تسجيل الدخول

المحاضرة 2 - أهمية توحيد الألوهية

أبو زيد مكي القبيد. أبو زيد مكي القبي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

حياكم الله أيها الأحبة في الدرس الثاني من دروس العقيدة في المستوى الثاني. اليوم بمشيئة الله سنتحدث عن أهمية توحيد الألوهية، وإن اتسع الوقت أخذنا بعض الفضائل المترتبة على تحقيق توحيد الألوهية.

أيها الأحبة في الله، في هذا الدرس اريد منكم تفاعلاً معي في المادة؛ سأذكر لكم النص وأذكر المعنى الإجمالي، ثم أترك لحظات ليستنبط كل واحد منكم أهمية توحيد الألوهية من هذا النص، أولاً يستخرج أين توحيد الألوهية في النص، ثم يبين أهمية توحيد الألوهية من خلال النص.

نبدأ بقول الله عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]. قال ابن عباس: يعبدون يفردون بالعبادة.

يبين الله جل جلاله أن الحكمة الشرعية التي من أجلها خلق الله عز وجل الإنس والجن هي إفراد الله بالعبادة. هذه الغاية من خلق الله عز وجل الإنس والجِن وجعلهم في الأرض هي العبودية الخالصة له سبحانه وتعالى.

السؤال إليكم الآن: استخرج من هذا النص أين توحيد الألوهية فيه، ثم بين من النص أهمية توحيد الألوهية؟

كل واحد منكم يتخيل نفسه الآن يقف في مسجد ويقول للناس: أيها الناس، عليكم بالاهتمام بتوحيد الألوهية وتعلمه واتقانه والعمل بمقتضاه وتحقيق توحيد الألوهية، إن توحيد الألوهية في غاية الأهمية. قال الله عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾.

الناس سينتظرون الآن وجه الدلالة؛ ما وجه الدلالة من هذه الآية على أن توحيد الألوهية في غاية الأهمية؟ تبين لهم أين توحيد الألوهية ثم تبين وجه الدلالة من هذه الآية.

تقول: توحيد الألوهية في هذه الآية: ﴿لِيَعْبُدُونِ﴾ يفردون بالعبادة، فتوحيد الألوهية إفراد الله بالعبادة بالتأله بالتعبد، فتوحيد الألوهية في الآية موجود في: ﴿إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾، (يعبدون) هذا توحيد الألوهية. كيف تبين وجه الدلالة أن توحيد الإله في غاية الأهمية؟ أنه من أجله خلقنا الله، فإذا كان من أجل التوحيد خلقنا الله، ألا يدل ذلك على أهمية توحيد الألوهية؟ ويجب على كل إنسان منا أن يعرف التوحيد حتى يحقق الحكمة من وجوده على الأرض.

هذا أمر في غاية الأهمية، مما يبين أهمية توحيد الألوهية، ولذلك تذكرون في الحلقة الماضية أول بدأنا قلنا: إذا عرف الإنسان الغاية من وجوده فعاد إلى خالقه، وتعلم من خالقه مما هي مكوناته، ثم حقق الغاية من وجوده سيسعد.

إذ قال ربك للملائكة: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن طِينٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص: 71-72]. فالإنسان قبضة من الطين سارت فيها نفخة من روح الله.

عرف الإنسان ذلك، وعرف أن العبودية لله، إذا حقق الإنسان العبودية لله أصلح هذه الروح وأصلح هذا البدن فشعر الإنسان بالسعادة.

ثم إذا حقق هذه العبودية أصلح نفسه، ستصلح دنياه، لأن هذه العبودية لله جل جلاله من ورائها عافية في البدن، من ورائها اكتساب في المال، من ورائها إصلاح الأسرة، من ورائها إصلاح المجتمع، من ورائها إصلاح الأمة.

إذاً ستصلح الدنيا بالاهتمام بالإنسان يصلح نفسه، يصلح الدنيا، ستصلح آخرته، لأن الآخرة قائمة على صلاح الدنيا، فمن اصلح دنياه وأتى بالأمور التي هي سبب الفوز بالجنة والنجاة من النار التوحيد، وابتعد عن الشرك وأتى بأمور التفوق في الآخرة هذا الإنسان ستصلح آخرته.

لذلك يا إخوان، قلنا إن توحيد الألوهية، تعلم توحيد الألوهية هو في الحقيقة سعادة الفرد وسعادة المجتمع في الدنيا وفي الآخرة، في الروح وفي البدن. هذا الأمر أكرره دائماً لأهميته، ويجب أن يكون طلاب علم العقيدة ينشر هذا الأمر بين الناس، أن من أراد السعادة لنفسه ولمجتمعه ولامته فليهتم بتوحيد الألوهية، لأنه من أجله خلقنا الله، والله خلقنا لو حققنا هذا لشعرنا بالسعادة: ﴿مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: 2].

ناخذ آية ثانية يا إخوان، اريد من هذه الآية تبين لي أين توحيد الألوهية في هذه الآية؟ وكيف تستدل بهذه الآية على أن توحيد الألوهية في غاية الأهمية؟

قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَن اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36].

يخبرنا الله سبحانه وتعالى أنه ما من أمة من الأمم -وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى- إلا وارسل اليها رسولاً، كل أمة لها رسول، هذا الرسول مهمته يدعو الناس إلى ماذا؟ إلى عبادة الله وحده لا شريك له وترك عبادة كل ما سوى الله سبحانه وتعالى. كل من تجاوز به المخلوق حده يسمى طاغوتاً، فترك هؤلاء المعبودات التي عبدت من غير حق وعبادة الله وحده لا شريك له هذه هي مهمة الرسل.

أين توحيد الألوهية في هذه الآية؟ وتخيل نفسك تقف أمام الناس تعظهم وتريد أن تبين لهم أن توحيد الألوهية في غاية الأهمية ليتعلمه، بين لهم وجه الدلالة من هذه الآية.

إذاً، التوحيد الأول في هذه الآية: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، العبودية الخالصة لله هذا توحيد الألوهية. كيف تبين من خلال هذه الآية أن توحيد الألوهية في غاية الأهمية؟ تقول إن توحيد الألوهية من أجله أرسل الله الرسل، من أجل توحيد الألوهية أرسل الله الرسل، إذاً هذا يدل على أن توحيد الألوهية في غاية الأهمية.

خذوا آية أخرى مشابهة لها: ﴿الر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِلدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلَّا تعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ﴾ [هود: 1-2]. كتاب أحكمت آياته، ثم ماذا في هذا الكتاب الذي أحكمت آياته؟ أنزل هذا الكتاب متضمناً ماذا؟ ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾.

أين توحيد الألوهية هنا؟ ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾. كيف تبين من خلال هذه الآية أن توحيد الألوهية في غاية الأهمية؟ تقول ومن أجله أنزلت الكتب، من أجل توحيد الألوهية أرسل الله الرسل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا﴾، ومن أجل توحيد الألوهية انزل الله الكتب: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ * أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾. ومن أجل هذا التوحيد قامت العداوة بين الرسل وبين أقوامهم من أجل توحيد الألوهية، فتوحيد الألوهية في غاية الأهمية.

خذوا هذا النص: قال الله سبحانه وتعالى -هذه الآية تسمى آية الحقوق العشرة-: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا﴾ [النساء: 36].

استخرج من هذه الآية أين توحيد الألوهية؟ وبين من خلالها أهمية توحيد الألوهية. أعطيكم فاصل، طبقوا هذا التدريب، ثم نعود اليكم بعد الفاصل للإجابة على هذا.

حياكم الله أيها الأحبة، وقفنا عند قول الله عز وجل: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾ -أريدكم تحسبوا معي- ﴿وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾. هذه الآية تسمى آية الحقوق العشرة.

أين توحيد الألوهية فيها؟ ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾. الآن انت امام الناس تريد أن تعظهم وتبين لهم أن توحيد الألوهية في غاية الأهمية، ماذا تقول؟

تقول: قال الله عز وجل، وتسرد الآية، ثم تبين، تقول إن توحيد الألوهية في غاية الأهمية فهو أول الحقوق، فهو أول الحقوق الواجبة لله سبحانه وتعالى على عباده هي هو توحيد الألوهية، هو اول حق أوجه الله عز وجل على الناس، ثم ياتي حق الوالدين، ثم يأتي هكذا.

تعالوا ناخذ آية الوصايا العشر ثلاث آيات، قال الله عز وجل: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: 151] إلى آخر الآيات الثلاث. أين توحيد الألوهية في هذه الآيات؟ ﴿أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ يعني تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، هذا توحيد الألوهية.

تريد أن تبين من هذه الآيات أن توحيد الألوهية في غاية الأهمية؟ تقول إن توحيد الألوهية هو أول الوصايا الإلهية، هو أول وصية وصى الله عز وجل بها عباده.

ناخذ أحاديث أيضاً، ناخذ حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه وأرضاه، يقول: كنت رديف النبي صلى الله عليه وسلم على حمار. انظروا إلى تواضع النبي صلى الله عليه وسلم، ليس فقط لكونه يركب حماراً، إنما يردف خلفه على حمار! وأردف خلفه يعني لو هو عنده الكبر -حاشاه عن ذلك- ما أردف خلفه، يعني يكفي أنه راكب حماراً فيركب حماراً ويردف خلفه، ثم ينشر هذا العلم وهو في الطريق!

فيقول: «يا معاذ، اتدري ما حق الله على العباد، وما حق العباد على الله؟» قال معاذ: قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئاً».

استخرج من هذا النص توحيد الألوهية، أين توحيد الألوهية في هذا النص؟ وبين من خلال هذا النص أن توحيد الألوهية في غاية الأهمية. تقول: قال: «حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً»، هذا توحيد الألوهية هنا. كيف تبين من خلال هذا النص أن توحيد الألوهية في غاية الأهمية؟ تقول: هو الحق المتحتم على العباد.

خلقنا من العدم وادر علينا أنواع النعم سبحانه وتعالى. فطرة فطرة، السؤال الآن فطري؛ يعني ما الذي يجب علينا تجاه الله؟ خلقنا من العدم ودر علينا أنواع النعم أن نقوم بشكره، كيف نشكره؟ ارسل الله عز وجل لنا رسوله يبين لنا كيف نقوم بشكره. فشكره سبحانه وتعالى هو شكره يكون بالعبودية الخالصة له.

ولو جاء شخص مثلاً وأهدى لك قلم، قال: هذا القلم هدية لك. ثم مر شخص في الطريق فقمت أنت تقفز إلى ذلك الشخص الذي مر بالطريق وتقول له: شكراً شكراً على القلم! ماذا سيقول هذا الشخص؟ هذا مجنون! مستغرب! اشكرني لماذا؟ ليس لي علاقة بالقلم لا من قريب ولا من بعيد، تشكرني لماذا؟ وذلك الشخص الذي أهدى لك القلم يستغرب؛ أنا أهدى له القلم ثم يذهب ويشكر غيري.

تعال لله عز وجل، مثلاً؛ الله ليس له شريك في الخلق، وليس له شريك في الملك، وليس له شريك في التدبير، وهذا أمر واضح ومعلوم عند الجميع. أذكر مرة من المرات كنا نجلس مع يعني نصراني على البحر، استدرجه أحد أصدقائه من أجل -لعل الله أن يهديه- فنحن جلوس على البحر، قلت له: هذا البحر له مدبر خالق هو الذي امسكه إلى هذا الحد ولم يجعله يندفع الينا، فأوقفه هنا وملاه بالخيرات وجعل السفن ترسو عليه، له خالق هو الذي جعله بهذه المثابه ومدبر؟ قال: نعم، وأنا اعتقد هذا.

قلت له: وخالق هذا العالم، خالق هذا البحر هو خالق هذا العالم كله، وهو واحد، لأنه لو كان خالق البر غير خالق البحر لصار هناك اضطراب، فخالق البحر وخالق البر واحد؟ قال: نعم، وأنا اعتقد هذا.

فقلت له: وخالق البر والبحر لا يمكن أن يكون كالبحر والبر، لابد أن يكون مخالف في صفاته للبر والبحر؟ قال: وأنا أقول بهذا.

قلت له: ممتاز، هذا الخالق الذي هو فرد بالخلق والملك والتدبير الذي ليس كمثله شيء لا مثيل له، وهو سبحانه وتعالى حي سميع بصير عليم قدير، هذا الخالق لا يصلح عقلا وفطرة أن نقوم بشكر غيره على ما قام به هو وحده؟ قال: صحيح هذا الواجب بقيت القضية.

قلت له: لا يمكن أن يكون هذا الخالق مثل البشر، مثل آدم ولا كـ ولا مثل عيسى عليه السلام! هنا بدا الخلاف وأصابه يعني الانزعاج والدوار، ثم الحمد لله بقي اسبوع ثم دخل في الاسلام.

الشاهد هنا أن امور الربوبية واضحة عند الجميع لأنها فطرة، والالوهية أيضاً هي فطرة لمن تفكر فيها، لكن قد يغفل بعض الناس عنها، أن الله هو المنفرد بالربوبية فهو المستحق وحده للشكر على هذه الربوبية.

طيب كيف نشكره؟ ارسل الله عز وجل لنا الرسل، فهكذا العبودية، العبودية تكون لله بما شرع على يعني سنة رسله، فنعبد الله بما شرع في كل زمان ومكان، هذا هو توحيد الألوهية.

وتوحيد الألوهية كما هو واجب شرعاً هو واجب عقلاً وفطرة، ويستغرب الإنسان من شخص يقوم ويشرك مع الله غيره إلا أن تاتي الشبهات والالتباسات والاهواء هي التي تصرف الناس عن هذا الحق الواضح الجلي. أيها الأحبة في الله، مما يدل على أهمية توحيد الألوهية

كذلك تأملوا هذا النص: قال الله عز وجل لنبيه: ﴿قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يوسف: 108]. كيف تستخرج أين توحيد الألوهية في هذا النص؟ وكيف تستخرج أهمية توحيد الألوهية؟ توحيد الألوهية في هذا النص: ﴿أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ أي إلى عبادة الله وحده لا شريك له، هذه دعوة نبينا صلى الله عليه وسلم على بصيرة، يعني من الله على علم، فأعطاني الله هذا الشرع فأنا أدعو إلى العبودية لله بما علمني إياه ربي من الشرع.

أين الأهمية هنا؟ أن هذه هي المهمة، هذا هو سبيل النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا منهج النبي صلى الله عليه وسلم، منهج النبي صلى الله عليه وسلم الذي بذل صلى الله عليه وسلم كل غال ونفيس من أجله هو الدعوة إلى توحيد الألوهية بالعلم بشرع الله. نحن يا إخوان ما الذي يحركنا أيضاً للاهتمام بموضوع توحيد الألوهية؟ قال: ﴿أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾، فاتباع النبي صلى الله عليه وسلم على الحقيقة، لا بالدعوة والادعاء، اتباع النبي صلى الله عليه وسلم على الحقيقة هم الذين يدعون إلى توحيد الألوهية على بصيرة.

أيها الأحبه في الله، إن رسولنا صلى الله عليه وسلم كان يرسل الرسل صلى الله عليه وسلم، يرسل الصحابه إلى الآفاق من أجل الدعوة إلى، أول ما يدعون إليه يدعون إلى توحيد الألوهية، مما يدل على أهمية ذلك؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «إنك تأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله»، إلى أن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فكان يأمر بالدعوة أولاً إلى توحيد الألوهية، ثم بعد ذلك يأمر بالصلاة والصوم والزكاة.

ناخذ فاصل أيها الأحبة، ثم ننتقل للحديث عن فضائل توحيد الألوهية بمشيئة الله.

القرآن الكريم هو أصل الاصول، فمن علم أحكامه ووفق للعمل بها فاز بالفضيله في دينه ودنياه ونورت في قلبه الحكمة وصار إماماً في الدين، وقد كان العلماء سلفاً وخلفاً يبدؤون طلب العلم بحفظ القرآن، قال ابن عبد البر: ولا أقول إن حفظه كله فرض، ولكن ذلك شرط لازم لمن أحب أن يكون عالماً فقيهاً. وطالب العلم يحرص على فهم القرآن وتعلم معانيه، قال سعيد بن جبير: من قرأ القرآن ثم لم يفسره كان كالأعمى أو كالأعرابي، وبالتدقيق في الأحكام يستطيع تطبيق القرآن على الواقع بشكل صحيح، وبه يحصل الخشية والخشوع.

قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29]. لذا ينبغي أن نهتم بمدارسة القرآن في المساجد والمدارس والدور المتخصصة في تحفيظ القرآن وتعليمه، وينبغي أن نستخدم التكنولوجيا الحديثة في تعلم القرآن وتعليمه من خلال الإنترنت والفضائيات.

فاعلم يا طالب العلم أن القرآن الكريم هو رأس مالك وهو اربح التجارات، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا وَ أَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾ [فاطر: 29].

حيّاكم الله أيها الأحبة، سأخذ فيما تبقى في هذا الدرس فضائل توحيد الألوهية، سأذكر لكم أيضاً بعض النصوص ونحاول نستخرج من النص ما يدل على الفضل المترتب على الإتيان بتوحيد الألوهية، ثم سأخذ أقسام الناس بالتوحيد وماذا لهم من الفضائل في الدنيا وفي الآخرة. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82]. الذين آمنوا أي وحدوا، ولم يلبسوا يخلطوا إيمانهم توحيدهم بظلم بشرك، أولئك لهم الأمن في الدنيا وفي الآخرة وهم مهتدون في الدنيا وفي الآخرة.

والشرك إما أن يكون الشرك الظلم العظيم الشرك الأكبر، أو يكون يعني مطلق الذنوب والمعاصي ظلم العباد وظلم النفس بالمعاصي. هذه الآية تقول: الذي آمن ولم يخلط إيمانه بظلم، الظلم على ثلاث أنواع: الشرك الأكبر، ظلم العباد، ظلم النفس. الذي سلم من أنواع الظلم الثلاثة هذا حقق التوحيد حق التحقيق، ماذا له؟ أتى بالتوحيد التام له الأمن التام والاهتداء التام في الدنيا وفي الآخرة.

والذي أتى بالتوحيد لكنه كان توحيداً ناقصاً، سلم من الشرك الأكبر لكن لم يسلم من ظلم العباد، لم يسلم من ظلم نفسه بالذنوب والمعاصي فمات على ذلك، هذا الإنسان له الأمن والاهتداء لكنه على حسب توحيده، كما أنه أتى بتوحيد ناقص فله الأمن الناقص والاهتداء الناقص. سنفصل ما المراد بالامن والاهتداء.

الأمن أيها الأحبة في الله يكون في الدنيا وفي الآخرة، الأمن في الدنيا من ماذا؟ هذا موضوع السعادة الآن، الأمن في الدنيا يعني يشعر الإنسان بالراحة النفسية، الطمأنينة الداخلية، يأمن من الخلو من القلق والهم والغم والحيرة والضياع والتقطع ونحو ذلك. هذا الأمن في الدنيا ويكون تاما وناقصا، ناقص يعني عنده شيء من الاضطرابات الفكرية، الوساوس النفسية، لكنه ليس يعني ليس تاما، هذه الامور إنما هي عنده شيء منها وأمنه منها أمنا ناقصا.

هذا الأمن التام والامن الناقص يعني الأمن النفسي، والامن في الآخرة تام أو ناقص، في الآخرة التام أي من كل عذاب، يأمن من دخول النار ويدخل الجنة مباشرة وليس له من النار إلا المرور على الصراط، هذا الأمن. والاهتداء في الدنيا وفي الآخرة: في الدنيا يهتدي إلى فعل الطاعات وترك المعاصي والمنكرات، ويكون اهتدائه تاما وناقصا، والاهتداء في الآخرة إلى منزله في الجنة ويكون تاما وناقصا، التام يهتدي إلى منزله في الجنة مباشرة، والناقص يوقف ويحاسب ثم بعد ذلك يهتدي وقد يعذب في نار جهنم والعياذ بالله.

وهكذا صاحب التوحيد التام له الأمن التام في الدنيا من الاضطرابات الفكرية، الوساوس النفسية، الحيرة، الضياع، يشعر بسعادة وسرور وإن قل ماله وإن كثر مرضه وإن يعني فقد ولده وإن أصابه ما أصابه في في واقعه إلا أنه يشعر بالامن التام. إبراهيم عليه السلام يؤخذ في منجنيق ويرمى في النار لأنه لا يستطيع الاقتراب منها من شدة لهيبها، يرمى في النار وهو يشعر بالسعادة، بالراحة النفسية، الطمأنينة الداخلية، قال: حسبنا الله ونعم الوكيل.

النبي صلى الله عليه وسلم والصحابه في غزوة أحد بعد ما أصابهم ما أصابهم، وأن أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يلحقوا بالمشركين وتجمعوا في حمراء الأسد، جاءهم الناس وقالوا إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزاد إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل. مهما كان أمن الإنسان الخارجي مضطرباً إلا أنه يشعر بأمن نفسه هذا صاحب التوحيد التام.

وفي الآخرة فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله، له الأمن التام من أن تمس بشرته النار، هذا صاحب التوحيد التام. من هو صاحب التوحيد التام؟ صاحب التوحيد التام هو من سلم من أنواع الظلم الثلاثة، صاحب التوحيد التام هو من مات على التوحيد والتوبة، تائباً من كل كبيرة غير مصر على صغيرة، صاحب التوحيد التام هو من حقق توحيده فخلصهم من شوائب الشرك والبدع والمعاصي، فصاحب التوحيد التام له الأمن التام والاهتداء التام في الدنيا وفي الآخرة، من أتى بالتام فله التام من الأمن والاهتداء.

وهذه السعادة الكاملة في الدنيا وفي الآخرة، وهذا فيه صلاح لدنياه وصلاح لآخرتهم، يؤتيك الله حسنة الدنيا كما يؤتيك الله حسنة الآخرة لمن أتى بالتوحيد التام. هذه القضية ينبغي أن نستحضرها دائماً ونسعى سعياً حثيثاً جميعاً أن نكون من أصحاب التوحيد التام، حتى إذا وقع الإنسان منا ولا بد أن تقع، أن يقع منك الذنب، المعصية، أن يقع منك الخطا على الآخرين، لكن سرعان ما تتوب، سرعان ما تتوب وتطهر قلبك من أي شائبة شرك، تطهر جوارحك من أي شائبة شرك تحرص على ذلك، من حرص على هذا التوحيد التام محافظ على توحيده هذا الإنسان سيسعد في الدنيا وفي الآخرة، سيسعد روحاً وبدناً، ستصلح دنياه وتصلح آخراه.

وصاحب التوحيد الناقص من هو؟ صاحب التوحيد الناقص هو الذي سلم من الشرك لكنه لم يسلم من ظلم العباد ولم يسلم من بعض الكبائر ومات على ذلك، هذا التوحيد الناقص ينقص أمن الإنسان في الدنيا، تجد يتعلق بالمخلوقين، يبحث عن واسطات، تجد القلق والهم والغم بسبب نقص هذا التوحيد في نفسه، عنده نقص في الأمن النفسي، وأيضاً في الاهتداء للطاعات تجد عنده نقص الاهتداء للطاعات. تجد في الآخرة لا يوقف يحاسب، يكون تحت مشيئة الله، يشعر بالخوف، قد يعذب في نار جهنم، لكن له الأمن من أنه لا يخلد في النار.

عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مروح منه، والجنة حق والنار حق، أدخله الله الجنة». هذا الوعد على ما كان من العمل، يعني وإن عمل ما عمل من الذنوب والمعاصي، هذا معنى المعنى وتكون منزلته في الجنة على حسب عمله، لكن خلونا ناخذ المعنى الأول: أدخله الله الجنة مهما عمل من الذنوب والمعاصي لكنه أتى بذلك التوحيد فمصيره إلى الجنة، لكن ليس فيه تحريم له عن النار إنما فيه وعد له بالجنة.

وهذا الأمر الناقص، الاهتداء الناقص أنه يوقف يحاسب ثم بعد ذلك يرى منزله أما إلى جنة واما إلى نار والعياذ بالله. المقصود هذا التوحيد، صاحب التوحيد الناقص له الناقص من الأمن والاهتداء في الدنيا وفي الآخرة.

أما من لا توحيد له، أهمل التوحيد فوقع في الشرك الأعظم، أشرك بالله، صرف العبادة لغير الله، قلبه معلق بغير الله في جلب المنافع ودفع المضار فيرجو ويدعوهم ويستغيث بهم، هذا الذي يعتقد أن هناك مشرعين يشرعون مع الله وأن لهم الأحقية في ذلك، هذا الإنسان الذي لا يلتزم بشرع الله، يأتي لأنظمة البشر ويلتزم بها ويتربى من خلالها ويريد أن يقيمها في حياته، هذا المشرك لا أمن له ولا اهتداء له لا في الدنيا ولا في الآخرة، لا أمن له ولا اهتداء له لا في الدنيا ولا في الآخرة، وإن كثر ماله، وإن كثرت عافيته، وإن كثر ولده، وإن حصل له من الدنيا ما حصل، إلا أن الأمن النفسي يفقده.

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ [الحج: 31]. لا أمن له ولا اهتداء له في الدنيا، ولا أمن له ولا اهتداء له في الآخرة، أنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة وماواه النار وما للظالمين من أنصار.

إن توحيد الألوهية له فضل عظيم لمن حققه، أنه به أمنه واهتدائه في الدنيا وفي الآخرة. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلني وإياكم من المحققين للتوحيد، لتوحيد الألوهية، فيسعدنا الله في الدنيا وفي الآخرة، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وإلى حلقة قادمة بمشيئة الله.

يا راغباً في كل علم نافع متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريده سهلاً نوالا ميسراً يأتيك ميسوراً بأي مكان.

زاد أكاديمية ينبوعها صافي، ليروي غلة الظمآن.

هذه عقيدتنا الصحيحة فطرة تنفي الشكوك بواضح البرهان.

بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.