أرحب بكم أيها الأحبه في الدرس الثالث من دروس ماده العقيده في المستوى الثاني، ودرسنا اليوم يتحدث عن فضل كلمة التوحيد ومعناها.
ايها الاحبه في الله، كيف يكون الانسان ناجحا في حياته؟ أو بعباره أخرى، ما هو الاساس الذي اذا قام الانسان به انتهت، صلحت علاقاته في الدنيا وكانت اخرته، اخره كان مصيرا مصيرا جيدا؟ ما هو الاساس الذي يبنى عليه النجاح الدنيوي والأخروي؟ به الانسان ناجحا هو صحه العلاقه مع الله. والعلاقه مع الله كيف تكون؟ تكون العلاقه مع الله عبوديه خالصه بما شرع في كل زمان ومكان. هذه العبوديه الخالصه لله بما شرع في كل زمان ومكان، هذا هو توحيد الألوهية. اذا الانسان يريد أن يكون ناجح في دنياه وأخراه، فليحقق توحيد الألوهية.
سيقول الانسان: ما علاقه توحيد الألوهية بنجاحي في عملي بنجاحي في أسرتي بنجاحي في أي أمر من أمور الدنيا؟ إذا الانسان أتى بتوحيد الألوهية فالتزم بشرع الله مخلصا لوجه الله في جميع مناحي حياته؛ مع نفسه أولا، مع والديه، مع أسرته، في عمله، في مسجده، في مجتمع، في كل شأن من شؤون حياته، التزم بشرع الله مخلصا لوجه الله، هذا هو الانسان الناجح. والسبب أن الذي وضع له هذه الشريعه وهذا المنهج الذي يسير به وهذه العلاقات التي يعتمد عليها مع الآخرين هو الله الذي خلقه ويعلم ما به صلاحه، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: 14].
نحمد الله مرة أخرى أيها الأحبه في الله أن من علينا بدراسه هذا العلم بدراسه توحيد الألوهية، لأن دراستك لتوحيد الألوهية سر سعادتك في الدنيا وسر سعادتك في الاخره، اذا حققت ما فيها من معاني، عرفت المعنى والتزمت بالمقتضيات.
عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من شهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها الى مريم وروح منه، والجنة حق والنار حق؛ أدخله الله الجنة على ما كان من العمل».
إذا شهد الإنسان بتوحيد الألوهية، شهد أن لا اله الا الله وحده لا شريك له، يعني امتلا قلبه يقينا وتصديقا بلا اله الا الله، كأنه شاهد شاهد ذلك الأمر، فعندما يقول لا اله الا الله يقولها عن شهادة، يعني عن علم يقيني بأن الله هو المستحق وحده لا شريك له للعبادة، وشهد لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة، وشهد لعيسى عليه السلام بأنه عبد لله ورسوله لم يغلو فيه ولم يجف في حقه. وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته، يعني خلقه الله بكلمة كن فكان، كلمة كن التي أرسل بها جبريل عليه السلام، أرسل بها الله عز وجل جبريل فنفخ في درع مريم فتكون عيسى عليه السلام. وروح منه، أي هو من جملة الأرواح التي خلقها الله، أضافها إلى نفسه إضافة تشريف وتكريم، فعيسى له شرف وكرامه عند الله، وقد خلقه الله سبحانه وتعالى من أم بلاحب، فلذلك أضاف روحه إلى نفسه إضافة تشريف وتكريم، ولا روح عيسى مخلوقة كجميع أرواحنا، لكن لماذا قيل عن عيسى إنه روح من الله، من عند الله، وأضافه الله سبحانه وتعالى إلى نفسه إضافة تشريف وتكريم؟
وشهد بأن الجنة حق والنار حق، قال صلى الله عليه وسلم: «أدخله الله الجنة على ما كان من العمل»، وتكون منزلته في الجنة على حسب تطبيقه لمقتضيات التوحيد الألوهية، على حسب عمله تكون منزلته في الجنة. هذا المعنى، المعنى الثاني: إنه بسبب هذا التوحيد الذي أتى به، وإن قصر في الطاعات، ارتكب المعاصي والمنكرات، لكن ما زال محافظا على حسنة التوحيد ومات عليها، فانه موعود بدخول الجنة، أدخله الله الجنة، فهو لديه وعد بأنه سيكون مصيره إلى الجنة.
ناخذ الحديث التالي، حديث عتبان: يقول عتبان بن مالك، قال صلى الله عليه وسلم: «فإن الله حرم على النار من قال لا اله الا الله يبتغي بذلك وجه الله». هنا أتى بتوحيد الألوهية، لكن أضاف إلى ذلك التحقيق: يبتغي بذلك وجه الله، على وجه الإخلاص واليقين المانعين من الإصرار على فعل الكبائر وعدم التوبة منها، الإصرار على الكبائر أو الإصرار على الصغائر. فيلقى الله سبحانه وتعالى محملا بالذنوب والمعاصي، لكن لأن حسنة التوحيد محققة عنده، لأن التوحيد قد حققه، فإن تحقيقه للتوحيد يجعله سرعان ما يتوب من الكبائر ولا يصر على الصغائر، فهذا الذي يلقى الله جل جلاله على التوحيد والتوبة، فإن النار محرمة على بشرته إلا المرور على الصراط، ويدخل الجنة مباشرة، وهذا فضل التوحيد.
فضل التوحيد تضمن به سعادة الآخرة، تضمن به الجنة. وإذا حقق الإنسان التوحيد يضمن به التحريم على النار، ويضمن بحسنة التوحيد كذلك سعادة الدنيا، قال الله عز وجل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97]. حسنة التوحيد سبب لصلاح الآخرة، كذلك هي سبب لصلاح الدنيا، لسعاده الدارين، سعادة الروح وسعادة البدن.
يقول أبو سعيد الخدري رضي الله عنه قال، قال صلى الله عليه وسلم: «قال موسى عليه السلام: يا رب، علمني شيئا أدعوك به وأذكرك به، أذكرك وأدعوك به. قال: قل يا موسى: لا إله إلا الله. قال: يا رب، كل عبادك يقولون هذا، يقولون لا إله إلا الله. قال: يا موسى، لو أن السماوات السبع وعامرهن غيري، والارضين السبع في كفة، ولا إله إلا الله في كفة، مالت بهن لا إله إلا الله». انظر إلى عظم ثقل هذه الكلمه كلمة التوحيد في الميزان يوم القيامة. ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: «خير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير». فلا شك أن توحيد الألوهية وكلمة التوحيد وعنوان التوحيد لا اله الا الله لها فضل عظيم عند الله.
سنتدبر في هذه الدقائق معنى كلمة التوحيد، معنى التوحيد ومعنى لا اله الا الله. لاحظوا، لا اله الا الله، هذه الكلمه: لا اله نفي، الا الله إثبات، فهذه الكلمه تقوم على ركنين اثنين؛ الركن الأول هو النفي، والركن الثاني هو الإثبات.
تنفي ماذا؟ لا اله، تنفي جميع الآلهة. والاله هو المعبود، فعال بمعنى مفعول على وزن فعال بمعنى مفعول، مثل كتاب بمعنى مكتوب، حساب بمعنى محسوب، فراش بمعنى مفروش، فاله هنا بمعنى مألوه، أي معبود. فلا اله تنفي جميع الآلهة، تنفي أن تكون هناك عبادة يستحقها أحد، لا معبود، ترك جميع أنواع المعبودات، لا اله، لا معبودات إلا الله، إثبات استحقاق العبودية لله وحده لا شريك له. اذا نفي جميع المعبودات واثبات معبود واحد، وهو الله سبحانه وتعالى، لكونه هو المستحق لذلك، فهو المنفرد بالخلق والملك والتدبير، الذي لا مثيل له في اسمائه ولا في صفاته.
من قال لا اله وسكت هذا لا ينفعه، هذا سيصبح معطل عياذا بالله وغير محقق للتوحيد. ومن قال الا الله، لم يأتِ بلا اله، لكن يقول أنا لا أعبد إلا الله، لكن يمكن أن تكون عبادة المسيح عبادة صحيحة، هذا ما ينفعه التوحيد، هذا لم يأتِ بالتوحيد ولا تنفعه الا الله دون لا اله، لابد من الكفر بجميع المعبودات والإيمان بعبادة الله وحده لا شريك له. ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ﴾ [البقرة: 256]. العروة الوثقى: لا اله الا الله. لا يمكن أن تكون متمسكا بها حتى تاتي بالنفي وتاتي بالإثبات، وهذه حقيقه التوحيد.
وهذه الحقيقة هي التي أرسل الله عز وجل بها الرسل وانزل بها الكتب، قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36]، ان اعبدوا الله: إلا الله، واجتنبوا الطاغوت: لا اله. وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [النساء: 36]، واعبدوا الله: إلا الله، ولا تشركوا به شيئا: لا اله. قال الله عز وجل: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُو إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: 23]، ألا تعبدوا: لا اله، إلا إياه: إلا الله. الآيات كثيرة في هذا.
قال الله عز وجل عن إبراهيم عليه السلام، وقال لقومه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ [الزخرف: 26-27]. براء مما تعبدون: لا اله، البراءة من عبادة جميع المعبودات. إلا الذي فطرني: إلا الله، الخالق لأن هو المستحق. فهذه الآية تفسر لا اله الا الله مطابقة: البراءة من عبادة جميع المعبودات، واثبات استحقاق العبادة لله وحده لا شريك له. هذا معنى التوحيد ومعنى لا اله الا الله.
سنأخذ أيها الأحبه بعض الآيات، لكن أريد منكم أن تشاركوا معي في التفكير؛ سأذكر لكم بعض الآيات وأنتم استخرجوا من خلال هذه الآية معنى التوحيد. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ﴾ [الإسراء: 56]، يقول للمشركين، يقول لنبيه أن يقول للمشركين: ادعوا الذين زعمتم من دونه، زعمتم من دونها؛ الملائكة الأنبياء، خلنا ناتي بالاشياء التي فيها الصلاح: الملائكة، الأنبياء، الصالحين. ادعوا الذين زعمتم من دونهم فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا، ما عندهم أي شيء من خصائص الربوبية، فادعوهم ولا لن يدبروا أموركم ولن ينفعكم في شيء.
هذا شيء، أمر آخر: انظروا إلى هؤلاء الذين تدعون من الملائكة والأنبياء والصالحين، انظروا إلى حالهم مع الله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُمْ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا﴾ [الإسراء: 57]. الذين يدعونهم، المشركون يدعونهم من الأنبياء والصالحين، حالهم مع الله أنهم يتقربون إلى الله بعبادته حبا فيه وخوفا من عذابه ورجاء لرحمته، هنا ماذا نستفيد؟ افعلوا مثل ما يفعلون هم. أولئك الذين أنتم تتوجهون إليهم بالدعاء وبالعبادة.
هنا تأملوا معي يا إخوان حتى تعرفوا حقيقة التوحيد من خلال هذه الآيات: ما هو الشيء الذي أنكره الله عز وجل على المشركين واعتبرهم أنهم ضالون بهذا الشيء وأنهم مشركون لأنهم فعلوا شيئا، ماذا فعلوا؟ توجهوا بالدعاء، الدعاء؛ إما دعاء المسألة فعلا يسألونه مباشرة استغاثة وهكذا، أو دعاء عبادة متضمن؛ يقومون بعبادات من ذبح ونذر معناها يريدون منهم فيسهم بتلك العبادات، فكله دعاء، دعاء صريح باللسان مباشرة سؤال، أو دعاء بالحال بالبكاء والتضرع ونحو ذلك، الذبح حتى يفرجوا عنهم كربهم ويعطوهم من الخيرات.
أولا، هم هؤلاء ليس عندهم ما تريدون منهم، فتسالهم أو تتضرع عندهم وليس عندهم ما يقدمونه لكم، ثم انظروا إلى حالهم أنهم هم يتوجهون إلى الله يسألونه جلب المنافع ودفع المضار. ما هو الشيء الذي أنكره الله عز وجل على المشركين؟ أنكر عليهم الدعاء، أنهم يتوجهون بالدعاء إلى غير الله سبحانه وتعالى من الأنبياء والصالحين يدعونهم من دون الله، أنكره عليهم واعتبرهم بذلك مشركين، وبين أن أهل التوحيد يتوجهون بالدعاء وبالعبادة، صرف الدعاء سواء دعاء المسألة أو دعاء العبادة صرف ذلك لله وحده لا شريك له، هذا هو التوحيد وهذا هو تحقيق معنى لا اله الا الله.
ناخذ آية أخرى وتأملوا معي فيها، قال الله عز وجل: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: 31]. ما هو الشيء الذي أنكره الله عز وجل على اليهود والنصارى، على النصارى بصفه خاصة، أنهم جعلوا من الأحبار والرهبان مصادر يتلقون منها التشريع ويعتبرون أن لهم الأحقية في ذلك، فيتلقون منهم الحلال والحرام، فإذا حرموا عليهم شيئا وإن كان حلالا حرموه، وإذا أحلوا لهم شيئا وإن كان حراما أحلُّوه معتقدين حل ذلك، إذن تلقوا التشريع من غير الله، فاعتبر الله سبحانه وتعالى حكم الله عز وجل عليهم بالشرك أنهم.
مشركون؟ فما هو التوحيد إذا؟ التوحيد ألا يتلقى التشريع إلا من الله سبحانه وتعالى. نأخذ فاصل ونكمل معكم بإذن الله معنى التوحيد.
هل تظن العلم وجبة سريعة تجهز وتؤكل في لحظات؟ بل يحتاج طالب العلم إلى صبر طويل، قال يحيى بن أبي كثير: لا يستطاع العلم براحة الجسم. فيصبر على حضور مجالس العلم ودوراته أو متابعتها عبر الشبكة أو الفضائيات العلمية، ويصبر على المراجعة حتى يثبت الحفظ، قال أبو بكر الصبغي عن بعض مسائل العلم: كررتها على نفسي ألف مرة حتى تحققت. ويصبر على السهر في تحصيل العلم فإن في النهار أشغالا، قال بعض الفضلاء: متى تبلغ من العلم مبلغا يرضيك وأنت تؤثر النوم على الدرس والأكل على القراءة؟ ويصبر على النصب والتعب في تحصيل العلم، قال تعالى في قصة خروج موسى عليه السلام لطلب العلم: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: 62]. ويصبر على إنفاق المال في طلب العلم وشراء الكتب ونحو ذلك، قال إسماعيل بن عياش: ورثت من أبي أربعة آلاف دينار انفقتها في طلب العلم. فاصبر على طلب العلم حتى تنال طرفا منه واسأل الله المزيد، قال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: 114].
حياكم الله أيها الأحبة، نكمل نأخذ آية أخرى كنموذج نستقي منه معنى التوحيد ومعنى كلمة التوحيد، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ * إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ [البقرة: 165-166]. ما هو الشيء الذي أنكره الله عز وجل على المشركين وحكم عليهم بالشرك بسببهم؟ أنهم يحبون الأنداد كحب الله، ساووا غير الله بالله في المحبة الخاصة وهي محبة التاله، وهي التعلق القلبي بالمحبوب والموجب قصد المحبوب بنوع من أنواع العبادة، فلما ساووا غير الله بالله في محبة التاله حكم الله عز وجل عليهم بالشرك. إذا فما هو التوحيد؟ التوحيد ألا يحب محبة التاله إلا الله جل جلاله، هذا هو التوحيد.
يقول صلى الله عليه وسلم: «من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله حرم ماله ودمه وحسابه على الله». ما الإضافة هنا؟ من قال لا إله إلا الله، أضاف: وكفر بما يعبد من دون الله، فلا بد من الكفر بعباده كل المعبودات واثبات استحقاق العبادة لله، هذا هو التوحيد وهذا هو معنى كلمة التوحيد.
نختم درسنا بالكلام عن شروط كلمة التوحيد، ما هي شروط كلمة التوحيد؟ شروط كلمة لا إله إلا الله، لا إله هي عنوان التوحيد، ما هي الشروط؟ أول شرط: أن يكون الإنسان مخلصا في قوله لا إله إلا الله، يريد بدخوله الإسلام وجه الله سبحانه وتعالى، فما نطق بالشهادتين إلا وهو يريد بهذا الإسلام وجه الله، لم يكن يريد بالسلام شيئا من الدنيا ولا شيئا من حفظ دمه أو حفظ ماله، فنطق بالشهادتين وهو كاذب أو أشرك في نيته في دخوله الإسلام، أشرك بها يعني أراد بها الدنيا، هذا لا ينفع، لا ينفع الدخول في الإسلام إلا أن يكون خالصا لوجه الله، فإذا نطق الإنسان فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، لا تقبل منه إلا إذا كان مخلصا في قولها يريد بها وجه الله سبحانه وتعالى، قال الله عز وجل: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: 5]. لا يمكن أن يكون عند الإنسان الدين إلا إذا عبد الله وحده لا شريك له مخلصا له، فأتى بلا إله إلا الله على وجه الإخلاص.
ورد في الحديث عن أبي هريرة أنه قال: قيل يا رسول الله، من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ فالنبي صلى الله عليه وسلم استغرب من أبي هريرة أنه يسأله هذا السؤال، قال: لقد ظننت يا أبا هريرة ألا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعة يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه. لابد من الإخلاص في قول لا إله إلا الله، هذا الشرط الأول.
الشرط الثاني: أن يكون لديه علم بمعناها، ينطق الشهادة ويعرف معناها، معناها البراءه من عباده كل المعبودات واثبات العبادة لله بما شرع في كل زمان ومكان، هذا معناها، فيعلم هذا المعنى علما ينافي الجهل بهذه الكلمه، قال الله عز وجل: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: 19]. لابد من العلم بمعناها.
من الشروط أيضا كذلك اليقين، علم لكنه وصل في العلم مرحلة اليقين، يقين ينافي الشك، ليس في قلبه أي ذرة شك في كون هذه الكلمة هي الحق، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات: 15]. وقال صلى الله عليه وسلم: «أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة». غير شاك فيهما يعني أتى بها على وجه اليقين، هذا الشرط الثالث.
الشرط الرابع: القبول لما اقتضته هذه الكلمة قبولا منافيا للرد، فيقبلها، كما قال الله عز وجل عن المشركين أنهم ردوها، ردوا هذه الكلمة ولم يقبلوها، أنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون، إذا قبول منافي للاستكبار.
كذلك من الشروط: الانقياد لما دلت عليه هذه الكلمة، بأن يكون العبد عاملا بما أمره الله عز وجل به منتهيا عما نهاه عنه، قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى وَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [لقمان: 22].
السادس: الصدق، أن يقولها صادقا في قوله إياها، صدقا ينافي الكذب، قال الله عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: 8]. يعني قالوها بأفواههم لكن ليسوا مصدقين إياها في قلوبهم.
أيضا: المحبة، أن يقولها وهو محب لها حبا ينافي البغض لهذه الكلمة أو لشيء من مقتضياتها، قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: 165].
هذه سبع شروط، يمكن هذه السبع شروط نضيف لها شرط ثامن: الشرط الثامن أن يثبت الإنسان على ذلك حتى يلقى الله، ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبَّنُا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ [فصلت: 30] استقاموا تاتي بمعنى اعتدلوا ولم يعوجوا ولم ينحرفوا عنها، وتاتي بمعنى أقاموا، أقاموا على هذه الكلمة حتى يلقوا الله جل جلاله.
هذه الشروط السبعة والثمانية يمكن أن نلخصها بحيث تكون سهلة على الإنسان: أولا هذه الشهادة تعلق باللسان ينطقها الإنسان بلسانه، فالنطق قول اللسان، نقسمها أن هذه الشهادة فيها قول وعمل: قول القلب، وقول اللسان، وعمل القلب، وعمل الجوارح. خلونا نوزع هذه الشروط على هذه الأشياء.
بالنسبة لقول اللسان هو أن ينطق بالشهادتين، لابد أن ينطق بهما ما لم يكن هناك مانع من خرس أو إكراه أو نحو ذلك، لكن لابد في أن تكون هاتان الشهادتان مقبولة عند الله من أن ينطق الإنسان بهما، أن ينطق بالشهادتين، أن يقول أشهد أن لا إله إلا الله، فلا بد من قول اللسان.
ثم لابد من قول القلب، وأصلا قول القلب مقدم على قول اللسان، قول القلب ما هو؟ الصدق، أن يكون مصدقا بهذه الكلمة تصديقا منافيا للتكذيب، هذا قول القلب. ثم تاتي بعد ذلك أعمال القلوب، إذا قول القلب الصدق، أعمال القلوب أربعة: أن يكون مخلصا في هذه الكلمة، أن يقول على وجه الإخلاص المنافي للشرك، وأن يكون عالما بالمعنى علما منافيا للجهل، وأن يكون موقنا بهذه الكلمة يقينا منافيا للشك، وأن يكون محبا لها. لاحظوا أربع أشياء تتعلق بعمل القلب: الإخلاص، العلم، اليقين، المحبة، هذه الأربع شروط تتعلق بعمل القلب، وقول القلب التصديق.
بقي عندنا أعمال الجوارح: أعمال الجوارح القبول لهذه الكلمة، يقبلها قبولا منافيا للاستكبار عنها، وينقاد لها انقيادا منافيا للرد لها والاعراض عنها بل ياتي ويطبق، فهذا عمل الجوارح: قبول وانقياد، وعمل القلب: إخلاص وعلم ويقين ومحبه، وقول القلب: الصدق، ثم يثبت على هذا الأمر حتى يلقى الله جل جلاله.
هذه كلمة التوحيد أيها الأحبة في الله، من أتى بها ضمن له سعادة الدنيا وسعادة الآخرة، ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [الزمر: 20]. أسأل الله سبحانه وتعالى باسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلني وإياكم من أهل التوحيد الخالص المحققين توحيد الألوهية الملتزمين والمتمسكين بالعروة الوثقى، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيرا.
د. أبو زيد مكي القبي