تسجيل الدخول

المحاضرة 9 - مقدمة في توحيد الأسماء والصفات

أبو زيد مكي القبيد. أبو زيد مكي القبي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين.

حياكم الله أيها الأحبة في الله في الدرس التاسع من دروس العقيدة في الفصل الدراسي الثاني. انتهينا أيها الأحبة من أبرز الموضوعات المتعلقة بتوحيد الألوهية، وسيكون لنا عودة لها بشيء من التفصيل إذا شاء الله سبحانه وتعالى في الفصل القادم، سنتحدث عن الشركيات المتعلقة بتوحيد الألوهية.

واليوم والدروس القادمة سنتحدث فيه عن توحيد الأسماء والصفات. وقبل أن نبدأ الحديث في توحيد الأسماء والصفات؛ أود أن أذكر نفسي وإياكم بقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ * فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ * أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَى لَهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: 15-20].

أيها الأحبة في الله؛ هذه الآيات تتحدث عن صفات أهل الإيمان الحقيقي، من هم أهل الإيمان بالوحي الإهلي إيماناً حقيقياً صادقاً؟ من هم؟ ما هي أبرز صفاتهم؟ الصفة الأولى هؤلاء الذين إذا سمعوا الوحي الإلهي خروا سجداً، خروا جباباً. صفة من صفات أهل الإيمان الحقيقي بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، أبرز صفة من صفات المؤمنين إيماناً حقيقياً بالوحي الإلهي أنهم يعظمون هذا الوحي، تعظيم الوحي الإلهي، تعظيم كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.

ومن تعظيمهم لكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم؛ أنهم يتخذون هذا الوحي الإلهي منهاجاً لهم في الحياة، يسيرون وفق أوامر هذا الوحي الإلهي، ويجتنبون نواهيه، وتصبغ حياتهم بهذه الصبغة الإلهية؛ آمالهم، أفكارهم، معتقداتهم، تشريعاتهم كلها يأخذونها من هذا الوحي الإلهي، يعظمون الوحي الإلهي خروا سجداً، وسبحوا بحمد ربهم عندما يستمعون لما في هذا الوحي الإلهي من أخبار يقولون سبحان الله سبحان الله آمنا بالله.

فالصفة الثانية من صفات أهل الإيمان الحقيقي بالوحي الإلهي؛ أنهم يؤمنون بما فيه من أخبار، يؤمنون بما فيه من أخبار، يؤمنون به بفهم صحيح، يفهمون هذه الأخبار فهماً صحيحاً، وينظرون إلى هذه الأخبار نظراً صحيحاً أن هذه الأخبار ما يحتاج فيها إلى دليل عقلي قد جاء بدليله العقلي، وأن هذه الأخبار لا تخالف العقول السليمة ولا الفطر المستقيمة، فينظرون إلى الأخبار في الوحي الإلهي بنظر صحيح فيؤمنون إيماناً بلا شك، يؤمنون إيماناً بلا تردي، لا يقدمون على كلام الله وعلى كلام رسوله أي شيء، لا آرائهم هم، لا يقدمون آرائهم ولا يقدمون علوم علم الكلام ولا علم الفلسفة ولا الحضارات، لا يقدمون على كلام الله وخبر رسوله صلى الله عليه وسلم لا يقدمون عليهما شيئاً، ولا الحاد، لا يحرفون كلام الله وكلام رسوله الخبر الوارد في كلام الله وكلام رسوله يؤمنون به بلا الحاد، لا يحرفونه وهم لا يستكبرون.

الصفة الثالثة من صفات أهل الإيمان الحقيقي بالوحي الإلهي؛ أنهم آمنوا به إيماناً حقيقياً، أنهم لا يستكبرون عما ورد فيه من طلب فيمتثلдут ذلك الطلب دون استكبار. كيف؟ هذا الطلب يفهمونه فهماً صحيحاً، هذا الطلب ينظرون إليه نظراً صحيحاً أن هذا الطلب هذه الأوامر وهذه النواهي جاءت لتحقيق مصالح الناس واسعادهم في الدنيا وفي الآخرة، وأنها موافقة للعقول السليمة والفطر المستقيمة، ثم يمتثلون هذا الطلب بلا شرك، يمتثلون هذا الطلب بالاعتراض، يمتثلون هذا الطلب بالابتداع، هؤلاء أهل الإيمان الحقيقي وهم لا يستكبرون.

تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً؛ أهل الإيمان الحقيقي هم عباد لله وهم لا يمكن أن يتصوروا في يوم من الأيام أن يخرجوا عن العبودية لله، وكلما زاد علمهم بالله زادت عبوديتهم وخضوعهم لله سبحانه وتعالى، ويععبدون الله على الأصول الثلاثة حبا فيه جل جلاله، خوفا من عذابه، طمعا في ثوابه. تتجافى جنوبهم لأنهم يحبون الله فيؤثر ما يحبه الله على ما تحبه انفسهم، فمن محبتهم لله يتركون الفرش الوثيرة ويقومون عابدين لله بالحب والخوف والرجاء.

الصفة الخامسة من صفاتهم: ومما رزقناهم ينفقون؛ هم مع أنهم اهل قيام لليل، هم في النهار أهل عمل واكتساب وعمارة للأرض وفق ما شرعه الله سبحانه وتعالى، يعمرون هذه الأرض، ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]، فهم يعملون ويدبون ويكتسبون حتى صار لهم مال ينفقون منه، فقد جمعوا بين قيام الليل وبين العمل والكدح في هذه الدنيا، ولذلك صار عندهم مال ينفقون منه، هم يجمعون بين الدنيا والآخرة، هم يجمعون بين الروح والبدن، لذلك كانوا هم أهل الإيمان الحقيقي. هؤلاء أهل الإيمان الحقيقي ماذا لهم في الدنيا وماذا لهم في الآخرة؟ لهم سعادة الدنيا ولهم سعادة الآخرة، أسأل الله سبحانه وتعالى باسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلني وإياكم من أهل الإيمان الحقيقي.

من أعظم ما يتعلمه الإنسان في العقيدة الإسلامية، من أعظم ما يتعلمه الإنسان أن يعرف ربه باسمائه وصفاته؛ معرفة الله جل جلاله هي أعظم العلوم على الإطلاق، فشرف العلم بشرف المعلوم.

للأسف الشديد أيها الأحبة في الله؛ أهل البدع من المتكلمين والفلاسفه والمجسمة والممثلة، هؤلاء شوهوا الحديث في باب الأسماء والصفات، جعلوا الكلام في باب الأسماء والصفات أموراً فلسفية لا أثر لها على قلب الإنسان ولا على سلوك الإنسان.

بخلاف ما علمنا إياه ربنا جل جلاله في الكتاب، وعلمنا إياه رسولنا صلى الله عليه وسلم في السنة؛ أن باب الأسماء والصفات من أعظم ما يزيد إيمان الإنسان، من أعظم ما يعرف الإنسان بربه جل جلاله، من أعظم ما يؤثر على قلب الإنسان، من أعظم ما يؤثر على سلوك الإنسان، من أعظم ما يسهل للانسان الالتزام بشريعه الله والاستقامه على دين الله. باب الأسماء والصفات هو أساس هذا الدين أيها الأحبة في الله.

الذي يعرف ربه جل جلاله أن الله سبحانه وتعالى مطلع، أن الله عالم الغيب والشهادة، أن الله علام الغيوب، الذي يعلم ويعرف أن ربه يسمع كلامه، يبصر أفعاله، مطلع على خلجات قلبه، ما أثر هذه المعرفة على الإنسان؟ لا شك أنها معرفة عظيمة مؤثرة تأثيراً عظيماً على الإنسان.

إذا كنا أيها الأحبة في الله نؤمن أن الله يعلم سقوط الورقة من على الشجرة وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، إذا كنا نؤمن أن الله مطلع على حركات الدواب السارحة، عندما تاخذ النملة حبة السكر من مكان وتضعه في مكان لا تفعل ذلك إلا والله مطلع عليها، وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويععلم مستقرها ومستودعها، وهذه الدواب السارحة وهذه الأوراق الساقطة ليست مكلفه؛ فكيف بعلم الله سبحانه وتعالى بالمكلف؟ ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الشعراء: 217-220].

بالله عليكم؛ ما أثر هذه المعرفة على الإنسان عندما يقوم يصلي ويعلم أنه عندما يصلي الله جل جلاله عليم به، الله سبحانه وتعالى يسمع كلامه، الله سبحانه وتعالى مطلع على أفعاله؟ ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [آل عمران: 29]. ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: 10]، كله في علم الله سبحانه وتعالى.

سواء عندما تاخذ المصحف وتقرأ في كتاب الله؛ الله سبحانه وتعالى مطلع عليك، أي عمل تقوم به عندما تستشعر أن الله سبحانه وتعالى مطلع عليك، ما أثر هذا الاطلاع عليك؟ أنك ستندفع إلى فعل الخيرات وإلى ترك المعاصي والمنكرات، ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [البقرة: 110]. الذي يؤمن أن الله بصير بعمله؛ يقيم الصلاة، يؤتي الزكاة، يقدم لنفسه انواع الخيرات.

لكن إذا غاب هذا المعنى لأسماء الله وصفاته عن الإنسان ماذا يصنع؟ يقع في انواع الذنوب والمعاصي؛ لأنه غاب عن ذهنه أن الله سبحانه وتعالى مطلع عليه، ما وقع أهل المعاصي فيما هم فيه من معاصي إلا بسبب غفلتهم عن رقابة الله جل جلاله، قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28]. وقال الله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: 61].

أيها الأحبة في الله؛ لا شك أن الانسان كلما تعلم معاني اسماء الله وصفاته وعرف ربه جل جلاله كلما زادت تقواه لله. بالله عليكم؛ الذي يعلم أن ربه رحمن رحيم، وأن ربه جل جلاله موصوف بصفة الرحمه، وأنه مهما وقع في أنواع الذنوب والمعاصي فانه إذا عاد إلى الله غفر الله عز وجل له ذنبه؟

ما أعظم ذنب عصي الله عز وجل به؟ اعظم الذنوب على الإطلاق الشرك بالله، ولذلك من لقي الله مشركا فقد حرم الله عليه الجنة، ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ [المائدة: 72]. لكن الله جل جلاله لأنه موصوف بصفة الرحمة؛ هؤلاء الذين أشركوا بالله، هؤلاء الذين نسبوا لله الولد، هؤلاء الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة، قال الله عز وجل لهم: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة: 74]، لو تابوا إلى الله جل جلاله من هذه الشركيات لتاب الله عز وجل عليهم؛ لأنه جل جلاله موصوف بصفة الرحمة.

ما رايكم أيها الأحبة في الله في النفاق؟ نفاق الاعتقاد؛ أن يظهر الإنسان الإيمان ويبطن الكفر عياذا بالله، جريمة شنيعة، ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا﴾ [النساء: 145]. لكن لأن الله سبحانه وتعالى الرحمن الرحيم قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 146]، ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ [النساء: 147]. هذا ربنا سبحانه وتعالى مهما كان الذنب، مهما كانت المعصية، لو كانت المعصية أنك تقتل أولياء الله جل جلاله الذين يحبهم الله، جريمة شنيعة، قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود، إذ هم عليها قعود وهم على ما يفعلون بالمؤمنين شهود، وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد الذي له ملك السماوات والأرض والله على كل شيء شهيد.

قال الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لم يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج: 10]، يعني لو تابوا لتاب الله عز وجل عليهم، ولا لهم عذاب جهنم ولا لهم عذاب الحريق مع أن جريمتهم جريمة شنعاء.

مهما كانت ذنوب الإنسان، لو كان ذنوبه قتل نفس بغير حق، لو كان ذنوبه والعياذ بالله ارتكاب هتك الأعراض الزنا عياذا بالله، ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾ [الفرقان: 68-69]، ماذا قال الله عز وجل؟ قال: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: 70]. من علم أن ربه جل جلاله رحمن رحيم متصف بصفة الرحمة؛ لا يمكن أن ييأس ويقنط من رحمة الله سبحانه وتعالى مهما كانت ذنوبه ومعاصيه. ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: 53-54]. الذي يتعلم اسماء الله عز وجل وصفاته يعرف كيف ينال رحمة الله جل جلاله.

الذي يعلم ويعرف أن ربه جل جلاله هو الخلاق الخالق سبحانه وتعالى، الذي يعرف أن ربه هو القدير، أن ربه سبحانه وتعالى هو الحكيم، أن ربه هو اللطيف، أن ربه هو الخبير، أن ربه سبحانه وتعالى هو السميع البصير؛ ما أثر هذه المعرفة على نفسه أيها الأحبة في الله؟

باب الأسماء والصفات من أعظم الأبواب في العقيدة التي ينبغي للمؤمن أن يهتم بها وأن يتعلمها من خلال كتاب الله وسنة رسوله.

اقرأ، أنها أول كلمة نزلت من القرآن الكريم على قلب النبي الأمين صلى الله عليه وسلم. إن الأمم القارئة هي الأمم القائدة، لأن القراءة والمعرفة تطرد الجهل والتخلف والخرافة، وقد بلغ حب العلماء للقراءة مبلغاً عظيماً. قيل لأحدهم عند موته: ما تشتهي؟ قال: النظرة في حواشي الكتب. وقد أظهرت بعض الدراسات أن حوالي سبعين بالمئة من معلومات الإنسان يحصل عليها عن طريق القراءة، ويتعلم الباقي بالاستماع والتجربة وغير ذلك. لكي تكون قراءتك واعية، فابدأ بالمرحلة التأسيسية، حيث تنتقي كتب أهل السنة التي تضمن بها سلامة العقيدة، وإذا قابلتك مصطلحات غامضة فاسأل عنها العلماء.

ولدفْع النفور من القراءة، ابدأ بالكتب السهلة قبل الصعبة، وبالمختصر قبل المطولات. ولدفع الملل، استرح وأرح عينيك وتحرك بين الحين والآخر، ويمكن إذا مللت من كتاب أن تقرأ في غيره. ولدفع شرود الذهن، عليك بالصبر والمجاهدة والبعد عن المؤثرات الخارجية، واستخدم الترقيم والتلوين لتمييز العبارات المهمة، واكتب الحواشي والتعليقات ولخص الكتاب واستفد بما تقرا، لتكون ممن قال الله فيهم: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 17-18].

حياكم الله أيها الأحبة في الله. توحيد الأسماء والصفات، هل هو من باب الخبر ولا من باب الطلب؟ لا شك أنه يعني من باب الخبر، المطلوب منا الإيمان به، لكنه بالأساص خبري يدور بين النفي والإثبات. لاحظوا معي مثلاً: قل هو الله، هذا طلب. قل هو الله أحد، هنا يأتي الأخبار التي أمرنا أن نؤمن بها: قل هو الله هو الله أحد، هذا خبر. الله الصمد، خبر مثبت. لم يلد ولم يولد، اخبار منفية. ولم يكن له كفواً أحد، اخبار منفية. إذاً لاحظوا، خبر يدور بين النفي والإثبات: الله لا إله إلا هو الحي القيوم.

الله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم. الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر. أخبار الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم، له ما في السماوات وما في الأرض، من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء، وسع كرسيه السماوات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم. هذا كله خبر يدور بين النفي والإثبات. فتوحيد الأسماء والصفات هو من باب الخبر الدائر بين النفي والإثبات، وخبر الله أخبار منفية وأخبار مثبتة، وهذه الاخبار موجودة في الكتاب وفي السنة.

ما هو الواجب علينا في توحيد الأسماء والصفات؟ أن نؤمن بكل ما أخبرنا الله عز وجل به في كتابه أو سنة نبيه صلى الله عليه وسلم نفياً أو إثباتاً، نؤمن به من غير إلحاد في ذلك. وتوحيد، كلمة توحيد: يعني نعتقد أن هذه الأسماء وهذه الصفات التي آمنا بها وهي واردة في الكتاب والسنة، أن الله عز وجل لا مثيل له فيها، لا هو جل جلاله يماثل شيئاً من مخلوقاته في اسمائه وصفاته، ولا هناك شيء من مخلوقاته جل جلاله يماثله في شيء من اسمائه وصفاته. هذا توحيد الأسماء والصفات: أن الله هو الواحد جل جلاله في اسمائه وصفاته لا مثيل له فيها ولا نظير.

نؤمن بما ورد في الكتاب والسنة نفياً أو إثباتاً بما ورد في الكتاب والسنة لله عز وجل من الأسماء والصفات نفياً وإثباتاً، نؤمن بذلك من غير إلحاد في ذلك، ونؤمن به ونعتقد أن الله جل جلاله واحد في اسمائه وفي صفاته لا مثيل له فيها ولا نظير. هذا يسمى تعريف توحيد الأسماء والصفات.

ما طريقة أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات؟ طريقتهم هي طريقة القرآن، مأخوذة من كتاب الله ومن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم. ماذا قال الله عز وجل معلما إيانا كيف نسلك السلوك الصحيح في باب الأسماء والصفات؟ قال الله عز وجل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]. هذه الطريقة: ليس كمثله شيء جل جلاله، لا في ذاته ولا في اسمائه ولا في صفاته، وهو السميع البصير؛ أثبت لنفسه أسماء وصفات وهو سميع، بصير، عليم، قدير، حكيم، أثبت لنفسه ذلك ونفى نزه نفسه عن مماثله المخلوقات.

فمنهج أهل السنة والجماعة معتمد على تنزيه الله جل جلاله عن المماثلة، لكن التنزيه هنا لله عن مماثلة المخلوقات لا يدفعنا إلى تعطيل الوارد وهو السميع البصير. فمنهج طريقتنا في باب الأسماء والصفات: تنزيه الله عن المماثلة مع إثبات الوارد وهو السميع البصير. ثم عندما نقول عن الله جل جلاله إنه سميع، بصير، عليم، قدير، له وجه وله يد، نثبت له الصفات الوارده في الكتاب والسنة.

عندما نثبت ذلك، نقول: الله عز وجل له وجه وله عينان وله يد، وله... انتبهوا، دائماً نحن عندما نصف الله سبحانه وتعالى بما ورد في الكتاب والسنة، لا ننسى: ليس كمثله شيء. فمنهج إثبات، إثبات ما ورد في الكتاب والسنة ولا نخترع شيئاً من عقولنا آرائنا، نثبت لله ما أثبته لنفسه في الكتاب والسنة من الأسماء والصفات مع استحضار: ليس كمثله شيء، فنثبت ما ورد من غير تمثيل.

هذه الطريقة أيها الأحبة في الله فيها شفاء للقلوب، هذه الطريقة أيها الأحبة فيها تعرف لله جل جلاله، تعرف على الله سبحانه وتعالى دون أن يقع الإنسان في أي محذور، دون أن يقع في نفسه شيء من الشبهات، لماذا؟ لأنك خلاص أنت مستحضر تعرف أن ربك سبحانه وتعالى سميع، بصير، عليم، قدير، حكيم، خبير، لطيف، تعرف هذا وأنت مستحضر أنه ليس كمثله شيء، في سمعه، في بصره، في علمه، في قدرته، في حكمته، أن هذه الصفات تليق بذات الله جل جلاله، فلما كانت ذات الله لا يماثلها شيء من الذوات، فكذلك أسماؤه وصفاته جل جلاله لا يمكن أن يكون لها مثيل في أسماء وصفات المخلوقين.

هذا عندنا راحة، راحة نفسية عندما تعلم أن الله عز وجل له وجه، أن الله عز وجل استوى على عرشه، ما يقع في الذهن؟ لماذا ضل بعض الناس في باب الأسماء والصفات؟ ضل لأنه عندما يسمع أن الله مثلاً قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: 54]، مباشره يقع في نفسه أنه استواء على العرش كاستواء المخلوق على الكرسي عياذاً بالله، لذلك يقع في نفسه الخلل والاضطراب ولا يرتاح ولا يشعر براحة نفسية ولا يشعر بطمأنينة قلبية ولا يشعر بمعرفه بالله ولا يشعر يعني هيبه لله، لا، لماذا؟ لأن قلبه قد تقذ بشبهة التمثيل، لذلك يضطرب عندما يسمع مثل هذه الآيات، وهي آيات ثابتة في الكتاب والسنة، لكن الذي قلبه مليء بـ: ليس كمثله شيء، عندما يسمع: ثم استوى على العرش، استواء يليق بجلال الله، لذلك ما يقع في ذهنه أي التباس.

وهذا منهجنا يا إخوان، نحن نثبت الوارد بلا تمثيل، وننزه الله سبحانه وتعالى عن المماثلة بلا تعطيل، هذه طريقة أهل السنة والجماعة. هذه الصفات الثبوتية لله جل جلاله أهل السنة والجماعة يفصلون فيها، لأن القرآن والسنة فصلت فيها، ما معنى التفصيل فيها؟ تعدادها، الله عز وجل سميع بصير عليم قدير، كما فصل الله سبحانه وتعالى عن نفسه السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر، وهكذا. كلما علمنا صفة من صفات الله، كلما علمنا اسم من اسماء الله، كلما زادت كمالات الله جل جلاله، كلما عرفنا الله سبحانه وتعالى، هذا التعداد هذا التفصيل في المدائح هذه فيها زياده كمالات الممدوح، ولذلك منهج اهل السنة والجماعات تفصيل في الإثبات، تفصيل الإثبات، والله عز وجل المثل الأعلى، عندما أقول عن شخص إنه كريم، إنه ذكي، إنه خلوق، كلما أزيد في ذكر صفات ثبوتية كلما زدت في مدحه.

أما في النفي، فأهل السنة والجماعة لا يفصلون في النفي، لأن النفي ليس بشيء، ليس فيه مدح، ولذلك لا يفصلون في النفي، فعندما تأتي لشخص مثلاً تقول عنه إنه ليس لا يغش، إنه لا يكذب، هذا التفصيل في النفي يعني ليس بشيء إلا إذا قلت مثلاً: لا يكذب لصدقه، صار هنا مدح، لذلك التفصيل في النفي ليس من منهج أهل السنة والجماعة، إنما من منهج أهل السنة والجماعة أنهم يأتون لجميع المعايب وينفونها جملة واحدة، فيقول الله عز وجل: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 4]، ليس له جل جلاله، ليس كمثله شيء، فهم في النفي يجملون في النفي ولا يفصلون إلا لأسباب، هذه الأسباب في التفصيل في النفي سنتحدث عنها في المحاضرة القادمة بمشيئة الله.

نكتفي بهذا القدر: طريقة أهل السنة والجماعة إثبات الوارد بلا تمثيل، وتنزيه الله عن المماثلة بلا تعطيل. وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلني وإياكم من أهل السنة والجماعة الذين يسيرون على طريقتهم في جميع أبواب العقيدة وأبواب الشريعة. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيراً.