تسجيل الدخول

المحاضرة 16 - الفقه - المستوى الثالث - د.منصورالغامدي - وقت الاعتكاف وتحري ليلة القدر - أكاديمية زاد

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغباً في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه نطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي، أكاديمية زاد، ينبوعها صافٍ صفي ليروي غلة الظمآن، تتوق من الفقه الميسر عاملاً بالشرع دون تعصب لفلان، بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.

الحمد لله رب العالمين، ولي المؤمنين الصالحين، والصلاة والسلام على نبيه الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل. إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس السادس عشر من سلسلة دروس الفقه في الفصل الدراسي الثالث في أكاديمية زاد، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس وفي هذه الأكاديمية، وأن يجعل هذه الدروس علماً نافعاً باقياً ينفع به قائله وسامعه يا رب العالمين.

إخواني وأخواتي، كنا قد بدأنا في حديثنا في هذا الفصل الدراسي عن الصيام، ثم تحدثنا عن الاعتكاف. ومناسبة الحديث عن الاعتكاف بعد الحديث عن الصيام مناسبة ظاهرة؛ لأن أفضل أيام الاعتكاف اعتكاف العشر الأواخر من رمضان، والصيام في رمضان؛ لأجل هذا نجد أن أهل العلم والمصنفين يتكلمون عن الاعتكاف آخر كتاب الصيام. لماذا؟ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى قبضه الله سبحانه وتعالى، كما جاء في الصحيح من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها وغيرها.

إذاً هذا في الحقيقة دلنا على الوقت الفاضل للاعتكاف، ألا وهو العشر الأواخر، وإن كان الاعتكاف عبادة تصح كل وقت في أي مسجد تقام فيه صلاة الجماعة، الصلوات الخمس تقام في مسجد يصح فيه؛ إذاً يصح فيه الاعتكاف. سؤال: لماذا اعتكاف العشر الأواخر؟ وما هي العشر الأواخر من رمضان؟ ولماذا فضلت هذه العشر الأواخر من رمضان؟ إخواني الكرام، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في رمضان ما لا يجتهد في غيره من شهور السنة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العبودية لله مع أن الله سبحانه وتعالى قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، يجتهد في العبودية لله سبحانه وتعالى في العشر الأواخر من رمضان ما لا يجتهد في رمضان، صلوات الله وسلامه على عبده ورسوله محمد.

فقد روت لنا عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل العشر شد مئزره. شد المئزر هذه كناية عن الاجتهاد، يقال: فلان شد المئزر أو يقال: فلان شمر عن ساعده، شد المئزر معناه مثل ما يقول الناس اليوم: شمر عن ساعده؛ يعني يريدون أنه استقبل أمراً عظيماً واستعد له واجتهد فيه. فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد المئزر وأحيا ليله وأيقظ أهله. كان النبي صلى الله عليه وسلم يحيي ليله، ليس من عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحيي ليله كاملاً بالقيام من العشاء حتى الصبح، بل إن النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في عدد من الأحاديث، منها حديث عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة حتى أصبح. وجاء في حديث الثلاثة النفر الذين أرادوا الاجتهاد في العبادة وتقللوا عبادة النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، جاء في الحديث لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم كلامهم قال: «أما إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، ولكني أصوم وأفطر، وأقوم وأنام». وكان هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الليالي عموماً هو قيام الليالي، وطول قيامه صلى الله عليه وسلم كان على أنواع كما جاء مفصلاً في سورة المزمل: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: 1-2]، هذا النوع الأول، ﴿نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾ [المزمل: 3]، هذا النوع الثاني، ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ [المزمل: 4]، يعني الثلث أو الثلثين، ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ [المزمل: 4]. إذاً هذه كانت أربعة أحوال أو أنواع لطول قيام النبي صلى الله عليه وسلم، الليل إلا قليلاً، يعني هذا أكثر من الثلثين أو النصف أو الثلثين، لكن ما كان من هديه صلوات الله وسلامه عليه أن يقوم الليل كله.

لكن في العشر الأواخر، عائشة رضي الله تعالى عنها التي روت لنا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يك من هديه أن يقوم ليله كاملاً حتى الصبح قالت لنا إنه في العشر له هدي مختلف؛ كان يشد المئزر ويحيي ليله. يحيي ليله معنى ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان ينام في الليل؛ أحيا ليله معناها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كان ينام في ليالي العشر، في الليالي لم يكن ينام صلوات الله وسلامه عليه. إذاً هذا يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كونه يشد المئزر ويشمر عن ساعد الجد ويحيي الليل ويوقظ أهله، هذا دليل أن ثمة خطب جلل وأمر عظيم وشيء عظيم. وبالفعل ثمة أمر عظيم كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتحراها في هذه العشر، ما هو هذا الأمر العظيم؟ إنه ليلة القدر، أعظم بها من ليلة، وكفى بها من ليلة.

ليلة القدر في القرآن الكريم سميت ليلة القدر، يعني ما ذكر أنها ليلة القدر العظيم أو ليلة الشأن الكبير، ليلة القدر ثم أبهم ما بعدها، هذا تعظيم وتفخيم لشأنه، كأن قدرها لا يمكن أن تستوعبه الكلمات. كلمة ليلة القدر العظيم كلمة لا تفي بقدرها، ليلة عظيمة جداً، هي ليلة القدر ذات الشأن التي أنزل الله سبحانه وتعالى فيها القرآن الكريم، القرآن الكريم هداية البشرية. لا شك أن من أعظم تشريف لهذه الليلة أن الله سبحانه وتعالى اختار أن تكون بداية هداية البشرية وإخراجها من الظلمات إلى النور، بداية هذا الاتصال من السماء إلى الأرض، اتصال من السماء من الله جل جلاله إلى عباده في الأرض، بعد الظلمات التي تاهت فيها البشرية، بعد أن نظر الله سبحانه وتعالى إلى هذه البشرية فمقتهم عربهم وعجمهم، انتشار الشرك والكفر فيهم، اختار الله سبحانه وتعالى أن ينطلق هذا النور، اختار الله سبحانه وتعالى هذه الهداية أنها تبدأ من هذه الليلة ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: 1].

بالفعل إخواني الكرام، إذا كان الناس يفرحون بالفعل بنزول شيء من الأمطار التي بها حياة الأرض، إذا كان الناس يفرحون باكتشاف ثروات في الأرض، إذا كان الناس يفرحون بصفقات تجارية أو بغيرها، إذا كان الناس يفرحون بتوحيد بلدان أو يفرحون بأعياد أو يفرحون بتحالفات واجتماعات، هذه كلها أشياء دنيوية، لكن بالفعل هذه الليلة هي الليلة التي تعد ليلة الهداية للبشرية، أنزل الله سبحانه وتعالى فيها هذا الكتاب، هذا الوحي، هذا النور الذي أخرج الله سبحانه وتعالى به الناس من الظلمات إلى النور، هذا الكتاب ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ﴾ [ص: 29]، نور، شفاء لما في الصدور، آيات بينات، لا ريب فيه، هدى للعالمين، كل هذه الأوصاف وغيرها من الأوصاف كلها وصف الله سبحانه وتعالى بها كتاباً، اختار الله سبحانه وتعالى لهذا الكتاب العظيم الجليل أن ينزل في هذه الليلة. إذاً إخواني الكرام لا شك كفى شرفاً لليلة القدر أن تنزل فيها آيات القرآن الكريم أو يبتدئ فيها نزول القرآن الكريم. فاصل قصير ونتابع حديثنا إن شاء الله تعالى معكم بعد هذا الفاصل عن ليلة القدر.

العلم مراتب، فمنه فرض عين وهو تعلم ما لا يتأدب إلا به، كتعلم صفة الوضوء والصلاة، ومنه فرض كفاية كعلوم الحديث، ومنه نفل كالتبرع في أصول الأدلة، فلا بد من التدرج فيه خطوة خطوة، فإن من رام أخذه جملة ذهب عنه جملة، ولكن الشيء بعد الشيء مع الليالي والأيام، ونراعي الأولويات في التعلم، فنبدأ بالعلوم الأصلية كالتفسير والفقه قبل علوم الآلة مصطلح الحديث وأصول الفقه، ونبدأ بتعلم الفروض قبل النوافل، وفي الحديث القدسي: «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه»، وقد قيل: من شغله الفرض عن النفل فهو معذور، ومن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور. ونبدأ بالأسهل قبل الأصعب وبالمختصر قبل المطولات، قال تعالى ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: 79]، والرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره، ونبدأ بتعلم ما يترتب عليه ثمرة قبل المسائل النظرية البحتة، ونبدأ بالتعلم قبل التصدر للتعليم، فإن فاقد الشيء لا يعطيه، ونهتم بالفهم والتدبر ولا نقتصر على الحفظ والتلقين، فتدرج في طلب العلم حتى تكون من الراسخين، قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين».

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن هذه العشر الأخيرة من رمضان وعن هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها. إخواني الكرام، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم له هدي مختلف في هذا العشر الأواخر من رمضان، وهذا الاختلاف اختلاف عن رمضان ورمضان أصلاً للرسول صلى الله عليه وسلم هدي مكثف ومختلف عن بقية شهور السنة، لماذا هذا الاختلاف في العشر الأواخر من رمضان؟ إنه لأجل أمر عظيم ألا وهو ليلة القدر. ليلة القدر، من عرف عظمة القرآن الكريم وأهمية القرآن الكريم في هداية البشرية وأنه النور الذي أخرج الله سبحانه وتعالى به الناس من الظلمات إلى النور ﴿قَدْ جَاءَكُم مِّنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: 15-16]، من عرف قيمة الوحي عرف أهمية هذه الليلة وشرف هذه الليلة، أن الله سبحانه وتعالى اختارها لأن يبدأ، أن تبدأ إجراءات إخراج البشرية من الظلمات إلى النور. إذاً هي ليلة الهداية، ليلة النور، ليلة النور المبين العظيم ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ ۚ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: 3-4]، لا شك أن خصائص هذه الليلة خصائص عظيمة، فيها يفرق كل أمر حكيم، يعني يفصل ويقر فيها كل أمر حكيم، كيف لا وهي كانت أول ليلة نزل فيها هذا النور المبين، القرآن الكريم العظيم الحكيم.

كذلك ذكر الله سبحانه وتعالى عدداً من فضائل هذه الليلة فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: 1-3]. هذه الليلة الواحدة خير من ألف شهر، ما أعظمها هذه الليلة! بكم تقدر لحظات هذه الليلة وثواني هذه الليلة ودقائق هذه الليلة إذا كانت هذه الليلة خير من ألف شهر؟ قفوا، استوقفوا عقولكم وألبابكم وأفئدتكم عند هذه الليلة التي قال الله سبحانه وتعالى فيها إنها خير من ألف شهر. إذاً لا شك أن الله سبحانه وتعالى عظم شأنها، العبادة فيها خير من عبادة ألف شهر، الله أكبر! كون الإنسان يصلي فيها ركعتين أو يسبح فيها تسبيحاً أو يقرأ فيها آيتين أو يقرأ فيها القرآن الكريم أو يدعو فيها بدعوات، خير من ألف شهر، لا شك أيها الإخوة أن هذا يحتاج منا إلى تأمل وإلى وقفة.

ثم أخبر الله سبحانه وتعالى بشيء من صفاتها وخصائصها فقال: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم﴾ [القدر: 4]. تتنزل فيها الملائكة في هذه الليلة، إذاً كون الملائكة تنزل إلى الأرض، الملائكة هي سبب أساس وسبب عظيم من أسباب الرحمة والطمأنينة، وكون تتنزل في هذه الليلة لا شك أن المؤمن المتعبد لله سبحانه وتعالى في هذه الليلة سوف يكون له أعظم نصيب من السكينة والرحمة والطمأنينة والخيرات والبركات التي ينزلها الله سبحانه وتعالى في هذه الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم. تنزل الملائكة والروح، الروح هو جبريل عليه السلام، سماه الله سبحانه وتعالى بالروح لعظيم محبته لهذا الملك سبحانه وتعالى، فإن الله سبحانه وتعالى يحب جبريل. سماه الله سبحانه وتعالى الروح، يتنزل فيها جبريل عليه السلام وهو رئيس الملائكة وسيدهم وعظيمهم الأكبر الذي اصطفاه الله واختاره على بقية الملائكة، فجعله واسطة بينه وبين رسله، بينه وبين الملائكة، ﴿حَتَّىٰ إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ ۖ قَالُوا الْحَقَّ ۖ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: 23].

إذا أحب الله عبداً نادى جبريل فأخبره أنه يحبه، فينادي جبريل أن الله يحب فلاناً فأحبه جبريل، اختاره الله سبحانه وتعالى لإبلاغ رسالاته للناس، بل اختاره الله لإبلاغ رسالاته للملائكة، إذا أراد الله سبحانه وتعالى أمراً اختار الله سبحانه وتعالى لإبلاغه جبريل عليه السلام، إلا من أراد الله سبحانه وتعالى أن يكلمه مباشرة، فإن الله سبحانه وتعالى يكلم من يشاء كيف يشاء متى شاء أينما شاء سبحانه وتعالى، ولكن جبريل عليه السلام هو أمين الله على وحيه، هو أمين الله على وحيه، ﴿ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: 20-21]، صلى الله على جبريل وصلى الله على نبينا محمد عليهما أتم صلاة وأفضل سلام. إذاً يتنزل جبريل في هذه الليلة المباركة الشريفة. ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: 5]، هذه الليلة ليلة سلام، سلام بمعنى أن المسلم يسلم، أن المسلم يسلم فيها من الشيطان ومن إبليس ومن جنوده، إذاً هي سلام بالفعل، سلام معنوي، سلام إيماني، هي روح إيمانية. طيب هذه الليلة العظيمة ألا تستحق من المسلم أن يتهيأ لها وأن يتحراها وأن يظفر بها وأن يهيئ قلبه وروحه وبدنه لها؟ بلى والله، إن لم يهيئ المسلم نفسه لهذه الليلة، فلماذا لأي ليلة يهيئ نفسه؟ إذاً من ليالي الحياة الدنيا، ولا شك أن الإنسان ينبغي عليه أن يهيئ نفسه للعرض الأكبر على الله سبحانه وتعالى وأيام الآخرة، لكن في هذه السنين التي نعيش، هذه السنين القصيرة التي نعيشها، إذا لم يستعد المسلم لهذه الليلة.

ويقوم بحق هذه الليلة، إذا سوف يقوم بماذا؟ سوف يضيع عمره ووقته وطاعته، والعياذ بالله. إخواني، أعظم وأهم من أدرك هذا إدراكاً حقيقياً هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، لذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتحرى هذه الليلة تحرياً عجيباً.

إليكم شيئاً من تحري رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه الليلة؛ النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه اعتكف العشر الأُول من رمضان، لأنه علم أن ليلة القدر في رمضان، فاعتكف رسول الله العشر الأُول من رمضان يريد أن يصيب ليلة القدر، فجاءه جبريل عليه السلام في نهاية العشر الأُول، وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأوحى إليه فقال: إنما تطلبه أمامك؛ أي لم تكن ليلة القدر في هذه العشر الأُول، قال له: إنما تطلبه أمامك. فاعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر الوسطى يتطلب ويتحرى ليلة القدر صلى الله عليه وسلم، حتى انقضت العشر الوسطى والنبي صلى الله عليه وسلم في اجتهاده في العبودية لله سبحانه وتعالى، فأوحى إليه الله سبحانه وتعالى عن طريق رسوله جبريل عليه السلام، فقال لنبينا الكريم صلى الله عليه وسلم: إنما تطلبه أمامك؛ أي لم تكن ليلة القدر في العشر الوسطى من رمضان. فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: من كان قد اعتكف معي فليعتكف معي العشر الأواخر من رمضان، فاعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر الأواخر من رمضان يريد أن يتحرى ليلة القدر.

إذاً، هذا دليل على أن من أهم مقاصد الاعتكاف وأهم مراداته وحكمه إصابة ليلة القدر وتحريها، طبعاً هذا من مقاصد الاعتكاف ولا شك، نحن ذكرنا من مقاصد الاعتكاف عبودية القلب لله سبحانه وتعالى، ويُشرع الاعتكاف في كل وقت حتى في غير رمضان، حتى في العشر الأُول أو الأوسط منه، يُشرع الاعتكاف في كل وقت إن شاء الله تعالى، ولكن من أهم مقاصد أن يكون الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان أن يضيف إلى مقاصد الاعتكاف كلها مقصداً وحكمة جديدة، ألا وهي حكمة تحري ليلة القدر.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن العشر الأخير من رمضان وعن تحري ليلة القدر. قلنا إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتحرى هذه الليلة، وتحري صلوات الله وسلامه عليه لهذه الليلة فيه عدد من الدلائل؛ أول دليل: أهمية هذه الليلة وعظم هذه الليلة، الأمر الثاني: أن الله سبحانه وتعالى اختار أن يُخفي عن عباده تعيين هذه الليلة حتى إن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أُخفي عنه هذا الأمر، ولو أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعلم تعيين هذه الليلة لبلغ لأمته بدون شك، لكن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن يعلم تعيين هذه الليلة، لذلك اعتكف العشر الأُول ثم اعتكف العشر الأوسط ثم اعتكف العشر الأخير يتطلب هذه الليلة.

فلذلك الذي أوصي به نفسي وإخواني جميعاً ألا نشتغل بتعيين هذه الليلة، بعض الناس يشتغل؛ يعني يقعد يبحث عن الرؤى ويبحث عن المنامات والأحلام، ومتى هذه الليلة؟ هل هي ليلة كذا؟ ليلة كذا؟ لا، لا تشتغل بهذا، عليك بهدي النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أنه كان يجتهد تحرياً لهذه الليلة، كان يجتهد العشر الأخير كاملة، النبي الكريم صلى الله عليه وسلم اعتكف ولازم الاعتكاف في العشر الأواخر حتى قبضه الله سبحانه وتعالى كما جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، وأمر أصحابه فقال: تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان كما جاء في الصحيح.

العشر الأواخر من رمضان هي أرجى وقت لليلة القدر، قد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالتحري في العشر الأواخر من رمضان، ما معنى التحري؟ معناها التطلب، لكن هل قال لهم تحروها مثلاً ليلة كذا وليلة كذا؟ لا، اجتهد في العشر الأواخر كاملة، جاء في بعض الحديث كما سيأتينا حديث ابن عمر: إني أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر من رمضان، هذا الحديث دل على أن ليلة القدر في تلك السنة كانت في السبع الأواخر من رمضان.

جاء في حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أُخبر أو أُري ليلة القدر ثم نسيها صلوات الله وسلامه عليه، ولكن ذكر من آثار هذه الرؤية أنه يسجد في صبيحتها في ماء وطين، فأخبر أصحابه بذلك، فقال أبو سعيد الخدري: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صبح إحدى وعشرين بعد صلاة الصبح، رأيت أثر الطين في جبهة رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول أبو سعيد: واعتكف المسجد ليلة إحدى وعشرين، فرأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد في صبح إحدى وعشرين في ماء وطين، ورأيت أثر الطين في جبهة رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذاً في تلك السنة كانت قطعاً ليلة القدر هي ليلة إحدى وعشرين؛ لأن الليلة التي سجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في صبيحتها في ماء وطين، وقطعاً في الحديث الآخر كانت ليلة القدر في السبع الأواخر من رمضان حديث ابن عمر في سنة أخرى: أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، في السبع الأواخر، قطعاً أنها كانت في السبع الأواخر.

هذا يدل على ماذا؟ هذان الحديثان وغيرهما من الأحاديث يدل دلالة على أن الله سبحانه وتعالى اختار أن يجعل ليلة القدر تنتقل ولا تثبت في سنة واحدة، بمعنى أن الله سبحانه وتعالى اختار أن تكون هذه الليلة المباركة منتقلة في العشر الأواخر، بناء على هذه الأحاديث هذا الذي يظهر من خلال التأمل في هذه الأحاديث، بعض الناس يظن أن ليلة القدر في كل سنة هي ليلة السابع والعشرين، نقول هذا أحد آراء وأقوال العلماء، ولكن الذي يظهر والله تعالى أعلم من هذا القول ليس هو القول الصحيح أو الراجح الذي تدل عليه الأدلة، بل دلت بعض الأدلة على أنها ليلة ثلاث وعشرين، وبعض الأدلة دلت على أنها إحدى وعشرين، وبعض الأدلة دلت على أنها سبع وعشرين، والصحيح أنها تنتقل في هذه الليالي، والله سبحانه وتعالى يقدر أقدار العام في ليلة القدر، قد يكون في هذه الليلة أو الليلة التي تليها أو الليلة التي تليها إلى ليلة القدر العام الذي يليه، المهم أن هذه الليلة ليلة شرفها الله سبحانه وتعالى وهي ليلة مباركة شريفة اختارها الله سبحانه وتعالى.

إذاً ما الذي ينبغي علينا نحن الذين لا نعرف تعيين ليلة القدر؟ إذا كان النبي الكريم صلى الله عليه وسلم لم يعلم تعيين ليلة القدر فنحن عن العلم بتعيينها أبعد، إذا كان الرسول وهو خليل الله سبحانه وتعالى ورسوله والموحى إليه لم يعلم تعيينها، إذاً نحن عن العلم أبعد، فلذلك لا ينبغي لنا أن نشغل أنفسنا، لماذا نقول هذا الرأي؟ لأن أحياناً بعض الناس قد اجتهدوا مثلاً مثل بعض أهل العلم جمعوا الأقوال في تعيين ليلة القدر فوصلت إلى ما يزيد على أربعين قولاً، يعني هذه الأقوال كلها إن شاء الله تعالى محترمة ومقدرة، ولكن لا ينبغي أن تكون هذه الأقوال صارفة للمسلم عن العمل في العشر الأواخر كاملة، ينبغي للمسلم أن يجتهد في العشر الأواخر كاملة، وهذا هو هدي النبي الكريم صلى الله عليه وسلم، وإن كان يرجو مثلاً ليلة من الليالي تكون أبلغ أو أعظم أو شيء من هذا، لكن رجاؤه أو ترجيه لليلة القدر في ليلة من الليالي لا يعني بأي حال من الأحوال أن يهمل بقية الليالي، بل هدي النبي الكريم صلى الله عليه وسلم أنه اعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى قبضه الله، وإن كان في بدايات أمره صلوات الله وسلامه عليه قد اعتكف الشهر كاملاً يتطلب ليلة القدر، لكن استقر اعتكاف رسول الله صلى الله عليه وسلم على اعتكاف العشر الأخير من رمضان.

إذاً أنا أوصي نفسي وإخواني جميعاً أن نتحرى ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان، إخواني لا ينبغي للمسلم في هذه الليالي الفاضلة ليالي العشر أن ينشغل بالجوالات ولا بالمسلسلات ولا بالتمثيل، لا ينبغي له أن يشتغل بفضول المباحات، إخواني الكرام، هي ليلة واحدة، هي ليلة واحدة من إحدى عشرة ليلة، يعني ألا نستطيع أن نعطر أنفسنا على العبودية لله عشر ليالٍ في السنة؟ إذا لم نستطع هذا فوالله إنا مقصرون تقصيراً عظيماً، إخواني الكرام، أخواتي الكريمات، ألا نستطيع أن نغير نمط حياتنا المتوسع في المباح؟ ألا نستطيع أن نغير نمط حياتنا في عشرة أيام فقط نتعب فيها لله سبحانه وتعالى؟ لا نستطيع أن نجعل هذه العشرة أيام مختلفة عن بقية الأيام في السنة؟ ما بال بعض الناس يفوت هذه الليالي وهذه اللحظات الثمينة، هذه الدقائق الثمينة؟

إخواني وأخواتي، أعظم اللصوص الذين يسرقون منكم هذه الدقائق وهذه اللحظات التي يمكن أن تكون ليلة القدر، الذين يسرقون منكم ألف شهر، أليس الوقت هو أغلى ما نملك؟ ما بالنا نحزن إذا سرق ألف ولا ألفين ولا عشرة آلاف، ولا نحزن إذا سُرقت دقيقة ودقيقتين وثلاث دقائق من ليلة القدر؟ إخواني الكرام، أخواتي الكريمات، هذه دعوة لأن نعود إلى ليلة القدر، وأن نتحرى ليلة القدر، وأن نجتهد في ليلة القدر. جاء في بعض الآثار والأحاديث علامات لليلة القدر، من هذه العلامات ما جاء في حديث أُبي بن كعب رضي الله تعالى عنه أن الشمس تطلع في صبيحتها ولا شعاع لها، هذه العلامة لاحظوها أنها علامة بعد انقضاء ليلة القدر، لذلك العلامات قبل ليلة القدر لم يرد فيها حديث صحيح التي تُعرف بها ليلة القدر قبلها لم يرد فيها حديث صحيح، المفترض أننا نتحرى جميع العشر الأواخر حتى نصيب ليلة القدر.

وقد جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: يا رسول الله، أرأيت إن وافقت ليلة القدر ما أقول؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «قولي: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني». اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني. اللهم يا كريم، في ختام لقائنا هذا: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنا، يا كريم يا عفو يا كريم اعف عنا، يا عفو يا كريم اعف عنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.