الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً، اللهم هيئ لنا من أمرنا رشداً، اللهم يا رب العالمين اهدنا ويسر الهدى لنا.
إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس الثالث عشر من سلسلة دروس الفقه في الفصل الدراسي الثالث في أكاديمية زاد. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس؛ قائلها وسامعها، ومعلمها والمتعلم منها، وناشرها، ومن ساهم في نشرها.
إخواني وأخواتي، كنا قد بدأنا في لقائنا الماضي الحديث عن صيام التطوع، وقلنا إن صيام التطوع له عدد من الفوائد؛ فمن فوائده أنه يقرب المسلم إلى الله سبحانه وتعالى، وأنه يشفع لصاحبه في دخول الجنة، وأنه يتمم به النقص الحاصل في فرائضه، وغير ذلك من الفوائد. وذكرنا حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، وكيف أن النبي صلى الله عليه وسلم رباه وزكاه وعلمه صلوات الله وسلامه عليه -وهو أفضل مربٍ ومزكٍ ومعلم- كيف يعود نفسه على العبودية لله سبحانه وتعالى.
لا شك أن قد يقول قائل: لا شك أن أفضل الصيام صيام داود عليه السلام، فلماذا لم يبدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم في تعليمه لعبد الله بن عمرو بن العاص؟ قد ذكرنا في لقائنا الماضي أن مراد النبي صلى الله عليه وسلم كان تربية عبد الله وتزكيته وتدريجه في سلم العبودية شيئاً فشيئاً.
نريد أن نتحدث اليوم عن أنواع صيام التطوع، فصيام التطوع له أنواع؛ منه تطوع مطلق، ومنه تطوع مقيد. فأما التطوع المطلق، فمثلاً كان يصوم الإنسان يوماً من الأيام، أو يومين، أو ثلاثة أيام متى ما شاء؛ بمعنى أن هذا التطوع المطلق ليس يصومه الإنسان لفضل يوم معين، أو لا يصومه الإنسان ضمن ما يمكن أن نسميه برنامجاً معيناً درج فيه في عبوديته لله سبحانه وتعالى، لا، وإنما هو صوم اشتهى العبودية لله سبحانه وتعالى، اشتهى أن يصوم وأن يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بهذه القربة، فصام، يفترض أنه صام يوم أربعاء مثلاً أو يوم ثلاثاء مثلاً، أو صام مثلاً ثلاثة أيام أو خمسة أيام متواصلة، فهذا يسمى تطوعاً مطلقاً.
مثل ما لو أراد إنسان أن يصلي لله سبحانه وتعالى مثلاً ركعتين أو أربع ركعات، أحس من نفسه نشاطاً، مثلاً بعد صلاة الظهر صلى راتبة الظهر ثم بعدها أحس من نفسه نشاطاً، فأراد أن يصلي لله سبحانه وتعالى شيئاً، أو يدعو الله سبحانه وتعالى بشيء، أو يطلب الله سبحانه وتعالى بشيء، فصلى، هذا يسمى تطوعاً مطلقاً.
التطوع المطلق مشروع في كل وقت؛ إلا في الأيام التي سيأتينا إن شاء الله تعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم صيامها أو كره صيامها، هذه لا يتطوع الإنسان فيها تطوعاً مطلقاً، وإنما التطوع المطلق يكون في كل السنة إلا في الأيام المحرمة والمكروهة التي ستأتينا إن شاء الله تعالى في آخر لقاء. هذا إذاً النوع الأول من أنواع التطوع بالصيام: التطوع المطلق.
النوع الثاني: التطوع المقيد؛ التطوع المقيد بمعنى أنه يصوم هذا اليوم لفضيلة جاءت فيه، حث رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس على الصوم فيه لأجل هذه الفضيلة ولأجل تحقيق هذه الفضيلة. وقد ذكرنا من قبل أن الله سبحانه وتعالى فاضل الأيام، وفاضل الأماكن، وفاضل الناس، وفاضل الأشياء، بل إنه سبحانه وتعالى فاضل شرائع دينه وكلامه وآيات كتابه. الله سبحانه وتعالى يصطفي ويختار ما يشاء سبحانه وتعالى، ولا أحد يسأله عما يفعل، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: 23]؛ الناس الذين يسألون ويحاسبون عن أفعالهم.
فالله سبحانه وتعالى قد اصطفى من الملائكة جبريل فجعله أمينه على وحيه وجعله رسوله إلى رسله، واصطفى من الناس رسلاً، واصطفى من الأماكن مكة وشرفها وجعل فيها بيته الحرام، واصطفى من الأزمان شهر رمضان ويوم النحر ويوم عرفة. الله سبحانه وتعالى يصطفي ويختار ما يشاء سبحانه وتعالى، فالله سبحانه وتعالى قد اصطفى بعض الأيام أخبرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لصيامها فضائل خاصة، يرجى للمسلم الذي يصومها أن تحصل له هذه الفضائل، أن يتقبل الله سبحانه وتعالى منه صيامه.
فمن هذه الأيام التي اصطفيت واختيرت للصيام: صيام يوم عرفة، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يحتسب على الله أن يكفر سنتين؛ سنة قبله وسنة بعده، إذاً هذا يوم عظيم لعظم محبة الله سبحانه وتعالى لهذا اليوم. ومما يتبع عرفة صيام تسع ذي الحجة من الأول إلى التاسع، وآخرها يوم عرفة التاسع، باعتبار أن هذه الأيام هي أفضل الأيام، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من عشر ذي الحجة».
كذلك من الصيام المقيد الفاضل صيام عاشوراء، وهذا اليوم قد صامه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر الناس بصيامه، وقد فرض صيام هذا اليوم في أول الإسلام في السنة الأولى من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم قبل فرض رمضان، ثم فرض رمضان بعد ذلك في السنة الثانية من هجرة النبي صلى الله عليه وسلم. وصام رسول الله صلى الله عليه وسلم تسع رمضانات، أما قبل فرض رمضان فقد فرض صيام يوم عاشوراء، صامه رسول الله وأمر الناس بصيامه، وأمر منادياً ينادي الناس يوم عاشوراء أن يمسكوا بقية يومهم وأن يصوموا.
فهذا كذلك من الأيام الفاضلة، وهذا اليوم يوم فاضل صامه رسول الله صلى الله عليه وسلم ووجد الناس يصومونه، وكان يوماً من قبل يعظمه أهل العرب في جاهليتهم ويعظمه أهل الكتاب؛ باعتباره أنه يوم نجى الله سبحانه وتعالى فيه موسى، ونصر الله سبحانه وتعالى فيه الحق وأهله. إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم في آخر عمره صلوات الله وسلامه عليه، وحرصاً منه على سنة مخالفة اليهود والنصارى -وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بمخالفتهم في عدد من شرائع الدين- فالنبي صلى الله عليه وسلم قبل وفاته قال: «لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع». أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخالف أهل الكتابين في هذه الشعيرة، حتى يتميز أهل الإسلام في عباداتهم عن أهل الكتاب في عباداتهم.
وكذلك يتبع صوم يوم عاشوراء ويوماً قبله أو يوماً بعده، يتبعه صيام شهر الله المحرم؛ فقد جاء في الحديث الشريف: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم». والمسلم يصوم شهر الله المحرم أو يصوم أكثره، لا شك أن هذا كذلك من الأيام الفاضلة.
الشهر الآخر الفاضل هو شهر شعبان، وقد جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصوم شعبان إلا قليلاً، وقال أهل العلم: إن صوم شعبان بمثابة السنة الراتبة قبل الفريضة، صوم شعبان وست من شوال هي كأنها بمثابة السنة الراتبة للفريضة، سنة قبلها وسنة بعدها؛ السنة القبلية هي صيام شعبان تهيئة للنفس للقدوم على الفريضة، ثم بعد ذلك صيام ست من شوال، هذا النوع الرابع من أنواع التطوعات، هذا يكون بعد الفريضة وهو أشبه بالراتبة البعدية.
إذاً هذه أيام فاضلة شرع الله سبحانه وتعالى صيامها: تسع ذي الحجة وآخرها عرفة، عاشوراء ويوماً قبله ويوماً بعده ويتبعه شهر الله المحرم، شهر شعبان إلا قليلاً، وست من شوال، هذه من أهم أنواع صيام التطوعات.
فاصل قصير ونعود إليكم بعد الفاصل.
بشرى لنا زد أكاديمية للعلم كالازهار في البستان، يأخذ بيدك ليرقى بك إلى أعلى المنازل، يقف معك وينافح عنك وقت الضيق والكرب، إنه القرآن. ففي الحديث يقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنة: «اقرأ واصعد»، فيقرأ ويصعد بكل آية درجة حتى يقرأ آخر شيء معه. وحين تأتي أهوال يوم القيامة وشدائده، لا يتخلى القرآن عن أصحابه، يقول عليه الصلاة والسلام: «اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه».
بل إن القرآن ينفع صاحبه بكل حرف منه؛ إن القرآن يرفعك وينفعك في الدنيا والآخرة، وفي الحديث: «من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها». لذلك استحق صاحب القرآن أن يغبط عليه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار». فكن مع هذا الصاحب الوفي، وعش في رحابه، فأنت في صفقة رابحة وتجارة لن تبور، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾ [فاطر: 29].
نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن صيام التطوع، وقد ذكرنا قبله أن التطوع مطلق ومقيد، ثم ذكرنا بعض الأيام الفاضلة التي شرع صيامها. إذاً التطوع المقيد، النوع الأول منه: أيام فاضلة شرع صيامها.
ذكرنا يوم عرفة، وذكرنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنه يحتسب على الله سبحانه وتعالى أن يكفر سنتين، وتسع ذي الحجة كلها؛ لأنها الأيام الفاضلة. عاشوراء، احتسب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجا أن يكفر الله سبحانه وتعالى به سنة كاملة، هذا في يوم عاشوراء، وقال: «أفضل الصيام صيام شهر محرم». شعبان قلنا إنه في مقام الراتبة القبلية قبل رمضان، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصومه، وقد قالت عائشة رضي الله عنها: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم شهراً أكثر منه في شعبان؛ طبعاً حاشا رمضان، رمضان صيام فريضة، لكن تعني رضي الله تعالى عنها صيام النافلة. وصوم ست من شوال، وهو بمثابة الراتبة البعدية.
طيب هنا تنبيه: صيام ست من شوال يكون بعد أن يتم المسلم صيام رمضان؛ فإذا صام رمضان يشرع في صيام الست من شوال، وإن كان بقي عليه سفر أيام أو مرض أيام، أو المرأة جاءتها الدورة في بعض الأيام في شهر رمضان، فإنها تقضي هذه الأيام في شوال ثم تصوم ستاً من شوال، ولا يشرع للمسلم أن يبدأ بالست من شوال قبل أن يتمم فرضه.
وقد ذكرنا أن هذا يستفاد من أمرين: الأمر الأول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من صام رمضان ثم أتبعه بست من شوال». إذاً قوله: «ثم أتبعه» يعني بعد صيام رمضان، والذي عليه قضاء من رمضان لا يعتبر قد صام رمضان حتى يتم قضاءه، إذاً هذا الدلالة الأولى من الحديث.
الدلالة الثانية أن نقول: إن الراتبة البعدية لا تشرع إلا بعد الفريضة، الراتبة البعدية لا تشرع إلا بعد الفريضة، وقول المسلم فاتته الفريضة لعذر عليه أن يقضي هذه الفريضة، ثم بعد ذلك يشرع له أن يسنن بعدها الراتبة البعدية، وأما قبل قضاء الفريضة فإنه لا يشرع له أن يأتي بالراتبة البعدية قبل الفريضة. إذاً لأجل هذين الأمرين قلنا إن المشروع للمسلم أن يقضي ما فاته من رمضان ثم بعد ذلك يشرع في صيام الست من شوال.
وذكرنا تنبيهاً في صيام عاشوراء أنه يشرع صوم يوم قبله أو يوم بعده لأجل مخالفة أهل الكتاب في عبادتهم، ويشرع تكثير الصيام في محرم لأنه أفضل الشهور. إذاً هذه هي أيام فاضلة شرع الله سبحانه وتعالى صيامها أو شرع النبي صلى الله عليه وسلم صيامه.
هناك كذلك يوم أو يومان أسبوعيان يشرع صيامهما؛ ألا وهو صيام يوم الاثنين والخميس. لاحظوا أن صيام يوم الاثنين والخميس هذا كأنه برنامج أسبوعي، أن الإنسان يصوم يومين كل أسبوع، واختير هذين اليومين لماذا؟ لأنهما يومان يعرض فيهما العمل على الله سبحانه وتعالى، وقد أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعرض عمله وهو صائم.
يأتينا بعد ذلك من الصيام المقيد نوع يشرع الصيام فيه تقرباً إلى الله سبحانه وتعالى ولكن ليس لفضيلة الأيام فيه، ليس لفضيلة الأيام فيه، وإنما لتعويد النفس على الصيام، وهذا يمكن أن نقول إنه صيام مبرمج لأجل العبودية لله سبحانه وتعالى؛ فأوله صيام ثلاثة أيام من كل شهر. من أراد أن يتعبد لله سبحانه وتعالى بالصيام، هذا سلم قد رسم له في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وأكد هذه الأيام من أراد أن يصوم هذه الثلاثة الأيام، فإن آكدها صيام أيام البيض. وقد ذكرنا أن الوصية بصيام ثلاثة أيام جاءت في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وفي حديث أبي ذر، وفي حديث أبي الدرداء، وأمر بها النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمرو بن العاص في أول رتبة أمره بها، إذاً جاءت في عدد من الأحاديث، وربى النبي صلى الله عليه وسلم وعلم عليها عدداً من أصحابه رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
إذاً هذا ممكن نعتبره أنها أول درجة في سلم عبوديات الصيام، أو برنامج تعويد النفس على الصيام. ما الفرق بين هذا التطوع والتطوع الذي قبله؟ التطوع الذي قبله هو أيام فاضلة يشرع للمسلم أن يصومها، أو أشهر فاضلة يشرع للمسلم أن يصومها.
لو لم يكن عنده برنامج معين للصيام قد عود نفسه عليه، الرتبة التي بعد هذه يمكن أن يقال إنها الاثنين والخميس؛ باعتبار أنها ثمانية أيام كل شهر أو عشرة أيام من كل شهر، وهو ما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: «صم يومًا وأفطر يومين». إذا أن يصوم المسلم عشرة أيام من كل شهر. إلا أني أحث إخواني، أحث نفسي أولًا وأحث إخواني ثانيًا وأخواتي، ألا يستعجل المسلم في هذه الرتبة وهو لم يعود نفسه على الرتبة التي قبلها.
ثم ما هي الرتبة التي تليها وهي أفضل الصيام؟ أفضل الصيام كما جاء في حديث عبد الله بن عمر: صيام داوود، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا، أي أنه كان يصوم تقريبًا خمسة عشر يومًا في الشهر، خمسة عشر يومًا في الشهر. إذا هذه أعلى الرتب وأفضلها، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عمرو: «لا صيام أو لا أفضل من ذلك». قال: يا رسول الله، إني أطيق أكثر من ذلك، أي أطيق أكثر من يوم وأفطر يوم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا أفضل من ذلك». إذا هذه هي أنواع التطوعات في الصيام.
وقد ذكر بعض أهل العلم في صيام ثلاثة أيام من كل شهر التي وردت، طبعًا الوارد في هذه الأحاديث هو صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وجاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: كان الرسول عليه الصلاة والسلام لا يبالي صامهن من أول الشهر أو أوسطه أو آخره. من رغب، جاء في بعض الآثار والأحاديث وإن كانت لا ترقى إلى مستوى صحة ما سبق، من تقي ثلاثة أيام من كل شهر، وهو استحباب أن تكون هذه الثلاثة الأيام هي الثلاث البيض. من تيسر له هذا فحسن، ومن لم يتيسر له فإن عليه أن يحرص أن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر سواء في أوله أو أوسطه أو آخره. هذا يمكن أن نقول إنه برنامج للصيام يدرج المسلم في مراتب عبودية الصيام.
نريد أن ننتقل بعد ذلك إلى ما كرهه رسول الله صلى الله عليه وسلم أو حرمه، منع منه في قضية الصيام؛ لأن المتعبد لله سبحانه وتعالى بالصيام عليه أن يعبد الله سبحانه وتعالى على هدى وعلى صراط مستقيم. ما معنى على صراط مستقيم؟ يعني أن يعبد الله كما شرع على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يتعبد لله بصيام أيام يكرهها الله سبحانه وتعالى أو يكره صيامها، أو يمنع صيامها سبحانه وتعالى. فينبغي للمسلم أن يحذر من صيام الأيام المحرمة والمكروهة لأنه لا تقربه إلى الله سبحانه وتعالى.
وقد قال الرجل للحسن البصري رحمه الله تعالى لما نهاه الحسن عن الصلاة في أوقات النهي، فقال له: يا أبا سعيد أويعذبنا الله على الصلاة؟ يعني نصلي ونعذب على الصلاة؟ فقال له الحسن البصري رحمه الله تعالى، وهو الفقيه العالم العابد: نعم يعذبك على خلاف السنة، يعذبك لأنك خالفت سنة النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه. لذلك ينبغي للمسلم أن يعرف الأيام التي يشرع صيامها، يعرف التدرج في برنامج الصيام، ويعرف الأيام التي يحرم ويكره صيامها حتى يعبد الله سبحانه وتعالى على بصيرة.
هل أنت حريص على تصحيح عباداتك؟ هل ترجو أن يتقبلها الله؟ اطلب العلم؛ إذ لا تصح العبادة إلا به. قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: 19]. وشرط قبول أول طلب العلم الإخلاص فيه بأن لا تريد به إلا وجه الله، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: 11]. وبالإخلاص ترزق صحة الفهم وقوة الاستنباط، قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين». وبالإخلاص يذعن المتعلم للحق ويقبل النقد، قال الذهبي: علامة المخلص أنه إذا عوتب لا يبرئ نفسه، بل يعترف ويقول: رحم الله من أهدى إلي عيوبي. ويجب أن يتوفر الإخلاص في التعلم والتعليم والتأليف، قال أبو داوود الطيالسي: ينبغي للعالم إذا حرر كتابه أن يكون قصده بذلك نصرة الدين لا مدحه بين الأقران لحسن التأليف. فأخلص النية واحذر من فسادها كطلب العلم لأجل المال والثروة، أو بالجاه والشهرة، أو المراء والجدل، فإن ذلك يفسد العمل، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23].
نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن الأيام التي يكره ويحرم صيامها بعد أن بينا الأيام التي يشرع صيامها. فإما الأيام التي يحرم صومها فهي صوم العيدين، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يومي العيدين: يوم عيد الفطر ويوم عيد الأضحى. هذه لا يجوز صيامها بحال، ومن صامها فإن صيامه باطل ومردود عليه ولا يقبل منه. ومن كان في صيام كفارة واجبة، صيام مثلًا شهرين متتابعين التي وجبت مثلًا في كفارة الظهار أو في حق من وقع له في نهار رمضان وصادف يومًا محرمًا يحرم صيامه، فإن عليه ألا يصوم. إذا حتى في الصيام الواجب على الإنسان لا يجوز له أن يصوم هذين اليومين، كذلك من نذر أن يصوم هذا اليوم، فقد نذر معصية الله ولا يجوز له أن يوفي بهذا النذر، بل عليه ألا يعصي الله سبحانه وتعالى ويحرم عليه صوم هذا العيد.
النوع الثاني وهو أخف منه تحريمًا: صيام أيام التشريق. أيام التشريق أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنها أيام أكل وشرب وذكر لله سبحانه وتعالى، وقد قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۖ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: 28]. فقد شرع الله سبحانه وتعالى الأكل من الذبائح التي ذبحت له سبحانه وتعالى، وهي في حق الحاج الهدي سواء كان هدي تمتع أو قران أو هدي مفرد، هدي التمتع والقران هدي واجب وهدي المفرد هدي مستحب، أو لغير الحاج أضحية، شرع الله سبحانه وتعالى لعباده أن يأكلوا منها، فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير. وأخبر الله سبحانه وتعالى أن النحر عبودية له وأنه لا يريد من عباده، ﴿لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ﴾ [الحج: 37]. فشرع الله سبحانه وتعالى لعباده أن ينحروا هذه الذبائح ويأكلوا منها في هذه الأيام.
لماذا قلنا إن تحريم صومها أخف من تحريم العيدين؟ لأنه يرخص في صوم أيام التشريق للحاج المتمتع والقارن الذي يجب عليه هدي ولم يجد مالًا يشتري به هديا، فإن البدل الذي ينتقل إليه هو صيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله، مجموعها عشرة كاملة. الثلاثة الأيام في الحج الأفضل للحاج أن يصوم مثلًا السادس، السابع، الثامن، أن تكون قبل يوم العيد. ولو صام يوم عرفة، ما ربما غفلنا عن التنبيه عليه في صيام عرفة أن صيام عرفة لا يشرع للحاج بعرفة، وإنما يشرع لغير الحاج. أما الحاج بعرفة فلا يشرع له الصيام، بل يشرع له التقوي على عبادة الله وطاعته، وأن يفطر ويتفرغ للدعاء والعبادة. وأم الفضل بنت الحارث رضي الله تعالى عنها شكت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صائم، فأرسلت إليه بقدح من لبن، فشربه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف بعرفة، فعرف الناس أنه ليس بصائم.
الحقيقة هذا مشهد عجيب أن النبي صلى الله عليه وسلم من تفرغه للدعاء والعبودية ظن الناس أنه صائم، لم ينشغل بالنبي صلى الله عليه وسلم بالأكل ولا بالإفطار ولا بالغداء، وإنما التفرغ، جعل الناس يظنون أنه صائم لولا أنه قد شرب من هذا القدح الذي أرسلت به أم الفضل رضي الله تعالى عنها. فالشاهد أن صيام يوم عرفة إنما هو مشروع لغير الحاج، وأما الحاج فلا يصوم عرفة. فالشاهد المتمتع والقارن الذي يجب عليه هدي ولا يجد مالًا يشتري به هديا فإنه يصوم ثلاثة أيام في الحج، أفضل شيء في الثلاثة الأيام هذه أن تكون قبل عرفة، أن يصوم مثلًا ستة وسبعة وثمانية. فمتى يشرع له البدء؟ أو ما هو تاريخ البدء في صيامه؟ نقول: من حين نيته العمرة، من حين بدأ العمرة يشرع له البدء في الصيام. إن دخل مع عرفة فلا بأس إن شاء الله تعالى وهو أولى من دخول أيام التشريق؛ لأن يوم عرفة مكروه صيامه للحاج لكن أيام التشريق الأصل أن صيامها محرم، ولكن رخص للحاج.
إن دخل يوم عرفة تأخر، يعني قال أصوم يوم سبعة وثمانية وتسعة، فهذا جيد. إن لم يصم يوم مثلًا سبعة وإنما صام يوم ثمانية وتسعة باقي عليه يوم، ما هو اليوم الذي يصومه؟ نقول صم يوم أحد عشر. يوم عشرة لا يجوز صيامه بحال الذي هو يوم عيد الأضحى لا يجوز صيامه بحال أبدًا، لا رخصة لا للمتمتع ولا للقارن ولا لغيره. نفترض أنه ما صام ولا شيء من الثلاثة أيام قبل عرفة أو قبل عيد الأضحى نقول له: صم أيام التشريق: أحد عشر واثنا عشر وثلاثة عشر، وهذه رخصة لك، وقد جاء في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنه قد رخص في أيام التشريق أن يصمن لمن لم يجد الهدي.
كذلك النوع الثالث من الأيام المحرمة: يوم الشك، وقد جاء في حديث عمار رضي الله تعالى عنه: «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم». ما هو يوم الشك؟ يوم الشك هو إذا تراءى الناس الهلال يوم تسعة وعشرين ليلة ثلاثين وكان هناك غيم وشكوا، لا أحد استطاع أن يرى الهلال من وراء الغيوم، شك الناس: هل غدًا من ثلاثين أو غدًا من واحد؟ فالواجب عليهم حينئذ أن يتموا عدة شعبان ثلاثين وألا يصوموا. وقد جاء في حديث عمار رضي الله تعالى عنه: «من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم»، لذلك ذهبت طائفة كبيرة من أهل العلم إلى أن صيام يوم الشك يعتبر محرمًا وممنوعًا. وقد جاء في حديث أبي هريرة: «لا تقدموا رمضان بيوم ولا يومين». إلا أن بعض أهل العلم قد خفف من تحريمه وجعله في درجة الكراهة، وجعل هذا النهي للكراهة لأجل صيام بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو قيل بهذا فلا بأس به إن شاء الله تعالى، ولكن يبقى صوم يوم الشك إما محرمًا وإما مكروهًا.
وقد ذكرنا أن من حكمة هذا والله تعالى أعلم ألا يزاد في رمضان لا قبله ولا بعده، فإن الناس ربما زادوا في رمضان قبله احتياطًا وبعده احتياطًا. فحد رمضان بحدين: تحريم صوم يوم العيد بعده، وتحريم صوم يوم الشك قبله. هذا معناه أن الإنسان لا يدخل في دين الله سبحانه وتعالى أو يزيد في دين الله سبحانه وتعالى ما لم يشرعه الله سبحانه وتعالى. وقد ذكرنا كذلك أن حد الصوم هو من طلوع الفجر، وشرع رسول الله صلى الله عليه وسلم تأخير السحور قبله إلى غروب الشمس، وشرع رسول الله صلى الله عليه وسلم تعجيل الفطر بعده مباشرة، وهذا فيه عدم زيادة واحتياط قبله وبعده في أثناء اليوم؛ إذا من حيث الشهر مضبوط، ومن حيث اليوم كذلك مضبوط.
كذلك من أنواع الصيام التي نهي عنها هي إفراد الجمعة بصوم، إلا إن كان صوم يصومه الإنسان، بمعنى أنه كان يصوم مثلًا يوم ويفطر يوم، أو صادف مثلًا يوم عرفة، أو صادف يوم عاشوراء وهو يصومه، فلا بأس أن يصومه الإنسان. لكن الأصل ألا يفرد الإنسان يوم الجمعة بصوم، إلا أن يصوم يومًا قبله أو يومًا بعده، وقيل إن الحكمة في هذا أن الجمعة عيد المسلمين. كذلك من الأيام التي ذكر النهي فيها إفراد يوم السبت بالصيام، وقد روي فيه حديث والأظهر والله تعالى أعلم أن هذا الحديث ضعيف. ولو صح هذا الحديث لدل على كراهة صوم يوم السبت أو إفراد صيام مثل يوم الجمعة، لكن الأظهر والله تعالى أعلم أن هذا الحديث ضعيف. لذلك يبقى إفراد يوم الجمعة منهيًا عنه، أما لو صام قبله يومًا أو بعده يومًا فإن هذه الكراهة تزول من صيام يوم الجمعة.
كذلك من الصيام المكروه هو صيام الدهر وهو أن يسرد الإنسان صوم الدهر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص: «لا صيام أفضل من صيام داوود». لو أن الإنسان زاد عليه قال: أنا أصوم مثلًا في كل شهر ثلاثين يومًا أو أصوم خمسة وعشرين يومًا أو عشرين يومًا، زاد على صيام داوود عليه السلام، فإن هذا محمول عند أهل العلم على الكراهة، والأولى للإنسان أن يصل إلى هذا الحد وألا يزيد على صيام داوود عليه السلام كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
إذا هذه مجمل أحكام صيام يوم التطوع والأيام المحرم والمكروه صيامها، إلا أن ثمة فائدة لعلي أختم بها في صيام يوم التطوع، وهو أن الإنسان يشرع له أن يصوم التطوع وأن ينوي صيام التطوع في أثناء النهار.
ولو لم ينوه من الليل بشرط ألا يكون قد أكل شيئاً من أول النهار، ويجوز للإنسان إذا شرع في صيام تطوع أن يبطل هذا الصيام إذا كان ثمة مصلحة راجحة.
وتفصيل هاتين المسألتين إن شاء الله تعالى لعلي أذكره في لقائنا القادم، أقف عند هذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
متطلعاً بزيادة وتريد ميسوراً، وبأي مكاني زاد زاد أكاديمية ينبوعها صاف، وتعلم الفقه الميسر عاملاً للشرع، لا تعصب لفلان، للعلم كالأزهار في البستان.
د. منصور بن عبد الرحمن الغامدي