تسجيل الدخول

المحاضرة 10 - منهج أهل السنة في الأسماء والصفات

أبو زيد مكي القبيد. أبو زيد مكي القبي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا، ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين.

أيها الأحبة في الله، تذكرون الحديث الذي أخرجه النسائي بسند صحيح؛ عندما خرج النبي صلى الله عليه وسلم ومعه أبو هريرة رضي الله تعالى عنه، فسمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1-4]. قال صلى الله عليه وسلم: «وجبت». قال أبو هريرة: ما وجبت يا رسول الله؟ قال: «الجنة».

شيء عجيب! الجنة وجبت لمن قرأ سورة الإخلاص، طبعا قرأها عالماً بمعناها، ملتزماً العمل بمقتضاها، وجبت له الجنة. طيب، ماذا في سورة الإخلاص؟ لاحظوا، سورة الإخلاص تعريف بالله جل جلاله، باب الأسماء والصفات؛ أن الله عز وجل أحد، أحد في ربوبيته، أحد في اسمائه وصفاته، أحد في ألوهيته. لما كان الله عز وجل أحد في هذه الأمور، منفرد بالخلق والملك والتدبير، كان هو الصمد جل جلاله الذي يجب أن يفرد بالعبادة وحده لا شريك له، ويعود الإنسان إليه في حوائجه، وهو جل جلاله يقضي للخلائق حوائجها، فكان هو المعبود وحده.

هذا الإله المنفرد بالخلق والملك والتدبير، هذا الإله المستحق للعبادة وحده، ما صفاته؟ لم يلد، ليس له أولاد جل جلاله لكمال غناه عن الولد، فهو الآخر الذي ليس بعده شيء. لم يولد، لكمال غناه عن الوالد، فهو الأول الذي ليس قبله شيء. هذا الإله جل جلاله لم يكن له كفواً أحد، ليس له مكافئ لا من البشر، ولا من الشجر، ولا من الحجر، ولا من السماء، ولا من الأرض؛ ليس له كفؤ جل جلاله، ليس له مكافئ ولا ند ولا نظير. من اعتقد هذه العقيدة وعمل بمقتضاها وجبت له الجنة.

باب الأسماء والصفات أيها الأحبة في الله، من ضمن الابواب في هذه المحاضرة، المحاضرة العاشرة في مادة العقيدة المستوى الثاني، سنتحدث ونكمل الحديث عن طريقة أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات. قلنا في المحاضرة التاسعة إن طريقتهم في باب الأسماء والصفات مأخوذة من قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِ شَيْءٌ﴾ تنزيه، فطريق تنزيه الله عن المماثله بلا تعطيل، ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ إثبات الوارد بلا تمثيل.

فهم يثبتون الوارد بلا تمثيل، وينزهون الله عن المماثلة بلا تعطيل، هذه طريقتهم نفياً وإثباتاً. وقلنا في الإثبات منهجهم أنهم يفصلون في الإثبات؛ لأن في تفصيل الإثبات زيادة في كمالات الممدوح، وهذا منهج القرآن. ومنهجهم في النفي، وهذا الذي وقفنا عنده، أنهم لا يفصلون في النفي؛ لأن في التفصيل في النفي يعني شيئاً مما تشمئز منه النفوس، فيه شيء من تنقص هذا الممدوح عندما لا تصفه إلا بالصفات المنفيه، الصفات السلبيه فحسب، هذا فيه تنقص له.

لذلك منهج أهل السنة والجماعة لا يفصلون في النفي إلا لأسباب، والأصل في النفي هو الإجمال، يأتون النفي بجمله واحدة، وينفون عن الله. إذاً في النفي ما منهجهم؟ الإجمال في النفي. وفي الإثبات؟ التفصيل في الإثبات، ولا يفصلون في النفي إلا لأسباب. من هذه الأسباب: لرد ما ادعاه الكاذبون في حق الله؛ أن دعوا للرحمن ولداً، قال الله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً﴾ [مريم: 92]. قالوا إن الله عز وجل بعد أن خلق السماوات والأرض في ستة أيام أنه تعب فاستراح في اليوم السابع، قال الله: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: 38].

الأمر الثاني من هذه الأسباب: لدفع توهم نقص عن صفات كماله جل جلاله. مثلاً، الله عز وجل حي قيوم، قد يتوهم متوهم أن حياة الله وقيوميته جل جلاله يلحقها شيء من النعاس النوم، قال: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: 255]، لدفع توهم نقص عن صفات كماله. أمر ثالث: لكون الله سبحانه وتعالى عندما ينفى عنه العيب أو النقص، ينفى عنه ذلك مدحاً، فلا بد من إثبات كمال الضد في هذا الأمر المنفي حتى يكون هذا الأمر مدحاً.

فعندما نقول: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ لكمال قوته جل جلاله. ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ لكمال غناه جل جلاله سبحانه وتعالى. ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ لكمال حياته وقيوميته. وهكذا: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: 103] لعظمته سبحانه وتعالى، فالأبصار وإن رأته يوم القيامة لكن لا تحيط به رؤية جل جلاله، وهكذا. فالمقصود أيها الأحبة في الله أن هذا هو منهج أهل السنة والجماعة، وهذه طريقتهم في باب الأسماء والصفات.

القاعدة الأولى التي ينبغي أن نستحضرها في باب الأسماء والصفات أن باب الأسماء والصفات هو من باب الخبر، فلما كان من باب الخبر كان دائراً بين الإثبات والنفي. فنقول: القاعدة الأولى التي دائماً نتذكرها أن الله عز وجل موصوف بالإثبات والنفي، وأن كل نفي لابد أن يتضمن إثبات كمال الضد ليكون مدحاً. هذا الخبر من الله، إذا كان الكلام ثابت في الكتاب والسنه نفياً وإثباتاً، وجب علينا أن نؤمن به كما ورد، من غير شك في ذلك ومن غير تحريف له.

طيب، لو كان هذا اللفظ، لو كان هذا الأمر ما ورد لا في الكتاب ولا في السنة فماذا نصنع؟ اللفظ الثابت انتهينا منه. طيب، لفظ غير ثابت؟ هذا اللفظ الذي لا يكون ثابتاً لا في الكتاب ولا في السنة، لا نفيه ولا نثبته حتى نعرف المراد منه. فإذا كان المراد منه حق لا باطل فيه، مثلاً كقول بعض السلف عن الله عز وجل إنه بائن من خلقه، ما المراد؟ يعني لا يوجد شيء من مخلوقات الله في الله، ولا الله عز وجل في شيء من مخلوقاته، فالله عز وجل على عرشه مستوٍ استواء يليق بجلاله جل جلاله وهو بائن من خلقه.

هذه الكلمه لا محذورة فيها، حق، هل نِصفُ الله عز وجل بها؟ نقول: نخبر بها عن الله. الذي لم يرد في الكتاب ولا في السنة هو لا يكون ضمن الأسماء والصفات، لكن يجوز أن نخبر به عن الله. أما إذا كان هذا المعنى باطلاً، عياذاً بالله معنى باطل غير مقبول، معناه باطل، فهذا يجب أن ننفيه عن الله سبحانه وتعالى، أن ننفي العيب والنقص عن الله جل جلاله كما نفاه عن نفسه.

بقي إذا كان هذا المراد مجملاً فماذا نصنع به؟ يعني كان هذا المراد مجمل يحتمل حقاً وباطلاً، فما الموقف منه؟ نعم، ناخذ فاصل ثم نتحدث عن الموقف من الألفاظ المجملة بإذن الله، ونأخذ عليها بعض الأمثلة.

حياكم الله أيها الأحبة. قلنا الألفاظ في باب الأسماء والصفات إما أن تكون ألفاظاً ثابتة واردة في الكتاب والسنة، فهذه عرفنا الموقف منها؛ يجب أن نؤمن بها كما وردت نفياً أو إثباتاً، من غير إلحاد في ذلك، ونعتقد أن الله سبحانه وتعالى واحد في تلك الأسماء والصفات الثابتة له. أما إذا كانت اللفظة غير ثابتة، فننظر في معناها، إن كان معناه حق لا باطل فيه كقول بعض السلف عن الله إنه بائن من خلقه، يجوز الإخبار به عن الله.

وإذا كان هذا المعنى باطلاً، يعني يقول الإنسان عياذاً بالله لله قلب كبد كذا، هذه ألفاظ باطلة، ما يجوز الإنسان يقول نثبتها لله من غير تمثيل، لا، هذه لم ترد في الكتاب والسنة، وهذه صفات عيب ونقص، هذه تنفى عن الله ولا تذكر. أما إذا كانت اللفظة مجملة تحتمل حقاً وباطلاً، فلا ننفي الكلمه على الإطلاق؛ لأن نفينا لها على الإطلاق ننفي الحق الذي فيها، ولا نثبتها على الإطلاق؛ لأن إثباتنا لها على الإطلاق إثبات للباطل الذي فيها. فماذا نصنع؟ نستفصل عن المراد؛ المعنى الحق نثبته، والمعنى الباطل ننفيه.

ناخذ أمثلة: مثال الله سبحانه وتعالى، هل يقال الله في جهة أو ليس في جهة؟ نقول: كلمة الجهة لم ترد في الكتاب والسنة عن الله نفياً أو إثباتاً، ليست لفظة من ألفاظ الكتاب والسنة، الذي ورد في الكتاب والسنة أن الله في العلو، أن الله مستوٍ على عرشه، هذا الذي ورد. لكن هل الله في جهة أو ليس في جهة؟ ولفظ الجهة هذه تحتمل معنى حق وتحتمل معنى باطل، ليست هي معنى باطل على الإطلاق فننفى، وليست هي معنى حق بالإطلاق فنثبتها، تحتمل حقاً وباطلاً. الجهة معناها ممكن يكون شيء مخلوق، فهل الله عز وجل في جهة بمعنى الله في شيء مخلوق؟ نقول: لا، عياذاً بالله، مثل هل الله عز وجل في السماوات نفسها، هل الله عز وجل في عرشه نفسه؟ تعالى الله عز وجل عن ذلك، فالله عز وجل ليس في شيء من مخلوقاته.

فإذا كان المقصود أن الله في شيء مخلوق في جهة، معنى الجهة المقصود بها شيء مخلوق، فالله عز وجل ليس في جهة. أما إذا كان مقصود بالجهه العلو، ما ليس بموجود غير الله، انتهى العالم، انتهت المخلوقات، والله عز وجل فوق مخلوقاته بائن من مخلوقاته في علوه، نعم، ما فوق العالم الجهة، ما فوق العالم، ما فوق المخلوقات، فالله عز وجل في جهة، مثل هذا، هذا طريقتنا مع هذه الألفاظ.

مثلاً، هل الله عز وجل متحيز في حيز؟ ماذا تقصد؟ تحوزه المخلوقات مثل الجهة؟ لا، منحاز عن المخلوقات، متحيز أي منحاز عن مخلوقاته مباين لها، نعم، الله فوق سماواته على عرشه بائن من خلقه، منحاز عن مخلوقاته، متحيز عن مخلوقاته، بهذا المعنى مثبتة. هذه طريقه أهل السنة والجماعة في هذا الباب.

ننتقل أيها الأحبة في الله، عندما قلنا في باب الأسماء والصفات أن نؤمن بما ثبت لله من الأسماء والصفات في الكتاب والسنة، نؤمن به من غير إلحاد، نريد أن نعرف معنى الإلحاد ثم أنواع هذا الإلحاد؛ التحريف، التكييف، التمثيل، التعطيل، هذه المصطلحات نريد أن نتعرف عليها.

الإلحاد في اللغة العربية هو الميل والعدول عن الشيء، لماذا سمي اللحد لحداً؟ لأنك أنت الآن تحفر الحفرة هكذا، ثم تاتي على جانب الحفرة يمينها يسارها فتشق فيه لحد، فسمي اللحد لحداً لأنه عدول عن أصل الشيء، عن أصل الحفرة، عدول ذات اليمين ذات اليسار. فالإلحاد هو الميل والعدول عن الشيء، وفي الاصطلاح: الإلحاد اصطلاحاً هو العدول بأسماء الله وصفاته عن الحق الثابت فيها. قال الله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 180]. فنحن نؤمن بهذه الأسماء والصفات الواردة لله في الكتاب والسنة من غير إلحاد في ذلك، من غير أن نعدل عن الحق الثابت لله عز وجل في الأسماء والصفات تلك.

من أنواع الإلحاد: التحريف. التحريف في اللغة هو التغيير والإمالة والتبديل، تحرف الشيء يعني تميله تغيره تبدله، هذا معنى التحريف. وفي الاصطلاح الشرعي في الأسماء والصفات: أن يأتي الإنسان لأسماء الله عز وجل وصفاته فيغير في ألقابها أو يغير في معانيها. يغير في ألفاظها، مثل مثلاً: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5] فيقول: استوى استولى، غير في اللفظ.

مثلاً وكلمه ربه ياتي فيحرف ويقول وكلم الله موسى تكليما فياتي يقول وكلم الله موسى تكليمه فيغير في التشكيل، هذا يسمى تحريف لفظي. ولذلك يقال أقسام التحريف، التحريف ينقسم إلى قسمين: تحريف لفظي وتحريف معنوي. اللفظي: ياتي للفظ فيزيد فيها حرفاً، يغير في تشكيلها حتى يتغير المعنى، كفعل اليهود عندما قال الله عز وجل لهم: قولوا حطة، قالوا حنطة، وهكذا. هذا التحريف اللفظي.

أما التحريف المعنوي: يتركون اللفظة كما هي، لكن يغيرون في معناها، مثل ما ذكرنا: استوى، قالوا استولى، هنا تحريف للمعنى، تحريف المعنى. وهكذا آية كثيراً يعني ياتون إلى مثلاً صفة اليد يقولون النعمة، الوجه معناه البقاء، وياتون لهذه الصفات الواردة في الكتاب والسنة فيغيروا، يحرفون معانيها. قال الله عز وجل: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: 41]. الواجب أن نؤمن بهذه من غير تحريف.

ولا تعطيل. ما معنى التعطيل؟ التعطيل لغة هو الإخلاء والترك، والتعطيل في اللغة هو الإخلاء والترك، وبئر معطلة يعني خالية، جيد، معطلة خالية من الزينة. وفي الاصطلاح: إنكار الأسماء والصفات، لكنه ينقسم إلى قسمين: هناك إنكار كلي يأتي شخص فينكر أسماء الله عز وجل والصفات وصفاته بالكلية، مثل الجهمية ومن زاد عليهم في الغلو من الباطنية والفلاسفة، أو تحريف أو تعطيل جزئي.

التعطيل الجزئي لا يعطل جميع أسماء الله عز وجل وصفاته، لكن يثبت الصفات مثلا، يثبت الأسماء وينكر الصفات كفعل المعتزلة، أو يأتي إلى بعض الصفات فيثبت وينكر البعض الآخر كفعل الكلابية والأشعرية والماتريدية، هذا يسمى تعطيل جزئي، كفعل العياذ بالله من المشركين، قال وهم يكفرون بالرحمن يقول ما الرحمن؟ يعني ينكرون اسم الله عز وجل هذا الرحمن.

ومن غير تكييف. ما معنى تكييف؟ التكييف في اللغة هو تعيين كيفية الشيء، كنه الشيء، كنه الصفة، كيف هذه الصفة؟ كيف كيف اليد؟ فيصف اليد، هذا يسمى يعني تعيين كنه الصفة. واصطلاحا هو حكاية كيفية صفات الله، كقول القائل يد الله كذا وكذا.

نريد ملحوظة أن نبينها، هل لصفات الله كيفية؟ نعم لصفات الله كيفية، لكن هذه الكيفية لا نعلمها، لا نعلم كيف وجه الله، لا نعلم كيف يد الله، لا نعلم كيف استواء الله، لا نعلم كيف عزة الله، لكن نعلم معانيها، أما الكيفيات فلا نعرفها. السبب في الكيفية أننا لا نعرفها لثلاث أمور: الأمر الأول: أننا لا نعرف ذات الله والصفات تابعة للذات، فلما كانت ذات الله غيب وهذا من باب الابتلاء والاختبار، غاب الله عز وجل عنا في هذه الدنيا بذاته، ابتلاء واختبار للذين يؤمنون بالغيب، وجزاء أنك تعبد الله وانت لم تر الله جل جلاله في هذه الدنيا أن الله عز وجل يجزي هذا المؤمن أعظم نعيم يوم القيامة.

ما هو أعظم نعيم يتنعم به الإنسان يوم القيامة؟ هي لذة النظر إلى وجه الله جزاء وفاقا، لأنك عبدت الله وأنت لم تره سيجعل الله عز وجل أعظم نعيم لك يوم القيامة هو لذة النظر إلى وجهه سبحانه وتعالى.

أين أنت من العلم وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم». فهناك مقدار من العلم يجب أن يتعلمه المتخصص وغير المتخصص، فعلى كل مسلم أن يتعلم ما تصح به عقيدته وعبادته، وعلى غير المتخصص أن يبدأ بالكتب الميسرة ثم يتدرج، ففي التوحيد مثلا يبدأ بالأصول الثلاثة والواسطية ثم كتاب التوحيد ثم الطحاويه، وهكذا سائر العلوم، وليس العلماء عما يشكل عليه ويقلدهم في الفتوى لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43].

وليتواصل مع طالب علم متخصص ليشرح له ما صعب عليه فهمه، إذ لا يتيسر له التواصل مع العلماء في كل حين، ويهتم بوسائل التقنية الحديثة لتعوض انشغاله عن حضور مجالس العلم أو الالتحاق بالكليات الشرعية، ويحتاج غير المتخصص إلى علو الهمة وقوة العزيمة، فمع ضيق الوقت لن يحصل العلم إلا بالمواصلة مرارا، وليستفيد من تخصصه في إتقان العلم الشرعي، فالطبيب مثلا تسهل عليه مسائل الحمل والجراحات، والمهندس تسهل عليه الفرائض لا الرياضيات، ويسخر ذكاءه في فهم دينه وخدمته. قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: 43].

حياكم الله أيها الأحبه في الله. قلنا بالنسبة لصفات الله لها كيفية لكننا لا نعرف الكيفية. أول سبب لعدم معرفتنا بذات الله والصفات تابعة للذات فرع عن الذات، فلما كانت ذات الله غيبية كانت صفاته غيب ولا نعرف كيفيتها. الأمر الثاني: أن الله سبحانه وتعالى ليس له مثيل فنقيس عليه، يعني الإنسان ما يعرف السفرجل ثم قيل له يشبه مثلا التفاح يشبه كذا بدا يعرف، عرف أن هذه فاكهة وأن، لكن الله عز وجل ليس له مثيل فنقيس عليه.

الأمر الثالث: أنه لم يردنا الخبر الصادق الموضح لكيفية صفات الله، من هنا وجب قطع الطمع عن إدراك كيفية صفات الله، فلا ندخل في التكييف، لا ندخل في طلب معرفة الكيفية. الله عز وجل استوى على العرش، ما يأتي إنسان يقول كيف؟ كيف استواؤه؟ كيف وجهه؟ كيف يده؟ فيوقعك في الخطا أو في الحرام، انتبه لهذا. تقول كيف ذاته؟ أنا أؤمن أن لأسماء الله عز وجل وصفاته كيفيات، لكن هذه الكيفيات غيبية، فأنا أؤمن بها أفوض هذا الكيف إلى الله، يعني أرجع معنى الكيفية، أرجع كيفية صفات الله إلى الله جل جلاله وأتقرب من خلال هذه المعاني وأتعرف إلى الله عز وجل بهذه المعاني.

أعلم أن الله عز وجل سميع بصير، لكن سمع الله كيف؟ سمع الله يليق بجلاله جل جلاله لا أعرف الكيفية، لكن أعلم أن الله، إذا تكلمت أنا أسمع كلامي الآن، أعلم أن الله، كيف بصر الله؟ لا أعلم، لكن الذي أعلمه أن الله الآن يرى ما أقوم به، ما أفعله، مسكي لهذا القلم ووضعه هنا، أعلم أن الله سبحانه وتعالى يراني الآن، أعلم ذلك، كيف يراني؟ كيف بصره؟ هذا علمه عند الله، لا ندخل في الكيفيات وننتبه لهذه القضية. قال الله: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: 110]. قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36]. هذا ليس لنا به علم، وهذا نعلم أنه من باب الابتلاء والاختبار.

هل نقول هناك أشياء في ديننا مخالفة للعقل؟ هنا مخالف؟ لا، هنا نقول العقل يقول بوجوب قطع الطمع عن إدراك كيفية صفات الله، العقل يقول بهذا، وليس نحن هنا نحجر على العقل، لا، العقل يقول لا يمكن الوصول إلى معرفة كيفية صفات الله، لأن الله غاب عنا بذاته، وأن الله ليس له مثيل فيقاس عليه، وأن الله عز وجل لم يخبرنا عن طريق رسله بكيفية صفاته، فوجب قطع الطمع عن إدراك ذلك بلا تكييف ولا تمثيل.

ما معنى التمثيل؟ التمثيل أيها الأحبة في الله هو إثبات المثل للشيء، تقول هذا مثل هذا. وفي الاصطلاح: إثبات مثيل لله في ذاته أو في شيء من صفاته، مثل أن يقول قائل يد الله مثل يد المخلوق، تعالى الله عز وجل عن ذلك علوا كبيرا، أو تقول يد المخلوق مثل يد الله، هذا التمثيل ممنوع، ممنوع شرعا قال الله عز وجل: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]. وممنوع عقلا، لا يمكن العقل أن يقول، العقل نفسه ينكر أن يكون لله مثيل، لأنه لو قلنا بالمثيل لله لوقع في التناقض، مثل أن تقول يد الله مثل يد المخلوق، عقلا ممنوع هذا الأمر، لأن يد المخلوق مسبوقة بعدم ويلحقها فناء، ويد الله لم تسبق بعدم ولا يلحقها فناء.

فعندما تقول يد الله مثل يد المخلوق، يد مخلوق مسبوقة بعدم وتقول هي مثل يد الله ليست مسبوقة بعدم، فتصف اليد بأنها مسبوقة بعدم ولم تسبق بعدم، لا يمكن ذلك، هذا تناقض. أو يد الله جل جلاله لم تسبق بعدم ثم تقول هي مثل يد المخلوق يعني مسبوقة بعدم، تقع في التناقض. والمقصود أن الله عز وجل لا يمكن أن يكون له مثيل في شيء من مخلوقاته، هو خالق هذا العالم وهذا العالم كله بسماءه وأرضه وشمسه وقمره ونجومه وبشره هذه كلها مسبوقة بعدم، كل مخلوق من هذه المخلوقات قد سبق بعدم، فلا يمكن أن يكون شيء من هذه المخلوقات مثل الله عز وجل، لماذا؟ لأنه سبق بم، والله عز وجل لم يسبق بعدم، الله عز وجل هو الأول الذي ليس قبله شيء، فلا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون خالق العالم مثل شيء من آحاد هذا العالم، مثل هذا العالم أو مثل شيء من آحاده، ولا يمكن أن يكون هذا العالم أو شيء من آحاده مثل الله سبحانه وتعالى، هذا ممنوع كما هو ممنوع شرعا بقوله ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وبقوله ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65] وبقوله ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 4]. هو كذلك ممنوع عقلا.

ما الفرق بين التكييف والتمثيل؟ التمثيل فيه إثبات للكيف، فكل ممثل فقد وقع في تكييف صفات الله، لكن ليس بشرط، الذي تصور كيفية لصفات الله وقام يصفها ليس بشرط أن يكون ممثلا إلا إذا ربطها بشيء من المخلوقات، لكن إن عين كنه صفة من صفات الله هكذا تعيينا مطلقا هذا يسمى تكييف. فكل ممثل وقع في التكييف، لكن ليس كل من وقع في التكييف أن يكون بالضرورة وقع في التمثيل، قد يكون وقع في التمثيل وقد لا يكون وقع في التمثيل.

صفات الله أيها الأحبة في الله تنقسم إلى قسمين: صفات منفية وصفات مثبتة. وهذه الصفات المثبتة تنقسم إلى قسمين: صفات ذاتية مثبتة، ذاتية، وصفات فعلية. ما الفرق بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية؟ الصفات الذاتية هي التي تكون ملازمة لله سبحانه وتعالى أزلا وأبدا كصفة الوجه وصفة اليد وصفة العين، وهذه الصفات صفات تسمى صفات ذاتية.

أما الصفات الفعلية هي التي يتصف الله سبحانه وتعالى بها الوقت الذي يشاء كيف يشاء من الأقوال أو الأفعال أو الأحوال، الأقوال مثل صفة الكلام، الأفعال مثل صفة الاستواء، الأحوال مثل الغضب والرضا والنزول والمجيء، هذه تسمى صفات فعلية.

هل الصفات الفعلية التي يتصف الله سبحانه وتعالى بها هل نقول أن الله عز وجل في مرحلة من المراحل لكونه يتصف بها ولا يتصف بها؟ هل أن الله سبحانه وتعالى لم يكن موصوفا بالفعل ثم اتصف بالفعل؟ لا، الله سبحانه وتعالى فعال لما يريد، موصوف بالفعل أزلا وأبدا، لكن آحاد فعله هي التي يتصف بها كيف يشاء الوقت الذي يشاء. وكونه جل جلاله كون آحاد فعله حادثا، بمعنى يتصف الله عز وجل بها ولم يكن متصفا بها من قبل، لا يعني ذلك أن الله عز وجل حدثت له صفة لم يكن موصوفا بها من قبل، لا، الله عز وجل موصوف بصفاته أزلا وأبدا، فهو موصوف بصفة الكلام أزلا وأبدا لكنه يتكلم بما شاء الوقت الذي يشاء، وهو استوى على عرشه وهو موصوف بصفة الفعل أزلا وأبدا، رغم أن الاستواء على العرش صفة حادثة لكن صفة الفعل صفة أزلية، وهكذا فنحن نثبت هذه الأسماء والصفات سواء كانت الذاتية أو كانت الفعلية لله سبحانه وتعالى من غير تشبيه ولا تمثيل.

أريد أيها الأحبة في الله أن أذكر لكم مقدمة الآن، وإن شاء الله في الحلقة القادمة نفصل فيها، بالنسبة للصفات التي وصف الله عز وجل بها مثل السمع والبصر والعلم والقدرة، ووصف بها المخلوق قيل عن المخلوق أنه سميع بصير عليم قدير، هذا الاشتراك بين الأسماء والصفات بين أسماء الله وصفاته وبين أسماء وصفات المخلوق ما حقيقة هذا الاشتراك؟ ما حقيقة هذا التشابه؟

نقول أيها الأحبة الآن بشكل مختصر أن هذا القدر المشترك، أن هناك قدر مشترك وقدر مميز. القدر المشترك بين أسماء الله وصفاته هذا لابد من إثباته ولذلك هذا يسمى مطلق التشبيه، هذا القدر المشترك أين وجوده؟ وجوده في الذهن، مثلا السمع عندما نأخذ كلمة السمع من غير إضافة ولا تقيد ولا تخصيص، من غير أن نقول سمع الله سمع المخلوق، السمع هو إدراك المسموعات، في هذا المعنى إدراك المسموعات هنا يكون هذا هو اشتراك. فلما نقول سمع الله، إذا هذا سمع يليق بالله جل جلاله، المعنى نعلم المعنى وهو أن الله يسمع كلام الناس، لكن ومن أين عرفنا؟ من هذا المعنى الكلي، لكن إذا أضيف إلى الله فهو سمع يليق بالله، وإذا أضيف إلى المخلوق فقيل أن هذا الإنسان سمع كلام الشخص هذا، هذا سمع يليق بالمخلوق. فهناك قدر مشترك وقدر، القدر المشترك هو الذي يكون في الأذهان، وإذا أضيف أو قيد أو خصص فهذا يليق بالله وهذا يليق بالمخلوق، فلا اشتراك عند الإضافه والتقييد والتخصيص، هذه القاعدة إن شاء الله في المحاضرة القادمة ناخذها بالتفصيل. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيرا.