الحمد لله رب العالمين، ولي المؤمنين الصالحين، والصلاة والسلام على نبينا محمد الرسول الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. ربنا إن لم تهدنا وتعلمنا نكن من الضالين. ربنا اهدنا ويسر الهدى لنا، واجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين. ربنا أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل.
إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الخامس عشر من سلسلة دروس الفقه في الفصل الدراسي الثالث في أكاديمية زاد. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس قائلها وسامعها، وأن يجعلها في حقنا جميعاً حجة لنا لا حجة علينا، وأن يجعلنا ممن ينتفع بما فيها من العلم، وأن يجعلنا عاملين بما نقول وما نسمع.
إخواني وأخواتي، كنا قد بدأنا حديثنا عن الاعتكاف، وقلنا إن الاعتكاف هو التعبد لله بلزوم المسجد والمكث فيه. ويمكن أن نقول بطول اللبث والمكث فيه، لأن الاعتكاف فيه دلالة لغوية على طول المكث، وأما المكث لحظة أو ساعة فإنه لا يسمى عكوفاً واعتكافاً. الاعتكاف لفظ يشعر في دلالته اللغوية على الطول، ولذلك قلنا إن وقت الاعتكاف يمكن أن يكون شهراً أو شهرين أو أياماً أو أسبوعاً أو أسبوعين أو عشرة أيام، وأقله والله تعالى أعلم يوم أو ليلة، نهار أو ليلة؛ بحيث يكون مثلاً من الفجر إلى غروب الشمس، أو من غروب الشمس إلى الفجر، هذا أقله. وقد جاء في بعض الأحاديث: «نذرت أن أعتكف ليلة، نذرت أن أعتكف يوماً»، فهذا يظهر والله تعالى أعلم أنه هو أقل الاعتكاف.
وما دون ذلك، نعم هو مأجور عليه المسلم؛ رباط في المسجد. بقاء المسلم في المسجد لا شك أنه نوع من العبودية لله سبحانه وتعالى، وقد جاء في الحديث انتظار الصلاة بعد الصلاة. كون المسلم أصلاً يبكر للصلاة بدقيقة، لا شك أن هذا أفضل وخير ممن تأخر. إخواني الكرام، من بكر إلى الصلاة كل لحظة هو فيها إن شاء الله تعالى مأجور، هو أعظم أجراً ممن جاء بعده بلحظة، لحظة واحدة لو كانت جزءاً من الثانية؛ ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7-8]. أرأيتم هذه الملايين التي تصلي في المسجد الحرام ليلة ٢٧؟ ملايين تصلي في المسجد الحرام، لا يخرج واحد منهم بأجر مثل الأجر الذي يخرج به الثاني؛ هذا بكر لحظة، هذا تسوك، هذا قرأ قرآناً، هذا لم يقرأ، هذا لم يتسوك، هذا جاء متأخراً؛ كل إنسان يغترف من الأجور في تلك الليلة وفي المسجد الحرام بقدر ما يستطيع يغترف من هذه الأجور العظيمة وهذه الفضائل العظيمة.
إذاً ليس معنى هذا أن نقول إن الاعتكاف لا يشرع أقل من يوم أو ليلة، لا؛ نحن نعني عبادة الاعتكاف المعهودة. أما تبكير المسلم إلى المسجد لحظة فإنه يؤجر عليه، تأخر المسلم وبقاؤه في المسجد بعد الصلاة بزيادة لحظة، لحظتين، دقيقة، دقيقتين، نصف ساعة، كلما ازداد الإنسان بقاءً في المسجد في هذه البيوت التي أذن الله أن ترفع، ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: 36-37].
إذاً إخواني الكرام فلنحرص على المكث في المساجد والبقاء فيها وعمارة المساجد، هذا نوع من عمارة المساجد، ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: 18]. العمارة المعنوية أبلغ وأهم من العمارة الحسية؛ العمارة الحسية بمعنى بناء المسجد، أما العمارة المعنوية بمعنى أن يبقى فيه ويعمره بذكر الله سبحانه وتعالى. ما فائدة مسجد قائم وربما يكون على أتم ما يكون من القيام، مزخرف أو مزركش، ولكن لا يوجد به مصلٍ؟ هذا يقال مسجد معمور ولا مسجد مهجور؟ هذا مسجد مهجور. لكن المسجد المليء بالمصلين هذا مسجد معمور؛ معمور بذكر الله، بطاعة الله، معمور بالملائكة، معمور بحياة القلوب وحياة الأرواح، بقراءة القرآن، بدروس العلم، بتعليمه، بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه العمارة الحقيقية للمساجد.
لذلك لا شك أن الذي يعمر مساجد الله شهد الله سبحانه وتعالى له بالإيمان: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة: 18].
إخواني الكرام، ننتقل بعد ذلك إلى شروط الاعتكاف، وقلنا إن شروط الاعتكاف هي النية، والطهارة من الحدث الأكبر، وأن يكون في مسجد تقام فيه الصلوات الخمس، ولا يشترط أن يكون هذا المسجد جامعاً تقام فيه الجمعة. لو قال قائل: أرأيت لو كان في اعتكافه من ضمن اعتكافه يوم جمعة؟ هل معنى هذا أنك سوف تذم؟ نقول: نعم، لا بأس، يجوز أن يعتكف في مسجد لا تقام فيه صلاة الجمعة ثم يخرج لصلاة الجمعة؛ لأن خروج الجمعة خروج يسير مرة واحدة في الأسبوع.
أن يكون مميزاً، غير المميز لا يصح اعتكافه؛ لأن لا تصور منه أصلاً النية. هل يعتكف الذكر والأنثى؟ نقول: نعم، يعتكف الذكر وتعتكف الأنثى. متى ما هو الوقت الفاضل للاعتكاف؟ أفضل وقت للاعتكاف هو أن يعتكف المسلم في الوقت الذي حرص رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعتكف فيه، وقد استقر عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه، ألا وهو اعتكاف العشر الأواخر من رمضان، وسنأتي والله تعالى بالحديث عن الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان إن شاء الله تعالى في آخر لقائنا هذا أو في لقاء قادم بإذن الله تعالى.
ما هو وقت اعتكاف العشر الأواخر من رمضان؟ يبدأ اعتكاف العشر الأواخر من رمضان قبل دخول الليلة الأولى من ليالي العشر. إذاً من أراد أن يعتكف في العشر الأواخر، ما هي أول ليلة من ليالي العشر الأواخر؟ ليلة ٢١. متى تبدأ هذه الليلة؟ ليلة ٢١ هي الليلة الأولى من ليالي العشر الأواخر، الليالي التي قبلها هي ليالي العشر الأوسط. متى تبدأ ليلة ٢١؟ تبدأ من غروب شمس يوم ٢٠. إذا غربت الشمس وأفطر الناس، في هذه اللحظة، لحظة الفطر، تبدأ ليلة ٢١.
إذاً متى يشرع للمعتكف أن يدخل إلى المسجد لاعتكاف العشر الأواخر من رمضان؟ نقول: يشرع له أن يدخل قبل غروب الشمس حتى تغرب الشمس عليه وهو في المسجد، بحيث أن نقول غروب الشمس جاء وهو في المسجد وهو معتكف، إذاً حتى يستوعب العشر الأواخر كاملة، يدخل قبل ليلة ٢١ بلحظة، قبل غروب شمس يوم ٢٠ يدخل. متى يخرج؟ متى نهاية الاعتكاف؟ نقول متى ما ثبت هلال شوال، ثبت هلال شوال أن غداً هو عيد الفطر، ينتهي اعتكافه. فإذا جاء يوم ٢٩ فإن الناس يتراءون الهلال، لا يخرج، إن رأوا الهلال في تلك الليلة وأعلنت رؤية الهلال، نفترض أنه ثبت الهلال وأعلن مثلاً الساعة، أو ثبت بشهادة مثلاً، نفترض أنه ثبت بالشهادة وأعلن الساعة العاشرة مثلاً، نقول: خلاص، إذاً في تلك اللحظة متى ما ثبت الهلال وأعلن تخرج المعتكف.
طيب، قالوا غداً ٣٠ متمم، ٣٠ من رمضان لم ير الهلال وغداً هو المتمم لل٣٠ من رمضان، متى سيخرج من معتكفه؟ نقول: إذا غربت شمس يوم ٣٠ من رمضان انتهى اعتكاف العشر الأواخر من رمضان، بغروب الشمس انتهى اعتكاف العشر الأواخر فيفطر ويصلي المغرب ويخرج من معتكفه إذا شاء ويذهب إلى أهله. فاصل قصير ونعود إليكم بعد الفاصل لمتابعة الحديث عن أحكام الاعتكاف.
نعود إليكم بعد هذا الفاصل، ونتابع حديثنا معكم عن أحكام الاعتكاف. نقول إن وقت الاعتكاف المشروع هو العشر الأواخر من رمضان، ويدخل فيه المسلم قبل ليلة ٢١، وهذا يتم له بأن يدخل إلى المسجد قبل غروب شمس اليوم العشرين، ويخرج بثبوت هلال شوال أو بإتمام رمضان ٣٠ يوماً، فإن تم رمضان ٣٠ يوماً فإنه بغروب شمس يوم ٣٠ من رمضان فإنه ينتهي اعتكافه.
وقد يشكل على بعض الناس ما جاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا صلى الصبح دخل معتكفه، فيظن أن اعتكاف العشر الأواخر من رمضان يبدأ من صبح ٢١، وهذا حقيقة خطأ. لماذا هذا الظن وهذا الفهم خطأ؟ لأن معنى هذا أنه قد فاتته ليلة ٢١، مع أن ليلة ٢١ هي إحدى الليالي التي تتحرى فيها ليلة القدر، ومعنى هذا أن المسلم يكون قد اعتكف ثماني ليالٍ فقط أو تسع ليالٍ إذا كان الشهر كاملاً، ثماني ليالٍ إذا كان الشهر ناقصاً، وهذا لا يصدق عليه أنه اعتكاف العشر الأواخر، وإنما قد اعتكف التسع الأواخر فقط.
طيب ما معنى حديث عائشة رضي الله تعالى عنها؟ معنى حديث عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أحياناً في المسجد يصلي ويبقى خارج معتكفه، ومرات يدخل داخل معتكفه. ما هو المعتكف؟ النبي صلى الله عليه وسلم أمر بقبة أو بخباء ضرب له في المسجد، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يدخل هذا، يسمى معتكف، بمعنى أنه يجلس يعتكف فيه، وبعض المرات كان يبقى خارجه لكن داخل المسجد. فالنبي صلى الله عليه وسلم لما ضرب له هذا المكان في المسجد، مرات يدخل داخله ومرات يكون خارجه، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا صلى الصبح دخل إلى معتكفه هذا الذي قد ضرب له داخل المسجد، ولكن معنى ذلك أنه كان قبل ذلك، كان قبل، أما في صلاة الجماعة مثلاً صلاة الصبح، أو كان قبل صلاة الصبح، ربما في ليلة ٢١ كان خارج هذا المكان الذي ضرب له، صلوات الله وسلامه عليه.
إذاً ليس معنى هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل المسجد بعد صلاة الصبح، لماذا لا نحمل الحديث على هذا؟ لأنه لا يكون قد اعتكف العشر الأواخر، وإنما اعتكف التسع الأواخر فقط، فاتت عليه ليلة، مع أن هذه الليلة قد وقع في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنها كانت ليلة القدر، كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر الأول من رمضان يتحرى ليلة القدر، فجاءه جبريل في آخرها فقال له: إنما تطلبه أمامك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان قد اعتكف معي فليعتكف العشر الأوسط». فاعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر الأوسط من رمضان، فجاءه جبريل في آخر العشر الأوسط وقال: إن ما تطلبه أمامك. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كان قد اعتكف معي فليعتكف العشر الأواخر من رمضان».
ثم إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر بليلة القدر وخرج يريد أن يخبر بها أصحابه، فتلاحى رجلان من أصحابه فنسيها، صلوات الله وسلامه عليه، الخلاف شر، نسيها صلوات الله وسلامه عليه، ولكنه تذكر من آثار هذه الرؤيا شيئاً، فقال: «إني أريت أني أسجد في صبيحتها في ماء وطين». إذاً هذا الذي ذكره الرسول صلى الله عليه وسلم من وقتها، من آثار هذه الرؤيا التي أراد أن يخبر بها أصحابه صلوات الله وسلامه عليه، أري أنه يسجد في صبيحتها في ماء وطين.
قال أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه: فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم سجد في صبيحتها، اللي في صبيحة ٢١، في ماء وطين، قال: وكف المسجد ليلة ٢١ فرأيت أثر الطين في جبهة رسول الله صلى الله عليه وسلم صبح ٢١. إذاً هذا فيه دلالة على أن ليلة القدر في تلك السنة كانت في ليلة ٢١. إذاً لا شك أن الذي يدخل معتكفه أو يدخل إلى المسجد لأجل الاعتكاف بعد ليلة ٢١، يدخل صبح ٢١، هذا قد فوت على نفسه هذه الليلة التي يرجى أن تكون ليلة القدر في بعض السنوات، بل قد وقع أنها كانت ليلة القدر في سنة من السنين التي عاشها الرسول الكريم صلوات الله عليه.
والصحيح والله تعالى أعلم أن معنى اعتكاف العشر الأواخر أنه يدخل من قبل غروب شمس يوم 20 إلى المسجد. ثم إن كان له معتكف خاص جلس فيه، وإن شاء بقي في المسجد، ويبقى في هذا المعتكف مثلاً بعد الصبح، فلا بأس؛ الأمر في هذا إن شاء الله تعالى واسع ما دام أنه داخل المسجد.
نريد أن نتحدث الآن عن مسألة مهمة، ألا وهي: ما هي المستحبات للمعتكف؟ يستحب للمعتكف عدد من الأمور، من أهمها التفرغ للذكر وللعبادة وقراءة القرآن. كون المعتكف جلس في هذا المكان يعبد الله سبحانه وتعالى ويتقرب إليه، لا شك أنه عليه أن يحذر من السراق واللصوص الذين يسرقون منه؛ لا أقول يسرقون دراهمه ودنانيره، بل يسرقون منه ما هو أغلى من الدراهم والدنانير؛ يسرقون منه لحظات رمضان الفاضلة. هناك لصوص يسرقون منه هذا الوقت، كيف؟ بالسوالف وبالكلام وباللعب وباللهو، هذه سرقة أعظم والله من سرقة الدراهم والدنانير؛ لأنه سرق منه شيئاً لا يقدر بثمن. تخيلوا إخواني الكرام ليلة القدر أنها تسرق من الإنسان بالسوالف وبالكلام، هذه حسوفة عظيمة وخسارة كبيرة أن الإنسان يضيع أوقاته وتصرف دقائقه وساعاته ولحظاته في مثل هذه السوالف وفي مثل هذا الكلام. لعلنا نتحدث إن شاء الله تعالى عنها عند الحديث عن تحري ليلة القدر، لكن نحن نقول هنا إن المستحب للمسلم أن يحرص على العبودية لله بالذكر والدعاء وقراءة القرآن، أن يحرص على التفكر، أن يحرص على الصلاة وقيام الليل؛ كل هذا مما يشرع للمسلم في هذه الليالي التي اعتكف فيها.
ما هي الأشياء التي تبطل الاعتكاف والأشياء التي لا تبطل الاعتكاف ويباح للمعتكف أن يفعلها؟ أول شيء خلونا نتحدث عن مبطلات الاعتكاف؛ الأشياء التي تبطل الاعتكاف، ما هي الأشياء المناقضة للاعتكاف؟ الاعتكاف هو المكث واللبث في المسجد. إذاً، ما هو الشيء المناقض للاعتكاف؟ هو الخروج من المسجد لغير حاجة، هذا شيء مبطل للاعتكاف. كون إنسان خرج مثلاً يريد أن يقضي بعض الأعمال ولا بعض الأشغال، ولا يريد أن يتمشى ولا يتاجر ولا يشتري، هذا معناه ليس بمعتكف في المسجد. إذاً، الاعتكاف هو المكث ومبطله هو الخروج؛ طبعاً لا نعني كل خروج، وإنما الخروج لغير حاجة؛ لأن هناك خروجاً من المسجد مستثنى. ما هو الخروج المستثنى؟ مثلاً خروج الإنسان لقضاء حاجته، خروج الإنسان لدورات المياه، هذا لا شك أن الإنسان يحتاجه. خروج الإنسان لأكله وشربه؛ الأشياء التي باختصار يمكن أن نقول خروجه للأشياء التي لا بد له منها، فهذا يخرج. نحن نقول إذا تيسر للمعتكف مثلاً سواء كان استأجر شخصاً أو كلف أحد أولاده أن يأتي له بطعامه وشرابه في المسجد، فهذا أفضل له من أن يخرج يأكل براً؛ كلما مكث في المسجد أكثر فهو على خير أعظم، وهو على أجر أجزل ومثوبة أفضل إن شاء الله تعالى. إذاً، الاعتكاف ركنه الأساس المكث واللبث، فإن خرج لغير حاجة فإن هذا الاعتكاف يبطل.
كذلك من مبطلات الاعتكاف أن الإنسان لو خرج لحاجة، فإن من مبطلاته الجماع؛ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187]. فلا يجوز الجماع؛ يعد الجماع مبطلاً من مبطلات الاعتكاف لأجل هذه الآية الكريمة، ومثله كذلك الإنزال بمباشرة، هذا كله مما يعد مبطلاً للاعتكاف، ولو كان قد خرج إلى بيته لأجل حاجة؛ قال: أنا خرجت مثلاً لحاجة الأكل أو الشرب أو لقضاء حاجتي، نقول يقتصر على هذه الحاجة.
نعود إليكم ونتابع حديثنا عن أحكام مبطلات الاعتكاف والمباحات التي تباح في الاعتكاف. قلنا إن مبطلات الاعتكاف المخالفة لركنه الأساس، الخروج من المسجد لغير حاجة؛ لأن الركن الأساس للاعتكاف هو البقاء واللبث والمكث في المسجد. فإن خرج لغير حاجة فقد بطل اعتكافه. كذلك لو خرج لحاجة ولكنه جامع أهله في هذا الخروج، نقول كذلك هذا منافٍ للاعتكاف. كذلك الإنزال بمباشرة، باشرت امرأته بمعنى أنه مثلاً قبلها أو لمسها فأنزل، هذا كذلك يعد من الأشياء المنافية للاعتكاف المبطلة للاعتكاف. كذلك من الأشياء التي تبطل الاعتكاف الحيض والنفاس؛ لأن الحائض والنفساء مطالبة بالخروج من المسجد، «لا أحل المسجد لحائض ولا لجنب» كما جاء في الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. إذاً، الحائض والنفساء لا تبقى في المسجد، فإذا كانت المرأة معتكفة فجاءتها دورتها فإنه يجب أنها تقطع اعتكافها وتخرج من المسجد.
هذه هي الأشياء المبطلة للاعتكاف. هناك أشياء مستثنيات لا تبطل الاعتكاف، مثلاً خروج الإنسان لحاجته؛ جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان معتكفاً لا يدخل إلا لحاجة الإنسان». خروج الإنسان لأكله وشربه إن كان لا يصل إليه في المسجد، كذلك بعض أنواع ما يمكن أن نسميه أنه نوع من التنظف أو التطيب أو ترجيل الرأس؛ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخرج رأسه لعائشة فترجل رأسه رضي الله تعالى عنها وأرضاها. إذاً مثلاً ترجيل رأسه، كذلك الأكل والشرب؛ النوم في المسجد هذا كذلك من المباحات، بل هذا أصلاً هو المشروع، الأصل أن ينام الإنسان في المسجد. لكن نقول من المباح أن يأكل ويشرب خارج المسجد لكن ينام في المسجد. إذاً هذه الأشياء هي التي تباح للمعتكف، ونقول كذلك يباح للمعتكف الكلام أو شيء من هذا، إلا أنه يشرع له أن يشتغل بذكر الله سبحانه وتعالى وأن لا ينشغل عن ذكر الله سبحانه وتعالى.
هنا عدد من المسائل المتعلقة بالاعتكاف. هل يصح اعتكاف المستحاضة أم لا يصح اعتكافها؟ ما هي المستحاضة؟ المستحاضة التي خرج منها دم عرق وليس دم الحيض؛ الحائض غير المستحاضة قد نبهنا على هذا في باب الحيض. فمن خرج منها دم عرق فالصحيح أنه يجوز لها أن تعتكف ويجب عليها أن تصلي ويجب عليها أن تصوم، وأما الحائض التي خرج منها دم الحيض فهذه لا تصوم ولا تصلي ولا تعتكف، يعني لا يجوز لها المكث واللبث في المسجد. إذاً هذه من المسائل التي تحدثنا عنها من قبل.
كذلك من المسائل أنه يجوز للمعتكف أن يستقبل أهله وأقاربه في المسجد ويجلس ويحدثهم؛ والنبي صلى الله عليه وسلم قد كان معتكفاً في المسجد ذات ليلة، فجاءته صفية رضي الله تعالى عنها، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقلبها، يعني ليردها إلى بيتها؛ لاحظ أن هذا خروج يسير لحاجة، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم معها، فرآه رجلان، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «على رسلكما، إنها صفية». الشاهد في باب الاعتكاف أن النبي صلى الله عليه وسلم قد خرج معها ليقلبها، يعني ليردها إلى بيتها، وعد هذا خروجاً يسيراً لحاجة؛ إذاً هذه من الأحكام المتعلقة بالاعتكاف.
كذلك من الأحكام المتعلقة بموضع الاعتكاف، الاعتكاف ذكرنا أنه يكون في مسجد تقام فيه الصلوات الخمس، ولا يشترط أن يكون مسجداً جامعاً، ولو كانت تدرك صلاة الجمعة في وقت اعتكافه فإنه يخرج لصلاة الجمعة. هنا مسائل متعلقة بالمسجد؛ مثلاً هل يدخل في المسجد منارته مئذنته؟ هل يدخل في المسجد مثلاً المصليات اللاحقة به؟ هل يدخل في المسجد حوش المسجد أو فناء المسجد أو رحبته المحيطة بالمسجد؟ هل تدخل في المسجد أم لا؟ والظاهر والله أعلم أننا نقول بالنسبة للمنارة أو الغرف المتصلة بالمسجد، نقول إن كانت متصلة ببنيان المسجد قائمة معه بحيث إن الناظر يراها يقول إن هذه متصلة ببنيان المسجد، فالظاهر والله تعالى أعلم أنها تأخذ حكم المسجد، فيجوز للمعتكف أن يعتكف فيها وأن يجلس فيها. وأما بالنسبة لفناء المسجد ورحبته المحيطة به، فنفرق بين أمرين: الرحبة التي قد أحيطت مثلاً ببناء، بجدار، بأسوار، بحديد معين، بعلامات، أحيطت وصار لها باب يدخل ويخرج من هذا الباب، هذه الرحبة الظاهر والله تعالى أعلم أنها تأخذ حكم المسجد. وأما إذا كانت ساحة المسجد مفتوحة ليس لها باب أو ليس لها سور، فالظاهر والله تعالى أعلم أنها لا تأخذ حكم المسجد؛ إذاً هذا تفصيل فيما يتعلق برحبة المسجد أو فناء المسجد، والعبرة في هذا بقضية ما أحاط بالمسجد أو عدم إحاطته بالمسجد، هل هو محاط بسور أو ليس محاطاً بسور؟
من المسائل المتعلقة بهذا في موضع الاعتكاف أنه يشرع للمعتكف أن يتخذ مكاناً في المسجد يعتكف فيه أن يلزم هذا المكان؛ يجوز للمعتكف أن ينتقل من مكان إلى مكان، ولكن من تأمل في سنة النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يأمر بخيمة تضرب له في المسجد يجلس فيها، يدل على مكث النبي صلى الله عليه وسلم في مصلى واحد يلزمه، فهذا يؤخذ منه الوصية للمعتكف بأن يلبث في مكان واحد ويلزم هذا المكان، يبقى فيه يتعبد فيه لله سبحانه وتعالى؛ ربما نام في هذا المكان أو جلس في هذا المكان أو تعبد لله في هذا المكان، يأكل يفطر فيه، يذكر الله سبحانه وتعالى، يقرأ القرآن في هذا المكان. يحتاج طبعاً لا شك أنه انتقل يريد أن ينتقل من مكان إلى مكان أو يتحرك، لا بأس إن شاء الله، الأمر في هذا واسع إن شاء الله تعالى ما دام داخل حدود المسجد، لكن نحن نقول إن الذي قد يستفاد من هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في كونه كان يضرب له قبة في المسجد ويجلس فيها، أنه كان يلزم مكاناً واحداً، وهذا في الحقيقة لو تأملنا أقرب إلى معنى العكوف، أقرب إلى معنى اللبث واللزوم أنه يلزم بقعة ويجلس فيها.
ينبغي للمعتكف ألا يشغل عينه وقلبه بالشواغل؛ مثلاً إنسان قد يعتكف في المسجد الحرام مثلاً أو في المسجد النبوي، فيعتكف أمام ممر مثلاً، فينظر للذاهب والجائي والرائح بس يتلفت يميناً ويساراً، لا ينبغي للمعتكف أن يجلس في مكان يشغل فيه عن التعبد لله وعن الخلوة القلبية. ينبغي له أن يخلو بقلبه، أن يخلو بتفكره بعقله، لا ينبغي له أن يتلفت يميناً ويساراً ويكثر التلفت؛ أيها الإخوة والأخوات، أهم مقصد من مقاصد الاعتكاف البعد عن فضول النظر والبعد عن فضول الخلطة والبعد عن فضول السماع، البعد عن فضول الأصدقاء، أن الإنسان يخلو بربه سبحانه وتعالى في هذا الاعتكاف. لذلك من جرب هذا الاعتكاف على الوجه الصحيح، لا شك أنه سوف يجد قلبه بعد هذا الاعتكاف أقرب إلى الله سبحانه وتعالى وأخشع لله سبحانه وتعالى.
سوف نتحدث إن شاء الله تعالى في لقائنا القادم عن اعتكاف العشر الأواخر من رمضان وتحري ليلة القدر وفضيلة ليلة القدر إن شاء الله تعالى. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبلغنا وإياكم ليلة القدر ويجعلنا ممن يقومها إيماناً واحتساباً، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه». أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا وإياكم من أهل هذا الحديث، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي