاره أنه قد صام، وهدي أصحاب رسول الله ﷺ أنهم قد صاموا في بعض أسفارهم، الأمر الثالث قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ [البقرة: 184]، الأمر الرابع أن الإنسان أخف عليه الآن أن يصوم في رمضان ولا يصوم فيما بعد لوحده، وهذا فيه مشقة عليه فيما بعد.
الأمر الخامس وهو كذلك موضوع مهم، كون يوقع الصيام في نهار رمضان أفضل، ولا أنه يوقعه في نهار شوال ولا ذي القعدة ولا الحجة ولا محرم ولا صفر؟ إذا ما كان عليه مشقة في رمضان، جاء قال: أنا مستوٍ عندي إني أصوم ولا أفطر، نقول إذا كان مستويًا عندك فالأفضل لك أن تصوم؛ لأنك كونك توقِع العبادة في هذا الوقت الفاضل خير لك من أن توقِعها في الوقت المفضول. لو إنسان قال: أنا مستوٍ عندي إني آخذ عمرة في رمضان ولا في شوال، العمل يعطوني إجازة مثلًا يومين أو ثلاث أيام، أنا أقدر آخذها في رمضان وأقدر آخذها في شوال، نقول يا أخي خذها في رمضان؛ أوقِع العبادة في شهر رمضان، كونك توقِع العبادة والعمرة في شهر رمضان فهو خير لك من أن توقِعها في شهر شوال.
إذًا هذه مسألة مهمة؛ فإذاً لاجل هذه الأسباب الخمسة الصحيح والله تعالى أعلم أن نقول إن الأفضل للمسافر أن يصوم في نهار رمضان إلا إذا كان يشق عليه، إذا كان يشق عليه فعليه أن يقبل رخصة الله سبحانه وتعالى، والله سبحانه وتعالى سوف يجزيه إن شاء الله تعالى، ما دام قبل رخصة الله فإن الله سبحانه وتعالى سوف يأجره ويجزيه، والله سبحانه وتعالى يحب أن تُؤتى رخصه إذا أتاها أهل هذه الرخصة المرخص لهم. فكون الإنسان يشق عليه نهار رمضان، ربما أنه ما تسحر بشكل جيد، أو ربما كان الحر شديدًا في سفره، أو ربما لأجل تحميل العفش وتنزيل العفش، يعني تعب إضافي؛ فنقول يا أخي لا تشق على نفسك، افطر، اترك الصوم.
طيب نريد أن ننتقل بعد ذلك لعذر الثاني وهو عذر المرض. المرض لا شك أن المرض هو، نحن نتكلم الآن، المرض، طيب لو قلنا تحدثنا عن المرض بمعنى العجز، مرض عجز دائم لا يستطيع معه الصوم أصلاً، نقول هذا أصلاً غير مخاطب بالصوم؛ هذا مخاطب بالإطعام، عليه أن يطعم عن كل يوم مسكينًا. العاجز هذا يطعم عن كل يوم مسكينًا. طيب إذاً عندنا المرض الذي هو عارض، هذا الذي نريد أن نتحدث عنه الآن، إذاً خلونا نقول إن المرض الذي يعرض للإنسان أو يأتي للإنسان نوعان: مرض عارض ومرض دائم. مثل ايش المرض الدائم؟ مثلًا مثل الهرم، الهرم ماله دواء، ماله علاج، خلاص ضعف في البدن جعل من بعد قوة ضعفًا وشيبة، خلاص الإنسان يبدأ ضعيفًا ثم يقوى ثم يبدأ في الضعف وشيبة. الإنسان سبحان الله هذه سنة الحياة، الإنسان عليه أن يعد لذلك، النبي الكريم ﷺ قال: «اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك». سنكون في شبابه وفي قوته ويستطيع أن يعبد الله سبحانه وتعالى، لا شك أن يكون يؤدي الحج، يؤدي الصيام، يؤدي الصلوات، يؤدي العبادات، قراءة القرآن، يحرص على الخير، يحرص على الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، يحرص على طلب العلم في شبابه أفضل؛ طبعًا مو يؤخر الإنسان لأن يهرم ويقول خلاص بعبد الله سبحانه وتعالى إذا شبت، إذا شبت الإنسان ضعف عظمه ووهن جسمه، يصير يا الله يقوم بالواجبات، لكن الإنسان عليه أن يحرص على الخير ويستغل شبابه.
فالشاهد أن المرض إذا عرض للإنسان، ما هو الأفضل له؟ هل الأفضل له أن يصوم أم الأفضل له أن يفطر؟ هذه الحقيقة المسألة فيها تفصيل، ولعلنا نأخذ تفصيلها إن شاء الله تعالى في لقائنا القادم بإذن الله تعالى. نقف عند هذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
ميسرا يأتيك ميسورا بأي مكان. زاد أكاديمية ينبوعها صافٍ ليروي غلة الظمآن، وتعلم الفقه الميسر عاملاً بالشرع دون تعصب لفلان.
بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي