الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً، اللهم هيئ لنا من أمرنا رشداً وآتنا من لدنك توفيقاً وسداداً وصواباً.
أما بعد، إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الرابع عشر من سلسلة دروس الفقه في الفصل الدراسي الثالث في أكاديمية زاد. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس، وأن ينفع بها قائلها وسامعها، وأن يجعلها من الحجة التي تكون لنا لا علينا. كنا قد تحدثنا عن أنواع صيام التطوع، والأيام المكروهة والمحرمة التي يحرم صيامها، وتحدثنا عن عدد من التطوعات وأشكالها.
هنا تنبيه أود أن أنبه إليه إخواني، ألا وهو كلمة الحسن البصري رحمه الله تعالى لما نهى رجلاً عن الصلاة في الأوقات التي نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فيها، قال له هذا الرجل: يا أبا سعيد، أو يعذبنا الله على الصلاة؟ فقال الحسن البصري رضي الله تعالى عنه ورحمة، وهو الرجل الفقيه العالم الزاهد العابد: «نعم، يعذبك على خلاف السنة». كونك خالفت سنة النبي صلى الله عليه وسلم هذا كافٍ. الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: 54]، وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63].
أتم الأمور وأكملها هو الاهتداء بهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم. لماذا نقول هذا؟ لأن بعض الناس ربما يشرع صيام بعض الأيام التي لم يشرعها الله سبحانه وتعالى ولا رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم؛ فمثلاً ربما شرع بعض الناس قيام شهر رجب. شهر رجب شهر كان يعظمه أهل الجاهلية ولكن لم يعظم في الإسلام، فالناس اخترعوا فيه أحاديث وروايات وحكماً وأقوالاً في مشروعية صيام شهر رجب أو مشروعية قيام شهر رجب أو غيرها، وهو شهر لم يعظمه الإسلام وإنما كان يعظمه أهل الجاهلية. إذاً، لا يشرع صيام شهر رجب، بل إن من صامه معتقداً أن فيه فضائل معينة ومعتقداً في أجر معين فلا شك أن هذا خطأ، ولا شك أنه نوع من الابتداع في الدين والزيادة في الدين التي لم يشرعها الله سبحانه وتعالى.
كذلك من الأشياء التي ربما بعض الناس يشرعها أو يظنها مشروعة، أنه يصوم آخر يوم في السنة، يقول: حتى إني أختم السنة بصيام. يظن ذلك، ولكن في واقع الأمر هذا خطأ، وهذا من الابتداع في الدين، ولم يشرع الله سبحانه وتعالى ولا رسوله صلى الله عليه وسلم أن يصام آخر يوم في السنة. ومن قال أصلاً أن آخر ذي الحجة هو آخر يوم في السنة أو آخر يوم في العام؟ هذه الأعوام اجتهادية، الذي قام بوضع أول شهر في السنة أو آخر شهر في السنة هو عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لما أرخ التاريخ الهجري سنة 25، جعلوا واختلفوا: هل يجعلون بداية العام شهر رمضان، ولا يجعلون بداية العام شهر محرم، ولا يجعلون بداية العام شهر ذي الحجة؟ فاختار رضي الله تعالى عنه أن تكون بداية العام دائماً من شهر محرم. لذلك الناس ابتدأوا بعد تاريخ عمر رضي الله تعالى عنه يضعون رقماً جديداً للسنة من بعد شهر محرم.
و﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [التوبة: 36]، ما جاء في القرآن الكريم ولا في سنة النبي صلى الله عليه وسلم أن شهراً كذا هو أول شهر في السنة، ولا هذا آخر شهر في السنة، ولا هذا أوسط شهور السنة. لا، هذه قضية اصطلاحية حصلت في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أما قضية الشهور فلا، هذه قضية فلكية قدرية خلقها الله سبحانه وتعالى؛ الشهور أنها اثنا عشر شهراً، وأن السنة تدور في اثني عشر شهراً. لذلك كون شخص يقول: والله يشرع أني أصوم آخر يوم في السنة، وهو يوم 30 ذي الحجة، نقول: هذا غير مشروع. وللأسف أحياناً بعض الناس يشرع بعض العبادات من عنده وهي إلى البدعة أقرب منها إلى السنة. هذا لا يجوز، الإنسان أن يشرع صيام بعض الأيام أو يحث الناس على صيام أيام لم يشرع الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم صيامها. بعض الناس ربما استحب صيام أيام بعض الغزوات، أو المولد النبوي، أو غيرها؛ هذه كلها غير مشروعة، لا يشرع صيامها ولا يستحب صيامها.
ينبغي على المسلم أن يتعبد لله وفق ما شرع الله وشرع رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم. ﴿وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: 54]. ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63]. ينبغي للمسلم أن يتحرى هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: 21]، ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [آل عمران: 31]، إلى غير ذلك من الآيات التي أمر الله سبحانه وتعالى فيها بطاعة الله وطاعة رسوله، والاقتداء برسوله، وتحكيم كتابه وتحكيم سنة رسوله. كل هذه دلالة على أن المسلم لا يجوز له أن يشرع شيئاً من العبادات التي لم يشرعها الله سبحانه وتعالى ولم يجئ بها حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
كنا قد وعدناكم في اللقاء السابق بأن نتحدث عن موضوع الصيام من أثناء النهار. النبي صلى الله عليه وسلم جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم دخل عليها فقال: «هل عندكم من غداء؟» قالت: لا. قال: «فإني إذاً صائم». هذه أخذ منها أهل العلم أن نية النافلة يجوز أن تكون من منتصف النهار. وقد نبهنا أن لكل امرئ ما نوى، فمن كانت نيته من أول النهار فأجره أعظم؛ لماذا؟ لأنه حقق عبودية الصيام بشكل أكبر وصار صائماً أكثر. ما هو الشرط الذي يشترط لمن نوى في أثناء النهار؟ يشترط أن لا يكون قد أكل شيئاً من قبل. فأما إن كان قد أكل شيئاً من قبل فنقول: لا يصح أن يصوم؛ لماذا؟ لأنه لا يوجد صيام نصف نهار، الصيام لا بد أن يكون النهار كاملاً. ولكن نية من نصف النهار هذه تقبل وله من الأجر نصف النهار. واضح؟ أما الصيام ما يصلح، لو واحد قال: والله أنا بصوم نصف النهار، الذي يصوم نصف النهار فقط الأطفال الصغار من باب تعويدهم فقط، أما الكبار لا، ما أحد يصوم نصف النهار. هذا الصيام الذي يصومه الأطفال أعمار سبع سنوات وثمان سنوات يقال له: تصوم إلى الظهر ولا تصوم إلى العصر، والسنة اللي بعدها تصوم إلى العصر، والسنة اللي بعدها تصوم إلى المغرب؛ هذا فقط صيام الأطفال الصغار. لكن الصيام الشرعي الذي شرعه الله سبحانه وتعالى وشرعه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الصيام من أول النهار إلى آخره، لذلك إذا كان قد أكل في أول النهار فلا يصح صومه في أثناء النهار.
كذلك من الرخص في النافلة أن المسلم إذا شرع في نافلة يجوز له قطعها. فلو أن إنساناً مثلاً شرع في صيام يوم الاثنين، فلما جاء الغداء يوم الاثنين دعاه والده أو والدته للغداء معه، نفترض عندهم ضيوف أو أراد أن يشاركه في غدائه، فنقول الأظهر والله تعالى أعلم أنه يشرع لهذا الشاب أو لهذا المسلم أو لهذه المسلمة أنها تلبي رغبة والديها بالأكل معهم خصوصاً إذا كانوا بعيدين عنهم وأرادوا دعوتهم للغداء مثلاً، فإن يطعموا مع والديهم براً بهم. لاحظ أن هنا تعارضت مصلحة البر مع الصيام، فنقول: تغدَّ مع والدك أو تغدَّ مع والدتك، ثم بعد ذلك اقضِ هذا اليوم في يوم آخر.
فاصل قصير ونعود إليكم إن شاء الله تعالى بعد الفاصل.
نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن قطع بنية الصيام. فلو أن إنساناً بدأ يومه صائماً، ثم حصل له عارض، اقتضى هذا العارض أو مصلحة معينة اقتضت أن يقطع صيامه، فالصحيح والله تعالى أعلم أنه يجوز له أن يقطع صيامه، إلا أن ننبه هنا تنبيهاً وهو أن المسلم لا ينبغي له أن يقطع عبادته لأدنى عارض. هذا الأمر الأول. الأمر الثاني: إذا قطع عبادته ينبغي له أن يحرص على قضائها، لماذا؟ حتى يعوّد نفسه لزوم العبادة. وقد جاء في حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما شغله وفد عبد القيس عن الركعتين بعد صلاة الظهر، متى صلاها النبي صلى الله عليه وسلم؟ أشغله وفد عبد القيس جلسوا معه من الظهر إلى العصر، وكان النبي صلى الله عليه وسلم مشغولاً معهم فشُغل عن الركعتين بعد الظهر. فالنبي صلى الله عليه وسلم لما صلى صلاة العصر قام فركع الركعتين التي كان يداوم عليها بعد صلاة الظهر، فأشارت إليه أم سلمة رضي الله تعالى عنها وقالت: إن هذا الوقت... يعني أشارت إليه بما مفهومه، فردها النبي صلى الله عليه وسلم، أو أرسلت جاريتها لتشير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتذكره فردها النبي صلى الله عليه وسلم. فلما قضى صلاته سألته، فقالت يا رسول الله: أليس هذا الوقت وقت نهي؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن وفد عبد القيس أتوني وشغلوني عن الركعتين بعد الظهر فهما هاتان». فصلاهما النبي صلى الله عليه وسلم، قضاهما النبي صلى الله عليه وسلم.
ومرة لم يتيسر له اعتكاف العشر الأواخر في سنة من السنوات بسبب مزاحمة أمهات المؤمنين، وأن كل واحدة منهن ضربت لها قبة في المسجد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «البر أردن». فرجع الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يعتكف تلك السنة، ولكنه اعتكف عشراً من شوال. لماذا؟ لأن المسلم إذا تعود قطع العبادة دون قضاء، فإنه الآن سوف يقطع العبادة لعذر مهم، ثم بعد ذلك يقطعها لعذر غير مهم، ثم يقطعها لعارض بسيط، ثم بعد ذلك يتركها لأنه عوّد نفسه على تركها. لكن الإنسان إذا استدام شيئاً وحصل له عارض مهم جعله يقطع هذا الشيء، فإن عليه أن يقضيه تعويضاً لنفسه وعدم ترك العبادة. لذلك النبي صلى الله عليه وسلم أمر من كان عنده ورد من الليل نام عنه في ليلة من الليالي أن يقضيه في وقت الضحى، وأنه إذا قضاه في وقت الضحى كأنه قامه من الليل، ليش؟ لأجل قضية القضاء، تعويد المسلم ألا يترك العبادة لله سبحانه وتعالى، ألا ينقطع عنها. وهذا بالفعل يؤكد ما قد ذكرناه في دروس سابقة، وهو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مزكٍّ ومربٍّ للناس صلوات الله عليه، بُعث في الأمم منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم، تزكية النبي صلى الله عليه وسلم للنفوس هي والله خير تزكية وخير تربية للنفوس. فلا شك أن هذا من علم رسول الله صلى الله عليه وسلم بمداخل النفوس ومخارجها. الإنسان إذا عوّد نفسه على ترك العبادة شيئاً فشيئاً يعتاد تركها، لذلك كان عمل النبي صلى الله عليه وسلم ديمة، وإذا حصل له عارض يعرض له يمنعه من العمل فإنه يقضيه بعد ذلك حتى لا تعتاد نفسه الكسل وتعتاد النفس ترك العمل. صلوات الله وسلامه على رسولنا الكريم معلمنا ومزكينا وهادينا. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يهتدي بهديه ويتزكى بزكاته.
نريد أن ننتقل بعد حديثنا عن الصيام إلى عبادة من العبادات التي شرعها الله سبحانه وتعالى وشرعها رسوله صلى الله عليه وسلم، ألا وهي عبادة الاعتكاف. والاعتكاف لله سبحانه وتعالى، ما هي هذه العبادة؟ العبادة هي العكوف، ومعناها اللزوم والبقاء.
طول المكث هذا يسمى عكوفًا، ولا يسمى من جلس في مكان لمدة دقيقة أو دقيقتين عاكفًا، لا يقال هذا عاكف على شيء؛ يعني أطال المكث واللبث عند هذا الشيء أو لأجل هذا الشيء، هذا عاكف عليه.
الناس يستخدمون العكوف في معانٍ دنيوية، فيقال إن فلانًا مثلاً عاكف في الدكان، عاكف على التجارة؛ عاكف يعني أنه يطيل الوقت الذي يبذله لأجل هذا الشيء. هذه استخدامات دنيوية، لكن هناك اعتكاف من نوع آخر هو العكوف التعبدي؛ تعبدًا لله سبحانه وتعالى. ما هو العكوف التعبدي؟ هو أن يلبث في مكان قربةً إلى الله سبحانه وتعالى. ما هو هذا المكان؟ هي البيوت التي أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ ۙ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: 36-37]. إنها بيوت الله التي شرع الله سبحانه وتعالى فيها صلوات الجماعة، وشرع فيها الاعتكاف والمكث وطول اللبث ذكرًا لله سبحانه وتعالى، وتعبدًا وتقربًا إلى الله سبحانه وتعالى. إذاً لزوم المسجد تعبدًا لله سبحانه وتعالى هذا هو معنى الاعتكاف.
لاحظوا أن هذا الاعتكاف التعبدي، هذا الاعتكاف تعبدًا وتقربًا، إن صُرف لله سبحانه وتعالى فهو عبودية وتوحيد وقربة إلى الله سبحانه وتعالى، وإن صُرف لغير الله فهو شرك. هل يمكن أن يكون العكوف تعبدًا لغير الله؟ نعم، أهل الأوثان وعباد الأصنام يعكفون عند أصنامهم، وهذا حقيقة قد شوهد؛ أنك تجد شخصًا يعكف عند هذا الصنم يومًا أو يومين أو ثلاثة أيام، وهو منحني الرأس منحني الجسد يتقرب لهذا الصنم أو لهذا الوثن الذي سيقوده إلى نار جهنم والعياذ بالله، شرك بالله سبحانه؛ يصرف هذه العبودية لغير الله سبحانه وتعالى. لذلك قال إبراهيم عليه السلام مستنكرًا على قومه: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: 52]. كانوا يعكفون عند هذه التماثيل، عند هذه الأصنام، يبكون عندها.
لذلك المكث وطول المكث في محل العبادة هو عبادة وتقرب، فإن مكث الإنسان في المسجد فهو متعبد لله سبحانه وتعالى موحد لله سبحانه وتعالى، وإن مكث الإنسان عند الأصنام والأوثان والعياذ بالله فهذا شرك بالله سبحانه وتعالى يؤدي بالإنسان في مهاوي الردى، أو إذا عكف الإنسان عند قبر والعياذ بالله يظن أن هذا القبر ينفعه ولا يضره؛ لا ينفع ولا يضر إلا الله سبحانه وتعالى، يعكف عند هذا القبر، هذا لا شك أن هذا نوع من العبودية لهذا القبر ولصاحب هذا القبر، ولا يقود إلى الله سبحانه وتعالى وإلى جنات الله ورضوان الله إلا العبودية لله سبحانه وتعالى. أما العبودية لغيره، سواء كانت العبودية لغير الله عبودية لوثن أو لصنم أو لقبر أو لنبي أو لملك أو لجبل أو أيًا كان، أي عبودية لغير الله فهي تقود الإنسان والعياذ بالله إلى نار جهنم.
إذاً العكوف عبادة أحبها الله سبحانه وتعالى من عباده المؤمنين، قال الله سبحانه وتعالى أمرًا نبيه وخليله إبراهيم: ﴿أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: 125]. أمر الله سبحانه وتعالى بتطهير البيت لهم. وأخبر الله سبحانه وتعالى عن الاعتكاف وعن العكوف في عدد من آيات كتابه، وكذلك أخبر ببعض أحكام الاعتكاف، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: 187]. إذاً العكوف يكون في المساجد، لا يكون العكوف عند المشاهد والقبور، لا يكون العكوف عند الأوثان والأصنام والعياذ بالله.
ما هو المسجد الذي يصح الاعتكاف فيه، وما حقيقة الاعتكاف وما ضابطه؟ هذا ما سوف نتطرق له بعد هذا الفاصل القصير.
نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن العبودية لله سبحانه وتعالى بالاعتكاف ولزوم مسجده. لزوم المسجد هو نوع من أنواع العبودية لله سبحانه وتعالى التي فيها عدد من المصالح، فمن المصالح المتحققة بهذا الأمر تفرغ القلب وخلو الذهن من مشاغل الدنيا التي تغر المسلم وتصرفه عن عبادة الله، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [لقمان: 33]. لا شك أيها الإخوة والأخوات أن مشاغل الدنيا كثيرة، وتزداد مع كبر الإنسان يومًا بعد يوم، وتكثر هذه الشواغل وخصوصًا في وقتنا المعاصر الذي أصبح الجوال فيه في جيب كل واحد، وأصبح يتصل ويعرف أخبار العالم كلها الاقتصادية والسياسية وغيرها من الأخبار الاجتماعية، كلها تصل إليه من خلال هذا الجوال ومن خلال شاشة الأخبار ومن خلال الراديو ومن خلال غيرها.
هذه كلها حقيقة تسبب ضوضاء في قلب المسلم؛ هذا خبر من هنا وهذا خبر من هنا، وهذا اتصال من هنا، وهذا يريد هذا، وهذا عنده دعوة، وهذا عنده هذه، أخبار كثيرة كل دقيقة كل ساعة يسمع الإنسان شيئًا جديدًا، هذه لا شك أنها ضوضاء تزعج القلب. كون المسلم يعتكف لله سبحانه وتعالى يحاول أن يفرغ قلبه للعبودية لله سبحانه وتعالى، لا شك أنه في هذه اللحظات يحس بطعم آخر للعبودية لله سبحانه وتعالى، يحس بطعم الخشوع، يحس بعبادة التفكر؛ التفكر ليس في أحوال الدنيا، في كيف طريق الاستثمار وطرق التجارة وطرق الإدارة، لا، وإنما التفكر في نجاة المسلم يوم القيامة، التفكر في نعم الله وآلائه، التفكر في جليل صفاته سبحانه وتعالى، التفكر في أشياء كثيرة، يتفكر في الجنة، يتفكر في النار؛ هذه تحتاج إلى خلوة بالله، تحتاج منك إلى أن تصمت جوالك لحظات، وتبقى في المسجد تقرأ القرآن، تذكر الله، تجلس تتفكر قليلاً، تجد أنك تترقى في مدارج الإيمان في مدارج العبودية لله سبحانه وتعالى شيئًا فشيئًا. إذاً هذا هو الاعتكاف، هدفه أن يخلو المسلم بالله سبحانه وتعالى؛ هذا مقصوده الأعظم.
أن تربي قلبك على الاتصال بالله سبحانه وتعالى، أن تزكي نفسك، أن تعمل أعمال القلوب من الخشية والإقبال إلى الله سبحانه وتعالى، التوبة إلى الله سبحانه وتعالى؛ هذه كلها مقاصد الاعتكاف. مقاصد الاعتكاف حقيقة تدور حول أعمال القلوب. هذا المقصد الأعظم من مقاصد الاعتكاف. الاعتكاف ليس سنة مشروعة في دين محمد أو دين الإسلام فقط، وإنما هو في دين محمد صلى الله عليه وسلم والرسل من قبله، ولا شك أن دينهم جميعًا هو دين الإسلام، فقد شرعه الله سبحانه وتعالى على لسان إبراهيم عليه السلام، وأمره الله سبحانه وتعالى أن يطهر البيت: ﴿أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾ [البقرة: 125]. أمرهم الله سبحانه وتعالى بتطهير البيت للعاكفين، هذا معناه أن العكوف في المسجد الحرام كان مشروعًا من لدن زمن إبراهيم عليه السلام.
عبادة عتيقة استمرت هذه العبادة إلى زمن رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، إلا أن حقيقة مما يؤسف له اليوم أن نجد هذه العبادة قد اندثرت عند كثير من الناس، ما صار يقوم بها إلا ثلة من الشباب الحريص على الخير الذي يتعبد لله سبحانه وتعالى، الحريص على الاقتداء بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن للأسف نجد أن قليلًا من يتعبد بهذه العبادة من أصحاب الأربعين والخمسين والستين، بينما الإنسان كلما تقدم عمره المفترض أن يكون أقرب إلى الله سبحانه وتعالى، للاسف نجد كثيرًا من الناس قد شُغلوا بحياتهم الدنيا. لذلك وهذا حقيقة شكوى قديمة من الزهري رحمه الله تعالى قال: عجبا للمسلمين، تركوا سنة الاعتكاف مع أن نبيهم ورسولهم صلوات الله وسلامه عليه قد اعتكف ولم يترك الاعتكاف حتى فارق الدنيا صلوات الله وسلامه عليه.
إذاً عجبًا للمسلمين اليوم؛ لماذا تركوا العبودية لله سبحانه وتعالى بهذه العبادة التي شرعت من لدن إبراهيم عليه السلام إلى رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، واعتكف أزواجه من بعده والصحابة؟ هذا الاعتكاف الذي استمر إلى زماننا هذا، ولكن حقيقة عزاؤنا في هؤلاء الشباب الحريص على الخير الذي يريد أن يتعبد لله سبحانه وتعالى، أن يحرص على هذه السنة. ولعلنا إن شاء الله تعالى نرى في قابل الأيام ممن يعتكف شبابًا وكهولاً ونساءً إن شاء الله تعالى.
هذه القضية، الاعتكاف مشروع، ومن جنس الاعتكاف انتظار الصلاة بعد الصلاة، كما جاء في الحديث: «فذلكم الرباط، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط». هذا من جنس الاعتكاف، انتظار الصلاة بعد الصلاة في المسجد يمكن أن نسميه رباطًا أو اعتكافًا مصغرًا. الاعتكاف إذاً مشروع في القرآن وفي السنة وفي كلام أهل العلم، وهذه مسألة يكاد يتفق عليها أهل العلم، وهو يجب بالنذر، ليس من الاعتكاف شيء واجب من جنسه، يعني لا يوجد اعتكاف واجب واعتكاف مسنون، وإنما الاعتكاف كله مسنون، ولكنه يتفاوت في الرتب، فمنه انتظار الصلاة بعد الصلاة، ومنه العكوف فترة طويلة. كم مدة الاعتكاف؟ أقل الاعتكاف من حيث طول المدة، ممكن الإنسان يعتكف شهرًا أو شهرين أو أكثر أو أقل، لكن كم أقل مدة للاعتكاف؟ ذكرنا أن بعض الناس يقول إن أقل مدة للاعتكاف لحظة أو ساعة، لكن الأظهر حقيقة أن هذا القول قول ضعيف، لماذا؟ لا يوجد عندنا دليل من القرآن أو السنة يحدد أن الاعتكاف لحظة أو ساعة.
لكن عندنا الدليل اللغوي، لفظة الاعتكاف ماذا تعني؟ لفظة الاعتكاف معناها طول اللبث وطول المكث، لذلك أنتم تلاحظون اليوم في لغتنا الدارجة تقول إن فلانًا هذا معتكف مثلاً على الجوال، ما هو معناه أنه يستخدم الجوال لحظة أو دقيقة، لا، معناها أنه جالس يطالع في الجوال وجالس يستخدم الجوال الساعات الطوال، هذا تقول هذا معتكف، إذاً الاعتكاف فيه معنى الطول، طول المكث واللبث. هذا المراد بالاعتكاف، لذلك الأظهر والله تعالى أعلم أن أقل مدة للاعتكاف يوم أو ليلة، يعني إما نهار كامل وإما ليلة كاملة، وأما من جلس في المسجد ساعة أو ساعتين أو ثلاث فهذا إن شاء الله على خير، لكن هل يدخل هذا في حد الاعتكاف؟ نقول الأظهر والله تعالى أعلم أن حد الاعتكاف يكون أقله يوم أو ليلة، ولا شك أن من انتظر الصلاة بعد الصلاة أن هذا نوع من الرباط وهو ما يمكن أن نسميه أو نصطلح عليه أنه اعتكاف مصغر، فكأنه يعود نفسه على هذه العبادة شيئًا فشيئًا.
ما هي شروط الاعتكاف؟ أن ينوي الاعتكاف، أن ينوي المكث والبقاء، فلو لم ينوِ المكث والبقاء أو بقي عرضًا دون نية التعبد لله سبحانه وتعالى بهذا المكث والبقاء فإن هذا لا يسمى اعتكافًا. الأمر الثاني، الطهارة من الحدث الأكبر، فالجنب والحائض والنفساء لا يصح اعتكافهم، بل لا يصح بقاؤهم في المسجد إلا عابر سبيل، ولكن لا يصح لهم أن يبقوا في المسجد. كذلك أن يكون في مسجد تقام فيه صلاة الجماعة، بعض المساجد أحيانًا لا تقام فيها جميع الصلوات، مثلاً نفترض أن هناك مسجدًا بجوار مدرسة مثلاً في قرية نائية أو شيء من هذا، فأحيانًا هذا المسجد يقام فيه مثلاً صلاة الظهر يصلي فيه الطلبة، لكن لا تقام فيه الصلوات الخمس دائمًا، لكن لا بد في المسجد الذي يعتكف فيه أن تقام فيه الصلوات الخمس؛ لماذا؟ لأن المعتكف مطالب بصلاة الجماعة، فهل معنى هذا أنه سوف يخرج لكل صلاة إلى المسجد الذي تقام فيه صلاة الجماعة ويرجع إلى اعتكافه؟ معنى هذا أنه سوف يخرج في كل يوم وليلة خمس مرات، هذا خروج كثير، الاعتكاف معناه المكث واللبث، إذا أكثر الخروج انقطع الاعتكاف.
إذا كان الإنسان في اعتكافه سيصادف جمعة، هل نقول يشترط أن تكون في مسجد جامع تقام فيه جمعة؟ نقول لا يشترط هذا، لأن الخروج للجمعة خروج يسير، خروج مرة واحدة في الأسبوع هذا يسير، لذلك لا نشترط أن يعتكف المسلم في مسجد جامع، لا، ولكن نشترط أن يعتكف المسلم في مسجد تقام فيه صلاة الجماعة الصلوات الخمس. كذلك أن يكون الاعتكاف.
من شخص شاب مميز، هذا أقل شيء؛ أما الذي لا يميز ولا يدرك معنى العبادة، فهذا أصلاً لا تصح منه هذه العبادة. إذاً لا تصح أولاً عبادة الاعتكاف إلا من مميز. لماذا لم نقل البلوغ؟ البلوغ العادة أنه يكون شرطاً في الوجوب، أصلاً نحن نقول الاعتكاف غير واجب، فلذلك لا نأتي بالبلوغ وإنما نأتي بالتمييز.
هل يشترط أن يكون المعتكف ذكراً أم يصح اعتكاف الأنثى؟ نحن نجيب على هذا بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، اعتكف رسول الله واعتكفت أزواجه معه واعتكفت أزواجه من بعده، وهذا كافٍ لأن ندرك أن سنة الاعتكاف تشمل الرجال والنساء.
هذه بعض الشروط والأحكام المتعلقة بالاعتكاف، وسوف نواصل إن شاء الله تعالى الحديث عن الاعتكاف وأحكامه وشروطه في لقائنا القادم إن شاء الله تعالى، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي