تسجيل الدخول

المحاضرة 19 - الفقه - المستوى الثالث - د.منصور الغامدي - مسائل فقهية في المواقيت المكانية للحج

منصور بن عبد الرحمن الغامديد. منصور بن عبد الرحمن الغامدي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغباً في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه نطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد، ينبوعها صافٍ ليروي غلة الظمآن من فقه الميسر، عاملاً بالشرع دون تعصبٍ لفلان. بشرى لنا ساد، أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، وزدنا علماً. اللهم هيئ لنا من أمرنا رشداً، وآتنا من لدنك توفيقاً وسداداً وصواباً. ربنا إن لم تعلمنا وتهدنا نكن من الضالين، ربنا إن لم تغفر لنا وترحمنا نكن من الخاسرين. إخواني وأخواتي، هذا هو الدرس التاسع عشر من سلسلة دروس الفقه في الفصل الدراسي الثالث في أكاديمية زاد، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك في هذه الدروس، قائلها وسامعها وناشرها ومساهم في نشرها، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلها من العلم الذي يكون حجة لنا لا حجة علينا.

إخواني وأخواتي، كنا قد بدأنا في الدرسين الماضيين الحديث عن شعيرة عظيمة من شعائر الإسلام، ألا وهي شعيرة الحج إلى بيت الله الحرام. تحدثنا عن تعريفه وفضله وحكمه، وتحدثنا كذلك عن شروط وجوبه. ثم قلنا إن الحج يحتاج إلى دخول في النسك، وأن هناك فرقاً بين نية النسك ونية الدخول في النسك، وأن الدخول في نسك الحج يحتاج إلى نية خاصة ببدء مع تلبية وإهلال، وأنها بمثابة تكبيرة الإحرام. فالخارج من بيته للحج كالخارج من بيته إلى الصلاة، فإذا كبر للصلاة يقابل هذا ما لو لبى وأهل بالإحرام.

وقلنا إن الله سبحانه وتعالى قد شرع للإحرام مواقيت مكانية لا يشرع للمسلم تجاوزها بدون إحرام، فيهل المسلم ويلبي وهو داخل إلى هذه المواقيت، ولا يغادرها إلا محرماً مهلاً ملبياً. وهذا من تشريف مكة زادها الله تشريفاً وتعظيماً ومهابة. اللهم زد هذا البيت تشريفاً وتعظيماً ومهابة، وزد من شرفه وعظمه تشريفاً وتعظيماً ومهابة.

إخواني الكرام، هذه المواقيت بمثابة الحمى لبيت الله الحرام. والله سبحانه وتعالى قد جعل البيت العتيق له أنواع من الحمى؛ أول نوع هو المسجد المحيط به، ثم جعل الله سبحانه وتعالى له حمى بعد ذلك وهو حدود الحرم، وهي أعلام الحرم المعروفة التي مثلاً عند الشميسي أو الحديبية أو التي في نهاية مزدلفة أو التي عند التنعيم، هذه أعلام للحرم وحدوده. وجعل له حمى ثالثاً ألا وهو المواقيت، والمواقيت غالباً تكون على بعد سبعين كيلو إلى ثمانين كيلو إلى مئة كيلو إلى مئة وعشرين كيلو إلى أربعمئة كيلو، وأبعدها هو ميقات ذي الحليفة. هذه حمى، فمن أراد الحج والعمرة ومر بهذا الحمى الثالث الميقات فعليه أن يحرم وأن ينوي الدخول في النسك.

إذاً هذا هو الإحرام، وهذا هو الميقات المكاني. وقلنا إن الميقات الزماني للحج أنه أشهر معلومات، وذكرنا بداية الإحرام بالحج من حيث الوقت وآخر الحد للإحرام بالحج، وأما العمرة فلا ميقات زماني لها، بل تجوز في كل العام. الميقات المكاني للعمرة هو نفس الميقات المكاني للحج، إذاً هذه المواقيت يحرم منها الإنسان سواء أراد الحج أو العمرة.

نريد أن نتطرق حقيقة لعدد من المسائل المتعلقة بالميقات. أول هذه المسائل أننا نقول إن الأصل وجوب الإحرام من الميقات، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: «يهل أهل الشام من الجحفة، ويهل أهل المدينة من ذي الحليفة، ويهل أهل نجد من قرن، ويهل أهل اليمن من يلملم». ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن ممن أراد الحج أو العمرة، ومن كان دون ذلك فمهله من حيث أنشأ، حتى أهل مكة يهلون من مكة». هذا الحديث دلنا على عدد من الأحكام نريد أن نستعرضها في هذه الجلسة.

أول هذه الأحكام وجوب الإحرام من الميقات، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يهل أهل المدينة من ذي الحليفة...»، وفي الرواية الأخرى قال: «مهل أهل المدينة...».

الأمر الثاني، أن من مر بهذه المواقيت مريداً للحج أو العمرة فإن عليه أن يهل منها ولو لم يكن من أهلها. يعني جاء في الحديث ميقات أهل الشام الجحفة باعتبار أن أهل الشام يسلكون الطريق الساحلي للقدوم إلى مكة فيمرون بالجحفة في طريقهم عن مكة المكرمة.

ما هو أبعد المواقيت؟ أبعد المواقيت ذو الحليفة، ويسمى "أبيار علي"، وهو في طريق الخارج من المدينة إلى مكة؛ قرابة بعد ما يخرج من المدينة بقرابة عشرين إلى ثلاثين كيلو يصادفه ميقات ذي الحليفة. هذا الميقات هو أبعد المواقيت عن مكة، ويقال والله تعالى أعلم إن هذا تشريف للمدينة. الجانب الثاني أن فيه اتصالاً للحرمين؛ فالإنسان المهل بالحج والعمرة لا يكاد يخرج من حرم المدينة إلا ويدخل في حرم الحج والعمرة.

والإحرام نسك وعبادة، فكون أهل المدينة شرفوا بأن من أحرم من تلك المنطقة يطول نسكه وعبادته لله سبحانه وتعالى إلى أن يصل إلى البيت العتيق. كان الناس سابقاً في بداية الإسلام وفي الجاهلية وقبل ذلك يعظمون هذا النسك، يعظمون الإحرام، يعظمون هذا المسير، يعظمون هذا اللبس الذي يلبسونه؛ هذا الإزار والرداء والامتناع عن الطيب، الامتناع عن قص الشعر وعن تقليم الأظفار، الامتناع عن لبس المخيط؛ هذه تعبد لله سبحانه وتعالى.

للأسف اليوم من العادات المنتشرة عند بعض الناس في أزماننا المعاصرة صار بعضهم يمل هذا الإحرام، ويود أنه يحرم قبل عرفة بساعات ومباشرة يوم العيد يتحلل من إحرامه، كأنه يريد أن يقصر هذه الفترة قدر ما يستطيع. وهذا في الحقيقة خلاف هدي الصحابة الكرام رضي الله تعالى عنهم، الذين كانوا بالفعل يعظمون هذا النسك ويتعبدون لله سبحانه وتعالى بهذا الامتناع وهذا الكف. ولا شك أن هذا نوع تشريف لمن قدم من المدينة، أن يطول إحرامه؛ لكن هذا في حق من يدرك هذه المعاني، من يعظم شعائر الله سبحانه وتعالى.

أما الشخص الذي يتململ من شعائر الله سبحانه وتعالى فهذا لن يقدر هذه العبادة قدرها، بل هذا يود أنه يحرم من عرفة للاسف. لكن علينا أيها الإخوة والأخوات أن نعظم شعائر الله، ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32]. فاصل قصير ونعود إليكم إن شاء الله تعالى بعد هذا الفاصل.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن هذه المواقيت والمسائل المتعلقة بها. قلنا إن الواجب على من مر بهذه المواقيت وهو يريد الحج والعمرة أن يحرم منها ولو لم يكن من أهلها. فلو أن شامياً مر بالمدينة وصلى في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم انطلق إلى الحج، نقول: أحرم من ذي الحليفة. ولو أن يمنياً مر بالطائف فخرج منها وسلك طريق السيل المسمى اليوم "السيل الكبير"، والميقات هناك يسمى ميقات السيل الكبير وهو ميقات قرن المنازل، فمر بها لقلنا: أحرم منها ولا يلزمك أن ترجع إلى يلملم وهي ميقات أهل اليمن.

لذلك هذه المواقيت كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن، ممن أراد الحج أو العمرة». إذاً المسألة الأولى: وجوب الإحرام من الميقات. المسألة الثانية: أن هذه المواقيت تتناوب، فيمكن لمن أتى عليها من غير أهلها أن يحرم منها.

المسألة الثالثة: أن وجوب الإحرام من الميقات بحج أو عمرة مخصوص بمن أراد الحج أو العمرة. فمن لم يرد الحج أو العمرة فإنه لا يجب عليه أن يحرم منها. مثال ذلك من دخل من أهل الشام أو أهل نجد أو أهل العراق أو أهل المدينة أو أهل اليمن، من دخل إلى داخل هذه المواقيت؛ دخل إلى جدة مثلاً لقضاء عمل له أو تجارة، أو ذهب مثلاً إلى منطقة الجموم مثلاً يريد عملاً أو تجارة وهي بجوار مكة تبعد عنها بضعة كيلومترات، أو دخل إلى مكة يريد الصلاة فقط ولا يريد الحج أو العمرة؛ فالصحيح والله تعالى أعلم أنه لا يلزمه أن يحرم من المواقيت. إذاً من الذي يلزمه أن يحرم من المواقيت هو من أراد الحج أو العمرة.

وهنا مسألة أخرى وهي ميقات ذات عرق؛ ذكرنا أن ميقات ذات عرق وقته عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وهذا الميقات شمال شرقي مكة في الجهة باتجاه العراق. ويوجد شرقاً ميقات قرن وشمالاً ميقات ذي الحليفة، لكن هذا شمال شرقي. فكان أهل العراق إذا أرادوا الإحرام يحرمون من قرن، فقالوا لعمر: إن قرناً جور عن طريقنا، أي بعيدة، فوقت لهم ذات عرق. قال عمر رضي الله تعالى عنه قبل أن يوقت لهم ذات عرق: "انظروا حذوها من طريقكم".

هذه حقيقة سنة عمرية راشدة من الخليفة الراشد المحدث الملهم أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه؛ هذا الخليفة الراشد أيها الإخوة والأخوات كان رجلاً فقيهاً في الدين مجتهداً فيه، يكفيه علماً وشرفاً أن القرآن الكريم وافقه في عدد من المرات. وافق عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في عدد من المسائل، وقد وافقه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على هذا الميقات، فكان منهم أشبه بالإجماع العملي على هذا الأمر.

هذه السنة العمرية هي من أنفع الاجتهادات الفقهية التي قام بها خليفة رسول الله لنا في زماننا هذا. كيف؟ تخيلوا أنه لو لم تجز المحاذاة، ماذا كنا نقول اليوم للطائرات؟ كنا سنقول: من قدم بالطائرة حاجاً أو معتمراً ونزل في جدة فإننا نلزمه بالرجوع إلى الميقات مرة أخرى، أو أن نلزم الطائرة أنها تنزل في أحد المواقيت، أو أنها تحاذي، أو أنها تمر فوق أحد المواقيت حتى يجوز للناس الإحرام. لكن الاجتهاد العمري المحدث الملهم الراشد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كان الحق ينطق على لسانه، وهذا الاجتهاد لا شك أنه من الاجتهاد الذي ننتفع منه اليوم في زماننا. فتخيلوا خطوط الطائرات التي تقلع وتنقل الحجاج والمعتمرين، نقول لهم: خلاص، حذوها من طريقكم؛ إذاً لا يلزم هذه الطائرة أنها تمر من فوق الميقات، ولا يلزم أنها تنزل الركاب قبل الميقات، ولا يلزم الركاب إذا نزلوا بعد الميقات أن يرجعوا إليه. نقول للركاب الذين في الطائرة: إذا حاذت الطائرة الميقات فأحرموا، حذوها من طريقكم. هذا اجتهاد عمر الفاروق رضي الله تعالى عنه.

ذات عرق موقتة على بعد مرحلتين من مكة قرابة سبعين إلى ثمانين كيلو، وهي نفس البعد لبعد قرن المنازل لأنها حذوها تقريباً. بهذا نقول: من كان في الطائرة ما هو الواجب في حقه؟ نقول الذين في الطائرة الواجب في حقهم أن يحرموا إذا حاذوا الميقات الذي يمرون به، فمن كان قادماً من الجنوب فإنه يحرم بمحاذاة يلملم أو قرن المنازل. إذا كان من الجنوب الشرقي فإنه يحرم من قرن المنازل، وما يوازيه شرقاً يحرم من قرن المنازل. إذا كان قادماً من الجنوب فإنه يعتبر بمحاذاة يلملم، إذا كان قادماً من الشمال الشرقي يعتبر بمحاذاة ذات عرق.

عرق إذا كان قادماً من الشمال، يعتبر محاذاة المدينة. إذا كان قادماً من الشمال الغربي، فإنه يعتبر محاذاة الجحفة. إذاً الطيار الذي يقود الطائرة ينبغي له أن ينبه الناس الذين معه في الطائرة، فيقول لهم إننا الآن بمحاذاة الميقات، فمن كان يريد الحج أو العمرة، فليفعل.

الحجاج والمعتمرون الذين يسافرون بالطائرة، بحكم سرعة الطائرة لأن سرعتها تتجاوز 700 أو 800 كيلو متر في الساعة، فمعنى ذلك أنه إذا نبه الحجاج أو العمار إلى أنه قد حاذى الميقات وذهبوا ليتجردوا لِلبس الإحرام وخلع ملابس المخيط والاستعداد للإحرام، فمعنى ذلك أنهم متى سينتهون من لبس ملابس الإحرام والنية؟ ربما سينتهون منها إذا وصلوا إلى مطار جدة. بحكم سرعة الطائرة، فإنه غالباً بعد إعلان أنهم بمحاذاة الميقات تستغرق الطائرة تقريباً ربع ساعة إلى ثلث ساعة في الوصول إلى مطار جدة.

فالآن إذا شرعوا في التجرد من المخيط وشرعوا في لبس الإحرام بعد الإعلان، فمعنى ذلك أنهم سيتجاوزون الميقات فترة طويلة وهم غير محرمين. لذلك الواجب على من ركب الطائرة لأجل الوصول إلى جدة والوصول إلى مكة لأجل الحج أو العمرة، المفترض عليه أنه يتهيأ قبل الإعلان. يتهيأ قبل الإعلان فيتجرد من المخيط ويلبس ملابس الإحرام ويجلس في الطائرة ينتظر الإعلان. فإذا قال كابتن الطائرة إننا الآن قد حاذينا الميقات، يقول هذا الراكب: لبيك اللهم حجاً أو لبيك اللهم عمرة، حسب النسك الذي يريده.

هل بدأ إحرامه من حين تجرده من ثيابه ولبسه للإزار والرداء، أم أنه بدأ إحرامه من حين قوله: لبيك اللهم حجاً أو لبيك اللهم عمرة؟ في واقع الأمر، بدأ إحرامه من قوله: لبيك اللهم حجاً أو لبيك اللهم عمرة. هذه التلبية بمثابة تكبيرة الإحرام؛ هذه التلبية بمثابة تكبيرة الإحرام، إذاً هي بداية النسك. كونهم قبل ذلك لبسوا، بعض الناس يظن أنه خلاص إذا لبس ملابس الإحرام أنه يحرم عليه مثلاً أن يأخذ شعراً أو أن يتطيب أو أن يقص أظفاره؛ لا، نقول لا، باقي ما أحرمت. إذا قلت لبيك اللهم عمرة أو لبيك اللهم حجاً، هذا هو الإحرام، هذا هو الدخول في النسك، هذه هي التحريم.

كونه لبس الملابس وتهيأ قبل هذه التلبية، هذه مثل ماذا في الصلاة؟ خلوني أشبهها لكم بالصلاة يمكن أنها أوضح؛ هذه مثل من قام في الصف، مثل القائم في الصف بس باقي ما كبر. قائم في الصف، فالآن إنسان قائم في الصف، هل يجوز له يكلم جاره مثلاً في الصف؟ يجوز، ما في مشكلة؛ لأنه باقي ما كبر. فهذه مثل القيام في الصف، تهيؤ للصلاة. فهذا الشخص الذي نزع ملابسه ولبس الإحرام متهيئ للإحرام، لكنه باقي ما أحرم. متى يعد محرماً؟ إذا قال: لبيك اللهم حجاً أو لبيك اللهم عمرة، هذه اللحظة يعد محرماً. متى يعد المصلي مصلياً؟ إذا قام في الصف وقال: الله أكبر، إذا قال: الله أكبر، هذا يعد مصلياً.

فبعض الناس ربما فهم أن الإحرام يبدأ من حين لبس الإزار والرداء الأبيض؛ لا. ممكن الإنسان لو أراد أنه يغتسل في بيته ويلبس الإزار والرداء ويركب الطائرة، بعد ذلك لا بأس، أو من المطار، لكن متى يهل؟ متى يقول: لبيك اللهم حجاً أو لبيك اللهم عمرة؟ يقولها إذا حاذى الميقات، نبه كابتن الطائرة إلى محاذاة الميقات. فاصل قصير ونعود إليكم إن شاء الله تعالى بعد الفاصل.

أكاديمية للعلم كالازهار في البستان حنين لا ينقطع وشوق لا ينتهي، فأفئدة الناس إلى البيت تهوي وماء زمزم للظمآن يروي. ومن فضل الله تعالى أن جعل الحبل بين عباده وبيته موصولاً، فعمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة. والعمرة إحرام وطواف وسعي وحلق أو تقصير. وصفتها أن يحرم من الميقات، فيتجرد ويتطيب، أن يلبس الرجل إزاراً ورداءً، والأفضل أن يكون أبيضين، وتلبس المرأة ما شاءت من ثياب مباحة غير متبرجة بزينة، إلا النقاب والقفازين، وتستر وجهها عن الرجال بأن تسدل خمارها على وجهها.

أن ينوي الدخول في النسك بعد صلاة الفريضة إذا كان وقتها، وإلا فبعد سنة الوضوء ونحوها. وعلى المحرم أن يتجنب محظورات الإحرام، كالجماع والتطيب وقص الشعر وصيد البر والخطبة وعقد النكاح للرجال والنساء، وتغطية الرأس، ولبس القميص والسراويل والجوارب ونحوها للرجال. ومن السنة التلبية بقوله: «لبيك اللهم عمرة، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك». ولا يزال يلبي حتى يصل إلى مكة، فيقطع التلبية ويشرع في الطواف.

فإذا وصل المسجد الحرام دخله مقدماً رجله اليمنى قائلاً: بسم الله، والصلاة والسلام على رسول الله، اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب رحمتك. فيشرع في الطواف متطهراً، يبدأ بالحجر الأسود يستلمه ويقبله إن تيسر له، وإلا أشار إليه قائلاً: بسم الله والله أكبر، اللهم إيماناً بك وتصديقاً بكتابك ووفاءً بعهدك واتباعاً لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم. ثم يجعل البيت عن يساره فيطوف سبعاً، يبتدئ بالحجر الأسود ويختتم به. ويسن للرجل أن يضطبع في طوافه كله، جاعلاً وسط ردائه تحت كتفه الأيمن وطرفيه على كتفه الأيسر، وأن يرمل في الأشواط الثلاثة الأولى، وذلك بمسارعة المشي مع تقارب الخطا. وكلما حاذى الحجر كبر، إذا كان بين الركن اليماني والحجر قال: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: 201]. ويبتهل في بقية طوافه بما شاء من ذكر ودعاء وقرآن، دون تخصيص دعاء خاص لكل شوط.

فإذا انتهى من طوافه أزال الاضطباع وستر كتفه، ثم صلى ركعتين خلف مقام إبراهيم إن تيسر له، وإلا ففي أي مكان من المسجد. يقرأ في الركعة الأولى بـ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1]، وفي الثانية بـ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]. ثم يتجه للسعي بين الصفا والمروة، فإذا دنا من الصفا قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 158]، أبدأ بما بدأ الله به، وهذا في بداية السعي فقط. ثم يصعد على الصفا فيستقبل القبلة ويرفع يديه، كبّر الله وحمده، ثم يقول: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده، أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده». يكرر ذلك ثلاث مرات داعياً بين كل مرة وأخرى بما شاء، ولا يدعو بعد الثالثة.

ثم ينزل إلى المروة، فإذا بلغ الميلين الأخضرين سعى الرجل بينهما سعياً شديداً، فإذا جاوزه مشى كعادته. فإذا وصل المروة صعد واستقبل القبلة وفعل مثل ما فعل على الصفا، ثم ينزل من المروة ساعياً إلى الصفا، يفعل كما فعل بين الصفا والمروة. فإذا أتم سبعة أشواط، من الصفا للمروة شوط ومن المروة للصفا شوط آخر، فإنه يحلق شعر رأسه أو يقصره، والحلق أفضل، والمرأة تقصر من كل أطراف شعرها بقدر أنملة. فإذا فعل ذلك تمت عمرته وحل من إحرامه. نسأل الله تعالى أن يتقبل من المعتمرين عمرتهم وصالح أعمالهم.

نعود إليكم بعد هذا الفاصل ونتابع حديثنا معكم عن الأحكام المتعلقة بالمواقيت. إذاً ذكرنا أن من سافر بالطائرة لأجل الوصول إلى مكة من خلال مطار جدة مثلاً، فإن عليه أن يحرم إذا حاذى الميقات. ذلك فإن معنى يحرم يعني يلبي بالعمرة أو الحج، يقول: لبيك اللهم عمرة، لبيك اللهم حجاً. كذلك عليه أن يستعد لهذا الإهلال ولهذا الإحرام، بأن يتجرد من مخيطه ويلبس إزاراً ورداءً أبيض نظيفاً قبل هذا الإعلان، إما بعشر دقائق أو ربع ساعة أو ثلث ساعة أو من المطار الذي سافر منه، أياً كان. ولكن عليه أن يستعد من قبل؛ لماذا؟ لأن سرعة الطائرة سرعة كبيرة جداً، فلو لم يستعد من قبل فمعنى هذا أنه سوف يجاوز الميقات بمسافة كبيرة جداً، وهو مرتكب لمحذور من محظورات الإحرام وهو المخيط. فلذلك الإنسان عليه أن يستعد لهذا الإحرام.

التنبيه الثالث الذي نبهنا إليه، قلنا إن هذا الاستعداد من قبل ليس إحراماً، استعداد للإحرام مثل قيام الشخص واقفاً في الصف لأجل الصلاة، يسوي الصف في الصلاة، هذا ما يعد صلاة، يسوي الصف استعداداً للصلاة. متى تبدأ الصلاة؟ إذا قال: الله أكبر. متى يبدأ الإحرام؟ إذا قال: لبيك اللهم حجاً أو عمرة. إذاً هذه هي بداية الإحرام.

هنا عدد من المسائل التي نريد التنبيه إليها كذلك، لو أن إنساناً تجاوز الميقات ولم يحرم، نقول الواجب عليك أن ترجع إلى الميقات فتحرم؛ هذا الواجب عليك جبراً لهذا الخطأ الذي حصل منك وتعظيماً للبيت. الواجب عليك أنك ترجع لهذا الميقات فتحرم منه، إلا إذا كان عندك عذر يمنعك من الرجوع إليه، هذا شيء آخر. لكن الأصل إذا لم يكن ثمة عذر، فإن عليك أن تعظم هذه الشعيرة وأن ترجع إلى الميقات. بعض الناس يتثاقل الرجوع، لا ارجع يا أخي الكريم، ارجعي يا أختي الكريمة، ارجعوا إلى الميقات فأحرموا، تطبيقاً لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يهل أهل المدينة من ذي الحليفة، ويهل أهل الشام من الجحفة، ويهل أهل اليمن من يلملم». ينبغي لنا أن نعظم كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.

من المسائل التي نحب أن نتطرق لها في قضية المواقيت، لو أن إنساناً منزله دون الميقات، مثلاً أهل بحرة، هذه قرية أو مدينة بين جدة ومكة مثلاً، الجموم هذه قرية تبعد شمال مكة على طريق المدينة مثلاً مسافة معينة، مثلاً قرية عسفان هذه قرية كذلك أو مدينة شمال مكة على طريق المدينة. فمن أين يهل أهل هذه القرى الذين هم داخل حمى المواقيت؟ يهل من قريته، قبل أن يخرج من قريته عليه أن يهل. إذاً أهل بحرة يهلون من بحرة، وأهل عسفان يهلون من عسفان، وأهل الجموم يهلون من الجموم، وهكذا.

المسألة التالية، من أين يهل أهل مكة؟ أهل مكة يهلون للحج من منازلهم من بيوتهم، وأما العمرة فإنه يلزمهم أن يخرجوا إلى خارج حدود الحرم. ما هي حدود الحرم؟ اللي قلنا الحمى الثاني المحيط بالكعبة، الحمى الأول للكعبة هو المسجد الحرام، بنيان المسجد، الحمى الثاني حدود الحرم. فإذا خرج خارج حدود الحرم فإنه يهل بالعمرة. ما هي حدود الحرم؟ يعني يخرج مثلاً إلى التنعيم، من خرج من مكة شمالاً، من خرج من جهة جدة فإنه يخرج يتجاوز نقطة الشميسي، نقطة حد الحرم الموجودة في الشميسي، منطقة الشميسي قريبة من منطقة الحديبية. أو يتجاوز مثلاً إذا كان خارجاً من جهة الطائف من جهة عقبة الهدى، فإنه يتجاوز مثلاً حد مزدلفة ويدخل في حد عرفة، وهي منطقة هناك عرفة أو العابدية أو غيرها، هذه يخرج فيهل منها. من أراد أنه يخرج من جهة خط السيل، فإنه يتجاوز جبل النور ويتجاوز الشرائع ويخرج فيهل من خارج حد الحرم، يرجع مرة ثانية إلى الحرم، يخرج خارج حد الحرم ويرجع مرة ثانية إليه. لماذا؟ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أعمر عائشة بعد حجة الوداع أمرها، أمر النبي صلى الله عليه وسلم أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله تعالى عنهم أجمعين أن يخرج بها إلى التنعيم فيحرم بها. التنعيم هي أدنى الحل، فخرج بها رضي الله تعالى عنه إلى التنعيم، فأحرمت من التنعيم فرجعوا إلى مكة. هذا دليل أنها لازم تخرج إلى الحل.

إذاً المكي إذا أراد أن يعتمر فإنه يخرج إلى الحل فيهل بالعمرة، ثم يرجع مرة ثانية إلى مكة. وهذا حقيقة له معنى واضح؛ لأن العمرة هي الزيارة، فمن كان معك في نفس الغرفة لا يسمى زائراً لك حتى يخرج فيرجع إليك.

إذاً هذا ميقات أهل مكة. طيب في الحج لا يلزمهم أن يخرجوا؛ لماذا؟ لأنهم سيخرجون جبراً وركناً وواجباً إلى عرفة، متى يطوفون طواف الإفاضة؟ سيطوفون طواف الإفاضة بعد عرفة، لأن بإجماع أهل العلم لا يجوز طواف الإفاضة، ركن واجب لا يجوز طواف الإفاضة إلا بعد عرفة، لا يقبل طواف الإفاضة قبل عرفة. فهم أهل مكة إذا أهلوا بالحج من مكة لا إشكال؛ لماذا؟ لأنهم سيخرجون إلى عرفة، وعرفة خارج حد الحرم، ثم بعد ذلك يرجعون مرة ثانية إلى البيت العتيق لطواف الإفاضة، فلا إشكال إن شاء الله تعالى. يعني الخروج إلى الحل حاصل في الحج بكل حال، سواء أحرم بالحج من الحل، أحرم بالحج من الحرم ما تفرق المكان الذي يحرم منه، لأنه سيخرج إلى عرفة جبراً ثم يرجع للبيت. لكن في العمرة لا توجد عرفة، في العمرة يحتاج هو أن يخرج إلى الحل فيهل ثم يرجع مرة ثانية إلى البيت.

سؤال: ما هو ميقات أهل جدة؟ وهل أهل جدة داخل المواقيت أو خارج المواقيت؟ الظاهر والله أعلم أن أهل جدة داخل المواقيت، وجدة لا تُعد ميقاتاً إلا في حالة واحدة، في حالة القادم من الغرب، الذين يأتون من جهة البحر، الذي يأتي من جهة البحر وينزل في جدة، هذا الظاهر والله أعلم أن جدة تكون له ميقاتاً. لماذا؟ لأن لو نظرنا في جدة نجد أن بعدها عن مكة نفس بعد قرن المنازل، ونفس بعد ذات عرق، تقريباً نفس بعد هذه الميقات. طبعاً لم توقت جدة للقادمين من البحر؛ لأن القدوم من البحر لأجل الحج أو العمرة ما كان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم موجوداً، لكن الآن صار هناك من يقدم من البحر أو يقدم بالطائرة من جهة الغرب.

جهة البحر، فهذا يُحرم إذا لم يمر بميقات الجحفة أو ذي الحليفة أو قرن المنازل أو ذات عرق أو يلملم. مثلاً جاء من الغرب مباشرةً، مثل القادمين من بورتسودان، مثلاً جاء من بورتسودان ونزل في جدة؛ فالظاهر والله تعالى أعلم أن جدة تكون له ميقاتاً، باعتباره قادماً من الغرب. هذا الظاهر والله تعالى أعلم.

لكن من قدم مثلاً من الشرق، قدم مثلاً من الرياض بالطائرة، نقول له: أحرم إذا حاذت قرن المنازل. طيب، من قدم من الشمال بالطائرة، نقول له: أحرم إذا حاذت الجحفة. من قدم من الجنوب مثلاً من أهل اليمن أو غيرهم قدموا بالطائرة، نقول: أحرم إذا حاذيت يلملم.

طيب، من قدم من الغرب مثلاً من السودان وهذه المناطق الأفريقية أو غيرها، قدم فنزل في جدة، نقول: أحرم في جدة؛ باعتبار أن جدة ميقات لأهل الغرب الذين لا يمرون في طيرانهم بهذه المواقيت الأخرى. هذا التفصيل الذي يظهر والله تعالى أعلم في ميقات جدة.

نقف عند هذا القدر، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريده سهلاً نوال ميسراً، يأتيك ميسوراً بأي مكان. زاد زاد أكاديمية ينبوعها صافي صاف، ليروي غلة الظمآن، وتعلم الفقه الميسر عاملاً بالشرع دون تعصب لفلان. بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.